لبنان إلى أين ؟

سلسلة حلقات تتناول صراع الأقليات في اشرق الأوسط

والسياسة السورية الإرهابية لتدمير الإسلام

بقلم/لاحظ حداد

 

الحلقة الثالثة- جزء ثاني: محاسبة سوريا

-----------------------------------------

ملاحظة: هذه الدراسة قبل انسحاب سوريا من لبنان.

 

هل أدت سوريا العلوية واجبها للعلى ، إنطلاقاً من لبنان ... فتخلت عنها إسرائيل؟

 

ثلث قرن من الديكتاتورية المغلقة في سوريا هي لا شك كافية لاحتواء أسرار منطقة الشرق الأوسط بأكملها، لكن هل يظن السوريون (العلويون) أنهم وحدهم القادرون والذين يملكون مثل هذه الأسرار؟

وفيما هم الآن سادرون في أهزوجة القومية العربية التي عفا عليها الزمن ، تهرّباً من محكمة العالم عن مجازر الأصولية وإرهابها التي أشرفوا وشاركوا فيها، ويستصرخونها (القومية العربية) الوقوف معهم لدرء خطر الانتقام والعقاب لتجاوزهم كل الحدود والخطوط الحمر والصفر وحتى الخضر. وقد فاتهم أن شريكهم الاستراتيجي المزعوم، وقد ضرب في عقر داره، سوف يتخلى عنهم بعد أن أدوا قسطهم للعُلى.

 

جميع تنظيراتهم في فوارقَ مزعومة بين المقاومة القومية والإرهاب القومي لن تدرأ عنهم عقاباً، لعلّه سماوياً على أيدي بشرية. فالتلطي وراء ادعاءات يطرحونها في أسواق السياسة العربية، لا تُشرى ولا تُياع ، لم يعد العالم يأخذ بها.

 

وبات من الموثوق به، أن العالم قد مـجَّ هذه التنظيرات السورية. وهي الدولة الوحيدة في العالم العربي والشرق أوسطي كله التي تتمتع بالسلام في حين أن غيرها من الدول تموج في بحر من الحروب. وأن هذه الدولة "غير المقاومة أبداً " هي التي تخطط وتدعم جميع مدعي المقاومة كي تبقي على نيران الحروب متقدة في كافة الاتجاهات. ففيما حدودها ساكتة صامتة لا حراك فيها ، نجدها تشغل جميع حدود الدول الأخرى وخاصة لبنان وترفض إسكاتها. وما ادعائها بطلب السلام الشامل، الذي يتطلب معجزة إلهية، إلاّ إلهـاءً ومنعاً للوصول إلى هذا السلام المزعوم.

 

وبات من المؤكد أن أهل النظام الحاكم في سوريا (العلويون) لن تستريح قلوبهم الحاقد على كل ما عداهم من أقليات في دولها قبل إفنائها، ما لم يصار إلى تحجيم دورهم وقطع يدهم، لكن هل هذا ما زال يريده الحلفاء الإستراتيجيون؟

فَ: بعد انتصار السلام في جبهتي مصر والأردن وبدءُ انتشاره في المنطقة وضعت قضية العرب الأولى، فلسطين، على سكة الحل بمباشرة أهلها حلها بأنفسهم كما بادرت المنظمات الفلسطينية الرافضة إلى المناورة مع قياداتها في الداخل للوصول إلى أفضل الحلول لإقامة دولة فلسطينية للجميع ، أخذ العالم، وعلى رأسه أكبر القوى الدولية، في المساهمة للوصول إليها. ولولا تدخل السوريين وزرع الخلاف بين هذه الأطراف لَكانَ الفلسطينيون قد بدءوا الاستمتاع بدولتهم ولَـما وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه هذه القضية اليوم.

هذا التصرف السوري حيال القضية الفلسطينية يقودنا إلى الاستنتاج بأن شعور النظام السوري أو الأقلية الحاكمة (العلوية) بفشل استراتيجيتهم أو إفشالها، لا فرق، قد أيقظ لديهم حاسة الشم بالخطر القادم صاخباً مجلجلاً. هم الآن، فقدوا زمام المبادرة في استعمال الإرهاب وابتزاز العالم ولم يعد بين أيديهم من الخيوط التي روّجوا استعمالها سوى بقايا القضيتين الأساسيتين: القضية الفلسطينية والقضية التي تفرعت عنها ، القضية اللبنانية.

فَ: حلّ القضية الفلسطينية بحلول السلام وإقامة دولة فلسطين، يجعل قضية سلامهم واسترداد جولانهم، بحسب قرارات الأمم المتحدة ، تستقر على رف الانتظار

وَ: حل القضية اللبنانية لم تعد، بحسب قرارات الأمم المتحدة أيضاً، قضية سلامٍ بين لبنان وإسرائيل. فهذا انتفت أسبابُه ومعوقاته أيضاً، بعد تنفيذ القرار الدولي رقم 425 من قبل إسرائيل والأمم المتحدة معاً.

السوريون، وقد استشعروا الخطر الداهم. عوض التوقف والتقاط أنفاسهم الدبلوماسية التي اشتُهِرَ بها رئيسهم السابق وممارسة سياسة التكويع التي برع فيها. نجدهم يمارسون أفضل سياسة دفاعية معروفة في علم الحروب أي سياسة الهجوم. لكن فاتهم أن مثل هذه السياسة لا تجدي حيث لا توازن ولو بسيط في موازين القوى. لا سيما بعد أن وقف العالم كله في مواجهة هجوم حرب الإرهاب التي ابتكروها!

 

عِوَضَ ذلك.

استنهض السوريون جميع فرق الرفض الفلسطينية التي تقيم في سوريا وفي لبنان. وبما لديها من تأثير أوعزت بضرب وتخريب كافة السبل المؤدية إلى الهدوء فالانطلاق مجدداً في طريق السلام الذي كان على قاب قوسين أو أدنى من الوصول إلى نهايته. جرّاء ذلك سقط المئات من الفلسطينيين ودمر الاقتصاد الفلسطيني. ومعه ذهبت سدىً جميع الأموال والمساعدات العربية والغربية التي انهمرت على السلطة الفلسطينية للمباشرة في تأسيس وإقامة البنى التحية لدولة فلسطين المزمع إنشاؤها!

 

واليوم، بعد كل هذا الدمار الذي سببه شحن النفوس المتأتي من المناظرات السورية عن المقاومة والجهاد. وبعد أن أعلن العالم ضد هذا الجهاد واتهامه بالإرهاب مع المحافظة على التعامل مع رأس السلطة الفلسطينية وحدها، (رغم اتهامه شخصياً بإدارة الإرهاب)، لم يعد هناك فكاك لهذا التشابك الرهيب، القاتل والمدمر، إلاّ بوقف التدخل السوري، المباشر وغير المباشر، في القضية الفلسطينية . وقد رأينا مؤخراً أن قمة المتهمين بالإرهاب الفلسطيني تنادي بعدم التخلي عن رأس السلطة الفلسطينية . هم ربما أدركوا وإن متأخرين أنهم يمتطون صهوات جيادٍ غير أصيلة سوف تقذف بهم أرضاً وتدوسهم بسنابكها، كما فعلت دوماً. إنها خيول سوريا غير المطهمة.

 

والخطر الأكبر يجب أن تتوقعه سوريا يجب أن يمر حتماً عن طريق لبنان . فإرهابها انطلق من لبنان ومن الطبيعي أن يرتد عليها عن ذات الطريق . فالقضية اللبنانية هي الورقة الوحيدة المتبقية في يديها . وقد بلغت ذروة تأجيجها . فبعد الانسحاب الإسرائيلي من الجنوب اللبناني والقرار الدولي في موضوع مزارع شبعا، لم يعد لديها أية ذريعة لإبقاء دعمها لحزب الله ، سيما وأن هذا الحزب قد افتضح أمره أخيراً وبات في رأس قائمة منظمات الإرهاب الدولي .

 

غير أن سوريا ، وقد ائتلف الكثير من قادتها السياسيين مع النهج الذي اتبعوه إلى الآن في لبنان والعالم، بات من العسير عليها التصديق بأن دورها الإرهابي قد ولّى زمنه إلى غير رجعة، وأن ثمة عليها أن تستلحق نفسها وتتخلى عن احتلالها للبنان. لكنها على العكس من ذلك تماماً، تصرّ على متابعة مناوراتها العقيمة فيه.

 

لعله من المفيد واللافت أن قادة العالم الذين أعلنوا الحرب العالمية على الإرهاب يصرّون، أيضاً، أكثر من أي وقتٍ مضى، على إرسال الإشارات والإنذارات المتتالية إلى سوريا. ربما كان ذلك تكريماً لبعض الصداقات في البلاد العربية. وربما أيضاً، بسبب العلاقات المميزة للمغتربين اللبنانيين في العالم الذين دأبوا، منذ سنوات، على توضيح أسباب رضوخ شعبهم اللبناني في لبنان لقوة الإرهاب القاهرة السورية، من أجل إبعاد كأس العقاب عن لبنانهم.

 

وتأبى سوريا، في تصرّف مستغرب وليس غريباً منها، أن تنصاع للإرادة الدولية، وتستمر في مكابرتها القاتلة، لعل وعسى، يفلح العرب واللبنانيون المتولّون حكم لبنان، في دفع ضريبة القضاء الدولي عنها.

 

فسوريا، وقد هالها أن تُستَـفْرَد ، شعرت بتخلي إسرائيل عن استراتيجيتها معها، لم ترفض، إلى اليوم، التخلي عن ورقة لبنان فقط بل هي تتابع مناوراتها لإفناء من تدعي أنهم مقاومة وطنية أو إسلامية (لا فرق الآن). ليس هذا وحسب بل تحاول جعل لبنان وحده يدفع الثمن! ويبدو أن هذه قد تكون آخرمهامها في لبنان!

 

وفي هذا الإطار، نرى سوريا القابضة على عنق الحكم في لبنان، تدفع يوميّاً، إلى سوق السياسة السوداء في لبنان، بطروحات جديدة ومتجددة عن المقاومة الوطنية وبالتالي تدفع بأحجار "الدامـا" حكام لبنان إلى تبنّي هذه الطروحات كيما تتنصل هي منها لاحقاً. وبهذا يدفع اللبنانيون الثمن، ثمن غباء قياداتهم! وفات سوريا هنا كما فاتها سابقاً في فلسطين، أن العالم الذي يؤخر إلى الآن عقابه، وبعد يقظته على الإرهاب، سوف يتجاهل أو ينسى ما اقترفت يداها في لبنان في حق لبنان وانطلاقاً من لبنان في حق العالم! لكن إلى متى. ذلك ما سوف نرى إلى نتائجه قريباً وقريباً جداً.

 

الى اللقاء في الجزء الثالث

لاحظ حداد