تخريف وهذيان وغرور

أحمد الجار الله/السياسة 22/1/2007

مداخلات الشيخ حسن نصر الله, أمين عام الحزب الايراني في لبنان, والتي أدلى بها من أمام عتبة منزله لتلفزيون المنار, كانت موجهة الى الأنصار والمحاسيب والمستزلمين, ولم تجد طريقها الى العقل العام الراشد, اللبناني والعربي, والذي يتعاطى بالحساب السياسي لا بالهيجان العاطفي وصرير الأسنان, واستعراضات الامكانات المؤذية المستقوية بالغير, والمعتدية على الأوضاع الوطنية وحساباتها ومصالحها.

الشيخ حسن لم يتخل عن توهمه بأنه رئيس لدولة أخرى موازية للدولة اللبنانية, وعبر هذا الوهم الكبير راح يعتبر أنه هو السبب في اسقاط دان حالوتس من رئاسة أركان الجيش الاسرائيلي, وسيكون هو السبب في السقوط اللاحق لعمير بيريتس من وزارة الدفاع الاسرائيلية وأيهود اولمرت من رئاسة الحكومة.. كان يتكلم عن هذا الجانب بتفاخر مرضي, كونه تفاخراً قائماً على التوهم, لان استقالة حالوتس تجيء في سياق ديمقراطية اسرائيلية تحترم تبدل الاتجاهات, وفي سياق مجتمع مدني, اسرائيلي حر غير مرهون لايران او أميركا.. لقد استقال رئيس الاركان الاسرائيلي لانه لم يوجع لبنان بضرباته في الصيف الماضي, ليس لضعف فيه, او لعجز في جيشه, بل لضغوط عالمية منعته من الوصول بحملته الى منتهاها اي قلب عالي لبنان الى سافله فوق رؤوس حزب الله ومن معه من جماعات لا تزال تعمل لمصالح المحور الايراني السوري على حساب مصالحها الوطنية ومصالح شعبها الذي قاد ثورة الأرز التاريخية من اجل السيادة والتحرر من الاحتلال السوري ومن أجل الاستقلال.

حالوتس لم يفشل في حربه على لبنان بدليل ان حزب الله لم يعد موجوداً في جنوب لبنان, وسلاحه لم يعد ينفع في ضرب اسرائيل بل في ضرب اللبنانيين في الداخل. لذلك لم يعد أمام الشيخ حسن سوى الانكفاء الى الداخل اللبناني ومناوءة حكومته الشرعية, وتعطيل كل الامكانات التي تضع الاكثرية النيابية البرلمانية في موضع الحكم والفعل والتقرير.

ولا نناقش هنا خروج الشيخ حسن نصر الله على أصول اللعبة الديمقراطية في بلده, حيث الحكم من حق الأكثرية البرلمانية, بل نلفت الى خطة المحور الايراني- السوري, الذي ينفذ الشيخ حسن مخططاته في لبنان والرامية الى عودة الاحتلال السوري للبلد, واستئثار ايران بقراره السياسي باسم الله وباسم أقدار الله وحزب الله الذي ليس هو حزباً آدمياً بمجاز الكلمة بل حزب رباني.. ولاجل بلوغ هذا الهدف المسموم نرى نصر الله يستلهم مخططات خميني الشوارعية التي أدت الى خلع شاه ايران وإخراجه من البلاد.. ما يصنعه نصر الله الآن في بيروت يستلهم حرفياً مخططات خميني في طهران تلك الحقبة حيث قطع الطرق العامة, وأغلق المطارات والموانئ العامة..

الشيخ حسن تصور ان بيروت ممكن ان تكون طهران, وان شعب لبنان متعدد الاديان والثقافات ممكن ان يكون شعب ايران المنصهر بكليته في ثقافة الحزن والموت والمراثي والمسيرات العاشورائية, وبالتالي فان رئيس الحكومة اللبنانية فؤاد السنيورة صعب ان يكون شاهاً آخر بكامل ظروفه ومحيطه الفاسد, وبكامل خصائصه.

لقد ذهبت الاوهام وتصورات القوة بحسابات الشيخ حسن كلها, فرأى

تضافر المجتمع الدولي الى جانب الحكومة اللبنانية, دلالة على ضعفها وعلى تصدعها, بينما العكس هو الصحيح, فالمجتمع الدولي يقف مع حكومة السنيورة لانها قوية تدافع عن سيادة وديمقراطية لبنان, وتقف بشراسة في وجه العملاء للخارج غير اللبناني, وهو خارج شمولي وديكتاتوري وارهابي محسوب على المارقين في هذا العالم والخارجين على قوانينه.. وهم الشيخ حسن هو الذي يصور له الواقع معكوساً فيعمل وكأن مصير حكومة لبنان بين يديه, بينما هو يحاول من حوالي الشهرين ولم يستطع بخطبه واعتصاماته ان ينال حتى من طرف ثوب السنيورة, او يهز من قوة حكومته ومصداقيتها.. الشيخ حسن في هذا الجانب المخيالي يستطيع ان يسوق بضاعته الوهمية على جماعته, لكن تخريفاته لن تدخل في قناعات الدول وقناعات الشعب اللبناني الذي بأكثريته لا يقف مع حزب الله ولا يؤمن بأطروحاته. التخريف يؤدي الى التخريب لكنه لا يشير الى وجود جماعة او اكثرية, فتنظيم القاعدة يخرب في العالم, لكنه فشل في الاستيلاء على الحكم في البلدان التي عاث فيها تخريبا كأميركا والعراق والصومال واسبانيا والمغرب والسعودية... كل ما نجح فيه هذا التنظيم الارهابي هو التخريب, والتخريب دائما يحتسب على الفاعل وليس على الضحية.

لقد بدا واضحاً ان تهيؤات الشيخ حسن نصر الله نابعة من المصدر ذاته الذي أنتج تهيؤات صدام حسين وآخرين ظنوا أنهم بالصوت العالي يغلبون الكثرة. فحتى الان لم توصل أوهام نصر الله الى مكان لا في مواجهة اسرائيل ولا في اعادة النفوذ الايراني الى لبنان وإشاعته, ولا في إعادة جيش الاحتلال السوري الى البلد, وكل ما فعله هو إلحاق الاذى الكبير بالوطن اللبناني وبشعبه.. لقد أثبت هذا الرجل ان الغرور قد أكل عقله ونفسه, وان كل قوة السلاح التي يملكها هي قوة ايذاء وليست قوة تنفع في مسيرات الاصلاح والتطوير. ويوماً ما سيكتمل وعي الناس في لبنان وسيدركون من هو الذي أساء اليهم وقتل حاضرهم وسد آفاق المستقبل في وجوههم.

ولنذكر في هذا المجال صدام حسين الذي فشل في خداع الناس كل الوقت, وانتهى به غروره الى السقوط والى حبل المشنقة