مقابلة مع النائب السابق وأستاذ القانون د. حسن الرفاعي/السياسة/7 أذار

النائب السابق وأستاذ القانون أكد د. حسن الرفاعي:التهويل بتشكيل حكومة لبنانية "موازية" بدعة تثير سخرية العالم/ المجلس النيابي هو بيت الشعب ولا يحق لأي كان إغلاقه/أن الاغتيالات وحرق الدواليب أخف وطأة من إلغاء النظام اللبناني/الحكومة الحالية هي شرعية ودستورية مئة في المئة/ لو أردنا الكلام في أقوال وأفعال العماد لحود لاستوجب منا الأمر الكلام بأكثر مما قاله مالك في الخمرة/

بيروت من صبحي الدبيسي:السياسة/ 7/3/2007

 

رأى النائب السابق وأستاذ القانون المحامي حسن الرفاعي أن الأحداث والوقائع والتدخلات الدولية والإقليمية القريبة والبعيدة وكذلك الاتجاهات العقائدية والمذهبية المستجدة أنتجت مساوئ لا تحصى, متهماً بعض السياسيين بتسخير الدستور والمفاهيم الديمقراطية بتفسيرات وتصرفات غريبة عجيبة في غاية دعم مآربهم وعقائدهم وارتباطاتهم على حساب الوطن حتى ولو آل الأمر إلى إحراقه.

 

كلام الرفاعي جاء ضمن حوار أجرته معه "السياسة" اعتبر فيه أن المجلس النيابي هو بيت الشعب ولا يحق لأي كان إغلاقه, لافتاً إلى أن رئيس المجلس نبيه بري هو أول من اعترف بشرعية الحكومة, وأن الحكومة لا تعتبر مستقيلة إلا إذا فقدت ثلث أعضائها وأن الوزير لا يعتبر مستقيلاً إلا بعد أن يصدر مرسوم جمهوري بقبول استقالته, وأن الفقرة "ه" من الدستور لا تعني التفسير المتداول (لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك) فهي تعني أن لا شرعية لأي نظام كالتقسيم والفيدرالية والكونفيدرالية, ولا تعني إطلاقاً أمر توازن حقوق الطوائف, أما المادة 95 من الدستور فقصدت المحافظة على التوازن الطائفي عند تشكيل الحكومات. وفي مثل هذه الحالة كان على رئيس الجمهورية أن يبادر إلى وضع مرسومين, مرسوم بقبول استقالة الوزراء المستقيلين ومرسوم آخر بتعيين وزراء بدائل, جازماً بأن الحكومة الحالية هي شرعية ودستورية مئة في المئة.

 

الرفاعي أبدى استغرابه لبدع السياسيين الغريبة العجيبة, ما يعني الإقرار مسبقاً بأن السلطة التنفيذية أصبحت عاجزة عن اتخاذ أي قرار هام.

ورأى في قول السيد حسن نصر الله الأمين العام ل"حزب الله" أنه إذا تسلم الحكم يعطي الأقلية الثلث المعطل ويصفه بالضامن فهذا العرف يعني قلب النظام في لبنان, معتبراً الاغتيالات والتفجيرات وحرق الدواليب أخف وطأة على بلد ميزته نظامه الجمهوري الديموقراطي من الاستمرار بمثل هذه الأعراف. لأنها ستؤدي ليس فقط إلى إلغاء النظام إنما إلى إلغاء لبنان, ما يعني عدم الاستقرار إلى عشرات السنوات في سائر الأقطار العربية.

 

الرفاعي رأى أن الصيغة النهائية للمحكمة الدولية لا تخالف أي من مفهومي السيادة والدستور.

الرفاعي أبدى أسفه لأن رئيس الجمهورية في السنوات الأخيرة جنح إلى التنازل عن صلاحياته وإلى ما أخطر من ذلك عدم التزامه بواجباته والتي تكفي الواحدة منها إلى محاكمته وفقاً لأحكام المادة 60 من الدستور وأن تلويحه بتشكيل حكومة جديدة بدعة تثير سخرية العالم بأجمعه..

 

وفي ما يلي نص الحوار:

ما تفسيرك للخروقات الدستورية التي تحصل على أكثر من صعيد وهل أصبحنا بلداً من دون قانون?

كلما حكيت في أمر دستوري تذكرت وذكرت قول العلامة الدستوري (ليون دوغيه): (ليس للقانون الدستوري أي ضابط سوى أمانة وصدق الرجال الذين يطبقونه) إن أحداث سنة 1975 تركت, وما زالت, آثاراً سيئة في جميع مرافق الحياة في لبنان: سياسية واجتماعية, واقتصادية, حتى خلقية وأهمها ما أصاب المفاهيم الديموقراطية والدستورية من خلل قد يمتد سنوات.

 

إن هذا الوضع الذي ما زلنا حتى اليوم نعاني من العيش تحت وطأته وقد أدى إلى انقسامات حادة وخطيرة في ما بين عناصر الطبقة السياسية, وأتت قضية الاغتيالات والمحكمة ذات الطابع الدولي لتزيد في الطين بلة... فكل هذه الأحداث والوقائع وغيرها من المداخلات الدولية والإقليمية القريبة والبعيدة وكذلك الاتجاهات العقائدية المذهبية المستجدة أنتجت, في ما أنتجت من مساوئ لا تحصى. أنتجت إقدام بعض السياسيين على تسخير الدستور والمفاهيم الديمقراطية بتفسيرات وتصرفات غريبة عجيبة في غاية دعم مآربهم وعقائدهم وارتباطاتهم... على حساب الوطن حتى ولو آل الأمر إلى احتراقه...!

 

طالبت الأكثرية بفتح جلسة استثنائية وعندما لم يستجب لطلبها انتظرت الدورة العادية, ورئيس المجلس ومحازبوه وجميع فئات المعارضة تصر على القول بأن لرئيس المجلس هذا كامل الحق بعدم الدعوة إلى جلسات بحجة أن الحكومة غير ميثاقية. فهل يجوز من الناحية القانونية تعطيل المجلس النيابي تحت هذه الذرائع?

من المعروف بداهة أن المجلس النيابي هو في الأصل بيت الشعب الممثل في الأنظمة البرلمانية بنوابه, ومن هنا لا يجوز إطلاقاً ولا يحق لأي كان إغلاق هذا البيت في وجه ممثلي الشعب عندما يطلبون الاجتماع فيه لأمر تشريعي أو لأمور سياسية تستلزمها حالة البلاد... هذا بصورة عامة.

 

أما القول والتذرع بأن رئيس المجلس لا يفتح أبواب المجلس بعدم وجود حكومة وأن الحكومة هي حكومة غير شرعية. إن أول من اعترف بشرعية الحكومة هو رئيس المجلس نفسه حيث صرح من إيران, عند استقالة بعض الوزراء, بأن الطائفة الشيعية لا تخلو من الرجال الأكفاء الذين يمكن تعيينهم كبدائل للمستقيلين, وهذا يعني صراحة بأن الرئيس بري يعترف بشرعية الحكومة, طالما أن الأعضاء الباقين في الحكومة يتجاوز عددهم الثلثين, ويعني أيضاً أنه لا بد من تكملة الحكومة بتعيين وزراء بدائل.

 

وبصورة استطرادية ولو افترضنا بأن الرئيس بري مقتنع بأن الحكومة غير شرعية, وهذا ما لا نصدقه أبداً ولا يصدقه أحد ممن يعرفون أن الرئيس بري محامٍ وله خبرة في المفاهيم الدستورية والقواعد البرلمانية. فلو سلمنا جدلاً بأنه لا يعرف فنذكر بأن الدستور نص صراحة على أمور منها أن الحكومة لا تعتبر مستقيلة إلا إذا فقدت أكثر من ثلث أعضائها, وهذا لم يحصل وإن الوزير لا يعتبر مستقيلاً إلا بعد أن يصدر مرسوم جمهوري بقبول استقالته وهذا لم يحصل, أما الزعم بأن الفقرة "ه" من الدستور تنص على أن (لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك) فهذه الفقرة تعني أن لا شرعية لأي نظام كالتقسيم والفدرالية والكونفدرالية. ولا تعني إطلاقاً أمر توازن حقوق الطوائف في جميع السلطات والإدارات العامة وإلا لآل هذا المفهوم إلى نقيض ما نصت عنه المادة 95 التي حصرت التوازن الطائفي في الوزارة وفي موظفي الفئة الأولى وليس في سائر الوظائف الإدارية والقضائية.

 

أما المادة 95 التي حصرت التوازن الطائفي في الوزارة وفي موظفي الفئة الأولى وليس في سائر الوظائف الإدارية والقضائية. أما المادة 95 فقصدت المحافظة على التوازن الطائفي عند تشكيل الحكومات. وطالما أن وزراء الطائفة الشيعية المستقيلين لا يمثلون الطائفة الكريمة المذكورة بأكملها باعتراف القطب الكبير فيها عنيت رئيس المجلس النيابي, فإن الدستور والأعراف البرلمانية توجب في مثل هذه الحال على رئيس الجمهورية أن يبادر فوراً بالاتفاق مع رئيس الوزارة إلى وضع مرسومين, مرسوم بقبول استقالة الوزراء المستقيلين, ومرسوم آخر بتعيين وزراء بدائل. وللاختصار, نجزم بأن الحكومة الحالية هي شرعية ودستورية مئة في المئة وبذلك تكون حجة تعطيل عمل المجلس النيابي لهذا السبب فقط, غير شرعية وغير دستورية.

من الواضح أن عقدة العقد هي المحكمة الدولية, وهناك مبادرة عربية لحل الأزمة اللبنانية دفعة واحدة الاتفاق على المحكمة وعلى حكومة وحدة وطنية يختلف فرقاء

 

السياسة على تسميتها الأكثرية تقول ب 19 10 1 والمعارضة لا تقبل بأقل من 19 11 فهل هذه القاعدة مسموح بها دستورياً?

من بدع السياسيين اللبنانيين وخاصة في الآونة الأخيرة, بدع ليست فقط غريبة عن المفاهيم الديموقراطية والدستورية في جميع دول العالم, إنما هي غريبة كل الغربة عن أي منطق بديهي: فالحكومات يفترض أن تكون متجانسة وتتحمل مسؤولية أعمالها أمام المجلس النيابي أولاً والشعب ثانياً ففي حال فهم عبارة الديموقراطية التوافقية على أساس توافق جميع الفئات السياسية فهذا يعني حتماً الإقرار مسبقاً بأن السلطة التنفيذية أصبحت عاجزة عن اتخاذ أي قرار في شأنٍ هام إذ أن القرارات وفقاً لأحكام الدستور تتخذ في بعض الأمور والقوانين بأكثرية الثلثين فإعطاء فئة مختلفة مع الفئة في مجلس وزراء إعطاءها أكثر من ثلث عدد أعضاء مجلس الوزراء يعني حتماً تسلط الأقلية على رأي الأكثرية وبالتالي تجميد أعمال السلطة التنفيذية.

وقول السيد حسن نصر الله بأنه إذا ما تسلم السلطة فإنه يعطي الأقلية الثلث المعطل, ويصفه بالضامن, فأي ضمانة هذه? يعني أن هذا العرف ليس آنياً فقط إنما هو عرض مستمر واستمراره يعني بما لا شك بأن الاغتيالات والتفجيرات وحرق الدواليب هي أخف وطأة على بلد ميزته نظامه الجمهوري الديموقراطي من استمرار مثل هذه الأعراف..

 

من خلال ما تسمعه من مواقف وتصريحات تصدر عن اتجاه المعارضة هل يتراءى لك أن هناك محاولة لتغيير النظام اللبناني?

لا أستطيع ولا أسمح لنفسي أن أفسر النيات إنما ما أستطيع قوله جزماً أن الأزمة المستجدة إن استمرت ستؤدي ليس فقط إلى تغيير النظام في لبنان إنما إلى إلغاء لبنان. وليعلم العرب قبل العالم أن إلغاء لبنان يعني عدم الاستقرار إلى عشرات السنين في سائر الأقطار العربية والإسلامية...

 

مع ازدياد الحديث عن عدم إقرار مسودة المحكمة الدولية في المجلس النيابي, هناك احتمال إقرار المحكمة تحت الفصل السابع, فهل هذا يليق ببلد مثل لبنان?

لقد أتيح لي أن درست جميع مسودات مشروع المحكمة الدولية, والمسودات الأولى كانت تشوبها مواد تخالف مفهوم السيادة وأحكام دستورية. أما الصيغة الأخيرة فأرى, من وجهة اختصاصي في الأمور الدستورية أنها لا تخالف أي من مفهومي السيادة والدستور.

 

وأستغرب أن يأخذ الأمر هذا الجدل غير المستقيم إلا إذا كان الدافع تحت تعطيل قيام المحكمة لسبب أتمنى أن لا يكون صحيحاً. وقولك بأن إقرار المحكمة تحت أحكام الفصل السابع من ميثاق هيئة الأمم فحتماً أنه ليس في مصلحة الكرامة اللبنانية ولكن, عند استحالة الوصول إلى إقرار المحكمة ذات الصفة الدولية وأحكامها تقول صراحة بأنها منشأة لمعاونة القضاء اللبناني فإن استحالة إقرار هذه الصيغة لا بد من القبول لإنشاء هذه المحكمة في ظل أحكام الفصل السابع المذكور لأن حاجة لبنان لا تنحصر فقط في معرفة القتلة والمفترين إنما تعني الحرص في المستقبل على سلامة الوطن والمواطنين...

 

يلوح رئيس الجمهورية بتعيين حكومة جديدة وهذا بدا من خلال إعادة تكليفه لوزير الخارجية المستقيل فوزي صلوخ ببعض المهام, كما يصر الرئيس لحود بأنه لن يسلم الأمانة في نهاية ولايته إلى حكومة غير دستورية. كيف ينظر إلى مواقف رئيس الجمهورية في ظل هذه الأزمة المتفاقمة وهل يحق له اتخاذ هكذا مواقف?

لو أردنا الكلام في أقوال وأفعال رئيس الجمهورية لاستوجب منا الأمر الكلام بأكثر مما قاله مالك في الخمرة.

 

من المؤسف المؤلم أن رئيس الجمهورية في السنوات القليلة الأخيرة جنح إلى التنازل عن صلاحياته وإلى ما هو أخطر من ذلك عدم التزامه بواجباته والتي تكفي الواحدة منها إلى محاكمته وفقاً لأحكام المادة 60 من الدستور. ومخالفاته وتصرفاته هذه أصبحت عسيرة الإحصاء من مرسوم التشكيلات القضائية إلى التشكيلات الدبلوماسية إلى عدم توقيع جميع مشاريع المراسيم وعدم التصديق على القوانين أصبحت صيغتها مبرمة... ففي بلاد العالم الديموقراطي فإن الأحزاب التي تؤيد رئيس الجمهورية تطلب محاكمته في مثل هذه الأحوال قبل المعارضين إلا في بلدنا في الوقت الحاضر لأن رئيس الجمهورية لم يعد كما يفرض عليه الدستور رئيساً لكل البلاد إنما أصبح مع فئة من الفئات السياسية.

 

يقول رئيس الجمهورية أنه باقٍ ثم عاد واستدرك أنه لا بد من إيجاد مخرج لذلك, هل يا ترى هذا المخرج يكون بإقدامه على تشكيل حكومة غير الحكومة الحاضرة قبل انتهاء ولايته?

يحزنني وجميع اللبنانيين بمن فيهم المعارضة أن نصل إلى نهاية عهد رئيس الجمهورية في لبنان يجهل أو يتجاهل أبسط أحكام الدستور التي وضعت قيوداً صريحة كل الصراحة. عن كيفية تشكيل الحكومات. ألا يعلم الرئيس أن إقدامه على هذه البدعة تثير سخرية العالم بأجمعه. فهداه الله وهدى الكثير من سياسيينا إلى سواء السبيل.