صراع الشرق!
بقلم/لاحظ حداد

إن الصراع الرهيب الذي بدأ في الشرق ، بدأ منذ استعملت أقلياته شخصياتها المعنوية الدينية
للسيطرة على بعضها البعض سياسياً واحتلال أراضيه إرهابياً أصولياً .

في مراحل عدة من تاريخ المنطقة اختلط الدين بالصراع السياسي أو ساهم فيه. وفي مراحل أخرى، خاصة في أوائل القرن الماضي وبدايات حركات التحرر العربي من الحكم العثماني وبعده الانتداب فالاستعمار، كان الصراع سياسياً ذا صبغة قومية بملامح دينية، ولعلّها هامشية. وتابع السير على هذا المنوال، منذ دخول الأقلية اليهودية وإقامة دولة إسرائيل، وإلى أمدٍ ليس بعيد. فمنذ نكسة العام 67 وبدء ظهور الأصولية الإسلامية بدأَ الصراع بالتحوّل تدريجياً إلى ممارسة بعض أساليب الإرهاب العسكري، خاصة الفلسطيني، في محاولاتٍ لإثبات وجود أنكره العالم. ولعلّنا نكون منصفين بالقول أن هذه الأساليب كانت الوحيدة المتوفرة لديه. وليس الفلسطينيين وحدهم من مارس هذا النوع من الإرهاب بل الإسرائيليون كذلك وبأساليب أشد عنفاً وفتكا، تطور إلى ما نشهده اليوم في أرضٍ ضمّت أقليتين لكل منهما إدعاء بكامل الحق فيها

تداخلُ المتصارعين في القضية المتصارَع عليها وتشعّب القضايا الناتجة عنها أدخل المنطقة بكاملها إلى سباق تسلّحٍ واقتصاد عسكري خلّف وراءه عدم القدرة على الاهتمام بالشأن الوطني العام وأنتج سباقاً ما إلى فرض دكتاتوريات صغرى كان لا بد من الانتفاض عليها؛ ليس بقوة الديمقراطية المفقودة مبدئياً بل بالعودة إلى الجذور الدينية وانتهاج أصولية كانت وحدها كافية لقض مضاجع الدكتاتوريات الصغرى وإيقاظها.

كان لنجاح هذه الأصولية في مناطق أو بلدان معينة في المنطقة تأثير كبير في تطوير هذه الأصولية واعتمادها على الإرهاب الأصولي المسلح. وهذا أفضى إلى ما نسمع من اتهامات بالإرهاب تصب على كل من انتهج سبل المقاومة. ومنها بكل تأكيد، حركات المقاومة الفلسطينية التي فشلت جميع المساعي أو أُفْشِلَت في إيقافها. وهكذا انقلبت الآية، في نظر العالم وخاصة غير العربي، وبات سرائيليون مقاومين.
هنا بالطبع كان لا بدّ للدكتاتوريات الصغرى من تبرير أصولية الإرهاب عن الفلسطينيين ولصقها بالإسرائيليين وهم بهذا على حق. وهذا التبرير بالذات هو ما يدفع العالم إلى رفض هذا التبرير، كما وأن الفلسطينيين أنفسهم يرفضونه، كونه يشنِّع على حقهم في المقاومة.

جميع الأقليات الشرق أوسطية، دينية كانت أم عرقية، يجب أن تتمتع بحقها في الوجود ضمن دولٍ ذات سيادة واستقلال وتمارس هذا الوجود في ديمقراطية حقيقية تحفظ حقوق إنسانها في الدستور الذي يريده ويرغبه ولا يُفرض عليه بقوّة الدكتاتورية الدينية أو قوة دكتاتورية الديمقراطية.

في هذه الفترة الحرجة، يتبيّن إن استجداء الدكتاتوريات الصغرى لفتاوى دينية تبرر الأصولية الإرهابية خدمة للمقاومة والدفاع عن النفس والأرض، باتت الآن أكثر ضرراً على أصحابها ومُصدِريها على حـدٍ سواء. وإذا ما ثابرت الأصولية الدينية على ما دأبت عليه، غير مشكورة من الفلسطينيين، فسوف يشمل أذاها الجميع. فرحمة بالفلسطينيين وغيرهم من الوطنيين المطالبين بحقوقهم [العراق مثلاً وأفغانستان وغيرها]، نتمنى على دعاة الأصولية لاسيما منهم أولئك المتفذلكين من على شاشات التلفزة. كما ندعو بشكل أخص "قناة الجزيرة" إلى وقف نبش قبور الأموات، شهداء القومية أو الدين ومحاكمة العالم بها إذ لا بد أن يطفح الكيل فيفتح العالم صفحات تأريخ أديانه لمحاكمة من تسبب بإهراق دماء ملايين البشر بسبب وانتهاك مقدساتهم واحتلال أراضيهم وضرب أعناقهم. عند ذاك لن تكن حرب الأصولية حرباً تلفزيونية أو مناظرات كلامية.

آن لهذا العالم أن يستريح من غوغائية الأصولية الدينية وآن للشعوب أن تعيش بأديانها وتتصل بخالقها في الوسيلة التي تراها وهو، كما سبق قولنا، هو المحاسب ثواباً أو عقاباً.

إن بناء المساجد على أجداث الكنائس والمعابد أو الهياكل أو قربها )أو عكس ذلك( تحت شعار حرية الديمقراطية والمساواة في الإخاء الإنساني وما رافقه من تجاوزات، يُنتج تأفـفاً متبادلاً في العالم. والعكس صحيح أيضاً.

إن إطلاق آذان التكبير والدعوة إلى الصلاة من مآذن المساجد المماسة جدرانها جدران الكنائس والمعابد أو الهياكل كما أن قرع الأجراس والصدور، في أوقات صلات أيٍّ منها، إذا ما هدفت التحدي والتشاوف المفرغ من الأيمان أو ابتغاء ضوضاءٍ لتشتيته، سوف تسبِب خللاً عميقاً في العلاقة مع الله. حبذا لو تشارك الجميع في سماع كلمة الله!

إن محاضرات التأهيل الديني، من على شاشات التلفزة الفضائية وغيرها، بكل ما تحمل من تعصّب ودعوات استنجادٍ قومية أو عرقية، لم تنجح في سوى بث روح الشك والريبة والتردد وعدم الاطمئنان إلى الغايات التي تعيد الجميع إلى القرون الوسيطة.

ألَم يلاحظ دعاة التأهيل الديني أن استعمال لغة الصحراء الدينية أو اعتمادها مرجعية فكرية دينية فريدة أفلحت في استقطاب أهل بادية الجاهلية، باتت اليوم، في عصرٍ وصل إلى ذروة الفكر العلمي والحضاري، باتت غير مجدية بل مستهجنة تماماً. وأن من السخرية فرضها على عالَمٍ عليهِ تقبّلها ظاهرياً، فقط لأنها وحدها الناطقة باسم هذا الدين أو ذاك؟ وهل أن سكوت العالم ورفض علمائه جدلاً عقيماً، لا طائل تحته، يعني أن هؤلاء الدعاة الدينيين على حقٍ بما يدّعون بل ويصرّون على طلب الاعتراف بدعواهم؟

ألم نرى كيف أن أصحاب المعبد أو الهيكل يطالبون بأرضه وأصحاب المسجد يتمسكون بها! وهل من المتوقع، بعد جيلٍ أو أكثر، أن ينهض أصحاب الأرض المسيحيّون فيقوّضون مسجداً بُني على أرضهم المسيحية كما هو حاصل اليوم في الهند مثلاً؟ والعكس صحيح!

إن المثابرة والاستماتة في استغلال الدين في الصراعات السياسية الدائرة حالياً في قارات الأرض، لم ولن ينل منها العالم سوى المزيد من التفكك والمزيد من الإرهاصات والمزيد المزيد من الإرهاب والأصولية الدينية.

إن الدين، أيّ دين لا يمكن أن يُفرَض بقوة الحجة والبيان بل بالمثل الصالح واتباع مثله ومبادئه في المجتمع.

ثلاث هي مكامن المشكلة الشرق أوسطية: الدين، الحرية والإرهاب.
الدين، قيَمُه الأصيلة منتقصة، والحرية، معانيها الأصيلة مفتقدة و الإرهاب تطلعاته الأصولية مستغلة.
ومتى استرد الدين قيَمَه استعادة الحرية معانيها زال وجود الإرهاب.

إن ادعاء الأقلية اليهودية ملكية الأرض بإرثٍ سماوي ثبت بطلانه،
إن ادعاء الأقلية المسلمة ملكية الأرض بإرث زمني استُهلِك زمانه،

أما الأقلية العلوية التي لا زالت متشبثة باستراتيجيتها القائلة بالإنتقام من الجميع، وهذه تتناغم بالطبع مع استراتيجية الأقلية اليهودية، فقد بانت على حقيقتها ومهما غلفتها بأثواب الرِدَّة إلى الدين الحنيف )أعلن الرئيس حافظ الأسد إسلامه). فلا الأقلية اليهودية تستطيع امتلاك الأرض بالاحتلال ولا الأقلية المسلمة قادرة على استحلالها. فزمان السيطرة الدينية ولّى وانقضى وجميع دول المنطقة اعترفت بكيانات واستقلال بعضها البعض. ومؤخراً أظهرت ما كان مخفياً من علاقة حميمية مع الاستراتيجية الأقلية الشيعية الايرانية الفارسية.

والأقلية الشيعية الايرانية ذات الاستراتيجية العقائدية والتي تخطط لإقامة هيمنة فارسية على الأمة العربية ذات العقيدة الأصيلة للإسلام، فقد ظهرت معالمها جلياً من خلال تحالفها مع الأقلية العلوية، وأمست كل منهما تشكل سنداً مهماً للأخرى، لا سيما بعد تكشّفت أوراق كل منهما.

إن تحالف نظام الأقلية العلوية في سوريا والأقلية الشيعية الفارسية في ايران بات اليوم ذا هدفين أساسيين. الأول يتمثّل في العداء المشترك للاسلام العربي الأصيل، والثاني هو العداء للعالم العربي والغربي معاً لوقوفه مع إقامة المحكمة ذات الطابع الدولي أو الدولية التي يستعملها العالمّين المذكورين لمحاسبة سوريا وايران معاً عن كافة جرائم القتل الاغتيال والتدمير التي تسببتا بها مباشرةً أو عن طريق حلفائهما في لبنان. جرائم استمرتا في ارتكابها منذ أن أدخلت سوريا جيشها إلى لبنان وفتحت الطرق مفتوحة أمام أئمة ايران وعلمائها للدخول إلى لبنان ومباشرة غسل أدمغة بعض أبناء الطائفة الشيعية لتقبّل وصاية أو توصيات ولاية الفقيه الايراني. ولا بد من التذكير هنا بما فعلته سوريا وساهمت به ايران من خطف رهائن أجنبية أو تصفيات جسدية لكل من عارضها أو رفض مخططاتها.

لقد تحدثنا طويلاً عن مخطط سوريا الجهنمي لتهديم الاسلام في سلسلة حلقاتنا عن صراع الأقليات في الشرق الأوسط
التي نُشِرت الصفحة الألكترونية للمنسقية العامة للمؤسسات اللبنانية الكندية LCCC.

واليوم، وبعد أن بلغ السيل الزبى، لم يعد العالم يثق بأية وعود سوريا أو ايرانية، مباشرة أو غير مباشرة، تستأسد ايران معها النظام السوري في منع حصول أية مصالحة بين أفرقاء النزاع السياسي اللبناني، وتخاتلان بكل ما أوتيتا من وسائل دبلوماسية، عربية وأجنبية، لتجنّب العقاب الآتي لهذا الحلف المتخلف عن ركب الحضارة، إن في منع نظام ايران العقائدي من الحصول على القدرة النووية أو في ضرب النظام السوري العلوي قبل معاودة سيطرته على لبنان.

فهل يُفلح العالم في خلع أنياب الشر المقبل قبل أن يدمر الوطن الصغير أم هل يتمكن اللبنانيون من الخروج من هذا الحلف الشيطاني والعودة إلى وطنهم المميّز ويعيدوا إليه استقلالاً ناجزاً وإلى شعبهم كرامته وحرية قراره أم على قواعد الشر التي أسسها لهم هذا الحلف ثابتون؟
سؤالٌ، ينتظر الاجابة عليه وسريعاً.

صانك الله لبنان
22 أذار 2007