مقابلة من جريدة السياسة مع مفتي صور وجبل عامل السابق العلامة السيد علي الأمين

 

تسأل كيف تقبل الدولة اللبنانية تدخله بشؤون مصر؟

"حزب الله" إذا كان جاداً بالدفاع عن غزة لكان أشعل إسرائيل بجبهات أخرى

إصرار إيران على امتلاك السلاح النووي سيؤثر سلباً على استقرار المنطقة ويبدد ثرواتها

ما حصل في مؤتمر الأمم المتحدة عن العنصرية كشف للشعب الإيراني حقيقة السياسة غير المقبولة التي ينتهجها نجاد

إذا كنا نرفض أن يتدخل "حزب الله" بالشؤون اللبنانية فكيف نقبل أن يتدخل بالشؤون الداخلية لدولة عربية؟

لماذا لم تحرك إيران ساكناً عندما كان الشعب الفلسطيني يتعرض للقتل والدمار؟

"حزب الله" يأخذ دور الدولة في لبنان وظن أن باستطاعته أن يفعل ذلك في مصر

مصر ليست دولة سائبة وهي لا تبحث عن حدائق في غزة فلديها الكثير

كلام بري عن غزة ليس مقنعاً وكان عليه أن يعترف بأن ما قام به "حزب الله" مرفوض بحسب الأعراف والقوانين

بدأت أنتقد "حزب الله" عندما حاد عن البوصلة وراح يتصرف بهذا الوطن وكأن لا يوجد له شركاء فيه

بري حارب التنظيمات الفلسطينية لأنها كانت تطلق الصواريخ على إسرائيل وأيد إطلاق الصواريخ من قبل "حزب الله"

"حزب الله" و"أمل" لا يمثلان الطائفة الشيعية ولا يمكنهما القول أن من ليس معهما خارج عن الطائفة

 

بيروت - صبحي الدبيسي:السياسى 26/4/2009

/ رأى مفتي صور وجبل عامل العلامة السيد علي الأمين, عدم حصول متغيرات جذرية قد يحدثها ما يسمى بالانفتاح الغربي على إيران وسورية, لأن إيران لا تمثل الاعتدال الإسلامي في الدول الإسلامية, ولا سورية تمثل الاعتدال العربي وما يجري تبرير للدخول في هذه المنظومة الجديدة, ما قد تنعكس ايجابياً على لبنان, لأن إصرار إيران على امتلاك السلاح النووي سيؤثر سلبياً على استقرار المنطقة وتبديد ثروات المنطقة على سلاح لا طائل منه وأن الشعب الإيراني يريد أن يكون له نظام وأشخاص ينفتحون على العالم ويتواصلون معه وما حصل في مؤتمر الأمم المتحدة عن العنصرية, كشف لهم حقيقة السياسة غير المقبولة التي يتبعها الرئيس نجاد, لأن ليس من مصلحة الشعب الإيراني أن يعيش ضمن حدوده الأربعة المغلقة.

العلامة الأمين وفي حوار أجرته معه "السياسة", أكد أنه يرفض أن يتدخل "حزب الله" في الشؤون اللبنانية بوصفه حزباً له مشروعه, فكيف يقبل بأن يتدخل "حزب الله" بالشؤون الداخلية لدولة عربية ذات تاريخ تحت شعار الدفاع عن فلسطين? في حين أن إيران لم تحرك ساكناً عندما كان الشعب الفلسطيني يتعرض للقتل والدمار. ولو كان "حزب الله" جاداً في الدفاع عن غزة, لكان باستطاعته أن يشعل إسرائيل بجبهات أخرى, فالدفاع عن غزة يكون بالطرق المشروعة والقانونية.

الأمين أكد أن "حزب الله" يفعل ما يشاء وساعة يشاء. وهو في لبنان يأخذ دور الدولة, وأعتقد أن بإمكانه أن يفعل الشيء نفسه في مصر, مبدياً استغرابه من تلكؤ الدولة بكل أركانها والقول أنها ترفض أن يتدخل حزب أو فرد أو جماعة بشؤون أية دولة أخرى, معتقداً بأنهم ربما يخضعون لدولة "حزب الله". ولكن مصر ليست دولة سائبة يمكن أن يدخلها من يشاء وساعة يشاء, معتبراً كلام الرئيس نبيه بري عن غزة بأنها حديقة خلفية لمصر بغير المقنع, لأن مصر لا تبحث عن حدائق ولديها الكثير منها, وكان مفترضاً به أن يعترف بأن ما فعله "حزب الله" مرفوض وفق القوانين والأعراف.

ورأى الأمين باعتراف الرئيس السوري بشار الأسد ارتكاب أخطاء في لبنان نقطة إيجابية قد تساعد على حلحلة الخلافات اللبنانية السورية.

الأمين اعتبر ان الانتقادات ل"حزب الله" بدأت عندما حاد هذا الحزب عن البوصلة وراح يتصرف بهذا الوطن وكأن لا يوجد له شركاء فيه, أما الخلاف مع الرئيس بري فكان بسبب موافقته على إطلاق صواريخ "حزب الله" من الجنوب بعد ما حارب التنظيمات الفلسطينية بسببها, و"حزب الله" وحركة "أمل" لا يمثلان إلا أتباعهما وهما لا يمثلان الطائفة الشيعية وبالتالي لا يمكنهما أن يقولا ان من ليس معهما هو خارج عن الطائفة, مؤكداً ان ما يجمعه مع 14 آذار والشيخ سعد الحريري هو مشروع الدولة وأن الحريري لم يفتعل السابع من مايو, متسائلاً: لماذا يحاولون أن يجعلوا من الطائفة الشيعية حالة نافرة في وطنهم?

ورأى ان إذا كانت الدولة بكل قدراتها ليس لها وجود في الجنوب, فكيف يمكن للمعتدلين والمستقلين أن يمارسوا حياتهم بحرية, مؤكداً بأن مكتبه وبيته مازالا محتلين وأن دار الإفتاء الجعفري علقت عليها يافطة كُتِب عليها "مكتب حركة أمل مقر قيادة جبل عامل", متهماً "حزب الله" وحركة "أمل" بأخذ أموال الدولة وأموال العرب على طريقة هم يريدون أموالكم ولا يريدون أحكامكم.

الأمين أكد أن "الخوف موجود", لكن هذا الخوف لا يمكن أن يقعده عن إبداء رأيه بحرية, داعياً حركة "أمل" و"حزب الله" إلى التحاور والتفاهم وأن يده ممدودة حتى للذين طردوه وأخرجوه ظلماً, مؤكداً بأنه لا يتوقع الكثير من الانتخابات النيابية, معتبراً الثلث المعطل من إنتاجات السابع من مايو وأن إصرارهم عليه رسالة بأنهم مستمرون في السلطة إما حاكمين أو معطلين.

الأمين وفي ختام الحوار معه, أبدى عتباً على بعض الأخوة العرب الذين يخوضون المعركة إلى جانب قوى الأمر الواقع, لأن هذه القوى تأخذ مال الدولة ومال العرب وتتكلم عن الدولة وعن العرب, وهذا نص الحوار:

ما قراءتكم للأوضاع في المنطقة في ضوء ما يسمى بالانفتاح الغربي سواء على إيران أو على سورية وانعكاسه على الساحة اللبنانية? يعني هل تقرأون متغيرات جذرية يمكنهم التوقف عندها?

/ أنا لا أرى أي متغيرات جذرية قد يحدثها ما يسمى بالانفتاح الغربي أو الانفتاح الأميركي بالتحديد على إيران وسورية وما يحصل ليس سوى إعادة تحسين للصورة, وتحسين شروط التفاوض مع الإدارة الأميركية الجديدة, على قاعدة تغيير أسلوب التعاطي مع هذه الإدارة, من دون الدخول في عمق المسائل المختلف عليها. لأن إيران لا تمثل الاعتدال الإسلامي في الدول الإسلامية ولا سورية تمثل الاعتدال العربي, لذلك ما يجري هو تبرير لدخول في هذه المنظومة الدولية الجديدة, وعندئذٍ سينعكس ذلك لمصلحة لبنان وربما يساعد على حلحلة الوضع المتأزم فيه.

برأيكم هل ستؤدي هذه العوامل الإيجابية لاستئناف المفاوضات بين سورية وإسرائيل?

/ لا شك ان هناك مساعٍ جدية من أجل الحل في المنطقة وأنا أعتقد أن إصرار إيران على امتلاك السلاح النووي سيؤثر سلبياً في استقرار المنطقة وتبديد ثرواتها على سلاح لا طائل منه, ولا يمكنه أن يحقق معادلات في المنطقة, سوى أنه يعطي مبرراً للتدخل في شؤوننا. وإن هذا النظام هو الذي أوصلهم إلى هذا التدخل, كما يعطيهم نفوذاً للتدخل في الخارج, ويغير معادلات بالقوة, لأن إيران إذا أصبحت دولة نووية سيسمح لغيرها بأن تصبح دولة نووية. وعندئذٍ ستطالب كل دولة في المنطقة بالسلاح النووي. ليست قوة إيران هي أن تمتلك سلاحاً نووياً, بل أن تحقق عدالة اجتماعية لبلدها وأن تصبح قوة اقتصادية وأن تحقق علاقات مع محيطها.

ما تفسيرك لانسحاب عدد من رؤساء الدول عندما كان الرئيس الإيراني أحمدي نجاد يلقي كلمته في مؤتمر الأمم المتحدة عن العنصرية الذي انعقد في جنيف, وهل هذا التصرف سيخدمه في الانتخابات الرئاسية المقبلة?

/ لا شك ان الشعب الإيراني يريد واجهة لإيران تتمتع بهالة من الصدقية والانفتاح على العالم وليس من مصلحة الشعب الإيراني أن يعيش ضمن حدوده الأربعة المغلقة عليه. الشعب الإيراني يريد أن يكون له نظام وأشخاص ينفتحون على العالم ويتواصلون معه. بالأمس هذا الانسحاب الذي جرى كشف لهم حقيقة السياسة غير المقبولة التي يمارسها رئيسهم, مجدداً سيكتشف الشعب الإيراني أن هذا الأداء السياسي الذي يعتمده رئيسهم هو أداء لا يخدم إيران في علاقاتها الطبيعية مع العالم.

من الواضح أن هناك أزمة قائمة بين جمهورية مصر العربية و"حزب الله" على خلفية اعتقال أحد كوادر الحزب في مصر واعترافه بتهريب السلاح إلى حركة "حماس". كيف تنظر إلى مثل هذه الأزمة, وهل يحق ل"حزب الله" التدخل في شؤون الدول الأخرى?

/ قلت إن تصرف "حزب الله" هو تصرف مرفوض, نحن نرفض أن يتدخل "حزب الله" في الشؤون اللبنانية بوصفه حزباً له مشروعه, فكيف نقبل بأن يتدخل "حزب الله" بالشؤون الداخلية لهذه الدولة العربية الكبرى ذات التاريخ, وذات الشعب الأصيل. من هنا نرفض أن يتدخل "حزب الله" تحت شعار الدفاع عن الشعب الفلسطيني, وهنا لابد من السؤال: لماذا إيران لم تحرك ساكناً عندما كان الشعب الفلسطيني يتعرض للقتل والدمار?

أظن أن كل هذه الدعايات والمواقف الدعائية لم تبطل مفعول غارة واحدة على الشعب الفلسطيني, ولم تبطل مفعول صاروخ واحد أطلق على هذا الشعب وقتل من قتل وأحرق ما أحرق من منازل وممتلكات إذاً, هذه حالة دعائية. لو كان جاداً "حزب الله" في الدفاع عن غزة لكان باستطاعته أن يشعل إسرائيل بجهات أخرى, أو على الأقل أن يطلع السلطات المصرية على ما يريد فعله, وعندئذٍ إذا قبلت السلطات المصرية ذلك نعمة وإذا لم تقبل هو يكون قد برأ ذمته. لأن "حزب الله" يقول إن ذمته مشغولة لأن تكليفه الشرعي هو يريد أن يدافع عن غزة فالدفاع يكون بالطرق المشروعة والقانونية فإذا استطاع إليها سبيلاً أهلاً وسهلاً.

هل مسموح أن يتصرف "حزب الله" بهذا, وأين دور الدولة في مراقبة تصرفاته وثنيه عن هذه الأمور التي تسيء لعلاقات لبنان بأشقائه?

/ "حزب الله" يرى أنه يفعل ما يشاء. يعني ساعة ما يشاء يريد أن يشعل حرباً, ويعلن حرباً ساعة ما يشاء, وينقل سلاحاً ساعة ما يشاء, يعتقل مواطناً. هو في لبنان يأخذ دور الدولة اللبنانية. لقد اعتاد على هذا الأمر, وقال: بإمكاننا أن نفعل هذا الشيء في مصر أو غيرها, ولذلك أنا تعجبت أن الدولة اللبنانية كان مفترضاً أن تكون سباقة بالقول أنها ترفض أن يتدخل "حزب الله" أو فرد أو جماعة بشؤون أي دولة مستقلة, لأن الدولة اللبنانية تخضع لمعاهدات دولية وقوانين دولية التي تحترم قوانين بعضها بعضاً, مع ذلك لم نسمع صوتاً من هذه المواقع يرفض تدخل "حزب الله". لعلهم يخضعون لدولة "حزب الله". هذا الذي يمكن أن يُفسر! وكيف يمكن أن يفسر ما مارسه "حزب الله", هل تقبل الآن الدولة اللبنانية? هي تقبل مكرهة بما يجري على أرضها, فكيف يمكنها أن تقبل أن يجري مثل هذا الأمر على ارض دولة أخرى? وأنا قلت إن مصر ليست دولة سائبة, ليست أرضاً سائبة, يمكن أن يدخلها من يشاء ساعة يشاء. نحن نحترم القوانين والأنظمة ويجب الوفاء لهذه المعاهدات وهذه العقود التي تصون العلاقات بين الدول والشعوب.

الرئيس نبيه بري طالب بحل هذا الموضوع بعيداً من الإعلام, برأيك هل النظام المصري جاهز للأخذ بهذه النصيحة? وهل تحل هكذا أمور على الطريقة اللبنانية كما يتمنى بري?

/ أنا أعتقد ان ما قاله الرئيس بري بأن غزة هي حديقة خلفية لمصر, كلام غير مقنع, مصر لا تبحث عن حدائق.. مصر فيها حدائق كثيرة وأرض شاسعة وشعب معطاء, كان المفروض على الرئيس بري أن يقول: هذا عمل مرفوض وفق القوانين والأعراف وعلينا أن نعترف بهذا الخطأ وعندئذٍ ينتهي هذا الأمر, إذا اعترفنا بخطئنا, بأننا قد أخطأنا, وخالفنا هذه الأمور وعلينا أن نصلح هذا الخطأ, لأن ليس من مصلحة الدولة اللبنانية ان يكون هناك خلاف مع دولة أخرى, إذا شجعنا على اختراق القانون في دولة عربية, فقد نشجع على الاختراق في دولة عربية أخرى. من هنا ما قاله بالأمس رئيس المجلس النيابي أنه يستبق الأمور ويحاول أن يلتف على ما هو مطلوب منه. مطلوب منه أن يرفض هذه الحالة, أن يقول: نحن لا نقبل بالتدخل ولا نسمح به, ونتمنى على مصر أن تنظر بهذه القضية وأن نتوصل إلى حلول. أما أن يصير هو حكماً بين فريق ارتكب مخالفة, وفريق له سيادته على أرضه وله كرامته, يعني هو يريد أن يحلها على الطريقة اللبنانية.

الملاحظ أن الرئيس السوري بشار الأسد وفي غضون شهر واحد, اعترف مرتين بأخطاء ارتكبتها قواته بحق لبنان أيام الوصاية السورية, كيف تفسر هذا التحول المفاجئ في السياسة السورية? وهل يعبر عن الحقيقة, أم يراد بها إرضاء الغرب لجهة تغيير السلوك السوري تجاه لبنان?

/ الاعتراف أمر جيد, ويمثل خطوة للمزيد من حلحلة الأزمة في العلاقات اللبنانية السورية ومع العرب.

ما رأيك في تطور العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسورية والانفتاح بين الدول العربية وسورية?

/ يجب أن تكون هناك علاقات إيجابية, وليس علاقات المهيمن على المهيمن عليه, سورية يجب أن تدرك أن العائلة العربية هي عائلة مترابطة متضامنة فيما بينها, لا يوجد شخص يهيمن على فرد من أفراد هذه العائلة, لذلك أنا أعتقد أنه عندما يلجأ فرد في العائلة لتصبح له مكانته هذا يضيف كماً جيداً في العائلة الكبرى.

يحمل عليكم خصومكم في "حزب الله" وحركة "أمل" بالتعرض لهم في كل مواقفكم, فلماذا تغرد خارج السرب وهل تخشى التعرض لكم بسوء?

/ الانتقاد ل"حزب الله" بدأ عندما بدأ "حزب الله" يحيد عن البوصلة, لكن عندما حصل الصراع الشيعي - الشيعي اعترفنا به, أما عندما كان "حزب الله" في بداية العام 1987 حصل الصراع الشيعي- الشيعي, لأنه أراد أن يخرج عن مساره بمواجهة الاحتلال وانطلق بحرب مع حركة "أمل". منذ ذلك اختلفنا مع "حزب الله". وأيضاً اختلفنا معه عندما حاول أن يفرض رؤيته الإيديولوجية على الآخرين أنت من حقك أن تطرح رؤيتك, ولكن ليس من حقك أن تفرض رؤيتك, واختلفنا أيضاً مع "حزب الله" عندما أراد أن يتصرف بهذا الوطن وكأن لا يوجد له شركاء, بما أنه جرت حرب يوليو أيضاً أنا عبرت عن رأيي علناً. ولعله قبل حرب يوليو العام 2006 التقيت السيد نصر الله وقلت له: نحن يهمنا الجنوب, الجنوب, وكانت هناك محطات قبل الحرب وسألته عن موضوع إطلاق الصواريخ باتجاه إسرائيل واختلفت مع الرئيس بري أيضاً حول هذه النقطة, قلت له: أنت اختلفت مع التنظيمات الفلسطينية على الصاروخ, لأن الصاروخ الذي كان يطلقه الفلسطينيون على إسرائيل, كان يكلف أهل الجنوب أرقاماً باهظة ويكلف لبنان الكثير, إذاً لماذا أنت يا أخي حاربت التنظيمات آنذاك على إطلاق الصاروخ والآن أنت تتبنى الصاروخ في حرب يوليو, أنا عشت المأساة التي عاشها أهل الجنوب, والصعوبات التي قاسوها وتعجبت كيف أن مليون مهجر شيعي تركوا بيوتهم وأملاكهم وأرزاقهم ولم يرف لهم جفن.

وسألناهم: إلى أين أنتم ذاهبون ولماذا لا تستمعون إلى أصواتنا, الراكب في السفينة يرى أمواجاً عاتية, استمعوا إلى أصواتنا واجتمعوا إلى وجوه الفكر وأهل الرأي والعلماء وعدونا بأن يفعلوا ذلك ووقعت حرب يوليو. كنا نقول لهم هذا الكلام سراً بيننا وبينهم. في حرب يوليو بعد الذي جرى كيف يمكن أن نقبل بما جرى? فقالوا: دع الأمور إلى وقتٍ آخر.

في وقت الواقعة لا يجوز أن نتكلم وبعد أن تمضي الواقعة يقولون لك: لماذا تتحدث عن الماضي? نحن عبرنا يومها بأن هذه الحرب لم يكن لها أي مبرر بأن تجرونا وتدخلوا لبنان بحرب غير متكافئة, لبنان ليس له قِبَلُ بهذه الحرب, الحرب لا تقام من أجل الحرب.

لبنان أدخلوه في حرب غير متكافئة, ولم يستشيروا الآخرين, ولم يستشيروا الدولة أيضاً ومع ذلك أدخلوا الناس في حرب مدمرة وأنا عشت المعاناة: مليون مهجر, وعشرات القرى دمرت وأربعة آلاف بين قتيل وجريح, والبنى التحتية التي دمرت في معظم المناطق اللبنانية. ولكن بالطبع عندما قالوا أنهم انتصروا, هذا الانتصار الذي ساعدهم عليه الإعلام المحلي والفضائيات العربية, لأنه بالتالي فإن المنتصر لا يحاسب, يقولون: قد انتصرنا وإذا انتصروا لن تحاسبهم الأسرة الفلانية ولا العائلة الفلانية ولا الدولة أيضاً تجرؤ على محاسبتهم وهكذا, لماذا لا يذهب الجيش إلى الجنوب? هم لا يريدون أن يذهب الجيش إلى الجنوب, ونحن منذ العام 2000 نطالب بأن يذهب الجيش إلى الجنوب, وهذا كان من نقاط الخلاف. يتأسفون على جيش هم أخرجوه من الجنوب وهم عطلوا دوره.

"حزب الله" وحركة "أمل" يمثلان الطائفة الشيعية ويستأثران بالقرار الشيعي, فلماذا أنت تغرد خارج السرب?

/ أولاً: هما لا يمثلان الطائفة, هم حزبان سياسيان, أتباعهما هم جزء من الطائفة, لكن الأحزاب لا تمثل طوائفها, تمثل أتباعها والمنتمين إليها, فإذا أجرينا عمليات إحصاء من هم مع حركة "أمل" ومن هم مع "حزب الله", حتماً فإن الطائفة الشيعية أكبر حجماً من أتباعهم, هم لا يمثلون الطائفة الشيعية, ولذلك هم لا يمكنهم أن يقولوا بأن من ليس معهم هو خارج عن الطائفة, ونحن الذين يجمعنا مع "14 آذار" والشيخ سعد الحريري مواقف مشتركة على مشروع الدولة والقانون, الشيخ سعد الحريري لم يفعل السابع من مايو, الشيخ الحريري هو عماد هذا البلد ولا يزال يساهم في بناء الدولة وتعزيز مكانتها. نحن مشروعنا الدولة والإمام موسى الصدر كان يقول:نحن نريد الدولة وكان يرفض منطق الدويلات, ما يجمعنا مع "14 آذار" هو مشروع الدولة ورفض أي حالة خروج عن الدولة. والدولة هي الوحيدة في السلم وفي السياسة وبالثقافة وبكل الشروط التي تتبناها الدول.

هم لا يمثلون الطائفة الشيعية, لأن الطائفة الشيعية هي طائفة وطنية بامتياز تريد العيش المشترك, لا تريد واجهة حزبية تحدث لها خللاً في علاقاتها مع الطوائف الأخرى, ولا تعزلها عن الوطن, وكأنهم يريدون أن يجعلوا من الشيعة أدوات لمشاريع خارجية وهذا الخطأ الذي ترتكبه "أمل" و"حزب الله". إنهما يجعلان من الطائفة الشيعية, ليس حالة نافرة في وطنهما فقط, بل في الوطن العربي.

الأداء يتسم بحالة من الإقصاء والإلغاء والارتباط الكامل بمشروع إيران في المنطقة وهذا أمر خطير, أو المشاريع التي يدخلون فيها الساحة اللبنانية, يقفون عند هذا الموظف يجب أن يكون شيعياً أو هذا الوزير يجب أن يكون شيعياً, هذا المنطق لا يبني دولة, هذا منطق مذهبي, منطق طائفي والعجب أنهم يفعلون النماذج ويقولون: لا للطائفية ولا للمذهبية. وهذا الأمر يجب أن نتنبه له حتى في أبناء الطائفية الشيعية, لن تحمي الطائفة الشيعية أحزابها, لن تحمينا في لبنان, لا أحزابنا ولا مذاهبنا, الذي يحمينا في هذا الوطن هي الدولة, هي الدولة الواحدة التي تجسد مظلة ومرجعية للجميع.

إذا كان "حزب الله" وحركة "أمل" لا يمثلان الطائفة الشيعية, فلماذا لا تثور قوى الاعتدال عليهما لتوقفهما عند حدهما من خلال العملية الانتخابية?

/ إذا كانت الدولة بكل قدراتها ليست لها وجود في مناطق تواجدهم, فهل يعقل للمعتدلين والمستقلين التواجد? أنا أضرب لك مثالاً: كيف يمكنني أن أصعد إلى الجنوب لأدلي بصوتي? أنا مكتبي محتل, لا يزال بيتي وأغراضي ومستندات الناس التي كانت موجودة في دار الإفتاء الجعفري وفي منزلي الموجود فوقه, لا يزال الآن محتلاً من حركة "أمل", المركز الذي كان مكتوباً عليه دار الإفتاء الجعفري, كُتب عليه: "مكتب حركة أمل قيادة جبل عامل". الحياة شكلية في هذه المنطقة, لا توجد حياة ديمقراطية ولا توجد المؤسسات التي تحمي الرأي الآخر, في التاسع من مايو الماضي وبعد غزوة بيروت, جاء المسلحون بالعشرات وأخرجونا بقوة السلاح وإلى الآن, لذلك فإن مشكلة قوى الاعتدال الشيعي هي أن الدولة ليست معهم, ولا "14 آذار" معهم. لا يوجد هناك مسعى جدي, الحكومة اللبنانية والدولة اللبنانية أو القوى المعارضة للهيمنة الموجودة في الجنوب لا تستطيع أن تدعم قوى الاعتدال في مواجهة التطرف. حتى الدولة اللبنانية بعد حرب يوليو والمساعدات العربية كانت تذهب الى قوى الأمر الواقع وليس للدولة, ولذلك فإن أسباب هذا النزاع على "مجلس الجنوب" هي الحصول على الأموال والبحث عن شبكة الاتصالات واعتبارها غير قانونية. لذلك اجتاحوا بيروت في 7 مايو.

الآن يطالبون بأموال الدولة وبأموال العرب, يعني هم يريدون أموالكم ولا يريدون أحكامكم. ولذلك يجب أن يكون تعاطي الدولة مع المواطنين في الجنوب وغير الجنوب بشكل مباشر وليس عبر مؤسسات تحولت إلى مقار حزبية.

أما مسألة الخوف كما قلت, الخوف موجود, لكن لا يمكن أن يقعدنا الخوف عن إبداء رأينا بحرية. ونحن قلنا مراراً بأن نتحاور, بأن نتفاهم ويدنا ممدودة, حتى للذين طردونا وأخرجونا ظلماً, نحن يدنا ممدودة لمن يريد أن نتحاور معه على هذه الأسس والثوابت التي ذكرناها في سياق الحديث مشروع الدولة, نبذ العنف, نبذ الطائفية, الاحتكام للقانون, هذا هو الذي نريده ونحن مستعدون لذلك.

أنت من حقك أن تطرح رؤيتك, أن تكون حزباً سياسياً, أما السلاح فيجب أن يكون في يد الدولة اللبنانية.

ماذا عن رأيك في الانتخابات النيابية? وهل تتوقع انتخاب مجلس نيابي جديد تنبثق عنه حكومة مركزية قوية تنعش آمال اللبنانيين بوطنهم?

/ نحن لا ننظر بكثير من التفاؤل إلى النتائج التي ستتمخض عنها هذه الانتخابات, لأنه كما رأينا هناك فريق يمتلك مختلف الإمكانات والقدرات العسكرية والمالية, وهناك فريق لا يمتلك هذا الأمر. كيف تكون النتائج جيدة مع أن تكافؤ الفرص بين المرشحين موجودة? ولذلك لن يحصل أي شيء, لكنها خطوة لا بد أن نشارك فيها انتظاراً لمتغيرات إقليمية تحدث ومصالحات في الداخل يمكن أن تؤدي فيما بعد إلى تعزيز دور الدولة ومؤسساتها.

متى تنتهي حالة "حزب الله" العسكرية?

/ تنتهي عندما يصبح جزءاً من الدولة اللبنانية وفي منظومته الحياة السياسية في هذا الوطن, بمعزل عن السلاح, لأنني لا أرى أن قوة "حزب الله" هي في السلاح, هي نقطة ضعف أصلاً في رؤيته وفي مشروعه, لأن كل الناس قد ترفع أصواتها تأييداً ولكن هناك شيئاً يخيفها. القوة الحقيقية تظهر لأي فريق سياسي ولأي رؤية عندما لا يكون هناك ضغط. "حزب الله", إذا انخرط في مشروع الدولة بالكامل, عندئذٍ يكون ذلك لمصلحته ولمصلحة الطائفة الشيعية عموماً. وعندما نقدم مصلحة وطننا وأهلنا على كل المصالح الأخرى, وعندما تصدق الدولة بأن عليها واجبات, لأن بسط السلطة لا يستجدي. لا توجد دولة في العالم تستجدي بسط سلطتها وتقول له: رجاءً طبق القانون يجب أن تأخذ الأمر بالقوة. كما قال الله في كتابه: "يا يحيى خذ الكتاب بالقوة". السلطة الموجودة في لبنان تراجعت بعد السابع من مايو وبعد "اتفاق الدوحة". قبل السابع من أيار كان فعلاً هناك إصرار على أن تأخذ الدولة دورها رغم ضعفها وعجزها, لكن كانت دائماً تقول لهم, بأن لي حقاً يجب أن آخذه وإن لم أستطع.

ضعف الدولة سببه التحول في سلوك "14 آذار" أم الثلث المعطل هو الذي عطل الدولة?

/ الثلث المعطل من إنتاجات السابع من مايو, هذه التراجعات التي حصلت بعد السابع من مايو ليس لها مبرر, لأنه كان يمكن أن تتراجع عن قضية أو عن قرار من أجل أن تدفع شر الآخرين وسطوتهم, لكن لم ينفعهم التراجع.

كيف تفسر إصرارهم على الثلث المعطل والمشاركة بعد الانتخابات? هل يخشون النتيجة ألا تكون لصالحهم?

/ هذا من المحتملات, لكنهم يريدون أن يبلغوا رسالة أنهم مستمرون في السلطة إما حاكمين وإما معطلين. هم بهذه الكلمات يعبرون عن مكنونهم ونواياهم في المستقبل, يريدون أن يحكموا البلد بهذه الطريقة, الآن سيذهبون إلى الانتخابات ولكنهم لا يرجعون إلى المجلس النيابي ويقفلونه عندما يشاؤون والحكومة هم يعطلون قراراتها..

هل من كلمة أخيرة في نهاية الحوار?

/ في بعض الأحيان للأسف فإن أخواننا العرب يخوضون المعركة إلى جانب قوى الأمر الواقع من دون أن يشعروا, والبعض من هؤلاء يدشنون المشاريع بالأموال العربية ويتكلمون على العرب وعلى الدولة اللبنانية, يأخذون مال الدولة ومال العرب ويتكلمون على الدولة وعلى العرب.