إحتفال لبناننا
الأحد في 5 تشرين الثاني 2006‏
دفاعا عن الفدرالية
وائل خير


من المحاكمات البارزة في التاريخ تلك التي وقف فيها غاليليو أمام ديوان التفتيش عام 1616 .خيّره الديوان بين ‏التراجع عن آرائه العلمية و الإقرار بأن الأرض هي مركز الكون وثابتة وان الشمس تدور، وبين العقوبة. رضخ ‏العالم وتراجع عن رأيه العلمي لكن تمتم وهو يستوي من الجثو على ركبتيه:‏
هي مع ذلك تدور-‏‎- Epur si Muove ‎

نستخرج من هذه الرواية وهناك اليوم إجماع على أن قول غاليليو منحول- أمران:‏
هناك رأي شخصي في الأشياء ينتج عن هوى أو مصلحة وربما سببه إكراه جسدي أو ضغط معنوي أو غسل دماغ. ‏وهناك أيضا حقيقة موضوعية لها قوانينها الخاصة التي تسّيرها . لا محل للمزج بينهما إذ الحقيقة الموضوعية ، ‏كدوران الأرض في مثل غاليليو، لها قوانين لا تلويها الأقوال أو تحّولها الغايات.‏

سأستعين بهذه المقدمة كي أنفذ إلى الفكرة الرئيسية في كلمتي التي كرمتني كوكبة من الشبان والشابات الأكّفاء ‏الخلو قين والشجعان بالطلب مني اعتلاء منبرها متكلما في مفصل مهم من نضالها.‏

اللبنانيون شعب يعاني من انفصام حاد. من مظاهر إنفصام شخصية اللبناني أن لسانه في مكان وقدميه في مكان آخر ‏ذلك انك إن استمعت إلى الخطاب السياسي، في الحكم وفي المعارضة،ووقفت على آراء الأكاديميين، وإن قرأت ما ‏ينشط الصحفيون ومالئوا الصفحات الثقافية في الإعلام للدعوة إليه، وجدت إجماعا، أو شبه إجماع على فضائل ‏النظام السياسي الموّحد للبنان. حتى إن إنصرم يوم عمل هؤلاء في الحث على الوحدة، وهمّّوا بالعودة إلى محل ‏سكنهم، انسابوا إلى كنف رقعة من العاصمة أو لبنان تحمل لون الطائفة أو المذهب الذين يقاومونه نهارا ويستكينون ‏إليه ليلا. ‏

لا أظن بصيرا غاب عن ناظريه تجّذر الولاء الطائفي في لبنان. سأستعين بشواهد مختارة من غلاة العلمانيين. ألا ترون ‏معي انفصاما في الشخصية ما شاهده الملايين في الاحتفال ال82 للحزب الشيوعي اللبناني إذ يضع أمين عام الحزب ‏ثبتا بالانجازات فجّرت إحداها اكبر قدر من تصفيق الأعضاء والحضور. من إنجازات الحزب، أعلن الأمين العام، ‏طلب الشهيد جورج حاوي، إثر انتصار الثورة الإسلامية في إيران، أن يوزّع مع كل عدد من جريدة الحزب ملصقا ‏كبيرا لآية الله العظمى روح الله الخميني. لم يحل دون إشعال الحشد الماركسي القاعة تصفيقا أن محل مديح أمين عام ‏الحزب الشيوعي هو صاحب نظرية ولاية الفقيه، ومطلق محاكم الخلخالي الثورية ومبطل قوانين الإصلاح الزراعي ‏وملغي قانون العائلة للعام 1962 وملزم المرأة بالتشادور وصاحب نظرية في الحريات لا يمكن التفريق بينها وبين ‏تلك التي سادت العهود التي انتفض عليها والتي كان الحزب الشيوعي الإيراني في عداد ضحاياها.‏
يمكن استلال المزيد من تلك اللحظة التلفزيونية: الإشارة إلى الأمين العام السابق للحزب أعادت إحياء مشاهد من ‏دفن الأستاذ جورج حاوي الذي حشد كل من كان له أن بحضر من أساقفة الكنيسة التي كان ينتمي أليها والتي ‏جاء في تأبين مترئس الاحتفال كشف لم يجد فيه أحد من الحضور والمشاهدين غرابة: "كان جورج يغشاني للتحية في ‏المناسبات الدينية ... وكان يقول لي في الفصح المسيح قام،حقا قام."‏

كان بين حضور احتفال الحزب الشيوعي الفنان زياد الرحباني الذي بلغ من شغفه بالثورة حرصه الظهور في ‏مناسبات عامة بالنجمة الحمراء وب تي شيرت تشي غيفارا. لكن الفنان اليساري، على غلوه، لم يجد أي تعارض مع ‏ماركسيته المادية ومساهمته في "القداس الإلهي الماروني" بوضع قطعة صلاة. ‏

حسبي هذه المفارقات المستلة من ذكرى واحدة خاطفة إذ من شاء رصد وتعقب التناقضات لوفّق دون كبير عناء الى ‏وضع مجلدات فيها.‏

ما هي أسباب هذا الانفصام؟
ما من شيء ينطلق من فراغ. لهذا الانفصام في الشخصية اللبنانية ما تستند اليه في الموروث الوطني. وطننا بلد سمته ‏الأساسية التعدد الطائفي فيه. والتعدد يختزن الاختلاف والاختلاف يفجّر الخلاف الذي يحدو بالقوي إلى الساعد ‏والقمع ويستعلي على من هم دونه، في المقابل نرى الضعيف يقاومه بالتملق والمداهنة وبالباطنية والتقّية. هي قاعدة ‏لا استثناء فيها في تاريخ البشرية لم تخرج عنها إلا المجتمعات الغربية، وحتى هنا، جزئيا وفقط منذ قرنين ويزيد، بتأثير ‏من فلسفة عصر الأنوار الذي أعلنت أن لكل إنسان، دون استثناء، قيمة بذاته ليست مضافة إليه من الخارج من ‏انتماء ديني أو طبقي أو درجة علمية أو محتد اجتماعي أو أي تمييز كان. ومن التجربة الغربية المشادة على فصل ‏السلطات، ينبثق حكم القانون الذي يفصل في الخلاقات وينشر العدل باللجوء إلى محكمة موضوعية متجردة عادلة ‏مستعينة بإجراءات سريعة وموضوعية لا تضع عقبات تحول دون لجوء أي كان، فردا أو جماعة، مهما رقّ وضعه ‏وهانت منزلته إليها. ‏

حذر المجموعات وتربصها في لبنان لا يحيط بكل أبعاد المأساة اللبنانية. لو كان الحذر الدافع الوحيد لاكتفت كل ‏طائفة بإقفال أبواب حصنها ولرفعت جدران أسوارها. لكن إلى جانب التربص والحذر هناك الطمع. طمع كل ‏طائفة بحقوق الأخرى فكل طائفة تسعى إلى نشر نفوذها على حساب أقرانها. والدولة الموحدة، حيث لا يوجد ‏حواجز دستورية، تبقى الإطار الأمثل لنشدان السيطرة والغلبة والاغتراف من المغانم على حساب الآخرين ومن ‏نصيبهم. الطائفة التي تشاء هضم حقوق سائر الطوائف تسعى إلى إزالة كل حاجز دستوري يحول دون تحقيق ‏هدفها. ألم يكن هذا دافع المسيحيين وراء إنشاء دولة لبنان الكبير؟ ألا يجد دعاة الجمهورية الإسلامية في الدولة ‏الموحدة أداة لتحقيق هدفهم على كل لبنان؟ أمن المستبعد أن يصر دعاة الدولة السنية المتأسية بدول الخليج على ‏وحدة لبنان كي يخضعوه بأسره إلى رؤياهم؟

ثم هناك دافع خاص بالمسيحيين. مسيحيو لبنان، وان تمّتعوا بلون من الحكم الخاص والاستقلال الداخلي في القرون ‏الأخيرة، بقوا منذ الفتح الإسلامي لهذه المنطقة في العقد الرابع من القرن السابع وحتى نهاية الحرب العالمية الأولى، في ‏كنف الخلافة الإسلامية باستثناء عقود قليلة، هذه الذمّية باتت بعضا من نسيجهم لا حيلة لهم من جرّائها بتصور ‏حكم خارج مشاركة إسلامية. فحتى حين إنقاد الفرنسيون لهم وأقاموا لبنان الكبير لم يستطيعوا تصور الحكم ‏بالانفراد إذ لا بد من وجود مسلم يشاركهم السلطة لاستمداد شرعيتها منه والا فقدت السلطة شرعيتها. غير أن ‏المسيحيين حرصوا ان يكون الشريك المسلم المنشود رمزا منزوع السلطة. هذا كان الإرث السياسي الذي طبع ‏الحكم في لبنان طوال الفترة السابقة لاتفاقية الطائف.‏

مفاعيل الانفصام
لهذا الانفصام، وفي ثناياه الخوف والطمع وذمّية المسيحيين ، مفاعيل عانى لبنان وسيعاني على الدوام منها ما بقيت.‏

تنشّد الحياة السياسية في لبنان بين حروب من جهة وأزمات من جهة أخرى . الحروب تنتهي لتبدأ بعدها فترة ‏أزمات تؤسس بدورها لحروب وكراهية ودمار نعود بعدها لسلم متأزم وتبدأ الدوامة من جديد.‏

يأخذ التوتر الدائم وسوء النية إشكال عدة. منها قوانين انتخابات جائرة تسرف بجيريمندرنغ لمصلحة طائفة وينتهي ‏بمجلس تشريعي يصدر القوانين خدمة لها ولحلفائها وليس لمصلحة وطنية جامعة.‏

عن المجلس المشّوه تنبثق حكومة تبني إدارة تستأثر الطائفة المسيطرة بالمغانم الوظيفية والدبلوماسية والقضائية ‏والالتزامات والصناديق والتعويضات وتلقي بالغرم على الطوائف الأخرى من ضرائب ومكوس وجبايات وإقصاء ‏عن المنافع. لا بد وان يؤدي الإقصاء والإجحاف إلى إفقار الطوائف المستثناة وحشرها في حدود الفاقة دافعة إياها ‏إلى الهجرة فننتهي إلى تطهير عرقي سلمي. ‏

لكن الوضع الجائر لا يمكن أن يؤدي إلى استقرار بل على العكس يؤجج التوتر من الفئات المستبعدة. والتوتر ‏المستمر يسقط من يد السلطة المركزية فلا تقوى معه على الحكم وهكذا تتجمد المشاريع الإنمائية وتتردى حقوق ‏الإنسان وحرياته وهذا هو بالتحديد وضع لبنان حاليا فهو على طريقه ليضحي بين أشد بلدان المنطقة تخلفا إنمائيا ‏وحقوق الإنسان فيه مهددة باستمرار. الحريات الصحفية، على سبيل المثال، وردت على الوجه التالي في تقرير ‏مراسلين دون حدود السنوي الذي صدر بتاريخ 30 تشرين الأول 2006. منزلة لبنان هي ال107 في الجدول ‏الذي يرصد حريات الصحافة والإعلام في 168 بلدا.وكانت منزلتنا لخمس سنوات خلت ال56. وباتت الحريات ‏الإعلامية في لبنان دون ما تجد في التوغو وليسوتو. في المجموعة العربية، بعد ان كنا القدوة السّباقة بتنا في منزلة دون ‏الكويت (74) وموريتانيا (77) ،الإمارات العربية المتحدة (79) وقطر(81) والمغرب (97). ‏

كان من المحّتم أن يكون وضع لبنان الاقتصادي والاجتماعي أشد هولا لولا ورقة تين القطاع الخاص وتحويلات ‏اللبنانيين في الخارج. يخشى ألا يقوى هذا المدد من الاستمرار طويلا في ظل الحروب الإقليمية التي تجر بعض ‏الطوائف الوطن إليها خدمة لمصالح لها ولحلفائها.‏

ما لم يوضع حد لهذا الخلل البنيوي سيبقى لبنان أسير الحروب المتواصلة والتشنج والفساد والأثرة وتشرد شبانه ‏وهجرتهم تحت كل سماء.‏

هل من وسيلة لطي هذه الصفحة السوداء والخروج بلبنان من هذا الجحيم؟ ‏

طوّر علماء القانون الدستوري نظاما أصلح للمجتمعات التعددية من نظام الدولة الموحدة. قطع هؤلاء بأن الفدرالية ‏هي التنظيم الأمثل لها. يبدؤون بمسح الواقع ويقفون على مظاهر التنافر في المجتمعات موضع البحث: هل هي ‏عرقية، هل هي لغوية، هل هي تاريخية، هل هي دينية أو مذهبية؟ وينطلقون منها لرسم نظام دستوري ينظم العلاقة ‏بين هذه القوى على قاعدة تخفيف التوتر وربما إزالته بإيلاء كل فئة ضمانات دستورية وحدودا وصلاحيات. يقيمون ‏مؤسسات محلية تخطط وتشّرع في أطر معيّنة تطمئن كل مجموعة إليها وتخفف وربما تنزع التوتر والتربص بين ‏المجموعات مضفية بذلك استقرارا هو أساس النمو الاقتصادي والخدمات الإنسانية. الفدرالية هي النظام الأكثر ‏انتشارا في العالم، المتّطور منه والذي على طريق التطّور، المجتمعات الكثيرة العدد التي تعيش في أوطان شاسعة متمادية ‏أسوة بتلك الصغيرة العدد والمحدودة الرقعة، المجتمعات ذات الخلفيات الدينية المختلفة والمتعددة الأعراق، كلها، ‏سواء بسواء، وجدت حل أزماتها في إطار الدولة الفدرالية.‏

ما دفعني إلى تلبية الدعوة ومخاطبة هذا الحفل الشجاع هي ثقتي بشبان وشابات شخّصوا مرض لبنان المزمن ومالوا ‏الى الفدرالية علاجا له. ‏

أصدقائي في تجمع لبناننا،
لا تخشوا ضآلة العدد في مرحلة عملكم الأولى هذه. لكم عزاء في إحدى أروع ما جاء في العهد القديم وهو حوار ‏بين الله وإبراهيم كثيرا ما استشهد به مارتن بوبر:‏
‏"وقال الرب إن صراخ سدوم وعمورة قد كثر وخطيئتهم قد عظمت جدا...فتقدم إبراهيم وقال أفتهلك البار مع ‏الأثيم. عسى أن يكون خمسون بارا في المدينة. أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من أجل الخمسين بارا الذين فيه. حاشا ‏لك أن تميت البار مع الأثيم. أديان كل الأرض لا يصنع عدلا. فقال الرب إن وجدت خمسين بارا في المدينة فاني ‏أصفح عن المكان كله لأجلهم. فأجاب إبراهيم وقال إني قد شرعت اكلم المولى وأنا تراب ورماد. ربما نقص ‏الخمسون بارا خمسة، أفتهلك كل المدينة بالخمسة. فقال لا اهلك إن وجدت هناك خمسة وأربعين. فعاد يكلمه وقال ‏عسى أن يوجد هناك أربعون. فقال لا افعل من أجل الأربعين, فقال لا يسخط المولى فأتكلم. عسى أن يوجد هناك ‏ثلاثون. فقال لا افعل أن وجدت هماك ثلاثين. فقال إني شرعت اكلم المولى، عسى أن يوجد هناك عشرون. فقال لا ‏أهلك من اجل العشرين. فقال لا بسخط المولى فأتكلم هذه المرة فقط. عسى أن يوجد هناك عشرة. فقال لا أهلك ‏من أجل العشرة..." خروج 18 : 20-31‏

أصدقائي أعضاء لبناننا: انتم العشرة الأبرار.‏

سيداتي سادتي،‏

أود أن اختم بمن بدأت. يؤثر عن غاليليو غاليلي قوله: "لا يمكن لي أن أؤمن بان الله نفسه الذي وهبنا إدراكا وعقلا ‏وفكرا أراد منا ألا نستخدم هذه المواهب." ‏
‏*****‏
7/11/2006