صفير: الانتخابات الفرعية واجب الحكومة وبعد عيدو بدّن 4 أو 5 لتتساوى الأكثرية بالأقلية

النهار - 2007 / 6 / 20

لأن ثمة من يجرؤ على التفكير في حكومتين ورئيسين ولبنانين، ولأن كلاً يفسر الدستور على هواه ولا يتورع بعضهم عن زجه في الموضوع، لتدعيم موقفه، كما جاء في عظة الاحد الفائت (17/6/2007) للبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير، كان لـ"النهار" حديث مع البطريرك، حاولت فيه وضع الاصبع على الجرح، لعل الجرح يشفى.

الاسئلة كانت عن مواضيع الساعة. والبطريرك اجاب بديبلوماسية مميزة، الا انه وضع بين الكلمة والكلمة، فاصلة، أو هو استشهد بمسائل تاريخية لتعزيز رأيه.

والبطريرك مع الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي وبيروت لانتخاب نائبين خلفا للنائبين الشهيدين بيار الجميل ووليد عيدو، ويعتبر ان اجراء هذه الانتخابات "واجب على الحكومة"، لكنه لم يوضح موقف رئيس الجمهورية اميل لحود الذي التقاه الاحد من هذا الموضوع، ولو انه لفت الى ان للأخير "نظرة" في الامر، وتوقيع مرسوم الدعوة الى الانتخابات هو شأنه".

وجدد البطريرك رفضه قيام حكومتين اذ "لم ينس احد منا ما كان من امر الحكومتين" ايام الرئيس سليم الحص والعماد ميشال عون، ثم نحن بلد صغير لا يتحمل ان تكون فيه حكومتان". كذلك جدد رفضه تسمية مرشح للرئاسة "لأننا لا نريد ان يشنِّع بهذا الاسم، ونريد المحافظة على كرامة الناس". ورحب بأي اجتماع في بكركي اذا تنادى الناس اليه، "ولكن نحن لا نرى موجبا لأن يجتمع اللبنانيون ويختلفوا".

ولئن لم يسم مارونياً معينا للرئاسة، الا انه وضع مواصفات للرئيس المقبل، هي ان يكون "مستقلا في رأيه، والا يخجل مستقبله بماضيه ويكون متجردا ورجل حزم ويتعالى عن الصغائر، وذا خبرة وممارسة".

واذ لاحظ وجود كثيرين يمكن ان يكون احدهم رئيسا للجمهورية، اضاف في غصة ربما لتذكره من تمناه او يتمناه، "ان الامور السياسية ربما لا تمكن هؤلاء من الوصول".

وتذكر البطريرك صفير مجددا الكتلتين الوطنية والدستورية وكيف كانت كل منهما تضم شخصيات من 18 طائفة لبنانية، ويكون رئيس كل منهما كما اميل اده وبشارة الخوري مرشحا للرئاسة على عكس ما هي الحال اليوم بحيث يتكاثر عدد المرشحين و"كلهم خير وبركة".

اما الاكثرية والمعارضة، فلكل منهما رأيه، وكل منهما يجد موقفه صائبا... و"احكم يا عيتاني".

وقصة "احكم يا عيتاني" تعود الى الاربعينات يوم كان الدكتور كمال العيتاني رئيسا لمحكمة الجنايات قبل ان يصبح مفتشا عدليا. وكان رحمه الله، على ما يذكره قانونيون عتاق، يعجب بمرافعات رجلين كبيرين، كانا فضلا عن رجلي سياسة بارزين، رجلي قانون كبيرين ولو أنهما من مدرستين سياسيتين مختلفتين، وأحدهما تدرج في المحاماة عند الآخر، هما اميل اده وبشارة الخوري، فما ان ينتهي الاول في مرافعته حتى يميل الرئيس عيتاني شمالا ويمينا نحو القضاة المستشارين ويقول لهم: "معه حق". وعندما ينتهي الثاني يميل مجددا الى المستشارين ويقول لهم: "كمان معه حق... واحكم يا عيتاني".

والمسألة اليوم تشبه الى حد بعيد تلك المسألة...

والحل... في وقفة ضمير.

وهنا الحوار مع البطريرك:

يكثر هذه الايام تفسير كلام البطريرك صفير كل على هواه، وهو ما ذكرته في عظة الأحد الفائت. لتخفيف هذه التكهنات، هل يمكن توضيح موقف البطريرك الماروني من الانتخابات الفرعية في المتن الشمالي وبيروت؟

- يجب ان تتم الانتخابات الفرعية، وهذا شأن عادي في كل البلدان، اذ عندما يتوفى الله احد النواب تعمد الحكومة الى اجراء انتخابات فرعية لكي يخلفه من ينتخبه الناس بالطرق الديموقراطية السليمة. ولكن هذا حدث للمرة الاولى عندما اغتيل رحمه الله الشيخ بيار الجميل، ولم تعمد الحكومة الى اجراء انتخابات، ولكن عندما اغتيل المرحوم النائب وليد عيدو جاءت الحكومة تنظم الانتخابات. هذا واجب على الحكومة، لانه لا يجوز ان يبقى المركز شاغرا، وبالتالي يجب اجراء الانتخابات الفرعية في القضاءين اللذين شغر مقعدان نيابيان فيهما.

 

واجب على الحكومة

 

هذا واجب على الحكومة، لكن ثمة مرسوما يجب ان يوقعه رئيس الجمهورية الذي يبدو انه لن يوقعه؟

- لرئيس الجمهورية نظرة وغيره له نظرة ايضا في هذا الامر، وتضاربت الآراء، ولكن الامور يجب ان تمشي في مجراها الطبيعي وهو انه عندما يفقد المجلس احد اعضائه تعمد الحكومة الى اجراء انتخابات ليحل محله من ينتخبه الشعب. وهذا يعني ضرورة اجراء الانتخابات الفرعية في القضاءين المذكورين.

قبل فترة نصحت لرئيس الجمهورية بالتخلي عن الرئاسة بسبب الظروف، فهل نصحت له في لقائكما الاخير بتوقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة؟

- مقاطعا: لا. لا. لا. نحن لم ننصحه، انما كان الحديث وديا وتناول امورا عادية، ولكن لم نتناول الامور التي تطرقت اليها الصحف.

هل لمست ان الرئيس سيوقع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة في المتن الشمالي وبيروت؟

- لا ادري. لا ادري. هذا شأنه.

هل يعقل ان يستشهد نائب من الاكثرية كل فترة، والى اين نصل؟

- هذه مشكلة حقا. وهم يريدون الانتخابات الفرعية ويصرون عليها. مات بيار الجميل ولم تحصل انتخابات بحجة الظروف الامنية، واليوم بعد موت وليد عيدو "بدّن أربعة خمسة" بيتساوى عدد الاكثرية بالاقلية.

ذكرت احدى الصحف ان خلافا حصل بينكم وبين الرئيس لحود خلال اللقاء؟

- مقاطعا بحدة: كل ما ورد في الصحف، على علمي وعلى ما طالعته فيها، ليس بصحيح. كان اللقاء جيدا مع فخامة الرئيس ولم نتطرق الى الموضوعات بالشكل الذي نقله عدد من الصحف.

بالنسبة الى الحكومة، ثمة من يطرح حكومة وحدة وطنية، في وقت لم يقدم الرئيس السنيورة استقالته؟

- الحكومة هي موضع بحث، وثمة فريقان، الاكثرية والاقلية. فالاكثرية تريد انتخاب رئيس قبل الحكومة، والاقلية تريد ان تكون هناك حكومة قبل انتخاب الرئيس. ولذلك، ان الفئتين تخفيان نية، وهي انه اذا كانت هناك حكومة قبل انتخاب الرئيس، فهذه الحكومة قد تظفر برئيس تريده وإن لم تتمكن من ذلك، فقد تعطل انتخابات الرئاسة. هذا ما تزعمه الاكثرية. والاقلية تزعم ان الاكثرية لا يمكنها ان تستبد بلبنان وان تبقى لها هي الكلمة العليا في كل الشؤون التي تعرض على البلد.

 

"لم ننسَ"

 

ناديت غبطة البطريرك برفض الحكومتين اللتين يمكن ان توصلا الى رئيسين ولبنانين. فهل لا يزال رئيس الجمهورية مصرا...

- ربما... ربما. وهذا ما حدث سابقا، ولم ينس أحد منا ما كان من أمر الحكومتين عندما كان الرئيس الحص والجنرال عون.

يقال ان العماد عون، كما الوزير السابق سليمان فرنجية أبلغا الى من يلزم انهما غير مستعدين لترؤس حكومة انتقالية في هذه الظروف؟

- لا أدري، هذا سؤال يطرح عليهما.

هل ترى موقفهما ايجابيا؟

- نحن بلد صغير لا يتحمل ان تكون فيه كأي بلد آخر حكومتان.

هل تنتظرون شيئا من المبادرة العربية، وخصوصا ان في برنامج الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى زيارة لبكركي؟

- ربما، ففي امكان العرب اعطاء نصائح للسياسيين في البلد ليخرجوه من هذه الدوامة التي يدور فيها.

هل بلغتكم معلومات عن المبادرة العربية؟

- كلا، حتى الآن. وفي أي حال نحن نتمنى لها النجاح كما نتمنى لكل مبادرة خيّرة.

طلب منكم تسمية مرشحين للرئاسة عام 1988 ولم يؤخذ بالتسمية. هل ثمة مشروع معين لجمع مرشحي الرئاسة في بكركي للاتفاق على واحد منهم؟

- يريدون ان يأتوا، فأهلا وسهلا بهم. أبوابنا مفتوحة لكل الناس، أما ان يتفقوا او لا يتفقوا فهذا الامر يعود اليهم، ونحن عندما يُطلب منا اسم، لا يمكننا ان نقدم اسما وبعد ذلك يُشنَّع بهذا الاسم. نحن نريد المحافظة على كرامة الناس، وسبق لنا ان أعطينا عددا من الاسماء ولم يؤخذ منها اي اسم. ولذلك نحن لسنا مستعدين لمعاودة التجربة.

عقدت اجتماعات عدة في بكركي للسياسيين الموارنة والمسيحيين عموما، فهل من خطوة معينة من هذا القبيل؟

- هناك من يطلبون منا ان يكون اجتماع في بكركي، واذا تنادوا الناس واتوا الينا فأهلا وسهلا بهم، ولكن نحن لا نرى موجبا لأن يجتمع اللبنانيون وان يختلفوا، وهناك مجال للخلافات متوافر، ولا نريد ان يختلفوا في بكركي، لان الامثلة على ذلك كثيرة، ومنها الاجتماع الذي عقد ايام سلفنا المثلث الرحمة البطريرك (مار انطونيوس بطرس) خريش، وبعد يومين حصلت مجزرة اهدن.

وبالنسبة الى الحكومتين، او بالاحرى المرحلة الانتقالية، هل من شيء جدي من الخارج في هذا الموضوع؟

- لا، الذين يأتون الينا هم طبعا يبدون قلقا علينا ويريدون ان يساعدوا، ولكن ما من احد يمكنه ان يقوم مقامنا. فعندما لا يستطيع احد الناس المشي، يساعدونه على ذلك، ولكن ما من احد يستطيع ان يمشي مكانه.

لذلك قلنا ونقول ان على اللبنانيين الاتفاق في ما بينهم والتعاون ووضع اليد في اليد في سبيل انقاذ هذا البلاد ومساعدته على الخروج من محنته. فالاتكال يجب ان يكون على اللبنانيين اولا، قبل الاتكال على الآخرين الذين نشكر كل مبادراتهم واستعداداتهم ومساعداتهم.

ثلاثة اشهر تفصلنا عن انتخابات رئاسة الجمهورية. هل ترون رئيسا جديدا، ام رئيسين ولبنانين بعد حكومتين كما اعلنتم في عظة الاحد؟

- انا لست نبيا. هذا يتعلق بالناس الذين يعرفون ما عليهم من واجب حيال وطنهم، انما اتمنى ان يحزموا امرهم وان يجمعوا على اختيار اسم ينادون به رئيسا للجمهورية، وهذا يجب الا يكون تحت رحمة احد، لا الاكثرية ولا الاقلية، انما ان يكون قراره من ذاته وان يعرف كيف يدير الناس وشؤون الجمهورية وان يكون مستقلا في رأيه ويأخذ طبعا برأي الناس، انما القرار يعود اليه.

 

صفات الرئيس

 

وهل من مواصفات اخرى؟

- الا يخجل مستقبله بما فيه، وان يكون متجردا ورجل حزم يتعالى عن كل الصغائر، وذا خبرة وممارسة.

السؤال يبقى هل ترى رئيسا واحدا للجمهورية الجديدة؟

- ولو... نعم... نعم. وهناك كثيرون يصح ان يكون احدهم رئيسا للجمهورية، ولكن الامور السياسية ربما لا تمكنهم من الوصول.

وهل من حكومتين، وكيف يمكن تأليف حكومة اذا لم يقدم الرئيس السنيورة استقالته؟

- تقول الاقلية بضرورة قيام حكومة جديدة ونحن نريد ان نشارك فيها وهذا حقنا ولا نتنازل عنه، ولا نريد حكومة يتولونها وحدهم... وهذا قولهم. والاكثرية تقول اننا لا نستطيع اعطاءهم الثلث المعطل لانهم يستطيعون "فرطها" عندما يريدون، ولا يعود ثمة قرار، ويتحكمون فينا ويتعطل البلد. ونحن لسنا مستعدين لذلك. واضاف مبتسما... "واحكم يا عيتاني... مش هيك بيقولو!؟"

اين اصبح الحوار الوطني في رأيكم؟

- اي حوار؟

حوار ساحة النجمة؟

- انتهى.

والمبادرة الفرنسية؟

- توقفت على ما يبدو.

في المعلومات الاخيرة ان المساعي ستستمر من دون تحديد موعد للاجتماع الحواري؟

- البعض يرى ان حوار الصف الثاني لا يمكن ان يوصل الى قرار، ثم يبدو ان الاميركيين لا ينظرون بعين الرضا الى هذا التحرك، وثالثا ان الامور ضائعة الى حد ما.

الجيش على قاب قوسين او ادنى من حسم الموقف في نهر البارد. كيف تنظرون الى هذا الامر؟

- نحمد الله على ان الجيش ظل متماسكا هذه المرة، فيما تفرق في المرات السابقة، وهذا التماسك امر ايجابي للغاية ويشكر عليه. وقد ابلى الجيش البلاء الحسن هذه المرة وتمكن من ان يصل الى غاياته، وهي قمع الفتنة التي كانت مدبرة لهذا البلد. ونأمل في ان يظل الجيش متماسكا وان يؤدي الواجب الوطني كما اداه في مخيم نهر البارد.

كتب حبيب شلوق