وثيقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحرّ هي أخطر ما مُنيَ به المسيحيون في تاريخهم

بقلم رئيس حركة التغيير المحامي إيلي محفوض

13 أذار 2007

 

مقدمة لا بدّ منها

أمر جيِّد ان يتوافق طرفان لبنانيان أساسيان على مبادىء وطروحات وطنية، فكيف بالأحرى إذا ما وقع هذا التوافق على فصيلين لبنانيين كبيرين بمستوى وحجم حزب الله المختزل للطائفة الشيعية وبين التيار الوطني الحرّ الذي يمثِّل الأكثرية المسيحية في البرلمان اللبناني.

 

وللوهلة الأولى وعند قراءتك لبنود وثيقة التفاهم مع ما حملته من جمل وعبارات بالشكل منمقة تستدّر عطف اللبنانيين إنما المشكلة مع هذه الوثيقة لا بل نقول الخطورة فيها عند الدخول في تفاصيل ما تضمنته الوثيقة، وفي التفاصيل كمنت الشياطين، وإذا كان العماد ميشال عون من أبرز رافضي إتفاق الطائف لا سيما لجهة عدم تحديده لجدولة زمنية للإنسحاب السوري من لبنان، كيف له إذاً أن يوقّع على وثيقة ربطت بقاء سلاح حزب الله بالدفاع عن لبنان الى ما لا نهاية؟ وبموضوعية نقول إن الوثيقة كعملة واحدة ولكن ذو وجهتين متناقضتين مختلفتين، الوجه الأول وهو إستعمال بعض العبارات والمفردات المستهلكة في المجتمع المدني اللبناني كالديمقراطية ومكافحة الفساد والإصلاح وجدلية العلاقات اللبنانية _ السورية ...

 

أما الوجه الثاني وهو ما تحمله الوثيقة من خطورة، خاصة على الواقع المسيحي الذي لم يعرف في تاريخه إنقلاباً جذرياً في المفاهيم والمبادىء كتلك التي إجتاحت مجتمعه عبر الوثيقة، ولعلّ أخطر ما في الوثيقة إعتبار الفريق المسيحي الموقّع عليها بأنّ سلاح حزب الله هو وسيلة مقدّسة، وهذا الفريق المسيحي نفسه الذي وقّع على الوثيقة سبق له أن قال وعلى لسان زعيمه : «أنّ مشروعية العمل المسلح لحزب الله تلاشت بعد الإنسحاب الإسرائيلي». (في 3كانون الثاني 2005)

وهو نفسه العماد ميشال عون سبق له أن قال :

«لا أستطيع أن أحاور حزب الله وهو يحمل البندقية، فليضع البندقية جانياً عندها نجلس معاً ونتحاور» (في 5 نيسان 2003)

 

إنطلاقاً من هذه الإزدواجية في الموقف يمكن التأشير على مدى وعمق خطورة الوثيقة، هذه الخطورة تقع على الفريق المسيحي الذي وقّع على الوثيقة وعبره على المسيحيين بشكل عام ..

ولولا وجود مثل هكذا مستند بين يدي حزب الله لما أقدم على شن الحرب في تموز 2006، ولما تعطلت الحكومة، ولما عاد وإستنشط كلّ المحسوبين على سوريا حتى اليوم ويتحركون بالتنسيق مع قيادتها ...

إذاً وثيقة التفاهم بين الحزب والتيار رسَّخت مفهوم «الألوهية» «والتقديس» لسلاح حزب الله في وقت لم يتمكن التيار من لبننة حزب الله..

وثيقة التفاهم ضمنت للطرف الشيعي المتمثل بحزب الله إستمرارية وجوده المسلَّح عبر الإستحصال على توقيع زعيم الأكثرية المسيحية في البرلمان بينما لم يتمكن العماد عون من الحصول على أي مستند ممهور لمعالجة السلاح أو على الأقلّ لتسليمه الى الدولة وهكذا قدَّم العماد عون خدمة مجانية مسيحية الى حزب الله عبر ربط مصير السلاح بالدفاع، وإنّ حجة «الدفاع عن لبنان» كما وردت العبارة في الوثيقة ليتمسك بسلاحه الى أجلٍ غير مسمى، وهي حجة دامغة بالنسبة اليه، إنطلاقاً مما كرَّره قياديوا حزب الله وفي أكثر من مناسبة : «السلاح باق باق طالما بقي القرآن والانجيل»

 

وهنا يطرح السؤال التالي:

هل يتحمل أي مسؤول أياً كان مسؤولية ما سوف يجرّه بقاء سلاح خارج إطار الشرعية؟

ومن بإمكانه بعد اليوم المسّ بهذا السلاح خاصة بعدما صدرت تهديدات من قبل قيادات حزب الله «بقطع ايدي ورقاب كلّ من يمسّ هذا السلاح»

 

إذاً وثيقة التفاهم التي أعطت شرعية مسيحية حصرية لحزب الله «للدفاع عن لبنان» منعت بالمقابل على أي لبناني آخر في الدفاع عن لبنان كون الوثيقة لم تتحدث عن سلاح المقاومة بشكل عام بل حدّدت هذا السلاح بسلاح حزب الله وبالتالي لا وجود لأي مقاومة أخرى بعدما أصبح هذا الحزب الشيعي، مطلقة يداه في تقرير مصير لبنان إنطلاقاً من الإستراتيجية الدفاعية التي هي حكر على طرف واحد.

 

ولشرح مدى خطورة وثيقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني الحرّ لا بدّ من توضيح ما تضمنته هذه الوثيقة من بنود خطيرة تؤشّر الى مستقبل غير مستقرّ سوف يؤدي بالنهاية الى إعتبار المسيحيين أهل ذمَّة بالمفهوم السياسي كما سيؤدي الى نقل المسيحيين من واقعهم وتاريخهم الحضاري العريق الممتلىء بالإنفتاح على العالم أجمع مع ما حمله هذا التاريخ من قيم ومبادىء إنسانية أرسى معالمها عدد من قادة المسيحيين أمثال شارل مالك وفؤاد إفرام البستاني وسعيد عقل وبشير الجميّل...

فهل يعقل أن ينتقل المسيحيون في لبنان الى قاموس ومفردات لم يعرفوها طوال حياتهم ومنها على سبيل المثال لا الحصر ما جاء على لسان أحد النواب الموارنة في كتلة العماد عون حيث أورد حرفياً: «الإستكبار العالمي، الصهاينة ذابحي الأطفال، حرب العدوان، المقاومة الشريفة الطاهرة والنظيفة»(النائب سليم عون في حسينية الإمام علي في حوش حالا _ رياق). (الوكالة الوطنية للإعلام 28/ كانون الأول 2006)

 

وهنا يكمن السؤال : هل وردت مثل هذه العبارات في يوم من الأيام ببيانات أو مقالات أو مؤتمرات التيار الوطني الحرّ؟

 

أولاً : سلاح حزب الله وسيلة مقدّسة.

وصفت الوثيقة في البند العاشر منها سلاح حزب الله بأنه «وسيلة مقدسة» وهذا الوصف لم نعرفه من قبل، ولم نستعمله من قبل، وهذا الوصف ميّز حزب الله دون سواه من الميليشيات اللبنانية طوال سنوات الحرب، فالأحزاب المسيحية مثلاً لم تصرّح يوماً بأن سلاحها هو سلاح مقدّس،

ولا الجيش اللبناني بقيادة العماد ميشال عون يوم أعلن حرب التحرير على الإحتلال السوري في 14 آذار 1989 أعطى هذا الوصف لسلاحه على الرغم من أن سلاح الجيش هو شرعي ورسمي وقانوني،

 بينما سلاح حزب الله هو سلاح ميليشيوي غير قانوني.

إذاً لأول مرة نسمع فيها طرف مسيحي يقدّس السلاح ويعتبره وسيلة مقدّسة، وهذا فكر رجعي متخلّف لا يمت الى تاريخنا باي شكل من الأشكال،

 هذا من جهة،

ومن جهة أخرى،

إذا كان هذا السلاح مقدّس أو وسيلة مقدسة فهذا يعني أننا أصبحنا أمام علاقة إلهية دينية مع هذا السلاح، مما يعني أن لا نقاش ولا جدل في موضوع السلاح، فكيف لفريق الأكثرية المسيحية أن يعطي موافقة على موضوع خطير جداً بمستوى وحجم خطورة بقاء سلاح غير شرعي بين يدي فريق هو بالنهاية حزب وليس دولة ؟!

وكيف لفريق مسيحي سبق له أن تسلّم قيادة الحكومة الشرعية منذ أيلول 1988 وحتى تشرين الأول 1990، كيف لرمز مثّل الشرعية والدستور والقانون وسعى «لتوحيد البندقية» إنطلاقاً من مبدأ جيش واحد شرعي لا أحد سواه يحمل السلاح... كيف له أن يقع في هذا المستنقع عبر لغة قدّست سلاحاً ميليشيوياً وألَّهت سبب وجوده وكرَّست بقاءه الى ما لا نهاية ؟؟

 

إن الورقة التفاهمية التي تمَّ تظهيرها للبنانيين على أنها ورقة مبادىء حق بينما الواقع أنه يراد منها باطل، والباطل ربط مصير إستقرار لبنان بقرار حزبي أحادي بإمكانه وحده أن يأخذ الجمهورية اللبنانية الى المجهول وهو ما حصل إبان حرب تموز الماضي.

وطالما أن حزب الله لم يعد حزباً بمستوى الناس ولا باقي الأحزاب والتيارات، كما أنه لم يعد حتى بمستوى الدولة اللبنانية إنطلاقاً من تأليه كلّ نشاطاته وتقديس وجود سلاحه، وهذا الأمر تجلَّى بأبهى حلله يوم إحتفل هذا الحزب «بالنصر الالهي» بمشاركة رسمية من قبل شريكه في ورقة التفاهم عبر وفد نيابي عريض.

إذاً الشريك المسيحي في وثيقة التفاهم تنازل عن حق المسيحيين في طرح موضوع تحديد زمنية ومعالجة سلاح حزب الله.

 

الشريك المسيحي قدّم لحزب الله مستقبل مسلَّح دائم وأبدي دون افق ودون حدود وهذا الأمر تجلّى بوضوح من خلال الربط بين مصير السلاح بمصير الدفاع عن لبنان.

 إن عبارة «الدفاع عن لبنان» جاءت بمثابة تمييع مسألة من له الحق بالدفاع عن لبنان والسؤال : إذا كان لحزب الله وحده حق الدفاع عن لبنان فما هو دور الجيش اللبناني؟؟ وعبارة «الدفاع عن لبنان» تناقض مفهوم السيادة اللبنانية وبسط سلطة الشرعية وحدها على كامل التراب اللبناني، أم أننا أمام دولة غير مسؤولة بالكامل عن حماية الأرض والشعب وأن لها شريك في تأمين أمن وسلامة اللبنانيين ..

وإذا كان الأمر كذلك فهذا يعني أن حزب الله أيضاً شريك أساسي للدولة اللبنانية في تطبيق القوانين وخاصة منها القرارات الدولية المتعلّقة بلبنان.

ولم يعد لأحد حق التمسك بالبند المتعلق بسلاح حزب الله والمذكور في البيان الوزاري لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة، كون أحداث تموز المنصرم تخطت هذا البند وتالياً ما صدر عن المنظّمة الدولية ومن أهمها على الإطلاق القرار 1701، إذاً البيان الوزاري أو تحديداً بند سلاح حزب الله في البيان الوزاري سقط ولم يعد ذي جدوى لا بل يمكن إعتباره كأنه لم يكن خاصة وأن حزب الله خالف ونقض هذا البيان الوزاري عبر عدم إلتزامه بمضمونه من دون أن نتجاهل أن الحزب ضرب عرض الحائط بكل مفاعيل طاولة الحوار.

والأهم من كلّ ذلك أن حزب الله وافق على القرار 1701 وهو قرار دولي حصر أمر السلاح بين يدي القوى العسكرية الشرعية اللبنانية، ومسألة الحدود في الجنوب مع اسرائيل تحدّدها إتفاقية الهدنة.

وإذا كان حزب الله تحت سقف الطائف فمن باب أوْلى أن يفقه هذا الحزب أن الطائف نصَّ على تجريد الميليشيات من سلاحها.

إن البند العاشر من وثيقة التفاهم بدّل رأي الشريك المسيحي بمسألة مزارع شبعا حيث أنَّ هذه المزارع لم تكن لبنانية بالنسبة اليه، فالعماد عون  قال :

 «قضية مزارع شبعا كذبة، وأنا مسؤول عما أقول لا يمكننا تعديل الخريطة على مزاجنا مزارع شبعا ليست لبنانية»(العماد عون في حديث لمحطة MTV 9 نيسان 2002)

 

إذاً ما الذي حدا بالعماد عون ليعود ويوقّع على وثيقة تجيز لحزب الله «بتحرير مزارع شبعا من الإحتلال الاسرائيلي».

أكثر من ذلك فإنّ خطورة البند العاشر من الوثيقة جاء ليقول بأنه حتى ولو تحررت المزارع وعادَ الأسرى اللبنانيون في السجون الاسرائيلية تبقى مسألة «حماية لبنان» من صلاحية وهدفية حزب الله المعلنة، وهذه الحماية محصورة به دون سواه.

إن مسألة بقاء السلاح بين يدي حزب الله ذهبت الى أبعد من كل تصوّر حيث أنّ سلاح حزب الله: «باقٍ طالما إن اسرائيل بإمكانها أن تطلق ولو طيارة ورق فوق الأراضي اللبنانية».

 

إذاً لا يوجد أفق للسلاح ولا يوجد من يضمن تسليم هذا الحزب لسلاحه..

فشريكه في الوثيقة لم ينظر حتَّى الى أبعد من التحالف، ولو أنه فعل لكان على الأقلّ إستبدل عبارة سلاح حزب الله بسلاح المقاومة مثلاً، إلاَّ أنه من الواضح أنَّ الوثيقة كتبت بقلم أصفر دون اي تطعيم بلون برتقالي.

من هنا يمكن التأكيد أن حزب الله إستدرج الشريك المسيحي حتى يوقّع على الوثيقة عبر ايراد بعض العبارات التي لا تقدم ولا تؤخّر في منهجية الحزب منذ قيامه، ولن يكون بإمكان الطرف العوني إنتزاع أي تعهّد بتحديد المصطلحين «الظروف الموضوعية» و «حماية لبنان».

 إذاً سلاح دائم، سلاح باق الى مدة غير محدّدة الأهداف والزمنية، ويكفي أن نشير أخيراً الى أن البند العاشر وهو البند الذي تناول سلاح حزب الله لا ذكر فيه للمؤسسة العسكرية اللبنانية.

فكيف لأحزاب ضمن دولة قائمة عبر مؤسساتها أن ترسم «استراتيجية دفاع وطني» دون أن يكون للدولة ولمؤسساتها أي رأي بموضوع هذه الاستراتيجية.

وطالما أن اللبنانيين لم يتوصلوا الى توافق حول مسألة السلاح، مما يعني أنّ تصرّف حزب الله الأحادي وجرّه لشريكه المسيحي في الوثيقة التسليم بمشروعه الاستراتيجي الذي هو من دون أفق أو حدود،

كيف له أن يفرض مشيئته هذه على باقي اللبنانيين ؟ كون شريكه في الوثيقة لا يختزل كل المسيحيين!!

 

وحقيقة الأمر، أنّ الفريقين عبر الورقة لم يحددا طريقة التعاطي والتعامل مع السلاح، بل جلّ ما في الأمر أن هذه الوثيقة سلَّمت بالمخطط الاستراتيجي للدفاع المعدّ من قبل حزب الله وحده، والكلام عن هذه الاستراتيجية التي جرى بحثها على طاولة الحوار كان بمثابة ذرّ الرماد في العيون، ومضيعة للوقت،

 لا بل تضليل من قبل حزب الله لباقي الأطراف.

 

لا يعقل في زمن العولمة La Mondialisation مع ما تحمل معها من تقدّم وتطور، أن يطلّ علينا فصيل لبناني يقدّس السلاح ويربطه بالشرف والكرامة والعرض، والأخطر، أنّ شريكه المسيحي وقّع على هذه الورقة المتضمنة لتلك العبارات والألفاظ، ولا يغرّنكم ايراد بعض المفاهيم الكونية كشرعة حقوق الانسان والقرارات الدولية، حيث أن الوثيقة حتماً لم تستلهم بنودها من أي من هذه المفاهيم، خاصة وأن حزب الله لا يعنيه أبداً مسألة المنظمة الدولية، كما هو لا يعترف أساساً بقرارات الأمم المتحدة، وقد شهدنا على هذا الحزب كيف أنه يتعامل مع قرارات الأمم المتحدة بإنتقائية بحيث أنه يوافق على القرارات التي يرى فيها مصالح قضاياه الخاصة بينما يرفض الأخرى التي لها علاقة بمصالح لبنان.

 

ثانياً : البند السادس ومسألة اللبنانيين في اسرائيل.

كيف وقع الشريك المسيحي الموقّع على الوثيقة في مطب إعتبار حزب الله لدعوته الى اللبنانيين اللاجئين الى اسرائيل كأنها إنتصار للفريق المسيحي، كيف ذلك والحزب لم يتنكر يوماً لحق هؤلاء في أن يعودوا الى لبنان، إلاَّ أنه يريد محاكمتهم، فإذاً على ماذا يطبلون ويزمرون بالبند السادس الذي تناول الهاربين الى اسرائيل، هؤلاء الذين قال عنهم العماد ميشال عون: «لماذا خافت النساء وهربت الأمهات مع أطفالهن الى المخيمات الاسرائيلية؟ أليس الذي حدث هو نتيجة خطابات بقر البطون في الأسرة» (العماد عون في 2حزيران 2000)

 

وها قد مضى عام على توقيع الورقة بين حزب الله والعماد عون، فهل عاد أحد من أهلنا الهاربين الى اسرائيل خوفاً من «بقر البطون في الأسرة»؟؟ والسؤال لماذا لم يعودوا ؟

الجواب جاءنا من تصرفات حزب الله على أرض الجنوب وطريقة تعاملهم ومعاملتهم لمن بقي منهم ولمن لم يلجأ الى اسرائيل ..

الجواب جاءنا من محاكمة النوايا التي أقامها الحزب، وهنا يظهر جلياً كيف أن هذا الحزب يقيم دويلة ضمن الدولة عبر الأمن الذاتي .. المربعات الأمنية.. المال النظيف ...

إذاً على الشريك المسيحي أن لا يتباهى كثيراً بما أنجزه عبر وثيقة التفاهم، لأنه في الواقع لم يقدّم سوى إنقلاب على الذات وعلى التاريخ النضالي الطويل، كون كلّ ما ورد في الورقة يتناقض بشكل كبير مع الطروحات والمبادىء العامة التي تميّز بها التيار الوطني زهاء خمسة عشر عاماً.

 

إذاً التيار لم يبدّل أبداً في سلوكية حزب الله، ولا في مواقفه، كما أنه أبقى على الملفات القديمة لا بل عزّزها بتوقيع مسيحي ممهور، شذّب حزب الله آلته العسكرية لينطلق من جديد كحزب الهي مرتبط دينياً بولاية الفقيه، مدعوم عبر مستند ممهور بزعيم مسيحي يمثل الأكثرية البرلمانية المسيحية.

وبعد مضي سنة على الوثيقة يجب تقديم ما أنجزته وما حققته هذه الوثيقة، وبلمحة سريعة نقول :

 

بالنسبة للعلاقات السورية _ اللبنانية إزدادت الأمور تعقيداً، كما إزداد التعنّت السوري والإعتداءات السورية الكلامية على لبنان، في وقت كانت سوريا وقبل الإعلان عن الوثيقة مفرغة اليدين عبر تهميش كلّ جماعاتها العاملة في لبنان، أما اليوم ومع الوثيقة عادت هذه المجموعات تنشط وتتمادى، لا بل باتت في مرحلة تتحدى القوى السيادية، وتتباهى بعلاقتها مع النظام السوري، حتى أنها تحتمي به.

وبالعودة الى موضوع عائلاتنا اللاجئة الى اسرائيل، فإنّ وثيقة التفاهم نصَّت أيضاً بدورها على ضرورة محاكمة هؤلاء ، وفي حال سلّمنا جدلاً بأن هؤلاء عادوا ، فأين سيُقيم هؤلاء ؟ هل سيقيمون في دويلة حزب الله أي الجنوب، أم داخل المربعات الأمنية التي يُسيطر عليها حزب الله بشكل كامل؟

بالإضافة الى مسألة من سيضمن أمن وسلامة هؤلاء العائدون !!

 

من هنا يمكن القول أن الوثيقة أبعدت كلّ أمل أو بارقة أمل عند أهلنا الهاربين الى اسرائيل، وبالتالي هي لن تساعدهم على العودة بل أنها قطعت عليهم الطريق لكي لا يعودوا أبداً، أو على الأقل لن يعودوا قبل قيام الدولة القوية وإنتهاء الحالة الشاذة المتمثّلة بدويلة حزب الله .

 

وثيقة التفاهم جسّدت إرادة الغالب والمغلوب ... وثيقة التفاهم جسَّدت إرادة القوي على الضعيف...

 

ثالثاً : العلاقات اللبنانية _ السورية.

لقد بات واضحاً أنّ سوريا تملك ورقة في لبنان، هي ورقة حزب الله، وللتخريب تملك ورقة المخيمات الفلسطينية، عبر بعض الفصائل المؤتمرة بالتعليمات والأوامر السورية...

وقد جاءت وثيقة التفاهم لكي تعقِّد العلاقات اللبنانية السورية، لا بل جاءت تزيدها تعقيداً لجهة إعادة الإعتبار نوعاً ما الى النظام الذي عاثى فساداً وإفساداً ، قتلاً وتخريباً  حرقاً وسرقةً في الجمهورية اللبنانية.

وفي وقت كنّا  نسمع بعض التصريحات الرسمية السورية حول نوايا غير واضحة لإقامة علاقات طبيعية مع الدولة اللبنانية، والقبول بمسألة ترسيم الحدود بين البلدين، ولكن ما أن تمَّ التوقيع على هذه الوثيقة حتى عادت اللهجة العدائية السورية تجاه لبنان وتجاه الرسميين اللبنانيين، وكأن النظام السوري كان بإنتظار حجة ما لكي يعود وينقضّ على الشرعية اللبنانية حتى جاءته وثيقة التفاهم التي قُدِّمت اليه وعلى طبق من فضة، حيث أنه ما أن تمَّ التوقيع على هذه الوثيقة حتى عادت اللهجة العدائية السورية تجاه لبنان وتجاه المسؤولين الرسميين اللبنانيين، ولعلّ المشهد الأبرز والدال في هذا المجال، الإجراءات القضائية التي تمَّ إتخاذها من قبل النظام السوري بحق النائب وليد جنبلاط، كما والتجريح المتعمّد وإطلاق الإهانات بحق رئيس حكومة لبنان، هذا كله جاء بغطاء من الوثيقة المطعمّة بدعم مسيحي عبر التوقيع عليها من قبل الطرف المسيحي أي العماد عون.

 

إنّ التواطؤ الواضح بين حزب الله والتيار العوني، وبينهما سوريا، برز ويبرز خاصة وتحديداً من خلال إهمال الفريقين لأي مفردات تتعلّق بكل المسائل التي تمّ طرحها في الوثيقة، وهكذا يمكن الولوج الى حقيقة مفادها أن الحزب والتيار إنما إستعملا بعض العبارات والمفردات لمجرّد دغدغة مشاعر المسيحيين، ولدفعهم الى القبول بما تمَّ التوقيع عليه، ولتسويقه في الشارع المسيحي، ليعودوا بعد ذلك الى التنكّر لكل ما كتباه على إعتبار أنَّ التذكير بما ورد في الوثيقة لا يخدم مصلحة سوريا، وهو ما تمّ التوافق عليه مع النظام السوري المستفيد الأكبر من وثيقة التفاهم.

 

والسؤال : هل حصل الحزب والتيار على الموافقة السورية قبل التوصل الى صيغة وثيقة التفاهم ؟

الجواب : نعم حصلت الوثيقة برضى سوري، لا بل أكثر من ذلك، فإن وثيقة التفاهم كتبت بقلم سوري وهي تكاد تكون خطورتها بمستوى خطورة الإتفاق الثلاثي الذي تمَّ إسقاطه في المنطقة الشرقية عام 1985.

وطالما أن الوثيقة لم يتحقق منها اي بند، فهذا يعني أنها كانت مجرّد طعم وقعت فيه الفريسة المسيحية، وما لم نتدارك عواقبه فأنه سوف يلحق الأذى والضرر البالغين، ليس فقط على المستوى المسيحي إنما على المستوى اللبناني.

 

 وعندما نقول بأن الوثيقة هي أخطر ما مُنيَ به المسيحيون، فذلك لأنّ المسيحيين إستعملوا كغطاء لمشروع حزب الله القديم _ الجديد،

كما إستعملوا كغطاء ناجح لحرب تموز العبثية،

 كما إستعملوا بالأمس القريب كوسيلة ضغط في الشارع عبر خرق القوانين بواسطة حرق الدواليب وقطع الطرقات ومنع الناس من القيام بواجباتهم اليومية...

 

وبالعودة الى موضوع العلاقات اللبنانية _ السورية يمكن التأكيد على أنّ سوريا التي خرجت من لبنان ضعيفة، مذلولة، منهارة القوى، عبر تأديبها وتلقينها درساً مفاده أنّ إحتلالها للبنان لثلاثين سنة، إنتهى بخيبة أمل كبرى عبر سقوط أزلامها في المستنقع اللبناني، كما ورحيل آخر حكوماتها المتشكلة في عنجر،  وأخيراً عبر تأليب الرأي العام اللبناني وتحديداً الشارع السني بعد إغتيال الرئيس رفيق الحريري ...

 

وما من عاقل لم يتهم سوريا فوراً ولو بشكل عاطفي، وهذا الأتهام يطلقه الشارع اللبناني تجاه سوريا عند كل إغتيال يطال قيادات لبنانية أو عند كل عمل إرهابي تخريبي.

 

الوثيقة لم تحلّ مشكلة النظرة تجاه سوريا لا بل زادتها سوءً وتعقيداً، وبدل أن يخجل النظام السوري أو على الأقل بدل أن يتقدَّم بالإعتذار مما فعله في لبنان طوال ثلاثين سنة، بدل كل ذلك راح من جديد يزرع الشقاق والفرقة بين اللبنانين، مستفيداً من عامل أدواته في الداخل، حتى وصلنا فيه الى مرحلة لم تعد معه العلاقات بين البلدين مسألة مطروحة على بساط النقاش السياسي، خاصة وأن النظام السوري إستطاع أن ينقل الصراع كما جرت معه العادة الى الداخل اللبناني، وبذلك يكون السوري قد حقق نقطة لصالحه عبر إنفاذ ما وعد به بعيد إنسحابه من لبنان:«نحن ننسحب ولكن رح نفرجيكن شو رح نعمل بلبنان !!»

 

فأين