أكد أن سورية تحلم بإعادة إحياء دورها القديم لتبتز العرب وتبتلع لبنان

فارس سعيد لـ "السياسة": نصر الله فقد رصيده وسقطت هالته.. والاعتصام لم ينقذ إيران من العقوبات

بيروت من صبحي الدبيسي: السياسة 31/12/2006

رأى عضو قوى الرابع عشر من آذار النائب السابق فارس سعيد, أن لا مبادرة لرئيس مجلس النواب نبيه بري في الوقت الحاضر, وأن ما يحاول هو فعله فك العزلة السياسية للطائفة الشيعية من خلال الإيحاء بأن هناك مبادرات لحلول معينة, وقال ان السيد حسن نصر الله صرف رصيده من خلال الاعتصام الذي دعا إليه بعد أن تحول في 12 تموز إلى "تشي غيفارا" العالم العربي والإسلامي فهذه الهالة سقطت أمام أحداث طريق الجديدة وقصقص, وأنه لم يستطع من خلال الاعتصام الضغط على المجتمع الدولي لتخفيف العقوبات عن إيران, لافتاً إلى أن الاعتصام وصل إلى طريق مسدود ويحاول الرئيس بري فك عزلة "حزب الله" من خلال القول بأنه قادر على طرح مبادرة, لأن المبادرة بحسب رأيه يجب أن تكون سورية-إيرانية باتجاه العالم العربي أولاً وباتجاه المجتمع الدولي ثانياً.

كلام سعيد جاء في سياق حوار أجرته معه "السياسة" رأى فيه أن المعارضة المسيحية تناسبها الفوضى التي تعطي لميشال عون حظ الوصول إلى الرئاسة وتخرج سليمان فرنجية من عزلته بعد خروجه من النيابة والوزارة, وهما الغطاء المسيحي للمعارضة لكي لا تبقى شيعية علماً أن ضابط الإيقاع هو "حزب الله"..

سعيد قال أن "حزب الله" استخدم كل السلاح مع استنفار العصبية الشيعية, لكنه وصل إلى حائط مسدود, مذكراً بما أصاب حزب الكتائب في العام 1980 الذي شكل 30 في المئة من الموارنة مختزلة بشكل كامل في جيب بشير الجميل الذي طالب العالم بدعمه للوصول إلى رئاسة الجمهورية, مقابل إبرامه اتفاق سلام منفرد مع إسرائيل وبعد وصوله إلى الرئاسة لم يطبق المقايضة الموعودة فقتل, ودخل حزب الكتائب في أزمة داخلية وانتفاضات مضادة, لأن كل حزب وكل تيار سياسي وكل مغامرة مجنونة وغير محسومة باتجاه وعود مع خارج ما وغير قادر على تنفيذها سينعكس الأمر داخل حزبه وطائفته, متوقعاً خروج "حزب الله" من المحور الإيراني السوري بخسائر كبيرة كما خرج بشير الجميل بخسائر كبيرة, لأن تجربة الطائفة الشيعية اليوم تشبه الطائفة المارونية في الثمانينات. وكل مرة يتم استخدام "حزب الله" من قبل الجانب الإيراني لإحداث فوضى في لبنان للتأثير على السلوك الدولي كل ما يسرع "حزب الله" في تدويل لبنان, وإذا ارتكب السوريون حماقة التفجير الأمني يفسحون في المجال أيضاً لتدويل لبنان ووضعه تحت خانة البند السابع في مجلس الأمن.

سعيد أكد أن قوى الرابع عشر من آذار غير مستعدة للتنازل عن مبدأ سيادة واستقلال لبنان, رافضاً أن يستخدم اللبنانيون وقوداً بين المحور الإيراني والمجتمع الدولي, متهماً بشار الأسد بتدمير وبتشريد مجموعة واسعة من اللبنانيين لأن السلوك الأحمق بدأ مع التمديد لأميل لحود في العام 2004 وما رافقه من جرائم اغتيال من رفيق الحريري وصولاً إلى بيار الجميل.

د. سعيد اعتبر أن الاعتصام ورشة مقفلة في وسط بيروت والحياة تستمر من دونه, وأن الرئيس أميل لحود سقط بالضربة القاضية عندما قبل استخدامه من قبل النظام السوري ورقة لتسوية سورية مع الولايات المتحدة, لافتاً إلى أن الرئيس حافظ الأسد كان يحسن سياسة الحفة, أما بشار فيدعي بأنه يعطي دروساً للملوك والرؤوساء العرب بعد أن وصفهم بأنصاف الرجال, وأن سورية تحلم بإعادة إحياء حلمها القديم لتبتز العرب وتبتلع لبنان, وأن الرئيس السوري لم يعرف كيف يتكيف مع زلزال انهيار صدام حسين وأنه يريد أن يبرم تسوية مع الولايات المتحدة للاستقواء علينا..

وفي موضوع رئاسة الجمهورية رأى سعيد إذا كانت التسوية سريعة ومتسارعة سيأتي رئيس الجمهورية من خارج 14 آذار وإذا كانت التسوية غير متسارعة وغير سريعة لن يأتي رئيس الجمهورية إلا من 14 آذار, معتبراً أن مجيء الرئيس من خارج 14 آذار لن يكون خسارة على الموارنة فقط بل على خسارة لكل اللبنانيين.

وفي ما يلي نص الحوار:

بعد تزايد الكلام حول مبادرة قد يطلقها الرئيس نبيه بري بعد الأعياد, فإن تصريحاته ومواقفه السياسية لا تعكس ذلك, ما هي معلوماتك حول هذا الموضوع, وهل تتوقع مبادرة ما لرئيس المجلس?

أعتقد أنه لا وجود لمبادرة خاصة برئيس مجلس النواب في الوقت الحاضر, باتجاه فك الاحتقان السياسي الموجود, واعتبر بأن السيد حسن نصر الله صرف رصيده من خلال هذا الاعتصام الذي دعا إليه, بعد أن كان تحول في حرب تموز إلى "تشي غيفارا" العالم العربي والإسلامي في صموده أمام إسرائيل, لقد سقطت منه هذه الهالة أمام أحداث طريق الجديدة وقصقص في بيروت, عندما استنفرت القوى الإسلامية الواحدة مقابل الأخرى وفقد مصداقيته في العالم العربي خاصة وأنه برز أكثر فأكثر بأنه يعمل على وقع أجندة إيرانية وليست عربية, وبالتالي هذا العمل في الأجندة الإيرانية يأتي في لحظة تحاول العواصم العربية إعادة استنهاض هوية سياسية عربية خاصة بها تتلاقى مع الولايات المتحدة من خلال مصالحة المجتمع العربي مع المجتمع الدولي وتواجه الولايات المتحدة وتنتقد الولايات المتحدة من خلال تصرفها في موضوع فلسطين. وبالتالي هذه الهوية العربية التي برزت أكثر وأكثر حتى في حرب 12 تموز والتي وصفت ما قام به "حزب الله" في 12 تموز بأنه مغامرة غير محسوبة.

هذه الهوية العربية وهذا الاحتقان العربي الذي لا يتخلى عن قضية فلسطين التي هي القضية الأم, ولكن يعتبر أن حل هذه المشكلة يجب أن يكون بمصالحة العرب مع المجتمع الدولي وليس بمواجهة العالم العربي مع المجتمع الدولي يتناقض مع نظرة حسن نصر الله و"حماس" والنظام السوري والقيادة السياسية الإيرانية التي تعتبر بأن مواجهة الولايات المتحدة في العالم العربي واستمرار الحرب العسكرية والأمنية ضد العدو الإسرائيلي كفيل باسترجاع الحقوق العربية.

أنا أعتقد بأن الاعتصام في بيروت وصل إلى نقطة اللاعودة السياسية, بمعنى أن هدف الاعتصام لم يحقق أي مكسب من المكاسب السياسية التي كان طرحها لنفسه مع بدايته, ويحاول الرئيس نبيه بري فك عزلة الطائفة الشيعية من خلال الإيحاء بأن هناك مبادرات لحلول معينة وبأن هناك نوعاً من التمايز بين الموقف الإيراني والموقف السوري حيال المحكمة الدولية. وكأن إيران لا تريد بعد أن فرضت عليها العقوبات بموجب القرار 1737 بحيث أتت هذه العقوبات في نشوة الاعتصام الذي دعا إليه "حزب الله" في بيروت. بمعنى آخر أنه لم يستطع حسن نصر الله والاعتصام في بيروت الضغط على المجتمع الدولي لتخفيف العقوبات على إيران لا بل بالعكس فإن هذا الاعتصام في بيروت كان من العوامل العربية والإسلامية التي سرعت وتيرة العقوبات على إيران.

أنا لا أعتقد أن هناك مبادرة يستطيع أحد من القيادات اللبنانية أن يطرحها. المبادرة إما أن تكون إيرانية-سورية باتجاه العالم العربي أولاً ومن ثم الاتجاه باتجاه المجتمع الدولي, أو لا تكون.

ما حقيقة أن "حزب الله" وحركة "أمل" امتعضا من المواقف التصعيدية لبعض قادة المعارضة وخاصة العماد عون والوزير السابق سليمان فرنجية الذي لوح بالتصعيد بعد انقضاء فترة الأعياد, هل تتوقع ميلاً نحو التصعيد وهل سيكون بقطع طريق المطار وتطويق المرفأ كما يدعون?

أعتقد أن الفريق المعارض تناسبه الفوضى, لأن الفوضى تعطي لميشال عون حظ الوصول إلى رئاسة الجمهورية, أما التسوية السياسية بين أطراف النزاع في لبنان أي بين 14 و8 آذار تبعد عن عون عن الرئاسة الأولى, ولذلك ينادي "الجنرال" بالتصعيد... سليمان فرنجية الذي خرج من الندوة النيابية ومن مجلس الوزراء وخرج من طاولة الحوار تناسبه أيضاً وتيرة التصعيد, هذا التصعيد يعطي لهذه الشخصية السياسية في لبنان قيمة وأي تسوية تبعد سليمان فرنجية عن المسرح السياسي.

لا شك في أن تصاريح الشخصيات المسيحية في داخل المعارضة تذهب باتجاه التصعيد. أما البوصلة يجب ألا تضيع لأن قائد ومنظم ومنظر قوى المعارضة الذي يعطي التعليمات هو "حزب الله". أما سليمان فرنجية وميشال عون فهما الغطاء المسيحي حتى لا يقال هذه المعارضة بأنها معارضة شيعية وبالتالي فإن الاهتمام من قبل "حزب الله" ب"سليمان فرنجية" و"ميشال عون" ليس اهتماماً, نظراً لقيمة هؤلاء الأشخاص في الحياة السياسية اللبنانية, هو اهتمام حتى تعطي هذه المعارضة لوناً وطنياً لنفسها كما كان اهتمامهم بالداعية فتحي يكن, عندما طلب من داعية سنية الصلاة بالشيعة في رياض الصلح للإيحاء بأن هذه المعارضة هي معارضة وطنية, وليست معارضة من لون واحد. ولكن ضابط الإيقاع هو حسن نصر الله. ضابط الإيقاع هو "حزب الله" والباقون يتمايزون بتصريحاتهم لا يقدمون ولا يؤخرون.

برأيك ماذا بقي من الأسلحة التي لم يستخدمها "حزب الله" في وجه الأكثرية?

"حزب الله" وصل إلى استخدام كل السلاح. لقد اكتسب شرعية عربية-إسلامية من خلال صموده في حرب 12 تموز, لكنه صرفها في استنفار العصبية الشيعية في مقابل العصبيات الأخرى, وأعتقد بأنه وصل إلى حائط مسدود وليست المرة الأولى التي يحصل ذلك. فإنني هنا أذكر جميع العرب, جميع المواطنين بأن حزب الكتائب في العام 1980 وصل إلى مئة وعشرة آلاف بطاقة كتائبية بداخل الطائفة المارونية, وإذا حسبنا أن هذه الطائفة كانت تعد مليون نسمة فإن مئة وعشرة آلاف بطاقة يمثلون 11 في المئة من هذه الطائفة. بشير حمل هؤلاء وذهب بهم إلى الولايات المتحدة وقال: إذا كانت مصر أكبر دولة عربية وإسلامية قادرة على إبرام سلام منفرد مع إسرائيل, فأنا قادر من موقعي اللبناني أن أساهم في إبرام سلام منفرد مع إسرائيل إذا ساعدتموني بالوصول إلى رئاسة الجمهورية أكون جاهزاً لتوقيع سلام منفرد مع إسرائيل, تماماً مثلما بدأتم به في "كامب دايفيد".

دخل الجيش الإسرائيلي في العام 1982 ووصل إلى بيروت, ووصل بشير الجميل إلى سدة رئاسة الجمهورية, ولم يطبق المقايضة الموعودة, نظراً للتعقيدات الداخلية والعربية ولم يتمكن من إبرام سلام مع إسرائيل بعد زيارته المملكة العربية السعودية. قتل بشير الجميل ودخل حزب الكتائب بتفجير داخلي وانتفاضة وانتفاضات مضادة استمرت حتى العام 1990 كل حزب, كل تيار سياسي, كل شخصية سياسية تعد من خلال وجوده بمحور خارجي ما لم تستطع أن تنفذه أو تلبيه. عندما يقول نعيم قاسم يهزم أميركا في بيروت, هل نعيم قاسم ابن الطائفة الشيعية الكريمة في لبنان حتى إذا كان عضواً في "حزب الله" قادر على أن يسبب الموت لأميركا.. كل حزب.. كل تيار سياسي, كل مغامرة مجنونة وغير محسوبة يقوم بها طرف من أطراف النزاع اللبنانيين باتجاه وعود مع خارج ما, غير قادر على تنفيذ هذه الوعود سينعكس هذا الموضوع إلى داخل حزبه وطائفته ولم يقتصر الثمن المدفوع فقط عليه, هذا الثمن سيدفعه كل اللبنانيين, لأن أزمة الشيعة اليوم, هي أزمة كل اللبنانيين كما كانت أزمة الموارنة بالأمس أزمة كل اللبنانيين..

هل تتوقع تصدعاً في هيكلية "حزب الله" بعد هذه المغامرة?

مئة بالمئة لأن الطوائف في لبنان والمواطنين اللبنانيين بشكل عام يغلبون حسهم بالبقاء على التزامهم بمحاور مسدودة الأفق. لقد تم استخدام "حزب الله" من قبل المحور الإيراني حتى يكون لإيران نافذة على المتوسط, ولتتمكن من التأثير في طبيعة الصراع العربي-الإسرائيلي من أجل تحسين مفاوضاتها مع الولايات المتحدة حول شأن وموقع إيران في العالم الإسلامي وفي آسيا. هذا الاستخدام قابل أن يكون من قبل إيران كدولة ولكن عندما يأخذ على عاتقه فريق من اللبنانيين أن يكون جزءاً من هذا المحور سيخرج منه بخسائر كبيرة كما خرج بشير الجميل بخسارة كبيرة.

أنا أعتقد بأن ظاهرة "حزب الله" ليست ظاهرة فريدة في لبنان. سبق "حزب الله", حزب الكتائب في العام 1980. سبقت الطائفة الشيعية, الطائفة المارونية في السبعينات وفي الثمانينات ولم يؤدِ هذا السلوك إلى شيء. لقد أدى إلى مزيد من الإحباط وإلى مزيد من التهميش.

بعد قرار مجلس الأمن فرض عقوبات على إيران, ألا تتوقع مزيداً من الدعم الإيراني ل"حزب الله" بهدف استفزاز الولايات المتحدة والمجتمع الدولي?

كل مرة يتم استخدام "حزب الله" من قبل الجانب الإيراني لإحداث فوضى في لبنان من أجل إرباك الساحة اللبنانية للتأثير على المزاج والسلوك الدولي, كل ما يسرع "حزب الله" في تدويل لبنان. بمعنى آخر, كنا في أيام "قرنة شهوان" نطالب بانسحاب الجيش السوري تنفيذاً لنص عربي اسمه اتفاق "الطائف". رفض السوريون التنفيذ فخضعوا لنص اسمه 1559. لو طبق السوريون انسحابهم وفقاً لنص عربي, لما كانوا أفسحوا في المجال لتنفيذ ال1559 بهذه السرعة في لبنان وكانوا خرجوا من لبنان بعزة نفس وبشرف وبشكر من قبل اللبنانيين. اليوم يطالب كل اللبنانيين "حزب الله" بتسوية لبنانية لبنانية بعيداً عن أي تأثير, وإذا كان هناك من مساعدة فنحن نطالب كلبنانيين وكعرب بمساعدة من قبل الدول والعواصم العربية التي هي قادرة على احتضان لبنان وعلى التفاعل مع المجتمع اللبناني, لأننا عرب ولسنا فرساً ولا أميركيين.

عندما يرفض "حزب الله" عملية التسوية اللبنانية-اللبنانية وعندما يستمر "حزب الله" من خلال سلاحه وماله وإيديولوجيته بأن يكون مستخدماً من قوى إسلامية غير عربية على الساحة الداخلية, فهذا يعني بأنه أيضاً سيخرج من الحياة السياسية.

إذا ما استمرت قوى المعارضة بالتصعيد وتنفيذ تهديداتها, ما هي خطة قوى 14 آذار للمواجهة, هل ستستمرون بمواقفكم الديبلوماسية, أم هناك خطة مواجهة في حال حصول تصعيد من قبل المعارضين, وكيف ستكون الصورة بعد انقضاء فترة الأعياد?

إذا ارتكب السوريون حماقة التفجير الأمني مجدداً في بيروت يكون السوريون قد أفسحوا في المجال لتدويل لبنان ووضعه تحت خانة البند السابع في مجلس الأمن, وإذا توصلت العواصم العربية إلى إبرام شبه تسوية مع إيران حول موضوع إبعاد لبنان عن ساحة التجاذبات, فسيكون للبنان وللبنانيين حظ بتسوية لبنانية-لبنانية تأتي بها بسلة متكاملة كما قالها البطريرك الماروني-رئيس جمهورية-محكمة-حكومة-قانون انتخاب.

هل أنتم على استعداد للتنازل أكثر مما قدمتم لأمين عام الجامعة العربية?

نحن لن نتنازل أبداً على مبدأ سيادة واستقلال لبنان وأن يخرج لبنان من تجاذب المحاور السياسية, لا نريد أن نكون وقوداً بين المجتمع الدولي من جهة وبين المحور الإيراني-السوري من جهة أخرى. إذا أراد بشار الأسد أن يحاور المجتمع الدولي حول موضوع العراق وموضوع فلسطين وأن يأخذ في المقابل نفوذاً في لبنان, هذا أمر مرفوض جملة وتفصيلاً من قبلنا كلبنانيين, نحن نعتبر بأن نظام بشار الأسد هو النظام الذي تسبب بتدمير وبتشريد مجموعة واسعة من اللبنانيين وكانت باقة من الشهداء الأحياء والأموات من مروان حمادة وصولاً إلى بيار الجميل, مروراً بكل الشهداء في لبنان. نعتبر بأن استمرار السلوك الأحمق الذي بدأ مع التمديد لأميل لحود في العام 2004 متحدياً الرأي العام اللبناني والعربي والدولي والذي استمر في التسبب بالقتل من رفيق الحريري, وصولاً إلى بيار الجميل سيفسح في المجال لتدويل لبنان. وتدويل لبنان يعني أيضاً تدويل المنطقة وبالتالي نحن نطالب الجميع العودة إلى العقل والعقلنة وإلى تعريب لبنان وليس تدويل لبنان. نحن لا نريد أن نكون أخصاماً للولايات المتحدة وللمجتمع الدولي, ولكن نحن لنا هويتنا العربية, نريد أن نحافظ عليها خاصة وأننا كلبنانيين نشعر اليوم قبل أي وقت مضى احتضاناً عربياً فعلياً وليس وهمياً من قبل العواصم العربية للتجربة اللبنانية, وأن حضور العرب اليوم إلى بيروت وإلى الساحة اللبنانية كمرآة لمسرحهم السياسي المفقود وبالتالي ينظرون إلى الحركة السياسية اللبنانية باهتمام شديد ويعتبرون إذا نجحت التجربة العربية الديمقراطية السلمية دون اصطدامات داخلية فربما يكون هذا النموذج نموذجاً يحتذى في كل العالم العربي..

في كل الاتصالات التي جرت مع عمرو موسى لم يتطرق الحديث عن فك الاعتصام أو تحديد مهلة زمنية لإنهائه, هل سيستمر الوضع على ما هو عليه?

أعتقد بأن اللبنانيين يعتبرون الاعتصام أنه ورشة مقفلة في وسط بيروت والحياة تستمر, يعني لا نأخذ بعين الاعتبار في حياتنا اليومية وجود هذا الاعتصام. طبعاً الاعتصام له انعكاساته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية ولا أخشى على المعتصمين تنظيمياً, لديهم القدرة المالية لاستمرار الاعتصام لأسابيع ولشهور ولكن أعتقد أن هذا الاعتصام وصل إلى حائط مسدود سياسياً وهم غير قادرين على دخول السرايا, غير قادرين على قطع الطرقات, غير قادرين على تقييم المواضع السياسية بداخل الحكومة أو بداخل مجلس النواب. الفريق الذي هو اليوم فريق 14 آذار, إضافة إلى فرض العقوبات على إيران التي هي العراب الحقيقي لهذا الاعتصام والتي هي الدافع الحقيقي لهذا الاعتصام بدليل أنه جرى تحت عنوان واحد (الموت لأميركا). فإذا أرادت طهران أن تقتل أميركا فلتقتلها في إيران, نحن لسنا وقوداً في حرب طهران-واشنطن.

هل اطلعت على طروحات وزير العدل شارل رزق بخصوص تعديل بنود المحكمة الدولية ذات الطابع الدولي, وهل يسعى لتخفيف التشنج الداخلي?

الوزير شارل رزق تصرف بشكل ذكي وبشكل موضوعي من أجل تمرير المحكمة بكل مراحلها واليوم هو كوزير عدل حريص على أن تصدر هذه المحكمة بموافقة اللبنانيين وبأن لا تصدر تحت البند السابع, ولكن طروحات الوزير رزق لم تكن مقبولة من الطرف الآخر, حتى مساعيه الهادفة إلى تدوير الزوايا لتمرير المحكمة بإرادة لبنانية لا تنفع وستصدر هذه المحكمة من خلال البند السابع..

ما هو تعليقك على عدم مشاركة رئيس الجمهورية بقداس الميلاد, وهل كانت رداً على الرسالة التي وجهها إليه البطريرك صفير ودعاه فيها إلى التخلي عن الرئاسة?

رئيس الجمهورية برر عدم المشاركة بأسباب تتعلق بموضوع أمنه الشخصي مع وعد بأن يلتقي البطريرك في مرحلة أخرى. أنا أعتقد السبب الرئيسي هو كشف البطريرك الماروني على الرسالة التي أرسلها إليه أوضح له فيها بأن استمراره في الرئاسة ينعكس سلباً عليه وعلى الطائفة المارونية وعلى كل لبنان. كشف هذه الرسالة أحرج أميل لحود ومنعه أن يكون في قداس بكركي, ليست المرة الأولى التي تصطدم الكنيسة المارونية مع رئيس الجمهورية المارونية, ولقد شرح البطريرك الماروني بالتفصيل في مقابلة تلفزيونية موقف البطريرك المعوشي تجاه كميل شمعون في الخمسينيات وتجاه فؤاد شهاب في الستينيات ونحن لنا ملء الثقة بالبطريرك الماروني وملء الثقة بالكنيسة المارونية التي هي ضامن مع سائر المرجعيات الروحية في لبنان للعيش المشترك التي كانت ولا تزال ضامنة لسيادة واستقلال لبنان, وعندما يقول البطريرك الماروني بأن بقاء أميل لحود في سدة الرئاسة ينعكس سلباً عليه وعلى الطائفة في لبنان, نحن ندعم هذا التوجه ونعتقد بأن أميل لحود سقط بالضربة القاضية عندما قبل استخدامه من قبل النظام السوري بالتمديد له في أيلول 2004. هو كانت حساباته بأن يبقى رئيساً حسابات الشام كانت أنهم من خلال التمديد لأميل لحود سيجبرون الدول الجلوس معهم على طاولة الحوار للتحضير لتسوية بين الولايات المتحدة وسورية. هذه السياسة التي هي سياسة الهروب إلى الأمام وسياسة الفرق بين حافظ وبشار الأسد. عندما كان يأخذ على عاتقه اعتماد سياسة الحفة كانت الظروف في العالم مختلفة عن اليوم. كان هناك إتحاد سوفياتي وولايات متحدة وكان رجل استثنائي على المستوى الستراتيجي. كانت له مساوئ كثيرة في إدارة الشأن الداخلي اللبناني, وأنا من الذين يعترضون على سياسة حافظ الأسد شخصياً رغم اعترافي بأنه كان من الرجالات الستراتيجيين في العالم العربي وكان يحسن استخدام سياسة الحفة. أما بشار الأسد الذي يدعي بأنه يعطي دروساً لملوك ولرؤوساء العرب ويصفهم بأنهم أنصاف رجال ستبرز التجربة فيما بعد بأن من هو ليس رجلاً كاملاً لا يحسن قراءة التوازنات الدولية, وإنما يحسن فقط اعتماد سياسة الهروب إلى الأمام التي ستنعكس سلباً عليه وعلى نظامه وحتى على سورية.

ماذا تقرأ من خلال لقاء الرئيس الأسد بموفدين أميركيين?

تحلم سورية بإعادة إحياء حلمها القديم ترتيب موقع نفوذ بها في العالم العربي وأن تبتز عرب الجنوب أي عرب الخليج بحجة أنها تحارب وتقاوم إسرائيل وتبتلع لبنان اجتماعياً وسياسياً وحتى جغرافياً, يعني تهادن الولايات المتحدة وتوافق على إدارة تعمل لمصلحة الولايات المتحدة في العراق. ربما تعطي الولايات المتحدة في موضوع حل النزاع الفلسطيني-الإسرائيلي مقابل حصولها على ثمن مقابل هذه العطاءات. هذه السياسة انتهت مع انهيار نظام صدام حسين في 2003 وبعد زيارة كولن باول إلى الشام قال لبشار الأسد أن هذه السياسة انتهت, لكن بشار الأسد يعتقد أن الولايات المتحدة تبدل سياستها مع تبديل رئيس الجمهورية أو مع تبديل نتائج انتخابات مع أنها ثابتة, لأنها ليست في مجتمع يحكمه هو بالنار وبالحديد وبأجهزة المخابرات ويعتبر بأنه قادر أن يعتمد على الوقت حتى تتبدل السياسة الأميركية-الأوروبية حيال سورية, وهو يعتقد أن المجتمع الدولي لن يستغني عن سورية مجدداً. هذه السياسة انتهت وبالتالي الدخول الأميركي إلى العراق وهي دولة عربية ذات سيادة وذات استقلال ودخولها كان بمثابة احتلال. رغم كل هذه الأمور استطاع حافظ الأسد أن يتجاوز بقناعاته وثوابته القومية وأمام مصلحته ومصلحة بقاء نظامه ومصلحة ابتلاع لبنان, لأن المقايضة كانت بأنه يساند رمزياً وعربياً دخول الولايات المتحدة إلى العراق في مقابل أن يأخذ على عاتقه إدارة الشأن اللبناني. كان له دهاء أن يدخل في لعبة كهذه مع الولايات المتحدة في التوقيت المناسب وفي اللحظة المناسبة وبعد التسعين انخرط في مؤتمر مدريد فوضع المعادلة الشهيرة (الأرض مقابل السلام) بينما بشار الأسد منذ 2003 حتى اليوم حدث زلزال سياسي في المنطقة إسمه انهيار نظام صدام حسين, ولم يتكيف مع هذا الزلزال, اعتبره زلزالاً في الصين أو في أستراليا, وبأنه ليس على حدوده وبأن انهيار صدام حسين لن يحدث أي تغيير في العالم العربي وبالتالي إنه قادر رغم هذا الانهيار أن يستمر في سياسته القديمة, هذا التصرف سيدفع ثمنه هو ونظامه.

هناك تصريحات صدرت في الإعلام السوري مفادها كلما حصل تقارب أميركي-سوري تصبح تصاريح قوى 14 آذار أكثر حدة وانفعالية?

أنا من 14 آذار وأتمنى أن يكون هناك تفاهم سوري-أميركي, وأتمنى أن يكون هناك تفاهم بين كل العواصم العربية وكل المجتمع الدولي على قاعدة عدم التفريط بالثوابت العربية, ولكن على قاعدة أن لا يصور العالم العربي الإسلامي وكأنه عدو للمجتمع الدولي, في المقابل على المجتمع الدولي أن يحترم خصوصيتنا كعرب ويحترم قضيتنا الأم التي هي قضية فلسطين. هذا المفهوم وهذه المعادلة غير موجودة في عقل بشار الأسد.. بشار الأسد يعتمد سياسة كان اللبنانيون يعتمدونها أيام السلطنة العثمانية, عندما كان "البكوات" والمشايخ وأعيان المناطق يقبِّلون يد السلطان البعيد ليعطيهم خلعة الزعامة في قراهم وفي مناطقهم, بشار الأسد يريد أن يبرم تسوية مع الولايات المتحدة من أجل الاستقواء علينا. هذا الموضوع مرفوض من قبلنا جميعاً وحتى لو الولايات المتحدة رأت بأن لها مصلحة في هذا الموضوع سنواجه هذه المعادلة. لقد واجهناها في الماضي يجب أن يعرف بشار الأسد عندما كانت الولايات المتحدة مسلمة بأن يكون لبنان جائزة ترضية لسورية واجهنا هذا الواقع.. نحن نتمتع بانتشار لبناني واسع في الولايات المتحدة, نحن ناخبون في هذه الديموقراطيات, في أوروبا وفي الولايات المتحدة, تغير العالم وغير قادر بشار الأسد أن يبتلعنا.. لا هو ولا أي شخص سيأتي مكانه في النظام السوري العتيد..

الرئيس فؤاد السنيورة اشترط أن يذهب مع الرئيس لحود "رِجله على رِجله", ماذا تعتبر هذا الموقف?

موقف سليم, فهو يقول أتينا سوية وسنذهب سوية, بمعنى أن معادلة إسقاط الحكومة بمقابل إسقاط رئيس الجمهورية, وحسم هذا الجدل البطريرك الماروني. لقد سلم كل الأفرقاء على اعتبار مبادرة البطريرك الماروني صالحة لتكون ورقة تفاهم بين جميع اللبنانيين وهي: رئيس-محكمة-حكومة-قانون انتخابات.

اشترطتم في الماضي أن يكون رئيس الجمهورية المقبل من ضمن فريق 14 آذار, فإذا كان الجو العام السياسي اليوم لا يوحي بذلك, ماذا سيكون موقفكم?

إذا ذهبنا إلى تسوية سريعة متسارعة سيأتي رئيس جمهورية من خارج 14 آذار. وإذا كانت التسوية غير متسارعة وسريعة لن يأتي رئيس جمهورية إلا من 14 آذار, ثمن أبعاد موعد التسوية هو ثمن أمني كبير. فعلينا جميعاً أن نفكر بهذا الموضوع. بمعنى آخر إذا كانت هناك ضغوطات عربية ودولية وإسلامية-إسلامية بمعنى تفاهم الرياض-طهران حول تسوية ما في لبنان اليوم مع "روتوش" في موضوع المحكمة ويصار إلى اتفاق إلى اسم الرئيس وعلى شكل الحكومة وشكل قانون الانتخابات وإذا تمت الضغوطات العربية والدولية وأجبر اللبنانيون على تدوير الزوايا وإجراء تسوية سريعة, أعتقد بأن الرئيس الذي يأتي بتسوية سريعة ومتسارعة لن يكون من 14 آذار. أنا شخصياً أعتقد بأنه إذا أتى رئيس جمهورية من خارج 14 آذار ليست خسارة فقط للموارنة, إنها خسارة لكل اللبنانيين.