الدولة المدنية العلمانية .. هل تقوم بفكرِ عسكريٍّ

مقارنة بين جنرال فرنسا وجنرال لبنان

بقلم/لاحظ س. حداد

 

الجنرال الفرنسي ديغول

الجنرال الفرنسي شارل ديغول، من موقعه العسكري وبفكرٍ استراتيجي وبعد نظر أشبه بالرؤى، حذّرَ دولته من خطر النازية ووجوب الاحتياط لمواجهتها؛ لكنّ حكومة فرنسا، لم تأخذ بتحذيرات ديغول المتكررة، وكان أن سقطت الدولة الفرنسية تحت الاحتلال الألماني.

انفرد الجنرال بمقاومة لم يسجل التاريخ مثيلاً لها من قبل.. مقاومة فرضت احترامها على دولٍ عظمى فاحتضنته وأولَته ثقتها وأدخلته شعاب استراتيجيتها.

صوت الجنرال عبر مذياع انكلترا ونداؤه التاريخي إلى الشعب الفرنسي، أطلق مقاومة أسهمت، إلى أبعد الحدود في انهيار ألمانيا الهتلرية، إنطلاقاً من فرنسا. وفرضَ مشاركة فرنسا في نتائج الانتصار.

أعاد الجنرال ديغول كرامة وطنه ومشعل الحرية إلى أيدي شعبه فكافأَه بتسليمه قيادة وإعادة تركيز أُسس الحكم فيها. ثم اعتزل، هذا العسكري الملهَم، مُخلياً الساحة للتصرّف الديمقراطي الأصيل في الحياة السياسية الفرنسية.

لم يتوانى ديغول عن تلبية نداء شعب فرنسا في العودة إلى تسلّم الزمام، بعد فشل حكامه في معالجة أزمة الجنرالات في الجزائر التي هددت بقيام حرب عنصرية وقومية، فقام بما يتوجّب عليه وأقصى الجنرالات الأربع معيداً الاستقرار إلى فرنسا وحرية القرار للشعب الجزائري.. ثمَّ كان اعتزاله النهائي للعمل السياسي، مقدماً المثال الأروع لتواضع الكبار في رقدةٍ أخيرة في رمسٍ متواضع في قريته النائية ذات الكنيستين.

مذ ذاك وهذا الوطني الكبير، صار حجةً عالمية للشرف العسكري ونبراساً للكرامة الوطنية والتعفف عن السلطة والتسلّط.

 

جنرال لبنان.. كاد يكون ديغولـه!

في موقعه العسكري أظهرجدارة مميّزة لكنَّ اسمه لم يبرز تماماً إلاّ بعد تسليمه حكماً انتقالياً من الرئيس الدستوري، الذي كان رفّعه إلى القيادة ووثقَ به، بهدفٍ وحيد أقسم على تحقيقه هو: المحافظة على البلاد وتأمين انتخاب رئيس جديد..

جنرالنا، تعدى صلاحيات المهمات التي أُوكِلت إليه فاحتفظ بالمهمة الأولى، أي المحافظة على البلاد، وهي مهمة مؤقتة ليست في الأساس ولم تكن قط منوطة في الأصل برئيس للحكومة وحده، وبادر إلى استغلال هذه المهمة المؤقتة لاحتلال الموقع الرئاسي ومعه موقع رئاسة الحكومة معتبراً نفسه رئيساً مؤقتاً لحكومة إنقاذ لم تكن مطلوبة؛ وحتى هذه الحكومة لم يكتمل عديدها قط، وتصرّفَ كرئيسٍ سيُنتخب للبلاد. بعض المتهورين صفق.. وبعضهم ارتعب.. والبعض الآخر استكمل رهانه..

جنرالنا، من موقعه الجديد، استغلَّ ظروف الانشقاق الوطني، وأمام إغراءات الكرسي الرئاسي، لم يتناسى عهدتَه وحسب بل حوّل موقعه إلى وسيلة ارتقاء إلى هذا الكرسي. وكي يسبغ على ذاته صفات بطولة افتقدها المجتمع المُحبَط في غياب المؤهلين له، اعتمد الجنرال أبسط قواعد الاستراتيجيات العسكرية "الهجوم أفضل وسائل الدفاع".

هكذا، إنطلاقاً من قناعته الشخصية، تخلى عن واجبه الذي اختير وعُيِّن من أجله، فأفشل جميع محاولات النواب للقيام بانتخاب رئيس جديد للجمهورية..وأطلق سلسلة من الهجومات العسكرية كان أهمها، حينذاك، ما يُسمّى بحرب التحرير ضد الجيش السوري.. حرب تحرير هذا الجنرال قدّمتَ حالة من العنفوان الوطني حفّزت الكثيرين على معاضدته والتظاهر لمصلحته كما دفعت الكثيرين إلى مجابهته.. وكان مؤتمر الطائف.

صلابة مواقف الجنرال من الطائف أضفَت عليه هالة من الكرامة الوطنية والتقدير الشعبي لاسيَّما وهو، بُعَيْدَ طرح مبادئ البطل الوطني الأكبر بشير الجميّل الذي اغتيلَ، أعاد إحياء الأمل في نفوس محبي البطل، لبنانيين وغير اللبنانيين، فصدقوا طروحاته، وهذا ما جعله يطرح نفسه رئيساً للجمهورية.. الأمر الذي لم يفعله جنرال فرنسا. إثباتاً لجدوى القبول به رئيساً، بناءً على إغراءاتٍ سورية وإيحاءات عربية مبهمة، التي ربما، ابتغت تسهيل سبل الانتقام من مواقفه الحادة ضد الجميع، أقدمَ هذا الجنرال على، ما لم يتبادر إلى ذهن جنرال فرنسا.. إلغاء القوى المسيحية فَ..

تحت شعارات مبتكرة ومتغيّرة ومتلونة، استدرج المقاومة اللبنانية "القوات اللبنانية" إلى منازلة مدمرة تمكن العقلاء، بعد لأيٍّ، من إيقافها. هذه المنازلة أدت إلى شق الصف المسيحي بين مَن يؤمن ويحمي جيش الوطن وهو ضنينٌ به ومن يقدر عالياً جهود المقاومة اللبنانية ويرفض التخلّي عنها لاسيّما بعد أن قدمت هذه المقاومة كامل دعمها لهذا الجنرال في حرب تحريره ضد سوريا..

وتناسى جنرالنا ما فُوِّضَ به فكانت حربُ الإلغاء "القشة التي قصمت ظهر الجمل" المسيحي وسلمته بما حمل إلى أيدي النظام السوري ومن دبّ دبّه فكان أن انتصر حقد النظام السوري وأودى بالمسيحيين ومقاومتهم ولم يعد باستطاعتهم حتى مجرّد الدفاع عن أنفسهم فكيف بالدفاع عن الوطن.. فعوضَ أن يسترجع الجنرال للوطن كرامته أحاله بؤرة للابتزاز والمتاجرة بين النظام السوري والنظام العالمي الجديد.. ونال الجنرال الحالم بالبقاء في قصرٍ لم يُرمَّم بعد، "جزاء سنمار" ضرباً للقصر واستشهاداً للجنود وإحباطاً للشعب وإقصاءً ونفياً له!

 

هذا ما أنتجه شبقُ الجنرال إلى الرئاسة وقتذاك.. وها هو اليوم يُعيدُ الكرّةَ مجدداً.. بوتيرةٍ لم تتغيّر.

منذ عودته إلى الوطن، عاوَد الجنرال حلمه القديم المتجدد وانطلق ينشقّ عن التيار السيادي ويشقه ويستعين بمن لم يسعى يوماً إلى وحدة الوطن بقدر ما يسعى إلى تنفيذ استراجيات أممية لا هدف لها سوى الاستيلاء على السلطة وإقامة دولة خاصة به..

أثبت جنرالنا جدارة عالية في استغلال الفئوية والطائفية إلى أبعد الحدود.. ورفض رفضاً مطلقاً تثبيت الاستقلال المسترد والسيادة المسترجعة إلاّ على طريقته الفريدة، وعوضَ أن يتماثل بديغول فرنسا في الديمقراطية ويضع ذاته في مصاف المرجعيات الوطنية، انبرى يهاجم الجميع بمن فيهم الرجعيات الوطنية والروحية معاً، مشبهاً ذاته بنابليون، دكتاتور فرنسا الذي ذاع صيته العسكري الرائع كما سجل التاريخ نفيَـهُ السياسي مرتين متتاليتين قضى في أخيرها مجهولاً ومنبوذاً..

جَهَد جنرالنا الأشوس ليس في شق الصف المسيحي مجدداً وحسب بل شقَّ جميع الصفوف الوطنية.. كل ذلك من أجل الكرسي.. والكرسي المرغوب فيه، بجهوده البارة أُفْرِغَ من جلاله ويكاد يُفرغ من معناه ومن وجوده إذا ما ثابر جنرالنا نهجه الريادي..

دول الأرض كافة وجميع اللبنانيين في العالم تقدّم النصح والارشاد إلى جنرالنا الكبير، يصرُّ جنرالنا على الاستئثار بالسلطة بحجة تنفيذ ما لا يمكن تنفيذه بمن حضر من حلفاء للنظام السوري وليس من اهتمامه إن انهار نظام الوطن وضاع الكيان.. هذا في الواقع ما يهدد به جنرالنا ونحن نُصدّق تهديده!

السؤال الكبير المطروح: هل يعي الجنرال خطورة ما يخطط له عسكريا فيرتد عنه أم أنه سيلقى ذات الجزاء السنماري بعد أن ينهي خدماته في المخطط المحوري الإرهابي الجديد المُجابه للنظام العالمي الجديد؟ وبهذا يأخذ دور ديغول.

 

صانك الله لبنان

لاحظ س. حداد

التيار السيادي / نيوزيلاندا

2 تشرين الأول 2007