لبنان إلى أين ؟

سلسلة حلقات تتناول صراع الأقليات في اشرق الأوسط

والسياسة السورية الإرهابية لتدمير الإسلام

بقلم/لاحظ حداد

 

 

الحلقة الثالثة- جزء أول: محاسبة سوريا

------------------------------------------

ملاحظة: هذه الدراسة وُضِعت قبل انسحاب سوريا من لبنان.

 

هل أدت سوريا العلوية واجبها للعلى ، إنطلاقاً من لبنان ... فتخلت عنها إسرائيل؟

 

محصلّة الأحداث التي ضربت بلدان الشرق الأوسط، منذ انهيار حلم الأقلية العلوية في إنشاء دولتها على أيدي الانتداب الفرنسي وإقامة حلفها الاستراتيجي السري مع الأقلية اليهودية، تؤكد بما لا يقبل الشك أن ما أخذته هذه الأقلية على ذاتها من مهام لإثبات نظريتها في الهدف الأعلى للعربي المسلم (كما ورد في كتاب قادتها السابق ذكره، إلى الانتداب الفرنسي)، ليس هذا وحسب بل إن هذه الأقلية اندفعت في خطة أكثر ضرراً بالعرب خصوصاً والمسلمين عموماً فصبغتهم بصبغة الإرهاب وأدخلتهم في دائرته وهم يجهدون اليوم في محاولة الخروج منها دعونا نرى إلى ذلك:

 

في سوريا!

السيطرة التامة على الدولة باستعمال أبشع أساليب القمع والإرهاب المخابراتي الفكري والجسدي لفئات الشعب السوري وضرب المعارضة المدنية (90 % أقلية من غير العلويين) وسحقها في مجازر جماعية واغتيالات سياسية واعتقالات وتعذيب لم تعرف الإنسانية مثيلاً لها.

أكثر من ثلث قرن والأجيال السورية تتعرض لعملية غسل دماغ جماعية ، فغدت أشبه بالعبيد الذين لا يستغنون عن السوط، سوط الجوع إلى لقمة العيش مقابل عبادة الشخص، عَجزَ أعتى أباطرة الرومان عن التشبّه به.

من يصدق أن ملايين السوريين ، الذين لم يتمكن منهم التتار أنفسهم، لم يجدوا أكفئ من فتىً يولونه أمورهم فاضطروا إلى تغيير نصوص دستورهم كي يسلموه رقابهم. حتى العبيد كان لهم ثوراتهم، فمتى يثور السوريون؟ في الواقع، لقد لمحنا مؤخراً بدءَ تحركٍ ثوري للديمقراطية في سوريا، انطلاقاً من خارجها!

 

في العالم العربي وعالم الإسلام!

استراتيجية سوريا العلوية باتجاه الدول العربية بشكل خاص والدول الإسلامية بصفة عامة، ودعمها للحركات والأحزاب الدينية والأصولية فيها (مباشرة أو بالواسطة)، وتهديدها المستمر، ابتزازاً مالياً أو سياسياً، شجّع هذه الحركات والأحزاب على مناهضة أنظمة دولها وأحيانا تستولي عليها أو أقلّه إدخالها في صراعات محلية أو إقليمية لا تنتهي وها هي البلاد العربية تباشر حصاد ما زرعته سوريا في أراضيها!

 

في لبنان!

إن الأمثلة التي قدمتها سوريا العلوية لنشاط الحركات والأحزاب الأصولية (الإسلامية) في لبنان أو انطلاقاً من أرضه، طوال ربع قرن من الزمن، أي منذ تدخّلها الفعلي في الشأن اللبناني، ونجاح هذه " الإسلامية - الظاهرة " في الوصول إلى ما كانت تحلم في تحقيقه وإن جزئياً. أضف إلى ذلك، انبهار العالم أو ارتعابه من أعمال هذه " الأصولية الإسلامية" بل وعجزه البادي في وقفها أو معالجتها، في أوقاتها ، وأحياناً رضوخه الكلي لمطالبها ؛ جميع هذه العناصر، متكافلة ومتناسقة، استفزّت حميّة الفئات الأصولية الإسلامية في العالم لاستنبات حركات مسلحة تعتمد العنف والإرهاب المسلح بغية تحقيق مطامحها السياسية في دولها أو التنفيث عن أحقادها ضد فئات أو أثنيات لا تدين بدينها. وهذا ما اضطر دولها الجوء إلى محاربتها وضربها.

 

نأخُذ أمثلة جوابية بسيطة فنقول:

** ماذا دهى المتشددين من مسلمي مصر، التي اشتُهرت بعفة الإسلام، للتحوّل، عن محاولات إخوان سيّد قطب الديمقراطية لتحسين نظام الحكم في مصر، إلى مفاجأة أعرق أبناء مصر أصالة ووطنية ومباشرة التهجّم ثم الانقضاض عليهم وذبحهم دون ذنبٍ اقترفـوه؟ وهل تُخلق الفتنة بغير وسيلة؟ وهل بقتل المسيحيين يصل الإسلاميّون إلى حكم مصر، أم أن هؤلاء هم مصريون محببون في المشاركة في بطولات التحرير المصرية، يستفاد منهم لإظهار وحدة الشعب المصري أمام العالم ومرفوضون لرفضهم الدعاة الأصوليين؟ نتذكر صولات أحمد سعيد في الثناء على الوحدة الوطنية أثناء الحرب على مصر!

 

ولهؤلاء سؤال بسيط: هل يستقيم لكم حكم مصر، إذا خلت من مسيحييها الذين قطعاً لا يحكمونها؟ هلاّ تفضّل دعاة الأصولية في مصر بالكشف عن غاياتهم النهائية فـلرُبما وفّر مسيحيو مصر عليهم عقاب السماء القايـيني.

** أليس مستغرباً أن تقدّم إسرائيل الدعم لإيران لمواجهة العراق وأن تسهم سوريا في حرب الغرب ضد العراق أيضاً؟ لعبة الدكتور جيكل والمستر هايد السورية مع العراق لن تجعل العراق، الذي أذهلت سياسته قادة الفتح الإسلامي، ينسى تاريخها معه قط! أليسَ هذا التصرف من سوريا العلوية هو تنفيذٌ لخط من خطوط استراتيجيتها، لضرب كل مقومات الإسلام، سوف يتبلور فيما يأتي من السنوات؟

** تحرك مسلمي الشيشان واعتمادهم العمليات الإرهابية في الداخل الروسي دفع ثمنه آلاف المسلمين!

** تحرك مسلمي البوسنة وباقي دول البلقان أقامت حروباً دمرت المنطقة وذهب ضحيتها عشرات آلاف المسلمين والمسيحيين على حدٍ سواء!

** مسلمو اندونيزيا وماليزيا والفليبين، لماذا انطلقوا " فجأةً " لذبح من عاشوا معهم قروناً طويلة!

 

لا شك أن تحرك مسلمي البلقان وادعائهم ملكية الأرض ومطالبتهم بالاستقلالية والذاتية، ما كان له أن يبرز لولا انهيار الشيوعية والاشتراكية وتشجيع الأصولية الإسلامية له فتَـنامَ ظهورُه بصفته الإسلامية دون كبح جماحه أو وقفه. لقد تناسى هؤلاء، مسلمو البلقان (المستوطنون أو الفاتحون)، أن الأرض التي يطالبون بها، إنما أُخِذَت بحد السيف إثر مجازر جماعية تندى لها صفحات التاريخ الإنساني. ولم يستَغرب الغرب أن يهبَّ العالم الإسلامي، بخاصة الدول العربية، إلى نجدة أولئك المسلمين المساكين! فيقيمون جسوراً جوية لمعوناتهم الاقتصادية الإنسانية ويوفدون إليهم كوادر قتالية. كما لم تندهش شعوب الغرب من تدخل دولها عسكرياً لنصرتهم. وربما بدا لهذا التدخل عند البعض مصالح اقتصادية أو سياسية لكن من الأصح القول ان ما دفع الغرب الى نصرة مسلمي البلقان كانت القيَم الحضارية التي تحترم حقوق الإنسان بغضّ النظر عن انتمائه الديني أو العرقي.

إن أهوال ما تعرّض له أصحاب الأرض، من الصرب والكروات وغيرهم، أبناء البلقان الأصليين، من ضربات عسكرية على أيدي أبناء ملّتهم (إذا جاز التعبير) الغربيين، لم يمنع الإسلام وأصوليـّيه من متابعة نعت هؤلاء الغربيين بالكفر والزندقة. كذلك لم يمنع الإخوان في الإسلام، اعترافاً بجمائل الغرب في نصرة إخوانهم في الإنسانية، من الانقضاض على أقليةٍ مسيحية تعيش بين مئات ملايينهم، فانهالوا على أبناء " تيمور" ضرباً وقتلاً وتدميراً! ولم نسمع قط أن أيةَ دولةٍ إسلامية، وبخاصة العربية منها، فكّرت أو جرّبت الوقوف في وجه أبناء ملّتها (إذا جاز التعبير أيضاً) نصرةً لاخوةٍ في الإنسانية، أقلّه في مبادرة تشجيعيّة، إقناعية، يفرضها الادعاء الدائم والاقتناع بأن الإسلام هو دين التسامح والسلام!

ومن أبسط الأسئلة التي تتبادر إلى ذهن غير المسلم ولن نقول المسيحي:

هل الأخوّة في الإنسانية عند المسلمين هي فقط بين أتباع الإسلام، فتستوجب المبادرة إلى تقديم المعونات والمساعدات الإنسانية، مادية وسياسية وأحياناً عسكرية، انطلاقاً من مقولة: أنصر أخاك، ظالماً كان أم مظلوماً؟ أم هو دعم جهاد أخي العربي في الصين بحسب تعليقات السعيد الذكر، أحمد سعيد، في إذاعة صوت العرب؟

وهل الأخوّة في الإنسانية في نظر الإسلام، فرض واجب على العالم غير المسلم، لمساعدة المسلمين في تجاور محنِهم، فلا تستوجب حتى كلمة الشكر (الإنسانية) التي بها تدوم النِعَم؟ أترى هذه إحدى عقائد الإسلام؟

لن ننجرف إلى الاستفاضة في بحث نتائج كل هذه على الفكر الشعوبي لدى كلا الحضارتين، الغربية والإسلامية، اللتين يتنادى علماؤهما الى عقد ندوات التقريب بينهما. فإن ما يهمنا هنا هو تبيان أفضال سوريا العلوية في وصول نشاط الأصوليين الإسلاميين إلى هذا المدى من القوة والانتشار. ولماذا تُعقَد مثل هذه الندوات لو لم يكن هناك بونٌ شاسع بين الحضارتين!

 

والسؤال الكبير يبقى: من حرّض هؤلاء وأولئك أو أيقظهم وأوحى إليهم القيام بما قاموا أو يقومون به تحت مظلة الإسلام لولا نجاح هذه المظلة التي تمسك بها اليد العلوية فوق يد الإسلام وفي بلاد منبت الإسلام بالذات وتحركها؟

أليست سوريا العلوية، باستقطابها جميع الحركات الأصولية واستيعابها لكامل توجهاتها وتشجيعها حيناً وترهيبهاً حيناً آخر حتى باتت جميعها كالخاتم في إصبعها أو كخيوط الأراجوزات في يدها. تُكسبها حيناً وتُخسِرها آخر. توصلها إلى بعض أهدافها وتحققها حيناً وتقطع يدها عنها وتمنعها حيناً آخر؟

 

أليست سوريا العلوية من أظهر للعالم قوة إرهاب الأصولية الإسلامية في لبنان وإمكانياتها في احتجاز الرهائن أو قتلها حيناً وتسليم هذه الرهائن حيناً آخر. تقف وتشرف وتُعِد متفجرات الموت البشرية وتحميها وتؤّمن طرق وصولها لتدمير أهدافها، إلى آخر اللائحة التي لم تنتهي بعد؟

 

أليست، كل هذه الأمور، مجتمعة أو منفردة، هي التي جعلت جميع الإسلاميين، المفكرين وغير المفكرين، يفكروا بانتهاج نهجها الإرهابي للوصول إلى ما يرومون تحقيقه. وهذه بالتالي شجّعت جميع مسلمي الأرض للتمادي في والاندفاع إلى محاولات أسلمة العالم " الكافر " تحت طائلة التكفير، ومن يراقب مدارس الدعوة الإسلامية في الإعلام المرئي والمسموع وحتى المقروء يدرك ما نقول.

 

نأخذ مثالاً:

جميع علماء قناة الجزيرة الفضائية، دينيين وعلمانيين، في حلقات مناقشاتهم أمور العصر، يُجمِعون في فتاواهم على رفض كل ما ومن يخالف رأيهم الإسلامي. ليس دفاعاً عن أصولية في الإسلام، ربما ، لكن دفاعاً عن الإسلام كله الذي بنظرهم يتعرّض إلى ظلم العالم. تمنينا ولو لمرةٍ واحدة فقط ومن عالمٍ واحد ممن يتحلّقون لمناقشة ما يُسْتَدعَون لمناقشته من أمور، أن يستعمل لغة المنطق والعلم دون أن يستشهدَ بآيات أو حكمٍ إسلامية مؤيدة لآرائه. كأني به لا ثقة له بنفسه وبعلمه أو أنه يستَدرج مُحاوِرَه، إما إلى القبول بما يقول، دون جدال وأما أن يرفضه. وهنا يقع في المحظور ويصبح المحاور كافراً لا تجوز محاورته! وبناءً عليه: يُقادُ المستمع الرائي المشاهد إلى سلوك جادةٍ واحدة هي جادة القانون الديني ويرفض ما عداه من قوانين؛ امّا لاقتناعه بصوابيتها أو خشية التكفير! وهكذا، فسوف يرى العالم إلى كل مسلم، خاصةً خارج بلاد الإسلام، وكأنه داعية إسلاميّ مهمته الأساسية هداية غير المسلم إلى الإسلام. الأمر الذي سيحوِّل هذا، غير المسلم إلى، إما إلى محاذرةِ التعامل مع ذلك الداعية أو أن ينفر عنه أو يستفزُّ لديه حاسة الدفاع عن النفس والعقيدة.

أفَـلا يجدر بعلمائنا هؤلاء أن يبرهنوا أن في الإسلام علماء بإمكانهم محاورة العالم قاطبـة، بعلمهم ومنطقهم، عوضَ أن يجهدوا لبرهانٍ وحيد وفقط هو أنهم علماء في الإسلام؟

 

ألا ترى الدول العربية أن ما تقدمه التلفزيونات العربية من برامج تثقيفية محض إسلامية هي دعوة صريحة لغير المسلمين إلى الريبة والشك والحذر مما تسمعه من فتاوى واجتهادات " شرعية " في أمورٍ لا تهم سوى المسلم الذي هو بحاجةٍ إليها. لا سيما وأنها، جميعها تصب في النهاية بتعابير مثل الجهاد في سبيل الله! وتدعو إلى التساؤل عمّا تعنيه غير القتال من أجل أسلمة غير المسلمين من قومٍ يلقبونهم بالكافرين أو الملحدين؛ وكأن هذا (اللـه) لا تطيب رفقته أو توجد وسيلة إليه إلاّ بالقتال والجهاد (والعياذ بالله !).

 

ألا يا قوم كفى، فعصر الجاهلية، مسيحية كانت أم إسلامية، انتهى وزمن الكفر والتكفير انقضى وحروبكم في نصرةِ الدين ضد رافضيه ولّى إلى غير رجعة. فالدين الذي تحاربون في سبيله قائم ويقوم في وضع قيمه موضع التنفيذ وإظهار مبادئه في الممارسة وليس بالجهاد. نقول هذا ونحن نرى ونسمع مشاركة كافة أديان الأرض في لقاءات تنوير ومحبة وتعارف لاختصار مسافات الفرقة بينها كيما يصبح بإمكان الجميع الوصول إلى أحضان الخالق الذي بإسمه وفي سبيله تجاهدون!

الله لم يوكل أحداً في الدفاع عنه وقديماً قيل ما معناه:

الهمّ وَقِّني من أصدقائي، أما أعدائي فأنا بهم كفيلُ!

 

الى اللقاء في الجزء الثاني

لاحظ حداد