الطفيلي: الإيرانيون يريدون دولة ضعيفة أو لا دولة - الشيعة غُبنوا بحكّامهم و"حزب الله" تحوّل مطيّة للسوري

النهار - 2007 / 4 / 20 - ريتا صفير

 

من بعيد، تبدو حوزة عين بورضاي على غرار رئيس مجلس اعيانها. فالحوزة (المدرسة) التي تصدرت اخبارها وسائل الاعلام عند اندلاع العمليات العسكرية بين الجيش وانصار الامين العام السابق لـ"حزب الله" الشيخ صبحي الطفيلي جددت "شبابها. وتواصل استقبال الطلاب.

 

على خطاها، التقط رئيس مجلس اعيانها، الشيخ صبحي الطفيلي انفاسه. واصل اطلالاته الاعلامية، بعد انقطاع، على وقع تحركات محلية. حتى الطريق المؤدية اليها ، تشذ عن محيطها. فبعد اعمال "تسلق" سيارة تتسبب بها الحفريات والتحويلات على انواعها، يدخل الزائر شارعا عريضا اعيد تأهيله. الخط مباشر. امتار ويطل عليك احد المرافقين "مسالما": "الشيخ صبحي في انتظاركم."

 

رسائل "مثلثة" الاتجاه يبعث بها الامين العام السابق لـ"حزب الله" في لقاء دام اكثر من ساعة مع "النهار" وحضره صحافيون اجانب ناقشوا معه موقفه من الملف العراقي و"ولاية الفقيه" والمرجعية الشيعية.

 

اولى هذه الرسائل واقساها الى الايرانيين الذين يريدون لبنان "دولة ضعيفة او لا دولة. "لا يهمهم الا سلاح حزب الله، "وهذا السلاح، كي يبقى قراره في طهران، يجب الا تقوم في لبنان دولة مركزية قوية".

 

والرسالة الثانية الى السوريين الذين حولوا، على قوله، الحزب "مجرد اداة طيلة فترة وجودهم في لبنان."

والثالثة الى الزعماء الشيعة وقيادة "حزب الله" التي تبدو الاختلافات والخلافات معها كثيرة مع نقطة التقاء واحدة تتمثل في الدعوة الى اعتماد الاستفتاء الشعبي على القضايا الخلافية والمفصلية.

 

والامين العام السابق الذي صدرت في حقه مذكرات توقيف غيابية عدة يجدد دعوته الى المسؤولين لتأخذ العدالة مجراها، "فمنذ اكثر من تسع سنوات، سيف القضاء مشهور دون ان يستخدم. اذا كنت مدانا، ليؤخذ الحق مني واذا كنت بريئا ليقل ذلك" . في ما يأتي نص الحديث:

 

لماذا صعدت انتقاداتك لـ"حزب الله" في الفترة الاخيرة؟

- انا لا انتقد شباب "حزب الله"، هم ابنائي، يؤمرون فيطيعون. هم شباب اشراف، مجاهدون. المشكلة في القيادة السياسية لايران. والخطأ يكمن في القرار السياسي في طهران.

ولكن منذ تأسيسه، تلقى "حزب الله" دعما ايرانيا وخصوصا عندما عينت امينا عاما للحزب؟ ماذا تبدل؟

- من المفترض، ان يكون لايران خط سياسي واضح اعلن منذ بداية تأسيس الجمهورية الاسلامية. لكن منذ فترة، بدأت تظهر علامات استفهام حول السياسة الايرانية ابرزها طريقة المشاركة والحضور في العراق مع الغزو الاميركي. نأسف لان هذا الحضور كان مؤذيا للشعب العراقي، فبدوا كأنهم يخدمون المشروع الاميركي. في لبنان، فرضوا على شباب "حزب الله"ما عرف بتفاهم نيسان عام 1996 . وهو تفاهم كان اساس الوضع القائم منذ 2000 حتى 2006. تحول شباب "حزب الله" في هذه الفترة، رغم آلامهم، حرس حدود. وهذه نتيجة للسياسة الايرانية السيئة.

اليوم، هم يشاركون في اشاعة مناخ الفوضى في لبنان. الاميركي يعتمد سياسة الفوضى الخلاقة، والايراني يشارك في ارساء هذه السياسة في لبنان، بينما ينبغي ان نعمل لتحصين البلد ومنعه من الاقتتال الداخلي.

هل تخشى عودة الحرب الاهلية في لبنان؟

- المناخ اللبناني مهيأ لذلك. يبقى القرار الاميركي.

هل تحمل "حزب الله" وحده هذه المسؤولية؟

- لا، الجميع مشاركون. هناك اطراف مسؤولون اكثر من الحزب.

من هم؟

- كل الاطراف. السياسات الاخرى ايضا مسؤولة عن هذه العودة.

تقول ان ايران والولايات المتحدة تساهمان في الفوضى الخلاقة في لبنان، لكنهما خصمان في ملفات اخرى كالملف النووي الايراني؟

- انني افهم الامور على الشكل الآتي: تعتمد السياسة الاميركية على اخافة السنة من الشيعة، والعكس صحيح، وعلى اشاعة مناخ فتن واقتتال داخلي، حتى يلجأ كل من الطرفين الى طلب الحماية من الاميركي، كما حصل في العراق حيث لجأ الشيعة الى حماية الولايات المتحدة. كذلك، يجد السنة في لبنان في التدخل الاميركي حماية لهم. وهذا الامر قد يعمم على المنطقة. الملف النووي الايراني لا يخرج عن هذه الدائرة. فالاميركي يريد ان يخيف المنطقة السنية من الخطر النووي الايراني. ولذلك يضخم الامور ويخلق عاصفة من الاعلام.

ليس من مصلحة اميركا القضاء على احد الطرفين، بل على العكس هي تحتاج الى كل منهما ليخيف الآخر. لذلك، لا اتوقع ان يحصل عمل عسكري اميركي جدي على ايران. فالامور لا تخرج عن دائرة التهويل. وفي لبنان، يطربون عندما يشتد الصراع بين 14 و8 آذار. الايرانيون لا يهمهم في لبنان الا السلاح، سلاح "حزب الله". لايفكرون في مستقبل الشيعة ولا غير الشيعة، ليستخدم هذا السلاح حين يرون ان حاجتهم تقتضي ذلك. وهذا السلاح، كي يبقى قراره في طهران، يجب الا تقوم في لبنان دولة مركزية قوية. فوجود دولة قوية مركزية، لا يمكن ان يبقي سلاحا قراره خارج لبنان. تريد ايران دولة ضعيفة او لادولة. وهم يشاركون في جزء اول من المشروع الاميركي، وهو الفوضى.

يعتبر الايراني ان عدم وجود دولة في لبنان يصب في مصلحته. ولذلك شاركوا في تفكيك الدولة. لامجلس وزراء اليوم، لامجلس نواب ولارئاسة جمهورية ولا اجهزة امنية.

السلاح

هل تدعو بذلك الى نزع سلاح "حزب الله" لقيام دولة قوية؟

- كلا، هذا ليس صحيحا. يجب ان يكون لبنان قويا وقادرا على حماية نفسه وشعبه. لقد اثبت شباب المقاومة انهم يملكون كفاءات عالية ويجب ان نحافظ على هذه القوة، ولكن يجب ان يكون قرارها لخدمة لبنان وليس لخدمة مصالح دول تجهل الى اين تريد ان تذهب بنا. قلت سابقا انه يجب ان يكون لهذا السلاح غطاء سياسي واحد يطمئن جميع اللبنانيين، مسلمين ومسيحيين، على غرار سلاح الجيش اللبناني.

ما هي الاستراتيجية التي تحقق ذلك؟ هل تدعو الى ضم شباب "حزب الله" الى الجيش اللبناني؟

- اذا صدقت النيات، تحل المشكلة في جلسة واحدة. ترسم سياسة واضحة لهذا السلاح، الايرانيون لا يهمهم في لبنان الا السلاح، سلاح "حزب الله". لايفكرون في مستقبل الشيعة ولا غير الشيعة، ليستخدم هذا السلاح حين يرون ان حاجتهم تقتضي ذلك. وهذا السلاح، كي يبقى قراره في طهران، يجب الا تقوم في لبنان دولة مركزية قوية. فوجود دولة قوية مركزية، لا يمكن ان يبقي سلاحا قراره خارج لبنان. تريد ايران دولة ضعيفة او لادولة.

رأينا في الاشهر الماضية مشاهد من حرب سنية- شيعية في لبنان. هل تخشى اندلاع حرب من هذا النوع هنا؟

- صحيح. قبل أربعة اعوام، ذكرت ان السياسة الايرانية في المنطقة، ستودي الى حرب فتنة سنية-شيعية. وذكرت انه خطر كبير.

ماذا تبدل في السياسة الايرانية منذ كنت امينا عاما لـ"حزب الله"؟

- في تلك الفترة لم يكونوا شركاء في ما يجري في افغانستان والعراق، ولم يكن بين "حزب الله" واسرائيل تفاهم يضمن الحزب لعدم الاعتداء على الصهاينة.

الانقطاع مع الحزب

كيف تفسر الانقطاع بينك وبين "حزب الله"؟

- سعى الايرانيون جاهدين ليوقعوا الفتنة، ويبعدوا تاليا شباب "حزب الله" عني، ونجحوا. يعتبرون ذلك انجازا.

الم تؤثر مسألة مشاركة الحزب في الانتخابات في ذلك؟

- هذه امور جزئية بسيطة. كان توجهنا المشاركة في ظل سياسة واضحة. لكن جاء القرار أن نشارك بصيغة اخرى تحول الحزب مطية سياسية للمشروع السوري في لبنان. ودوره ان يحمل على ظهره نوابا ووزراء الى السلطة دون ان يكون له علاقة بذلك. وهذا ما حصل خلال الفترة السورية. "حزب الله" كان مجرد مطية في السياسة الداخلية. وهذا ما رفضته رغم انه لم يكن المشكلة الاساسية.

مرت 25 عاما على اطلاق الحزب . كيف تقوم مسيرته؟

- اهم انجاز حققته المقاومة الاسلامية هي انها اسقطت كل الحجج والمبررات التي على اساسها اقيمت العلاقات مع العدو الاسرائيلي ووقعت معاهدات الصلح. كل الخطوات التنازلية جاءت تحت عنوان انه ليس لدينا خيار آخر ولا نستطيع الدفاع عن انفسنا امام العدو. اثبتت المقاومة انه ادعاء كاذب والعجز العربي ليس نتيجة ضعف بل نتيجة سياسة متعمدة .

واخفاقاته؟

- لقد فرضت عليه السياسة الايرانية والسورية ان يخضع لتفاهمات مع العدو عامي 1993 و1996 ويتحول شرطي حدود طيلة 6 سنوات. ونتيجة لحسابات ليس لها علاقة بالمقاومة، هناك على الحدود اللبنانية الفلسطينية نحو 15 الف جندي اوروبي. وكل ذلك نتيجة الحسابات السياسية الايرانية الخاطئة. والاداء السياسي الداخلي الذي حول الحزب مجرد اداة للسوريين طيلة فترة وجودهم في لبنان. وبدل ان يكونوا اليوم اساس الاعمار وبناء دولة تحكمها العدالة والنزاهة، بات امل المواطن في لبنان ضعيفاً ويفتش اللبنانيون عن اوطان اخرى دون مبرر.

حرب تموز

يقول السيد حسن نصرالله ان هدف حرب تموز كان تدمير الحزب والبنية التحتية التي تقوم عليها المقاومة. كيف تقرأ الحرب؟

- من المؤكد، ان العدو الاسرائيلي لم يستطع سحق المقاومة، وهذا في ذاته انجاز .

هل خطف جنديين اسرائيليين كان سيحقق تبادلا في الاسرى؟

- انها مسألة تفصيلية. في النشاط العسكري لا يمكن ان نقرر صوابية خطوة عسكرية ميدانية او عدم صوابيتها. هناك الجانب العسكري والجانب السياسي.

القول ان الخطوة كانت نتيجة " وعد"، فهذا خطأ. والقول انه لو كنا نعلم ان العدو سيرد، لما كنا اقدمنا، فهذا خطأ. يجب ان يحسب العسكري لكل الامور.

قراءتي السياسية وملاحظاتي على ما جرى ان استمرار الحرب 30 يوما كان بقرار اميركي، والاسرائيلي ارغم على ذلك. اما من الجانب الايراني، فهناك آثار لهذه الحرب على الداخل اللبناني ونشاهد اليوم بعضها. هناك آثار تتعلق بمشكلات السياسة الاقليمية بين ايران والدول العربية واوروبا وغيرها.

هل تعتبر ان "حزب الله" خلق دولة ضمن الدولة وتؤيد الكلام على ضرورة حصر قرار السلم والحرب في يد الدولة؟

- لا دولة واحدة في لبنان، هناك دويلات. طرحت قبل نحو شهر اعتماد الاستفتاءات.

هل تلاقي الامين العام ل"حزب الله" السيد حسن نصرالله بذلك؟

- هذا اقتناعي، وقلت ذلك قبل شهر. بعيدا من التشاطر، ادعو الى اعتماد الاستفتاء الشعبي على القضايا الخلافية والمفصلية، عبر اقرارها بالقانون اللبناني من خلال مجلس النواب. المسألة تعالج قضايا كثيرة. يجب ان تراعى حساسية الطوائف في خطوة مماثلة. اذا كان نصرالله جادا في حل المشكلات من خلال الاستفتاء، فمن مصلحة قوى 14 آذار ان تسرع الى الاستفتاءات. ففي ذلك، سيغلبون ظاهرا. معظم اللبنانيين مع المحكمة.

كيف ترى الخلاف على المحكمة؟ هل يمكن ان تسيس لفتح ملفات سابقة تتعلق بالحزب؟

- للفريقين نوع من الحجة المقبولة. اعتبر اننا في حاجة الى محكمة حقيقية نزيهة، بعيدة من كل تدخل سياسي، تضع حدا لمسلسل الجريمة. القول اننا لانريدها في المطلق، يلازمه القبول بجرائم القتل. والقول اننا نريدها كيفما كانت، القاء للنفس في المجهول.

لماذا؟ مجددا هل تخشى ان تفتح ملفات وعمليات تتعلق بالحزب؟

- هل ارتكبنا جرائم؟ نحن اشراف البلد ودافعنا عنه.

الشيعة اليوم

كيف تصف وضع الطائفة الشيعية اليوم؟ وهل تعتبر ان هناك غبن يلحق بها في ظل قيام حلف مثلث سني مسيحي - درزي؟

- اذا كان ما يقولونه صحيحاً، فيجب ان يحاكموا لانهم شاركوا في التحالف الرباعي الذي اوصل البلد الى هنا. اذا كانت السياسة خاطئة، فهم الذين صنعوها.

وهذه ليست مأساة الشيعة بل بعض الساسة الذين اوصلوا الامر الى هنا. الشيعة غُبنوا بحكّامهم، والمتصدر للمسؤولية بينهم اوردهم الهلاك، ونخاف ان يكون المقبل اعظم. لا اعفي الزعماء الآخرين من المسؤولية ايضا.

المجلس العدلي

أحيل ملفك على المجلس العدلي في السابق. كيف تصف علاقتك بالمسؤولين اليوم؟ هل يزورونك؟

- ملفي ايراني، لانهم يعتبرون ان اي تحرك لي سيكون على حسابهم، لذلك حاصروني وكان التضييق علي وعلى من يلوذ بي. وذلك يدخل ضمن السياسة المعتمدة من ايران وسوريا سابقا.

اليوم لا دولة. ليس لدي اي علاقة بأي طرف.

من جملة مصائب اللبنانيين ان القانون ليس على الجميع بل هو عصا في يد المتنفذين يستخدم للعدوان. رغم انني تعرضت لمحاولة اغتيال واضحة وكنت ضحية، فقد تحولت مدعى عليه. منذ اكثر من 9 سنوات، سيف القضاء مشهور دون ان يستخدم. قلت مرارا ان هذا الامر يجب ان يأخذ مجراه. اذا كنت مدانا، فليؤخذ الحق مني، واذا كنت بريئا فليُقل ذلك. عام 2005 ، طلب مني زعماء الشيعة ان اقبل بادراج اسمي في قانون العفو، فرفضت وقلت من يفعل ذلك، اسوأ ممن حاول قتلي. لا اقبل ان يعفى عني كأنني مجرم.

كيف هو وضعك القانوني حاليا؟ هل لا تزال في الاقامة الجبرية؟

- لا أزال هنا. اذا سلكت اي طريق، لا يُعترض سبيلي. ولكن ما دام الامر كذلك، لا احب ان اتحرك.