لماذا أصبح معيبًا ان تكون عونيًا؟

ايلي محفوض - رئيس حركة التغيير

(الحلقات 1-12)

 

في زمن الإحتلال السوري للبنان، وفي زمن كان فيه ساسته خدام عند ضباط الإحتلال، وأرفعهم شانًا كان ينتظر بالساعات والساعات امام مكتب عسكري سوري... في هذا الزمن كنا نفتخر اننا من انصار العماد عون، وعلى الرغم من اننا كنا نسمع ونشاهد بعض الصور التي لا تتوافق والمبادىء، إلا اننا كنا دائمًا نقنع أنفسنا بأن الجنرال يعرف أكثر منا، ونحن سلمناه أمرنا، كيف لا ونحن نثق بالرجل؟...

 

ونحن من هذا الجيل الذي نشأ على كره الآخرين واحتقارهم، على اعتبار أنه لا يوجد وطني صميم إلا الجنرال... نحن من جيل نشأ على كره مسبق وحكم عرقي ضد الأحزاب المسيحية وعلى رأسها "القوات اللبنانية"...

 

علمت وتعلمت يوم كنت عونيًا أن "القوات" ميليشيا، ونحن مع الجيش، أليس الجنرال هو قائد الجيش، وهذا يعني أن السلاح لا يكون إلا بين ايدي الجيش، من هنا انطلقت الشرارة، ومن هنا بدأ عون باستغلاله بزته العسكرية، ليقول بضرورة توحيد البندقية، ونحن حتمًا صدقناه، وكانت الحروب المتتالية، ففي 14 شباط 1989 كانت المحاولة الاولى لـ "توحيد البندقية"، لنعلم لاحقًا انها كانت بداية التعليمات السورية الموجهة إلى الجامح لرئاسة الجمهورية... إلى المستعد لإشعال لبنان كما نيرون روما لمجرد وعد دغدغ طموحه باتجاه القبض على السلطة...

 

وهنا قد يسأل البعض، وقد ورد إلى مسامعي مرات عديدة، أين كنتم حينها؟ وكيف ناصرتم شخص زعم أنه بطل التحرير في حين هرول إلى السفارة الفرنسية عندما سمع أزيز أول طائرة سوخوي؟؟؟

 

جوابي هو عبارة أتمعن بها عند كل زيارة لدير مار مارون في عنايا... "شربل سكران بالله"... وهكذا كنا نحن المخدوعين بالرجل، كنا نسكر بشعاراته التي اتضح انها مجرد عدة الشغل ليستأثر لاحقًا بالمسيحيين، وهو أتقن ولا يزال للأسف لعبة الإستنهاض. في وقت أن القادة المسيحيين الآخرين يخطؤن دائمًا عندما يستدرجهم عون إلى ملعبه وهكذا يسقطون في أتون ناره، بدل أن يجروه إلى ملعبهم، والملفات التي يمكن ان تطال الرجل كثيرة ومتشعبة لدرجة انه قد لا تتسع صفحات الكتب لنشر خفايا الرجل وحقيقته التي لا يزال اليوم يبدع في سترها وجعلها لا تصدق في حال تم نشر بعض الحقائق التي تكشف سر الرجل الذي وبضمير مرتاح هو أهم ركن لا بل هو من الأشخاص الذين زُرعوا داخل المجتمع المسيحي، ليعبث به يوم يحين دوره...

 

وهنا دعونا نبدأ معكم بسلسة قد لا تنتهي بمقال أو عشرة، سلسلة يجب متابعتها بتمعن لنستكشف وإياكم مدى تورط ميشال عون مع السوريين منذ عقود وليس كما اختلط انه تغير أو تبدل بعته من منفاه المخمي الباريسي، وهذا ما سوف نستعرضه شيئًا فشيئًا وبهدوء، ومن دون أي عصبيات، بل على العكس، سنحاول عرض وقائع وطرح أسئلة بمجرد قراءتها والتفكير بها، ستأتي الاجوبة ومن دون أي عناء يذكر، كون باستعادة تدريجية لمراحل الرجل منذ دخوله إلى المدرسة الحربية وحتى الساعة سيتبين لنا أن ميشال عون مجرد خدعة تم اقحامها في حياتنا السياسية وتحديدًا تم زجها داخل الوسط المسيحي لتخريبه على مراحل وصولا إلى إطلاق الرئيس السوري بشار الاسد نداءه الشهير يدعوته عون لزيارة قصر الشعب في الشام...

 

وليس كافيًا اصطفاف جماعة سوريا معه، وليس من قبيل الصدفة أن يصبح حزب البعث والحزب السوري القومي، ورابطة الشغيلة، وحركة أمل، وناصر قنديل ووئام وهاب وحزب الله، وعبد الرحيم مراد، وعلي قانصوه، وعاصم قانصوه، وبثينة شعبان... وقد تطول اللائحة التي هي اليوم من أركان الرابية، ومن رواد الرابية، ولكن يبقى أن مشكلتنا ليست مع هؤلاء، لانهم معروفون في توجهاتهم، وهؤلاء لم يخدعوا لا ناسهم ولا أخصامهم، مشكلتنا مع ميشال عون، وتعرية الرجل لكشف حقيقته باتت ضرورية، ويجب عدم توفير اية مناسبة من دون نبش الاسرار، وهي الوسيلة الوحيدة لإنقاذ أهل الضلال العونيين المعترين حتى الساعة... المغشوشين بأن الرجل هو ذاك القائد الذي لا يبيع ولا يشتري، ذاك القائد الذي وقف طوال حياته ضد العائلية السياسية، وضد الفساد والفاسدين، ضد الميليشيلت... حتى بدات تنكشف حقيقة الرجل شيئًا فشيئًا، لدرجة انه مثلا يوم أحداث الشياح مار مخايل وقف بكل وقاحة إلى جانب الصبية المشاغبين الذين اعتدوا على الجيش اللبناني ضد الجيش وطالب بوقاحة ما بعدها وقاحة بمحاسبة عناصر الجيش وتبعه بالموقف ذاته ضابط متقاعد من صفوفه حيث طالب بإجراء تحقيق من صفوف العسكريين والإقتصاص منهم...

 

ولو أن العونيين المعترين يقرأون أو يسمعون أو يناقشون او يفهمون أو يخرجون من قمقم العقدة التي وضعهم فيها ميشال عون لكانوا تحرروا فورًا من مرضهم وما عادوا منغلقين متقوقعين... فالحقيقة وحدها تحرر هؤلاء وبغير الحقيقة لا يمكن انقاذ الفئة التي حولت نفسها إلى مجرد قطيع غنم يسوقه عون مرة يمين ومرة شمال... وثقته بجمهوره سمحت له أن ينتقل من معلن "حتى لو خرجت سوريا من لبنان ستبقى تهيمن بأدواتها ومنهم حزب الله"... هذا ما قاله جنرال الرابية يوم وقف عند الأميركان يخاطب "أعرق دولة ديمقراطية"... هو من وصفها بذلك... ولا ننسى ما قاله عن النائب ميشال المر قبيل عودته الميمونة من باريس "لن يتمكن من الوصول إلى المطار لأن أبناء المتن سيحاسبونه على ما فعله بهم"... وإذ به يعلن تحالفه مع ميشال المر... ويجلسه من على يمينه، ولكن بعد فترة انفخت الدف وتشتت الأحباب، ليعود ميشال عون الذي سكت عن المر يطلق بوق عنانه من جديد.

 

آن الأوان أن نكشف حقيقة الرجل الذي لم يعد بشىء إلا وانقلب عليه 180 درجة، والواضح أن تشريح تاريخه بات أمرًا "ضروريًا"، منذ أن تقرب من بشير الجميل بواسطة الأستاذ أنطوان نجم، مرورًا بالحروب التي خاضها وكانت كلها حروب مسيحية، وصولا إلى 13 تشرين الأول 1990 الذي بات واضحًا أن سيناريو أحداثه أعدها عون باتقان مع السوريين ليحصل الإجتياح بالشكل الذي حصل فيه، لأنه كان مطلوبًا ان يدخل الجيش السوري عبر الإجتياح العسكري، ومن غير ميشال عون بإمكانه تنفيذ الخطط؟ وهنا السؤال الكبير:

 

لماذا جرى اغتيال رينيه معوض؟ الجواب لأن الرئيس معوض بقي على ممانعته للإجتياح العسكري باتجاه الشرقية، في وقت كان الرئيس معوض يفاوض الجنرال عون لتسليمه القصر الجمهوري، وكان عون يقول شيئًا في تلك المفاوضات ويناقضها بأشياء في اليوم التالي، وهكذا دوليك حتى اغتيل الرئيس المنتخب!!!

 

وهنا لا بد من التفكير مليًا وبهدوء وبعقل منفتح، بالمعادلة التالية: طالما عاد ميشال عون وسلم لا بل استسلم عبر الراديو ومن داخل مقر السفارة الفرنسية، لماذا إذا لم يقم بخطوته هذه قبل يومين أو ثلاثة؟

 

على الأقل كنا وفرنا المجازر والضحايا والأثمان الباهظة التالية:

أولاً: ما كان ليدخل جيش الاحتلال السوري إلى المناطق الشرقية، وبالتالي ما كان ليجتاح المناطق الحرّة في تلك الفترة، وما كان ليدنس عتبة القصر الجمهوري وأرض وزارة الدفاع الوطني، حيث تمت سرقة تاريخ لبنان برمته منذ قيام الجمهورية اللبنانية.

 

ثانياً: ما كان ليقتل جيش الاحتلال السوري نخبة جنودنا وضباطنا، وما كان ليقتاد لبنانيين آمنين عسكريين منهم مدنيين، ومن دون ان ننسى الراهبين الأنطونيين، وما كان ليرتكب أبشع مجزرة إبادة في لبنان والتي نفذها العسكر الغازي في بلدة بسوس حيث أعدم بدم بارد أربعة عشر مواطناً آمناً مدنياً بينهم طفلين لم يتجاوز عمرهما الثلاثة عشر عاماً.

 

ثالثاً: ما كانت لتحصل جريمة اغتيال داني شمعون وزوجته وولديه، وكم كان حري بالقائد الهمام لو أنه أمّن على ناسه وجيشه وداني شمعون، كما أمّن على زوجته وبناته الثلاثة، حيث دخل الضابط السوري وقدّم تحياته مقدماً خدماته لهنّ حيث تم ايصالهن معززين مكرمين إلى داخل حرم السفارة الفرنسية...ألم يستحق داني مثلاً هذه اللفتة؟ ألم يكن يستحق الضباط والجنود تأمين سلامتهم وحياتهم، وهم استمروا بالقتال حتى لحظة إعدامهم وذنبهم أنهم لم يتلقوا أية تعليمات من القائد، وذنبهم أنهم لم يسمعوا الاستسلام من الراديو لأنهم من واجبهم العسكري أن يقاتلوا حتى الاستشهاد على اعتبار أنهم يدافعون عن لبنان وحتماً القائد لن يخلهم، خاصة وأن ميشال عون وقبل يومين من الاجتياح العسكري السوري، إسمعوا ماذا قال للبنانيين:

 

"ما حدا ملزم بيقى بلبنان، ووقت بيفل الكلّ، رح يبقى العماد عون لوحدو، ساعتها هوي بيسلم، بس انا القبطان، وأنا آخر واحد بترك لبنان، هيدا اذا بدي اتركو، وما رح اتركوا لأني صممت إندفن هون، وإنو إندفن بمركز قيادتي..."

 

رابعاً: ما كان ليحتلّ الجيش السوري لمدة خمسة عشر سنة كلّ لبنان، وما كانوا استباحوا المقدسات ولا المحرمات، وما كانت لتحصل كل الاغتيالات السياسية.

 

ملاحظة: الضباط الذين اعتقلوا من وزارة الدفاع وسيقوا إلى سوريا، عادوا بعد اشهر على اختطافهم وأسرهم، وهم من خيرة ونخبة واشرف وأنزه الضباط والحمد الله أنهم عادوا الينا آمنين سالمين وهذا أقل ما نتمناه لهم، ولكن السؤال الذي بات واجب طرحه وبإلحاح، هؤلاء محسوبون على ميشال عون، عادوا إلى لبنان، لماذا لم يعيد السوريين كل الذين خطفوهم واقتادوهم في الوقت ذاته؟ تماماً مثلما لنا الضباط؟

 

هذا سؤال مهم جداً يجب طرحه للوصول إلى حقيقة مهمة، ألا وهي سؤال نطرحه ونترك الإجابة عنه للناس، للعونيين، لأهالي المعتقلين والمخطوفين في السجون السورية: هل كان ميشال عون على تنسيق كامل، وهل دبر ميشال عون موضوع الاجتياح السوري بالشكل والأسلوب والطريقة التي تمت بها مع النظام السوري؟

 

للجواب على هذا السؤال، اتترككم لتفكروا قليلاً بكل ما قلناه، وإلى ان التقي بكم في الحلقة الثانية سلسلة: لماذا أصبح معيبا ان تكون عونياً؟

 

ان السؤال عما إذا كان ميشال عون على تنسيق كامل مع السوريين بكل ما حصل وما حل بالمسيحيين وبلبنان، برأيي لم يعد مجالاً للسؤال ولا للتساؤل، خاصة بعد الروزنامة الطويلة لموقف الرجل تجاه سوريا والتي برزت بشكل مفضوح بعد عودته من باريس، سيّما وإن إخفاء بعض الأسرار لم يعد في محله خاصة لناحية الزيارات التي قام بها أركان متقدمين في الفلك السوري، والذين كان لهم اليد الطولى في الإعداد والتحضير لعودة الرجل خاصة من الناحية القضائية، ومن دون أن ننسى الملفات بحقه التي كانت تقدمت الى مرحلة استصدار مذكرات توقيف غيابية بحق ميشال نعيم عون ومنها الأهم الملف المالي بحق الرجل الذي لم يعد بإمكانه تعمية الحقيقة وتجهيل تورطه بموضوع الإثراء غير الطبيعي وأكثر تحديداً موضوع التحويلات المالية بإسمه واسم زوجته بملايين الدولارات من المصارف اللبنانية الى المصارف الفرنسية، وقد عرض وكلاء الدفاع عن الرئيس الراحل الياس الهراوي وثائق تشير وتؤكد موضوع هذه التحويلات المصرفية والتي وصل عددها الى ما يفوق عن الأربعين مستنداً.

 

ولن نغوص اليوم في تفاصيل الموضوع المالي، بل ما يهمنا تورط عون مع السوريين وعلاقته بهم التي لم تنقطع في يوم من الأيام، بل كانت تتقاطع بين الصعود والنزول وبحسب المواسم الإنتخابية.

 

ودعونا هنا نعود بالذاكرة الى الوراء وتحديداً الى مرحلة الحرب التي خاضها عون ضد القوات اللبنانية عام 1990 حيث نام اللبنانيون على حرب التحرير، وعلى اعتبار ان عون أعلن حربه لتحرير لبنان من الإحتلال السوري وقد شاركت فعلياً وعملياً ولوجستياً ومعدات وتسليح... القوات الى جانب الجيش وبطلب مباشر من عون شخصياً، حيث فتحت القوات اللبنانية مخازنها وقدمت العتاد والمؤن والذخيرة.. وحتى المال.. خدمة لحرب التحرير... إذاً قلنا اننا نمنا على حرب التحرير، وإذ بنا نستيقظ على حرب دعاها عون وأسماها إصطلاحاً "حرب توحيد البندقية" وكنا معه، وصدقناه على اعتبار ان لا سلاح إلا بيد الجيش اللبناني، وأي سلاح خارج هذا الإطار هو سلاح غير شرعي.. والى ما هنالك من شعارات أطلقها عون لدغدغة مشاعر المسيحيين ومنها مثلاً إقفال المرافئ غير الشرعية.. واسترجاع المدارس الرسمية التي كانت تشغلها القوات أو بعض المهجرين.. موضوع ربطة الخبز على حاجز البربارة... والى ما هنالك من شعارات..

 

وبعد احتدام المعارك داخل الشرقية، وقد بات الأخ مقابل أخاه، والجار مقابل جاره وانقسمت الشرقية وتحولت شوارعها برك دم وكان الإنقسام الكبير حيث سقط سقف البيت على رؤوس الجميع..

 

في هذه الأجواء وبلمح البصر، تناسى جيش الإحتلال السوري في مناطق تواجده حرب التحرير، وراح يدفع بالأحزاب الموالية له من قومي وبعثي وجماعة حبيقة وأمل وحزب الله... لإمداد مناطق نفوذ ميشال عون بكل ما يلزم من مؤن وبنزين ومازوت... وبعد فترة عادت جماعة إيلي جبيقة الى مناطقنا بعد أن انكفؤا الى زحلة حيث مقر حبيقة بالتنسيق مع السوريين، وعاد القوميون السوريون الى مناطق المتن، وراح مسؤولي الحزب القومي السوري يتواصلون مع الجنرال بواسطة موفدين مشتركين..

 

كان المطلوب دعم ميشال عون في حربه حتى القضاء على آخر مسيحي مقاوم في لبنان..

 

للأسف كنا عمياناً.. فلم نر الحقيقة إلا بعد ثمانية عشر عاماً..

 

للأسف كنا لا نسمع إلا الصوت الواحد الذي استشرس ضد المسيحيين، وعلى رأسهم رأس الكنيسة الأم، المرجعية التي لم تقو عليها عاديات الزمن، فحتى السلطنة العثمانية امتنعت عن المس بجوهرية بكركي التي أعطيت وحدها مجد لبنان، أما نحن العونيين ماذا فعلنا للبطريركية المارونية؟ وكيف كان احترامنا لها؟

 

كنّا إن أهنّا بكركي، ولسخرية الموقف ان طلب حماية البطريرك تأخرت لساعات وساعات حتى تصل الى الكرسي البطريركي... هذا هو زعيم المسيحيين.. ليطل على اللبنانيين بعد تسعة عشر سنة من حادثة بكركي المهينة، ليعلن نفسه بطريركاً للمسيحيين، وليعلن "أنا منتخب من الشعب بينما البطريرك لا.. أنا بإمكاني أن أتحدث باسم الشعب بينما البطريرك لا"... كيف يكون زعيم المسيحيين الملك كما وصف نفسه وهو يعادي بكركي ويوجه لها الإهانات والتجريح والتطاول، وهكذا فعل رفاقه في المسلك السوري...

 

سنبدأ اليوم بالإجابة على السؤال عبر طرح تساؤلات، سوف تقودنا في النهاية الى التفكير والنقاش مع الذات، أسئلة إذا ما تجرأ العونيون على طرحها مع أنفسهم، سيصلون حتماً الى القناعة التي وصلنا إليها ووصل إليها رفاق كثر قبلنا وبعدنا ودعونا نبدأ مع ميشال عون منذ البدايات...

أولاً: محطات مهمة يجب التوقف عندها

 

أ‌- الدخول الى المدرسة الحربية بواسطة نائب بعبدا

 

في أحاديث خاصة له، كما وفي أحاديث صحافية أوهمنا عون انه رفض أن يقوم والده بزيارة أحد النواب ليتوسط له كي يدخل الى المدرسة الحربية، وهو قال عن نفسه انه رفض ذلك حتى لا يمننه ذاك النائب فيبقى هو أسير لهذه الخدمة، ولكن ما تبين لنا لاحقاً وما عرفناه بشكل ملموس نتيجة اتصالاتنا ولقاءاتنا مع مقربين من الرجل وأقرباء وعارفيه، ان روايته تلك مجرد نسج خيال ليس إلا، وما سوّقه من عفافة وشفافية ومن انه رفض الوساطة لم يكن بالحقيقة، بل ان ما حاول تسويقه وتمريره لدغدغة مشاعرنا ولتصوير شخصه الكريم بمثابة الرجل الكامل الذي لا غبار ولا لبس في تاريخه، وبأنه صنع نفسه بنفسه...

 

الحقيقة تختلف عن ذلك، كون التلميد ميشال نعيم عون الذي تقدم من المدرسة الحربية ولم يوفق بداية، الأمر الذي اضطره مع والده اللجوء الى النائب إدوار حنين لكي يتوسط له هذا الأخير وبالتالي دخوله الى الحربية إنما حصل بواسطة، ولن أريد أن أدخل في الأسباب التي جعلته لا يوفّق من المرة الأولى، ولن أدخل في كل ما قيل عن الملف النفسي للرجل، لأن الأمر لا يعنينا بقدر ما يعني ادعياء الشأن، وكل ما يهمنا نحن الذين خدعنا بالرجل ان ننقل مشاهداتنا وتجربتنا كما تجربة رفاق لنا والتي لولاها لما تربع ميشال عون على عرشه، وما كنا لنكتب هذه السطور لو ان الرجل حافظ على عهوده، ولم تنكشف حقيقته مع السوريين.. ولم نبتعد عنه لأسباب شخصية، أبداً، وكنا لا نعترض على تكريس العائلية داخل التيار، لأننا اعتبرنا ان القضية التي يرفعها عون أهم وأكبر وأرفع من أن ننزلق الى هذه المواضيع، أما أن نكتشف ان الرجل هو حالة سورية بامتياز فهذا ما لا يمكن التسليم أو القبول به.

 

ب‌- بشير الجميل يتوسط لعون لكي يتسلم قيادة "أفواج الدفاع"

 

في أواخر العام 1980، وفي منزل الأستاذ أنطوان نجم في الجديدة، يطلب ميشال عون من صديقه نجم كي يلح على الشيخ بشير كي يلح بدوره على الرئيس الياس سركيس من أجل تعيين عون قائداً لموقع جبل لبنان ولكي يتسلم ما أسموه في تلك الفترة "أفواج الدفاع"... بالفعل طلب بشير من الرئيس سركيس الذي استمهله الى ما بعد 15 كانون الثاني 1981 حتى يحين موعد قائد الجيش العماد فيكتور خوري من السفر كون قائد الجيش هو المعني مباشرة بهذا التعيين، وعندما طرح بشير اسم ميشال عون أمام مدير المخابرات العقيد جوني عبده صفن هذا الأخير وغاب في تفكيره لحظات قبل أن يجيب بالفرنسية:

 

Avez-vous bien reflechit vos risque et perlis? مما يعني هل فكرتم جيداً بهذا الإسم؟

 

وتابع جوني عبده: في كل الأحوال أنتم وحدكم تتحملون نتائج ما سوف يحصل!!

 

ولم تكد تمضي أسابيع على تسلمه للمركز الجديد حتى علت صرخات بشير من تصرفات عون.. ما الذي حصل؟

 

بشير متصلاً بأنطوان نجم وبصوت عصبي: "شو عملت فينا يا أنطوان وليش نصحتني بعون؟"

 

وتابع بشير: "ما لحق يستلم حتى علق مع الشباب، وتفضل ما بيرد على اتصالاتي..."

 

وكان عون ان احتل سنترال بدارو وهكذا بدأت بوادر التوتر بين الجيش والقوات، ولم يتمكن نجم من التحدث مع عون لمدة يومين حيث غاب عن السمع، بالرغم من أن زوجة عون كانت دائماً تجده.

 

أن عون كان يمنّن نفسه بقيادة الجيش عند إنتخاب الشيخ بشير ، ولكن في آب 1982 علم ميشال عون أن الرئيس بشير لا يريده قائدا" للجيش فمن جرّب مجرّب كان عقله مخرّب..

 

إنّ الشيخ بشير فقد ثقته بالضابط ميشال عون جراء تصرفات الأخير وتحرّشاته المستمرة بالقوات اللبنانية ، ولكن إستشهد بشير قبل أن يتسلّم السلطة وبالتالي قبل أن يعيّن قائدا" للجيش .

 

السؤال الأهم : مَــنْ كان وراء تسمية العقيد ميشال عون لقيادة الجيش ؟

 

قبل الاجابة على هذا السؤال لا بدّ من التذكير بما قاله عون أمام بعض المقربين اليه ومنهم مسؤولين في القوات حول خشيتهم منه في حال تسلّم قيادة الجيش إقدامه على توجيه ضربة للقوات اللبنانية ، جواب الرجل كان حرفيا"

 

" أنـــا منكم وفيكم يا شباب ، ولوْ أنا بدي أضرب القوات اللبنانية ؟ أنا ما بوجّه بارودة لصدر مسيحي!!..."

 

كما قال أكثر من مرة : " أنا ضمانة للقوات "...

 

وإذا كان ميشال عون مقاوم مسيحي كما سوّق نفسه ليقترب ويتقرّب من بشير ، سؤال ساذج وسطحي وبسيط، ولكن في الوقت ذاته سؤال يجب طرحه وبإلحاح ، لماذا لم يعترض نبيه بري ووليد جنبلاط وسوريا والفلسطينيين على إسم ميشال عون لتولّي قيادة الجيش ؟

 

الاجابة على هذا السؤال أتركها للمغمضين والعونيين المعترين حتى هذه الساعة ، ولكن يبقى أن أشير في هذا المجال أن ميشال عون وعد أكثر من مرة بأن يده لن تمتدّ على القوات ، وأنه لن يضرب ميليشيا ويبقي أخرى ... ولكن من الواضح أن الرجل أطلق تطميناته تلك داخل الشارع المسيحي لطمأنة من بيدهم الحلّ والربط في مسألة تعيينه بالقيادة ، حتى يتسنّى له القبض على القيادة ومن ثمّ عندما يعتلي المركز ينفذ ما وعد به ، وهو إلغاء الحالة المسيحية المقاومة ، وفرض نفسه كمفتاح لأي حلّ ، وبذلك تفرغ الساحة المسيحية من القيادات السياسية المقاومة لسوريا ، وهذا ما تكشّف لنا بعد سنوات على مخطط عون في مسعاه الدؤوب لإلغاء كلّ الواقع السياسي التاريخي للوجود المسيحي الحرّ على مدى عصور من الزمن.. والرجل إنكشفت حقيقته بعد خروج جيش الاحتلال السوري عن أرض لبنان ، ليبدأ بلعب دوره الرامي الى تسويق معادلة تلميع صورة سوريا ، ومحو ذاكرة المسيحيين إزاء ما إرتكبه السوريون بلبنان وبشعب لبنان ، وهذا ما يدفعنا الى الجزم بأن عون إنما كان مزروعا" داخل مجتمعنا ، ولكن بإتقان سوري وبحبكة بعثية إستخبارية ، ولذلك لم يجعلوه كما سائر المحسوبين عليهم المنكشفين والمكشوفين في عمالتهم الظاهرة والفاقعة ، وهذا ما يميّز بين العميل الظاهر والعميل النائم أو الخفي..

 

وعون الذي زار سوريا رسميا" وببذّته العسكرية وكان له إستقبال بالغ الحفاوة ، إعتادها السوريون وكرروها لدى إستضافتهم لكل قائد جيش لبناني زارهم ، مستعملين معه سياسة التلميع والتلميح بالقبول به رئيسا" للجمهورية

 

عبر دغدغة جموحه الدائم باتجاه السلطة ، وعون نفسه أعلن في رسالة وجهها للرئيس حافظ الأسد أنه يتمنّى أن يكون ولوْ جندي صغير في جيش حافظ الأسد..

 

لم نرَ ، ولم يرَ غيرنا هذه المؤشرات والإشارات الواضحة بسورنة عقل ميشال عون؟

 

ـ 2 ـ

 

وهنا يجب تحميل كلّ القيادات المسيحية مسؤولية ما جرّه عون على المسيحيين ، وكيف سمحوا لهكذا رجل أن يصل الى طاولات القرار داخل الجبهة السياسية المسيحية ، وحتما" كان الجميع على بيّنة من وضعية الرجل وإرتباطاته مع السوريين، حيث إذا ما استعرضنا روزنامة تناغمه وتكامله مع السوريين لتبدّى لنا حقيقة هذا الرجل ، وهنا نقول كيف فعل ما فعله مع بشير ، ليعود الشارع المسيحي يسمح بوصوله الى قيادة الجيش ، وبالفعل ما بدأه يوم تسلّم قيادة أفواج الدفاع إستكمله بعد توليه السلطة..

 

ولا مندوحة من التذكير هنا أن عون الذي إتصل بقائد القوات اللبنانية سمير جعجع يوم كان الأخير يُطبق على مبنى الأمن في المجلس الحربي حيث ايلي حبيقة محاصر ، ليقول له : " يا سمير السوريين عميضغطو عليّ " وطالبه بترك حبيقة الذي تمّ نقله الى مكتب عون في وزارة الدفاع ومن ثمّ الى سوريا حيث مقرّ إقامته الجديد تحضيرا" ليوم المحاولة الفاشلة لاقتحام الشرقية .

 

المقصود بكلامنا هذا إبراز وإظهار أن ميشال عون لم يقطع علاقته بالسوريين ، والأصحّ القول أن عون يتواصل مع النظام السوري منذ سنوات طويلة ، وما قاله البير منصور ومحسن دلول عن إيفادهما من قبل عون الى السوريين ليسوّقوه كمرّشح لرئاسة الجمهورية ، وغيرهما من الذين قاموا بجولات مكوكية بين عون ـ سوريا ، والهدف كلّ الهدف ترويج نفسه كمرّشح مقبول من قبل السوريين ، وهنا نقول أنّ هذا الرجل مثله مثل كلّ الطبقة السياسية التي زحفت الى الشام ، والتي قدّمت أوراق إعتمادها الى الباب العالي ، وليس صحيحا" ما أوْهمنا به عون أنه المنّزه عن التعامل مع السوريين ، ولكن الفرق بينه وبين الزحفطونيين الآخرين أنه يلعب هذه اللعبة بدهاء ، وبأسلوب ثعلــبي ماكر ، أسلوب خفي ، هو نفسه الأسلوب المكيافيللي ، وعون مبدع للمكيافيلية ، يعشقها ويمارسها كعاشق لها ، عون محترف لعبة الضحك على الناس وإيهامهم بأمور لا تكون صحيحة على الإطلاق ولكنه يجعلها حقيقة واضحة بالنسبة للناس لدرجة تصديق مزاعمه ، وهذا هو حقيقة وضع الشارع المسيحي ــ العوني...

 

حتى الحلف الرباعي ، ذاك البدعة ، لا بل كذبة العصر والتي إنطلت على المسيحيين ، حيث قضت هذه الكذبة أن يتحوّل عون الى ضحية ، ضحية مسيحية الكلّ ضدّها ، وخاصة المسلمين ، ليقول للمسيحيين هبوا أنتم في خطر وأنا محاصر لأنني مسيحي... ولكن الواقع أن الشيعة وتحديدا" حزب الله وكل جماعات سوريا في لبنان مرروا أصواتهم لعون من تحت الطاولة.. في جبيل مثلا" ميشال عون نال أكبر عدد من أصوات شيعة جبيل ، مرشحه في زحلة نال أكبر عدد من أصوات الشيعة ، ولتمرير الخدعة وجعل المسيحيين يصدّقونها ، كان التكليف الشرعي في بعبدا لجعل المسيحيين يقعون في مستنقع ميشال عون ، عون الضحية ، عون المحاصَر.. ولكن الحقيقة أن هذا الحلف كان تمّ إعداده من باريس ، وأبطاله عون ـ لحود ـ حزب الله ـ سوريا...

 

في الفترة التي اتخذت فيها قراري بإخراج نفسي من الحالة العونية في مرحلة بدأت أشعر فيها وكأنني داخل قفص، وهذا هو السجن العوني الذي وُضِعنا فيه من خلال إطار مرسوم تمّ بناؤه على خلفية إستعداء الآخرين، وعلى خلفية أنّ لا بديل على المستوى المسيحي، ومَنْ جرّ المسيحيين الى هذا الإطار التسويق الاعلامي والمبرمج بشكل دعائي، كان يخطط لما وصل اليه المسيحيون اليوم، لدرجة أنّ الحالة العونية اليوم هي مجرد عبادة للشخص من دون أي كتاب يُقرأ على صعيد المبادىء والأسس والعقيدة، خاصة بعد إلغاء كتاب "الطريق الآخر" الذي تمّ توزيعه إبّان الانتخابات النيابية عام 2005، والذي سُحِب من التداول بشكل كامل، كون هذا البرنامج السياسي بات يناقض تماماً مواقف عون وتياره اليوم، حيث إنقلب على كل المفاهيم والمبادىء التي على أساسها إنطلقت الحركة العونية اذا صحّ التعبير، فمن كان ليصدّق أن ميشال عون قائد الجيش السابق وصاحب الحروب لإلغاء الميليشيات، ومُطلق شعار وطن دولة لا دويلات.. وصاحب المواقف المصنّفة حزب الله بالارهاب، وعون نفسه الذي قال للبنانيين عشية إقرار قانون محاسبة سوريا: حتى لو إنسحبت فإنها ستترك وراءها ميليشيات مثل حزب الله ... ولن تكفينا مجلدات لإستذكار مواقف عون المغايرة تماماً لمواقفه الحالية..

وهنا تبدّى لنا السؤال الكبير: هل أصبح تيار عون قطيع يُساق كما النعاج، دون جدل أو حوار أو نقاش أو حتى مجرد حركة إعتراضية على إنقلاب عون على ذاته والمبادىء التي أعلنها، وهي كانت السبب لتحويل نفسه الى زعيم مسيحي، المشكلة لم تعد في شخص ميشال عون، بل أصبحت في الوضع النفسي والسيكولوجي لأتباعه الذين ما عاد بإمكانهم سماع صوت المنطق والعقل، واذا تمادى أحدهم في سماع الصوت الآخر تراه هرول هرباً كونه إقترب من سماع صوت الحق، وما عاد هؤلاء باستطاعتهم سماع إلاّ صوت واحد ولون واحد، وهذا ما أسميته الإطار العوني، أو دعنا نطلق عليه إصطلاحاً القفص العوني..

ومن الأمثلة الحسية على ما نقول، أحد العونيين وبعد سلسلة من الحوارات أعلن عن أحقية مواقفنا وصوابية النهج في 14 آذار، إلاّ أنه قال حرفياً: ولكن جاري من القوات اللبنانية بلْكي شمت فييّ...

هذا هو لبّ المشكلة مع كثيرين، حيث وضَعهم ميشال عون في لعبة نفسية ضيقة، لدرجة أنّ المعترض منهم والمتذمّر مما يجري ويدور يجعلونه يشعر وكأنه بمثابة الخائن للقضية، ولكن عن أية قضية يتكلمون؟ فحتى شهادة بشير الجميّل أصبحوا يشككون بها، وهم يستكملون مخطط ضرب القضية اللبنانية، وضرب هذه القضية يعني إقصاء وإلغاء وتشويه قادة المقاومة اللبنانية وتالياً القضاء على روحية الوجود المسيحي الحرّ..

هم اليوم حلفاء قتَلة بشير، وهم اليوم حلفاء البعث والقومي.. فهل هذه هي العونية التي عرفناها؟ ولا يقرأ العونيين ما حلّ بزعيمهم من إنقلاب على كلّ التاريخ وعلى كل الشهداء وعلى كل الشعارات.. في كلّ الأحوال تبقى مسألتين محوريتين يجب كشفهما بواقعية وموضوعية ألا وهما مسألة عون والأموال.. ومسألة عون والدم المسيحي...

التلّطي دائماً بأنها أموال تبرّعات

المراقب ولو عن بُعد لحركية العونيين، وتحديداً لحركية زعيمهم النائب ميشال عون، يكتشف سريعاً الثراء الفاضح في صيرورة هذا التيار، الذي كنّا في زمن الاحتلال نجمع من بعضنا البعض مصروف جيبنا ونفقات تنقلنا من البيت الى الجامعة لشراء بعض حاجيات وضرورات المقاومة من طباعة مناشير أو صوَر أو ثمن مواد البويا، عندما حوّلنا جدران العاصمة والمناطق الى صفحات جرائد في وقت كانت بعض الصحف لا تجرؤ على نشر مواقفنا المناهضة للإحتلال السوري وعملائه، كنّا في خضّم المعركة، وفي قلب المقاومة، ولم نتوقف يوماً عند من دفع أكثر من الآخر، المهم أن نستمر وننشر ثقافة القضية التي آمنّا بها..

اليوم بدأت معالم المال بالبروز، وبدأت معها الفضائح بالإنكشاف شيئاً فشيئاً، حتّى فاحت روائح الإثراء الفاحش عبر ظهور وسائل الصرف بشكل غير منظور.

وللبحث بهذا الموضوع لا بدّ من العودة الى الوراء، وتحديداً الى مرحلة توّلي عون لقيادة الجيش، وهنا نستذكر معاً أن مبلغ وقدره /500000د.أ/ (خمسماية الف دولار أميركي) كهبة وتبرعات كان يقدّمها رجل الأعمال اللبناني رفيق الحريري الى قيادة الجيش، ولن أسأل عن مصير الأموال، ولن أوّجه أي إتهام، ولكن للتنوير، وليعلم هذا الجيل بعض خفايا وأسرار، وليستذكروا الحملات الشنيعة التي شنّها ميشال عون على الرئيس الحريري، وكيْل الاتهامات التي ساقها ضدّه، ولم نكن نعلم سبب تهجمات عون على الحريري، إلاّ بعد أن تكّشفت لنا الحقائق، لنعلم لاحقاً أنّ الحملة كانت صياغة سورية بشكل موّجه ومبرمج ومدروس، ولعلّ تلاقي عون واميل لحود كان ثنائياً بإمتياز في توجيه الحرب التدميرية ضدّ الحريري.

المهم في الموضوع أنّ ميشال عون الذي أجلس نفسه على عرش الطهارة والنزاهة المالية، تبيّن أنّه لم يكن سوى عرش كرتوني ملحمي مسرحي ليس إلاّ.. وما زاد الطين بلّة أن كلّ فلس آل الى القضية اللبنانية، قضية التحرير، تحرير لبنان من الاحتلال السوري، وقضية توحيد البندقية إنطلاقاً من شعار لا سلاح خارج الجيش اللبناني، وقضية محاربة الفساد والفاسدين... حيث أنّ كلّ الأموال التي تبرّع بها الصغار والكبار، الأرامل واليتامى، العسكريين والمدنيين، الفقراء والأغنياء، والتي بلغت قيمتها بملايين ملايين الدولارات تمّ تسييلها بالعملة الصعبة بحيث وُضعت بداية في المصارف اللبنانية عبر حساب مصرفي مشترك بين ميشال عون وزوجته ناديا الشامي، قبل أن يُصار الى تحويلها شيئاً فشيئاً الى المصارف الأجنبية وتحديداً منها الفرنسية، وقد قدّم وكلاء الدفاع عن ورثة الرئيس الراحل الياس الهراوي أكثر من أربعين مستند كناية عن تحويلات مالية بملايين الدولارات بإسم عون وزوجته، الأمر الذي أثارته الصحيفة الفرنسية "لو كانار أنشيني"، والذي دفع بميشال عون لمقاضاة الصحيفة، إلاّ أنه لا يجرؤ على مكاشفة الناس ليعلن لهم مصير شكواه الصُـوَرية تلك، والتي أراد منها مجرد تلميع صورته تجاه ناسه.

وفي تسلسل منطقي لمجريات الأمور وتحديداً منها المالية، ولمزيد من إذكاء روح الموضوعية والجدّية على ما نقول، تعالوا نُقنِع أنفسنا ببعض النظريات الدفاعية عن عون في هذا المجال، علّنا نوّفَق بإيجاد أسباب تخفيفية لما أقدَم عليه ميشال عون، أو لإيجاد تبريرات للرجل حتّمت عليه إتخاذ مثل هذه الخطوة..

قد يكون وضع الأموال بإسمه وزوجه في تلك الفترة كون لا ثقة له بمؤسسات الدولة، وخشية من تبديدها في حال سُلّمت الى أية مرجعية، وبذلك تذهب أموال القضية هباء...

قد يكون وراء التحويلات الأربعينية بملايين الدولارات الى خارج لبنان عبر وضعها في مصارف أجنبية، خشية من مصادرتها أو الاستيلاء عليها في زمن الاحتلال السوري وأعوانه وعملائه.. وهنا معه كامل الحق في التفكير على هذا المستوى، فحرامٌ أن تتبدّد أموال اليتامى والأرامل هكذا ببساطة..
والسؤال الواجب طرحه، وأدعوا عونيوا هذا الزمن الى طرح الموضوع من هذه الزاوية:

1ـ لماذا الحسابات كلّها بإسمه وإسم زوجته؟

ولنفترض، لا سمح الله، أن أصاب الرجل مكروهاً.. أطال الله بعمره، ولكن كلّنا معرّضون.. أقول لنفترض، وهي فرضية جائزة وحاضرة ومحتملة.. ماذا سيكون مصير عشرات الملايين من الدولارات؟ والى مَنْ ستؤول هذه الأموال يوماً ما، في حال حدوث وفاة؟؟

قانوناً الورثة هم المستفيدون الوحيدون من هذه الأموال، وبالتالي ستؤول الى بناته وأصهرته..

ولوْ كانت النوايا سليمة، وهي عكس ذلك، لكان واجب على الرجل أن يبادر سريعاً الى خيار من إثنين:
إمّا تقديم هذه الأموال الى عائلات (وأشدّد هنا على إستعمال عبارة عائلات وليس عوائل) الشهداء، شهداء الجيش اللبناني، أو تقديمها الى مؤسسة الجيش اللبناني لتكون بتصرفها.

أو تقديمها الى أية مؤسسة ذات منفعة عامة لا تتوخى الربح، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الصليب الأحمر أو إحدى المؤسسات التي تعود بالخير العام على المجتمع اللبناني..

أمّا أن تبقى هذه الأموال على وضعها، فهذا يسمح لنا بمزيد من إثارة الموضوع وإنارة الرأي العام اللبناني، وهذا أيضاً يرفع عن الرجل صفة المنّزه، كونه حصل على تلك الأموال عندما كان في السلطة، وهذا لا يمكن وصفه إلاّ بوصف محدد وهو إستغلال السلطة، لأنه منطقياً لو لم يكن في السلطة لما وصلت الى يديه هذه الأموال..

وهذه الأموال، صحيح أنها أموال تبرعات، ولكن لم يتبرّع بها الناس لتتحوّل في يوم من الأيام الى جزء من حصر إرث شخص، بينما هي في الواقع أموال تبرّع بها مَن آمن بقضية لم يُبقِ منها ميشال عون أي حرف يُقرأ، ولم يُبق منها أي ذكرى طيبة، بعدما ترك القضية في نصف الطريق، وتحوّل الى ركن أساسي ومحوري من جماعة سوريا في لبنان، يتناغم معهم ويسوّق لسياساتهم، فحتّى القضية التي حصل بموجبها على التبرعات لم تعد هي نفسها بل أصبحت قضية الانقلاب على الذات والتاريخ والناس والشعارات، وليس آخرها تمزيقه للكتاب البرتقالي الذي حمله تحت إبطه يتنقل به ويوزعه لزواره وهو كتاب"الطريق الآخر"...
في الفترة التي اتخذت فيها قراري بإخراج نفسي من الحالة العونية في مرحلة بدأت أشعر فيها وكأنني داخل قفص، وهذا هو السجن العوني الذي وُضِعنا فيه من خلال إطار مرسوم تمّ بناؤه على خلفية إستعداء الآخرين، وعلى خلفية أنّ لا بديل على المستوى المسيحي، ومَنْ جرّ المسيحيين الى هذا الإطار التسويق الاعلامي والمبرمج بشكل دعائي، كان يخطط لما وصل اليه المسيحيون اليوم، لدرجة أنّ الحالة العونية اليوم هي مجرد عبادة للشخص من دون أي كتاب يُقرأ على صعيد المبادىء والأسس والعقيدة، خاصة بعد إلغاء كتاب "الطريق الآخر" الذي تمّ توزيعه إبّان الانتخابات النيابية عام 2005، والذي سُحِب من التداول بشكل كامل، كون هذا البرنامج السياسي بات يناقض تماماً مواقف عون وتياره اليوم، حيث إنقلب على كل المفاهيم والمبادىء التي على أساسها إنطلقت الحركة العونية اذا صحّ التعبير، فمن كان ليصدّق أن ميشال عون قائد الجيش السابق وصاحب الحروب لإلغاء الميليشيات، ومُطلق شعار وطن دولة لا دويلات.. وصاحب المواقف المصنّفة حزب الله بالارهاب، وعون نفسه الذي قال للبنانيين عشية إقرار قانون محاسبة سوريا: حتى لو إنسحبت فإنها ستترك وراءها ميليشيات مثل حزب الله ... ولن تكفينا مجلدات لإستذكار مواقف عون المغايرة تماماً لمواقفه الحالية..

وهنا تبدّى لنا السؤال الكبير: هل أصبح تيار عون قطيع يُساق كما النعاج، دون جدل أو حوار أو نقاش أو حتى مجرد حركة إعتراضية على إنقلاب عون على ذاته والمبادىء التي أعلنها، وهي كانت السبب لتحويل نفسه الى زعيم مسيحي، المشكلة لم تعد في شخص ميشال عون، بل أصبحت في الوضع النفسي والسيكولوجي لأتباعه الذين ما عاد بإمكانهم سماع صوت المنطق والعقل، واذا تمادى أحدهم في سماع الصوت الآخر تراه هرول هرباً كونه إقترب من سماع صوت الحق، وما عاد هؤلاء باستطاعتهم سماع إلاّ صوت واحد ولون واحد، وهذا ما أسميته الإطار العوني، أو دعنا نطلق عليه إصطلاحاً القفص العوني..

ومن الأمثلة الحسية على ما نقول، أحد العونيين وبعد سلسلة من الحوارات أعلن عن أحقية مواقفنا وصوابية النهج في 14 آذار، إلاّ أنه قال حرفياً: ولكن جاري من القوات اللبنانية بلْكي شمت فييّ...

هذا هو لبّ المشكلة مع كثيرين، حيث وضَعهم ميشال عون في لعبة نفسية ضيقة، لدرجة أنّ المعترض منهم والمتذمّر مما يجري ويدور يجعلونه يشعر وكأنه بمثابة الخائن للقضية، ولكن عن أية قضية يتكلمون؟ فحتى شهادة بشير الجميّل أصبحوا يشككون بها، وهم يستكملون مخطط ضرب القضية اللبنانية، وضرب هذه القضية يعني إقصاء وإلغاء وتشويه قادة المقاومة اللبنانية وتالياً القضاء على روحية الوجود المسيحي الحرّ..

هم اليوم حلفاء قتَلة بشير، وهم اليوم حلفاء البعث والقومي.. فهل هذه هي العونية التي عرفناها؟ ولا يقرأ العونيين ما حلّ بزعيمهم من إنقلاب على كلّ التاريخ وعلى كل الشهداء وعلى كل الشعارات.. في كلّ الأحوال تبقى مسألتين محوريتين يجب كشفهما بواقعية وموضوعية ألا وهما مسألة عون والأموال.. ومسألة عون والدم المسيحي...

التلّطي دائماً بأنها أموال تبرّعات

المراقب ولو عن بُعد لحركية العونيين، وتحديداً لحركية زعيمهم النائب ميشال عون، يكتشف سريعاً الثراء الفاضح في صيرورة هذا التيار، الذي كنّا في زمن الاحتلال نجمع من بعضنا البعض مصروف جيبنا ونفقات تنقلنا من البيت الى الجامعة لشراء بعض حاجيات وضرورات المقاومة من طباعة مناشير أو صوَر أو ثمن مواد البويا، عندما حوّلنا جدران العاصمة والمناطق الى صفحات جرائد في وقت كانت بعض الصحف لا تجرؤ على نشر مواقفنا المناهضة للإحتلال السوري وعملائه، كنّا في خضّم المعركة، وفي قلب المقاومة، ولم نتوقف يوماً عند من دفع أكثر من الآخر، المهم أن نستمر وننشر ثقافة القضية التي آمنّا بها..

اليوم بدأت معالم المال بالبروز، وبدأت معها الفضائح بالإنكشاف شيئاً فشيئاً، حتّى فاحت روائح الإثراء الفاحش عبر ظهور وسائل الصرف بشكل غير منظور.

وللبحث بهذا الموضوع لا بدّ من العودة الى الوراء، وتحديداً الى مرحلة توّلي عون لقيادة الجيش، وهنا نستذكر معاً أن مبلغ وقدره /500000د.أ/ (خمسماية الف دولار أميركي) كهبة وتبرعات كان يقدّمها رجل الأعمال اللبناني رفيق الحريري الى قيادة الجيش، ولن أسأل عن مصير الأموال، ولن أوّجه أي إتهام، ولكن للتنوير، وليعلم هذا الجيل بعض خفايا وأسرار، وليستذكروا الحملات الشنيعة التي شنّها ميشال عون على الرئيس الحريري، وكيْل الاتهامات التي ساقها ضدّه، ولم نكن نعلم سبب تهجمات عون على الحريري، إلاّ بعد أن تكّشفت لنا الحقائق، لنعلم لاحقاً أنّ الحملة كانت صياغة سورية بشكل موّجه ومبرمج ومدروس، ولعلّ تلاقي عون واميل لحود كان ثنائياً بإمتياز في توجيه الحرب التدميرية ضدّ الحريري.

المهم في الموضوع أنّ ميشال عون الذي أجلس نفسه على عرش الطهارة والنزاهة المالية، تبيّن أنّه لم يكن سوى عرش كرتوني ملحمي مسرحي ليس إلاّ.. وما زاد الطين بلّة أن كلّ فلس آل الى القضية اللبنانية، قضية التحرير، تحرير لبنان من الاحتلال السوري، وقضية توحيد البندقية إنطلاقاً من شعار لا سلاح خارج الجيش اللبناني، وقضية محاربة الفساد والفاسدين... حيث أنّ كلّ الأموال التي تبرّع بها الصغار والكبار، الأرامل واليتامى، العسكريين والمدنيين، الفقراء والأغنياء، والتي بلغت قيمتها بملايين ملايين الدولارات تمّ تسييلها بالعملة الصعبة بحيث وُضعت بداية في المصارف اللبنانية عبر حساب مصرفي مشترك بين ميشال عون وزوجته ناديا الشامي، قبل أن يُصار الى تحويلها شيئاً فشيئاً الى المصارف الأجنبية وتحديداً منها الفرنسية، وقد قدّم وكلاء الدفاع عن ورثة الرئيس الراحل الياس الهراوي أكثر من أربعين مستند كناية عن تحويلات مالية بملايين الدولارات بإسم عون وزوجته، الأمر الذي أثارته الصحيفة الفرنسية "لو كانار أنشيني"، والذي دفع بميشال عون لمقاضاة الصحيفة، إلاّ أنه لا يجرؤ على مكاشفة الناس ليعلن لهم مصير شكواه الصُـوَرية تلك، والتي أراد منها مجرد تلميع صورته تجاه ناسه.

وفي تسلسل منطقي لمجريات الأمور وتحديداً منها المالية، ولمزيد من إذكاء روح الموضوعية والجدّية على ما نقول، تعالوا نُقنِع أنفسنا ببعض النظريات الدفاعية عن عون في هذا المجال، علّنا نوّفَق بإيجاد أسباب تخفيفية لما أقدَم عليه ميشال عون، أو لإيجاد تبريرات للرجل حتّمت عليه إتخاذ مثل هذه الخطوة..

قد يكون وضع الأموال بإسمه وزوجه في تلك الفترة كون لا ثقة له بمؤسسات الدولة، وخشية من تبديدها في حال سُلّمت الى أية مرجعية، وبذلك تذهب أموال القضية هباء...

قد يكون وراء التحويلات الأربعينية بملايين الدولارات الى خارج لبنان عبر وضعها في مصارف أجنبية، خشية من مصادرتها أو الاستيلاء عليها في زمن الاحتلال السوري وأعوانه وعملائه.. وهنا معه كامل الحق في التفكير على هذا المستوى، فحرامٌ أن تتبدّد أموال اليتامى والأرامل هكذا ببساطة..

والسؤال الواجب طرحه، وأدعوا عونيوا هذا الزمن الى طرح الموضوع من هذه الزاوية:

1ـ لماذا الحسابات كلّها بإسمه وإسم زوجته؟

ولنفترض، لا سمح الله، أن أصاب الرجل مكروهاً.. أطال الله بعمره، ولكن كلّنا معرّضون.. أقول لنفترض، وهي فرضية جائزة وحاضرة ومحتملة.. ماذا سيكون مصير عشرات الملايين من الدولارات؟ والى مَنْ ستؤول هذه الأموال يوماً ما، في حال حدوث وفاة؟؟

قانوناً الورثة هم المستفيدون الوحيدون من هذه الأموال، وبالتالي ستؤول الى بناته وأصهرته..

ولوْ كانت النوايا سليمة، وهي عكس ذلك، لكان واجب على الرجل أن يبادر سريعاً الى خيار من إثنين:

إمّا تقديم هذه الأموال الى عائلات (وأشدّد هنا على إستعمال عبارة عائلات وليس عوائل) الشهداء، شهداء الجيش اللبناني، أو تقديمها الى مؤسسة الجيش اللبناني لتكون بتصرفها.

أو تقديمها الى أية مؤسسة ذات منفعة عامة لا تتوخى الربح، ومنها على سبيل المثال لا الحصر، الصليب الأحمر أو إحدى المؤسسات التي تعود بالخير العام على المجتمع اللبناني..

أمّا أن تبقى هذه الأموال على وضعها، فهذا يسمح لنا بمزيد من إثارة الموضوع وإنارة الرأي العام اللبناني، وهذا أيضاً يرفع عن الرجل صفة المنّزه، كونه حصل على تلك الأموال عندما كان في السلطة، وهذا لا يمكن وصفه إلاّ بوصف محدد وهو إستغلال السلطة، لأنه منطقياً لو لم يكن في السلطة لما وصلت الى يديه هذه الأموال..

وهذه الأموال، صحيح أنها أموال تبرعات، ولكن لم يتبرّع بها الناس لتتحوّل في يوم من الأيام الى جزء من حصر إرث شخص، بينما هي في الواقع أموال تبرّع بها مَن آمن بقضية لم يُبقِ منها ميشال عون أي حرف يُقرأ، ولم يُبق منها أي ذكرى طيبة، بعدما ترك القضية في نصف الطريق، وتحوّل الى ركن أساسي ومحوري من جماعة سوريا في لبنان، يتناغم معهم ويسوّق لسياساتهم، فحتّى القضية التي حصل بموجبها على التبرعات لم تعد هي نفسها بل أصبحت قضية الانقلاب على الذات والتاريخ والناس والشعارات، وليس آخرها تمزيقه للكتاب البرتقالي الذي حمله تحت إبطه يتنقل به ويوزعه لزواره وهو كتاب"الطريق الآخر"...

بطل الانـكسارات المسيحية!!

 

إستطاع ميشال عون إيهام اللبنانيين ، وحتى خصومه منهم أنه منّزه عن المال وبأنّ يديه لم تتلطخا بالدم ، وقد إنطلت هذه الكذبة ــ البدعة التسويقية لدرجة أنّ منتقديه كانوا يروّجون لمعادلة مفادها أن الرجل قد يكون تقريبا" الوحيد الذي لم ينزلق الى لعبة المال ولعبة الدم ، وكنّا من عداد الفئة التي إختلطت عليها الأمور ، والتي تكوّنت لديها قناعة أن الرجل هو الأنزه والأشرف والأعلم حتما" ، ولكن وكما سبق أن أعطيت تشبيه منطقي ألآ وهو أنّ مَنْ يريد أن يكشف حقيقة ميشال عون عليه أن يبتعد عنه قليلا" ، تماما" كما اللوحة الانطباعية التي طالما أنت قريب منها لن يمكنك إكتشاف خطوطها العريضة ، وبالتالي طالما أنت تقف بالقرب من اللوحة لن تراها بوضوح ، لذا عليك الابتعاد قليلا" ، وكلما إبتعد ناظريك عنها ، كلما توّضحت أكثر.

 

بالنسبة للمال قلنا في الحلقة السابقة وشرحنا تورط الرجل بالموضوع المالي ، ولا ضرورة للغوص كثيرا" في التفاصيل، ويبقى على اللبناني بشكل عام والعوني تحديدا" أن يجلس مع ذاته ويفكّر بما نكتب وما نقول ، ليتحسّس أنه خُدِع تماما" بالرجل ، أمّا الفئة التي تحمل عنوان عنزة ولو طارت ، فهي فئة باتت تستحق الشفقة فئة المعتّرين ، فئة صودرَ فكرها وإرتهن منطقها لدرجة الشلل الدماغي على طريقة غسل الدماغ زمن الهتلريين والموسولينيين واللينينيين... أي أن الانسان لم يعد ذي قيمة ، بل أنه يصبح تابع وأعمى البصر والبصيرة ، وكل ما يقوله الزعيم مقدّس ومُـنْـزَل..

 

وبلمحة سريعة نستكشف معا" أنّ أكبر عدد من الانكسارات المسيحية ، وأكبر عدد من الضحايا المسيحية ، إنما حصلت في زمن ميشال عون ، أو على الأقلّ كان الرجل أحد أبطال هذه الحروب ، وسوف نستعرض بعض المحطات التاريخية المؤلمة في تاريخ المسيحيين ، وستتكشّف الوقائع بسهولة ودون أي عناء ، وقائع تدليلية على دور هذا الرجل الذي إمتهن طوال حياته لعبة تدوير الوقائع وتحوير الحقائق وقلب الأمور التي هي ضدّه لتكون مضبطة إتهام لأخصامه ، وهنا أتوقف قليلا" بالأمس القريب لمحاولته الدنيئة والرخيصة في نكء الجراح عبر المسرحية التي صاغها على تلفزيون الليمونة عبر نبش ملف إهدن ومن زاوية تحريضية خلت تماما" من الموضوعية ، كما عوّدنا في ملفاته التي تختزن كمّ هائل من الأحقاد الدفينة تجاه المسيحيين..

 

هذا الرجل لا شك أنه لم يكن يوما" من المؤمنين بمبادىء القضية اللبنانية ، وهذا الرجل عن خطأ وقف الى جانب القوات اللبنانية زمن بشير كما جلس على نفس الطاولة مع سمير.. ولكن بات مؤكدا" أنه فكره ونهجه وأسلوبه عجنهم بالسورنة ، وهي عكس اللبننة ، وكلّ ما قاله في السابق عن سوريا لم يكن سوى عدّة الشغل ليصل الى ما وصل

 

ـ 2 ـ

 

اليه ، وسؤال بسيط للعونيين : هــل لـو كان ميشال عـون سابقا" على مواقفه التي يجاهر بها اليوم من نظرته لسوريا وجماعاتها في لبنان ، ومن مواقفه المستجدة إزاء سلاح الميليشيات ، هل كنتم وقفتم معه وناصرتموه؟

 

الجواب حتما" لا ، لأنه لو فعل لكان اليوم وحده ، أو من دونكم ، وكنّا أضفنا على اللائحة ناصر قنديل ووئام وهاب وميشال عون ، والسوريون ليسوا بحاجة الى تلك الأسماء ، بل هم بحاجة لمن يجرّ المسيحيين وراءه كالعميان ، يجرّ المسيحيين كالنعاج ، تماما" كما جعلهم يقفون في ساحة رياض الصلح والوشاح الليموني يزيّن صدورهم ، رافعين قبضات أيديهم صارخين مرددين وراء السيد نعيم قاسم "الموت لأمريكا،الموت لأمريكا"...

 

وهذا الرجل الذي لم يستطعم معنى الشهادة ، فهو في واقع الحال لم يقدّم من عائلته أي شهيد ، ولا حتى من أقربائه ، بينما راح يعيّر شهداء 14 آذار ، حيث من شدّة قهره وإمتعاضه أطلّ من رابيته أثناء حرب البارد ليقول:

 

" ما يرّبحونا جميلة جماعة 14 آذار كلّ ما سقط لهم شهيد وأنا كما عميسقط لي كلّ يوم 10 شهداء بالبارد"..

 

وكأنّ هذا الرجل لا يزال يعتقد نفسه قائدا" فعليا" للجيش ، وكأنّ الجيش ملك شخصي له ، فحتى قائد الجيش العماد ميشال سليمان لم يقل هذا الكلام في تلك المرحلة الدقيقة.. هذه أمور بات من الضروري التفكير بها وتحليل معانيها لكون ميشال عون يبتدع الاستثمار السياسي ، وهو يهوى التضحية بالآخرين ، فحتى أحداث 23 كانون

 

والتي سقط للقوات اللبنانية خلالها شهيد ، حاول تزوير الوقائع ليطلق إتهاماته وسيل الشتائم التي إعتادها لسانه، واذا كان من مسؤول عن إصابة ذاك الشاب العوني في جبيل والذي ندعو له بالشفاء العاجل ، فإنّ ميشال عون وحده المسؤول دون سواه ، فهو المحرّض على الأعمال التخريبية في ذاك اليوم الأسود ، وقبل ساعات أطلّ مهددا" اللبنانيين : " ما بنصح حدن يروح بكرا على شغلو ، واللي بيروح ما بيرجع على بيتو..."

 

إنّ وعي القيادات المسيحية وخاصة منهم القوات اللبنانية والكتائب منع إستجرار العاصفة التدميرية الدموية ، الى عمق المناطق المسيحية ، وإستفزازت عون وتحرشاته ، وإستقدامه لصبيان حزب الله والقوميين الى عمق مناطق المسيحيين لهو دليل على جنوح هذا الرجل ورغباته الدائمة بالرقص على القبور ، ولكن مَنْ يقرأ التاريخ ، ويسترجع المحطات التي كان عون بطلها يعرف تماما" أن ما يقوم به اليوم ليس غريبا" ولا مستغرَبا" عن دور الرجل ضدّ المسيحيين ، ودوره لتفتيتهم وإضعافهم بعكس تماما" ما يحاول ترويجه من أنه محصِّل حقوق المسيحيين..

 

دماء الـمسيحيين !!

 

تعالوا نستعيد معا" حمّامات الدم المسيحي الذي سقط في المناطق الشرقية ،وهنا وبموضوعية نقول أنّ كلّ نقطة دم سقطت في الشرقية مسؤولية جماعية يتحمّل تبعة نتائجها كلّ مَن شارك بها من قريب أو بعيد ، بدء" من العام 1975 أي قبل مجزرة إهدن ، وحتى بالعودة الى مجزرة الكنيسة في مزيارة عام 1957 ..

 

إغتيال الكتائبيين في الشمال والتي بدأها أنصار فرنجية أي المردة وهي سبقت مجزرة إهدن ، وكلّ الحروب والتصفيات التي شهدتها المناطق المسيحية ، ولا ننسى إنفجارات الشرقية سن الفيل وفرن الشباك سوبرماركت ملكي إنفجار عوكر الذي إستهدف الجبهة اللبنانية...

 

ـ 3 ـ

 

وهنا السؤال الذي يطرح نفسه ، ميشال عون الذي يقيم الدنيا ولا يُقعدها على سمير جعجع .. ويحملّه مسؤولية الحرب منذ العام 1975 حتّى أنه لو بإمكانه أن يحملّه مسؤولية إغتيال الرئيس جون كنيدي لما كان ليقصّر في ذلك، ميشال عون مهووس بغرام سمير جعجع ، ومن الحبّ ما قتل!!

 

وهنا أريد أن أعود بالذاكرة الى الوراء ، ميشال عون عمل المستحيل ليتقرّب من بشير ، ويوم وقوع مجزرة إهدن كان عون من عِداد فريق بشير ، فهل يتفضّل الرجل ويفصح عما كان دوره ، ورأيه ، بما حدث في إهدن ؟

 

سأبدأ من هنا بمسؤولية عون في الشرقية ، بمسؤوليته في دماء المسيحيين ، مباشرة أو بشكل غير مباشر..

 

عندما كان قائدا" للجيش ، هل كان يدرّب عناصر القوات اللبنانية؟ هل إنتدب عدد من الضباط لتدريب الشباب في معهد غوسطا؟ هل هو نفسه، ميشال عون،الرجل الذي وقف على شرفة القصر الجمهوري في بعبدا رافعا" في يده اليمنى كتاب "نحن والقضية".. كتاب مبادىء القوات اللبنانية ، شابكا" بيده اليسرى يد سمير جعجع وبأعلى صوته قائلا" : "هذا ما يجمعنا " ..

 

ماذا حصل في 14 شباط 1989 ؟

 

المحاولة الأولى لعرض العضلات ولإظهار مدى قوة عون العسكرية ، وبأنه يُمسك بالشرقية بقبضته ، تماما" كما فعل بشير للإمساك بقرار المنطقة المسيحية ، ولكن الفرق بين الرجلين أن عون المتناغم مع السوريين كان يستعرض قوته ويبيّن أنه بإمكانه ضرب القوات اللبنانية أي العامود الفقري للقوة المسيحية ، خاصة وأن السوريين كانوا دائما" يطالبونه بأن يضرب القوات ليصل الى رئاسة الجمهورية ، وهكذا إستمروا معه بلعبة العصا والجزرة ، وهكذا بدأ الوجود المسيحي الحرّ ، أو دعنا نقول القوة المسيحية تضعف شيئا" فشيئا" وذلك بفضل مجهود عون وحروبه التي قدّمها فدية لمصلحته الشخصية ، واليوم يُطرح السؤال التالي : لماذا كانت كلّ تلك الحروب التي أعلنها ميشال عون ، واليوم أصبح واضحا" توصيفها بأنها حروب دون جدوى ؟

 

ماذا حقق منها سوى آلاف القتلى ومئات الشهداء وتدمير الشرقية وإهانة الكنيسة ؟

 

ألم يحن الوقت لفتح ملفات الرجل وتحديدا" منها الحروب العبثية والتي لم تقدّم للبنانيين وللمسيحيين تحديدا" سوى الانقسام على بعضهم البعض والهجرة وتدمير الاقتصاد ؟

 

إذا" الحرب الأولى التي حاول من خلالها تطويع القوات اللبنانية وإفهامها أنّ الشرقية له وهو الآمر النهائي فيها ، لم تكتمل فصولها ليس كما قيل أنّ الفاتيكان أجرى إتصالاته وأن عواصم القرار تدخلت ، أبدا".. كلّ ما حصل كان نوع من إمتحان نوايا مشترك ومزدوج بين عون وسوريا ، فهو يريد ضرب القوات ولكنّ ليس مجانا" ، والسوريين يريدون ضربة قاضية للقوات وليس عرض عضلات كما فعل عون في 14 شباط!!

 

وإلاّ لو أنّ الرجل حقيقة يريد توحيد البندقية كما سوّق وقتذاك ، لماذا لم يُكمل هذا التوحيد ؟ ولماذا عاد وألن حرب التحرير على سوريا؟ فعلا" حيّرنا الرجل ، ساعة يريد إنقاذ المسيحيين من الميليشيات ، وساعة يريد أن يحرر لبنان من الاحتلال السوري.. هذه الوقائع بحدّ ذاتها تؤشّر الى سكيزوفرينية عون على المستوى العام ، وعلى المستوى المصيري للمسيحيين.. وعندما نفكّر قليلا" بما إرتكبه هذا الرجل ، وكيف أنه يهوى اللعب بمصير المسيحيين ، لابدّ لنا من القول أن الرجل يهوى الرقص على القبور ، وهو محترف حفّار قبور..

 

ـ 4 ـ

وهذا الرجل المنقلب على نفسه وطروحاته وأفكاره حتى خلال اللحظة ذاتها.. هذا الرجل الذي يختزن لسانه أبشع الأوصاف والاهانات والتي يطلقها على الآخرين بشكل أنّ طوال الحياة السياسية في لبنان ، لم نشهد أحد بمستواه التخاطبي، ومن التعابير التي عودّنا على قذفها مثلا" : نواب بعبدا ـ عاليه بسينات.. جماعة 14 آذار بناديق.. وعن الرئيس الجميّل أنه ما بيوصل لتحت زنّاري.. كما أنه لم يوّفر غبطة البطريرك من قاموسه ، وبإيجاز فإنّ الرجل قارىء جيّد لكتاب كليلة ودمنة ، فلم يوّفر أي لفظ أو وصف مهين بحق أخصامه إلاّ وإستعمله.

 

قلنا إذا" أنه حاول في المعركة الأولى ضدّ القوات اللبنانية ، فكانت بالنسبة له نوع من بروفا تمهيدا" للمعركة الأمّ التي سيخوضها لاحقا" والتي كانت السبب المباشر والأساسي لسقوط الهيكل على رأس المسيحيين ، والتي توّجت بالاجتياح السوري للمناطق الحرّة صباح 13 تشرين الأول 1990 ، ليحكم النظام السوري لبنان مباشرة مدة خمسة عشر سنة ذاق فيها اللبنانيون أبشع ضروب الذلّ والتعذيب والقهر والقتل والخطف والاضطهاد..

 

كلّ الاحتكاكات العسكرية التي كانت تحصل بين الجيش والقوات إنما كانت مقدّمة تمهيدية للحرب الكبيرة التي ستحط رحالها ، وإذا كان الجيش اللبناني بالنسبة لنا كان وسيبقى المؤسسة الأم والتي يبقى واجب دعمها بالمطلق أمر طبيعي بالنسبة لنا ، ولكن في المقابل تجدر الإشارة الى أن تجنيب الجيش أمر المواجهات مع الفريق المسيحي كان أيضا" مطلب أساسي ، لا بل قضية محورية وجوهرية على الدولة والقيمين عليها السهر جيدا" لعدم حصولها ، ولكن الواضح أن عون سهر جيدا" على ز جّ الجيش في لعبة الداخل ، بحيث بدأ بالشحن والتعبئة داخل صفوف العسكريين ضدّ القوات اللبنانية ، في وقت كان الأجدى به لو أنه فعلا" يسعى جدّيا" لحلّ الميليشيات وإرساء سلطة الجيش وحده دون شريك له ، كان الأجدى به أن يعمّم هذا الأمر على جميع الميليشيات وليس فقط على المسيحيين دون سواهم .

 

وقائـع ميدانية للمحاولة الأولى

 

ـــ في بدايات شهر شباط وقع الخلاف الميداني الأول في منطقة فاريا ، والسبب خلاف على أحقية ركن سيارات أوصلت الأمور الى إرسال مجموعة من فوج المغاوير لضبط الوضع وحسمه.

 

ـــ قائد القوات سمير جعجع خارج لبنان ، يتصل فورا" طالبا" وبإلحاح إنهاء ذيول ما حصل مشددا" على عدم وقوع حوادث مماثلة.

 

ــ عمليات خطف متبادلة بين الطرفين ، جعجع يأمر بتسليم عناصر الجيش فورا" الى الأباتي بولس نعمان والسعي لتسلّم عناصر القوات المخطوفين لدى الجيش .

 

ــ في 10 شباط حادثة بين المغاوير والقوات في الجديدة... وهكذا تكهرب الجوّ في الشرقية لتبدأ سلسلة من الاحتكاكات ، إضطّر معها جعجع للعودة الى لبنان في 12 شباط ليترأس في اليوم التالي إجتماع مجلس قيادة القوات ، وكانت الأجواء متشنجة من دون حوادث ميدانية تُذكر ، حتى بعد الظهر حين وقوع إصطدام بين الجيش والقوات في المنصورية منطقة المونتيفردي سببه محاولة عناصر شرطة الجيش إخلاء منزل مصادر من قبل عائلة من آل حبشي ولكن منذ سنوات شأنه شأن آلاف الشقق المصادرة على كل الأراضي اللبنانية ، ليسقط للجيش اللبناني شهيد وبعض الجرحى ، وهنا سؤال إعتراضي :

 

ـ 5 ـ من أجل من وماذا سقط شهيد للجيش ؟

 

هل الوقت يسمح بمنع مصادرات البيوت في وقت لبنان بأكمله تعمه المصادرات؟

 

ولا أريد هنا أن أبرر تصرفات القوات اللبنانية ، ولكن في المقابل مَن له المصلحة بوضع القوات والجيش بمواجهة مع بعضهما البعض ؟ ومَن له الأمرة الشرعية ليسمح بمثل تلك الخضّات الأمنية والتي مردودها السلبي وتأثيره سيقع بنهاية المطاف على الواقع المسيحي ، في وقت كانت القوات والجيش جنبا" الى جنب يتناوبون وينسّقون ويتابعون ويتبادلون الأدوار العسكرية في حماية المناطق المسيحية ؟

 

إذا" وبنتيجة حادثة المونتيفردي إستنفرت وحدات الجيش اللبناني ، لدرجة أن قيادة الجيش أمرت بسحب بعض الكتائب والسرايا القتالية من على الجبهات تحضيرا" لمعركة أصبحت واقعة لا محال ولا مفرّ من حتميتها ، وبقرار عسكري بحسم الأرض وكان ذلك بتاريخ 14 شباط 1989.

 

رئيس الرابطة المارونية المحامي شاكر أبو سليمان (رحمه الله) حاول جاهدا" لدى عون لمنع هذه الكأس المرّة على المسيحيين ، ولكن عون لا يردّ على الاتصالات ، ولم ينجح بلقائه .

ملاحظة: شاكر أبو سليمان من أشدّ المؤيدين والداعمين للعماد عون.

 

حتّى أنّ الاتصالات شملت بكركي التي لم تنجح أيضا" في بداية الأمر ولمنع الاصطدام قبل حصوله ، ووقع المحظور وبدأت المعارك على واقع أرض المعركة ومحورها الأساسي منطقة المتن الشمالي ، أمّا لماذا المتن الشمالي الساحلي ؟

 

لشلّ حركية القوات عبر فصلها في بيروت عن كسروان ، لم تنجح المحاولة الأولى ليتمّ وقف إطلاق النار في 16 منه.

 

محاولات بكركي

 

حصل إجتماع مسيحي في الصرح البطريركي حضره نواب وأحزاب المنطقة الشرقية ، وحده عون لم يشارك ولن يرسل موفدا" عنه ، الاجتماع هدفه وحدة الصف المسيحي وتجنيب الشرقية حمّام الدم.

 

وهنا ومن مصادر موثوقة أن سمير جعجع كان دائما" متجاوبا" مع كلّ طرح يؤدي الى وقف العمليات العسكرية ، وموفديه الدائمين الى القصر ووزارة الدفاع معرّضين حياتهم للخطر لهو دليل قاطع على النوايا الحسنة في هذا المجال،

 

نتائج المعركة الأولى

 

وقف الجبايات ، وترك الحوض الخامس.. شرطين أساسيين لعون ، النعم القواتية جاهزة ، ولكن شرطي عون إستمهل للقبول بنعم القوات الى ما بعد مؤتمره الصحافي ، والهدف الشحن المسيحي ، واللافت هنا أنّ عون قال نعم لوقف العمليات العسكرية ثمّ عاد وإستمهل لمزيد من مناوراته المعتادة ..

 

ماذا نستنتج هنا؟

 

لم يبدأ عون معركته ليقف عند هذا الحدّ ، وعندما عرض شروطه ، إعتقد أن القوات لن توافقه ، ولكن الحقيقة أنها قبلت دون تردد ، وما عُلم لاحقا" أن الضباط المقربين من عون أو دعنا نقول معظمهم كانوا ضدّ ما حصل في الشرقية ، والسؤال هل تمّ تنفيذ إتفاق معركة شباط ؟ الجواب : فاجأنا الجنرال بين ليلة وضحاها بإعلانه حرب التحرير فلم يكن من مجال للتطبيق العملي للإتفاق.

 

ـ 6 ـ الاستنتاج المنطقي

 

إذا ما إسترجعنا تاريخ تلك الحقبة ، يتبادر الى ذهننا سؤال منطقي ألآ وهو ، لماذا إفتعل ميشال عون تلك الحروب ؟ وبسرعة بديهية لا نجد إلاّ منطق واحد وهو أنّ الرجل إرتبط مع النظام السوري بصفقة مفادها أن يُنهي عون القوات اللبنانية مقابل وعد له من قبل السوريين بإيصاله ودعمه لرئاسة الجمهورية!!

 

وما يعزّز هذه الفرضية المنطقية ، ما قاله كلّ من محسن دلول والبير منصور ومن ثمّ فايز القزي ، حيث أنّ كلّ من هؤلاء ذكر هذا الكلام في مكان ما ، إمّا في كتاب ألّفوه ، أو خلال مقابلة تلفزيونية ، ولعلّ أوضح صورة لما أوردناه، وتحديدا" على مستوى تورّط الرجل وإنزلاقه حتى أذنيه في صفقة ضرب القوات اللبنانية ، ما قاله صديقه القديم فايز القزي في كتابه تحت عنوان : " من ميشال عفلق الى ميشال عون " من الصفحة 159 و160

 

"... لم يتأخّر السوريون في الكشف عن نواياهم حيال علاقتهم بالعماد ميشال عون فبدأت دمشق تلوّح بالموافقة على دعم الجيش وقائده في صراعه مع الرئيس أمين الجميّل ومع القوات اللبنانية. وقد إستغرق هذا الموضوع جلسات ولقاءات متتالية لترسيخ دعائمها والداعية الى ضرب القوات اللبنانية فقط كمرحلة أولى ..."

 

"... وعودٌ من دمشق بتقديم كل الدعم ضدّ الرئيس الجميّل والقوات اللبنانية ، مقابل عهد يقطعه عون بإلــــــــــغاء القوات اللبنانية والتضامن السياسي مع سوريا ... "

 

"... إستمر هذا الجدل شهورا" كان خلالها السوريون يتمسكون بإنهاء دور القوات اللبنانية في المنطقة الشرقية..."

 

ولمزيد من التأكيد على مدى توّرط عون في أحداث الشرقية ، وبالتالي تحميله مسؤولية الدماء التي سقطت لمجرد وعد سوري له بأن يصبح رئيس للجمهورية شرط أن يثبت قدرته على مسك المنطقة وبالتالي أن يضرب القوات اللبنانية على طريق إلغائها بالكامل ، وهذا ما لم نفهمه وقتذاك نحن السكارى في لعبة الجنون التي قادنا اليها ميشال عون تحت أجنحة الشعارات الطنّانة والرنّانة ، وقد صوّر القوات اللبنانية بأنها بعبع المجتمع المسيحي وراح يعمل على التعبئة والجييش ضدّها الى أن خلق تلك المشكلة التي إسمها قوات وجيش.. لدرجة أنّ الحقد الذي زرعه نحصده وسوف يحصده أجيال وأجيال من بعدنا ، في وقت نجد أنّ باقي الأحزاب التي فعلت وافتعلت بالجيش ومن الطوائف كافة من غير المسيحيين ، لم يستثمر أحد تلك المشاكل كما فعل عون الذي حوّل الأنظار عن هدفية مشروعه للقبض على السلطة ، وتسخير نفسه كأداة للسوريين ، لمجرد أنّ هؤلاء دغدغوا مشاعره بلعبة السلطة ، وراحوا يجرونه رويدا" رويدا" حتى جعلوه ينزلق الى حمّام الدم المسيحي.

 

ـ 7 ـ حادثة كازينو لبنان

 

عون يتصل بالمير فاروق أبي اللمع ، طالبا" اليه النزول الى المجلس الحربي للقاء الدكتور سمير جعجع ، ويبلّغه رسالة مفادها أن على القوات أن تُخلي كازينو لبنان الذي كان يُشغل كإستديوهات للمؤسسة اللبنانية للإرسال ، وبالفعل قام المير فاروق بالمهمة وأبلغ جعجع بالرسالة ، جواب الحكيم كان بالايجاب ، وبأن لا مانع أبدا" من إخلاء الكازينو.

 

عاد المير الى بعبدا وأبلغ عون بأن جعجع لا يمانع وسيعمل على الإخلاء ، إلاّ أنّ ردّة فعل عون كانت إنزعاج باد على وجهه ، وبنبرة صاخبة ردّ قائلا" : تعود فورا" اليه وتبلغه أنّ لديه فقط 24 ساعة ليخلي الكازينو ، وإلاّ...

 

وبالفعل ، إمتثل الحكيم "لتهديد" عون المبطّن ، وقال لفاروق : لن أكون سبب بإفتعال مشكل مسيحي...

 

إذا" بات واضحا" أنّ الرجل كان يحركش لكي يفتعل أي سبب يؤدي الى خراب البيت وسقوط السقف على أهله، وكلّ هذه الوقائع والمعطيات تؤشر لا بل تؤكّد سوء نية الرجل ، وأنه فعل المستحيل لإفتعال حرب الشرقية ، فعمل على البحث جديا" عن سبب يُشعل المناطق المسيحية ، فكانت محاولة الكازينو التي لم يحصل خلالها على مراده ، فانتظر فرصة سفر جعجع الى الخارج ليقوم لاحقا" بمعركة 14 شباط ، وعندما وجد أنّ السوريين يناورون لا بل يتلاعبون به ، إنقلب فأعلن حرب التحرير ، ومن ثمّ وفي خضّم التحرير أعلن من جديد حرب توحيد البندقية كما أسماها ، ولكن اليوم أصبح بإمكاننا وصفها حقيقة بأنها حرب الإلغاء.

 

مـحاولـة إغــتــيال سمير جعـجع في جسر البـاشا

 

إذا كنتَ عونيا" هذا يعني أنك تكره بالدرجة الأولى القوات اللبنانية وعلى رأسها سمير جعجع ، بالفعل هذا ما فعله عون بأنصاره حيث حوّلهم الى مجموعة حاقدة على القوات وعلى البطريرك وعلى معظم القيادات المسيحية ، ولكن كمية الحقد التي زرعها في قلوبنا ونفوسنا ضدّ القوات وقائدها ، وكذلك ما إرتكبه داخل المؤسسة العسكرية حيث شحن العناصر والضباط بشكل مخيف لدرجة أنّ الصورة التي عمِل عون على ترجمتها داخل صفوف العسكريين مؤداها كره وحقد وضغينة لم يشهد أي مجتمع مثيلهم ، ولعلّ هذا الكمّ الهائل من البُغض الذي أورثه عون لعونييه جعلنا عميانا" لا نرى ، وطرشانا" لا نسمع ، وعقيمي الرؤيا لدرجة ما عدنا نميّز بين الخير والشرّ ، وما حصل بتاريخ 20 شباط بعد المعركة الأولى ، من باب أوْلى أن نطرح أسئلة ، ولم نفعل!! وكان من باب أوْلى أن نستفسر على الأقلّ ولم نفعل!! ولكن اليوم صار لِزاما" علينا تشريح تاريخ الرجل وتصرفاته وإرتكاباته ، ومَنْ يسكت عن قول الحق هو شيطان أخرس ، ولن نفعل بعد اليوم ..

 

قبل ظهر ذاك اليوم الشباطي ، وبناء على إتفاق وموعد بين سمير جعجع وميشال عون لعقد لقاء على خلفية أحداث الرابع عشر من شهر شباط ، وبوصول موكب جعجع الى مستديرة المكلّس حيث كان من المفترض أن تنتظره مواكبة من فوج المكافحة وصولا" حتى القصر الجمهوري في بعبدا ، الأمر الذي لم يحصل ، فما كان من الحكيم إلاّ أن أصرّ على متابعة طريقه ، ومن دون الدخول في تفاصيل النوايا ، إلاّ أنّ إطلاق الرصاص باتجاه موكب جعجع حصل بشكل هستيري ، وقد طلب من مرافقيه عدم الترّجل من سياراتهم ، حتّى أصبح موكبه وسْطَ زخّـات الرصاص ومن كلّ الاتجاهات ، ما الذي كان متوّقعا" في مثل هذه الحالـــــــــــــــــــة ؟

 

الكلّ يعلم أن سمير جعجع يواجه ، ويكاشف ولا يختبىء .. هذه إحدى خصاله التي عرفتها مؤخرا" ، ولأنه كذلك ، وهنا لا أريد أن أدخل في النوايا ولا أن أجري عرض خيالي ، ولكن المنطق يقول ، أنّ المنتظر كان ترّجل سمير من سيارته ليعرّف عن نفسه ، وبالتالي والرصاص يلعلع باتجاه موكبه عندها يردونه سريعا" على إعتبار أنهم لم يتعرّفوا اليه ، وبالتالي يتمّ تجهيل مصدر النيران الغزير ، وبالنتيجة يُقتل الهدف وهذا هو المطلوب ، ومن ثمّ يتمّ ترويج أنّ الحادث قضاء وقدر ، ولا علاقة لميشال عون به ، أي بالمعنى الحقيقي ، ينتهي عون من هاجسه الذي يقضّ مضجعه ليل نهار ، ويعتبره عقبة أساسية في طريق مشاريعه ..

 

وقبل متابعة دقائق هذه اللحظات السريعة ، لا بدّ من سرد رواية تمّ تسويقها وترويجها لاحقا" لتجهيل الوقائع الحقيقية ، وللحدّ من إطلاق نظرية ولو إحتمالية تؤشّر الى ترجيح وقوع محاولة لإغتيال سمير جعجع ،

 

ـ 2 ـ

 

وهذا ما لا يقبل به عون ، لأنه يعتبره مَجْدا" لن يرضى أن يعطيه لغريمه سمير جعجع ، لذا لا بدّ من فبركة وتحضير العملية ، وبالتالي إعدادها بشكل متقَن لإظهار أن ما حصل كان مجرد حادث ليس إلاّ..

 

قلنا أنه كان من المفتَـرَض أن تواكب الحكيم دورية من فوج المكافحة ، ولأنّ ذلك لم يتمّ ، وبالتالي موكبه لم يتوقف على مستديرة المكلّس لإنتظار المواكبة المذكورة بل تابع سيره ، وفي محلة جسر الباشا حيث حاجز للجيش أكمل الموكب طريقه بطلب من الحاجز المذكور ، وفي محلة الجسر مرّت قافلة عسكرية قادمة من ناحية الحازمية ، وبسرعة جنونية لدرجة أن أحد العناصر سقط أرضا" ، هذا الأمر أحدث عجقة سير وقد تداخلت السيارات المدنية مع السيارات العسكرية ، وبلمح البصر بدأ أحد العسكريين بإطلاق الرصاص بداية" في الهواء ، ومن ثمّ وصلت سيارة عسكرية الى جانب سيارة الحكيم ، ليبدأ كلّ مَنْ كان هناك من عسكر في إطلاق النار وبكل الاتجاهات،

 

من أمام موكب جعجع ومن ورائه أيضا" ..

 

إذا" هذه الحادثة التي لن أقول عنها صدفة أو مجرد سوء تقدير من جانب الجيش ، لأنه من غير المنطقي أن تختلط آليات عسكرية بعضها ببعض ، كما من غير المنطقي أن تتبادل تلك الآليات عبر عناصرها إطلاق النار هكذا من دون أيّ سبب لو لم يكن في الأمر كمين ما ، أو خطة ما ، لتبيان الحادث وكأنه فعلا" حادث غير مقصود ، ولكن النتيجة هي هدف محدد ، إزاحة سمير جعجع ، وقد كانت الوسيلة الأنجع والأنجح والأكثر دهاء لعدم توريط عون بلعبة الاغتيالات ، ولكن واقع الحال عكس ذلك ، والمؤشرات تؤكّد حصول محاولة إغتيال ولكن بشرط أن تحصل بالشكل المرسوم ، أي كما ذكرت آنفا" ، قتل الحكيم عن طريق الخطأ!!

 

وبالفعل همّ جعجع بالنزول من السيارة ليعرّف عن نفسه ، وبأنه يتجه الى القصر الجمهوري للقاء عون ، ولكنه وبمحاولته لفتح الباب سارع أحد مرافقيه وأقفل الباب بسرعة إلاّ أنّ جورج مسعود أُصيب برصاصة في كتفه وسقط على مقدّمة السيارة ، ومرة أخرى قرر الحكيم الترّجل خاصة بعدما لمسَ أن التطورات تتسارع وتتفاقم ، ولكن مرّة أخرى أصرّ عليه أحد المرافقين بألاّ يفعل وعندما وجده مُصّرا" خرج هو وكان سمير وديع الذي ترّجل رافعا" يديه ،

 

وهنا أريدكم أن تنتبهوا جيدا" لهذا التفصيل ، نزل رافعا" يديه مما يعني أنه لم يكن بوضع قتالي أو مواجهة ، بل نزل ليُعلِم الجيش عن هوية الموكب ، إلاّ أنّ سمير وديع أصابته رصاصة قاتلة في رأسه ، وعندها لم يعد من مجال إلاّ البقاء داخل السيارة ، ولم يتوقف إطلاق النار إلاّ بعد أن تقدّم أحد الضباط من سيارة الحكيم حيث تعرّف عليه ليبلغ الجميع بوقف إطلاق النار ، المُصاب تمّ نقله الى المستشفى ، أسلحة المواكبة والأجهزة صودرت ولم تُعاد ، وعناصر المواكبة تمّ إعتقالهم لفترة .. ولكن المفاجىء أن جعجع تابع طريقه الى القصر وإلتقى بعون ..

 

وهنا وبوقفة ضمير ، وليس دفاعا" عن أحد ، ألـمْ يكن منطقيا" أن يُلغي الحكيم إجتماعه بعون على الأقلّ إستنكارا" وإعتراضا" لما تعرّض له ؟ والأنكى أن ميشال عون في تلك الجلسة لم يقدّم أية إيضاحات وبالتالي لم يبدِ أية نوايا لوقف ذيول معركة 14 شباط ولا مبادرة تشير الى نية بعدم تكرار ما حصل !!

 

إذا" برأيكم لماذا أصرّ الحكيم على الاجتماع ؟ أليس محافظة" منه على المسيحيين ، ووحدتهم ، وعدم إسقاطهم في أتون لعبة الدم والنار ؟

 

ـ 3 ـ

 

برأيكم لماذا لم يستعمل جعجع هذه الحادثة ، وهذا ما كان يرمي اليه عون ، أي إن لم يُقتَل الحكيم ، على الأقلّ يُصار الى عرقلة اللقاء بينهما ، وبالتالي تفشل محاولات منع الاقتتال المسيحي ـ المسيحي ، ولكن اليوم توضّحت الأمور ، وتكشّفت الحقائق ، ميشال عون كان توّاقا" للدم المسيحي ، وهذا أمر مُربح له ، كيف ذلك ؟؟

 

المسيحيين كانوا يعانون الأمرّين من تصرفات الميليشيات ، خاصة بعد سلسلة الانتفاضات التي حصلت في الشرقية ، والناس عطشى للدولة وللمؤسسات ، وهي حتما" تسعى لكي يكون الجيش وحده من يحمل السلاح ، ووحده من يسيطر على الأرض ، ومهما كانت الأسباب ، وأيا" يكن المحرّض أو المفتعِل للأحداث ، فإنّ المواطنين حُكما" سيقفون الى جانب الجيش اللبناني ، وهذا ما إعتمد عليه عون ، هذا الرجل إستغلّ منصبه ، وسخّر الجيش وإستعمله لتنفيذ مخططه الرامي والهادف الى شقّ الصف المسيحي ، وزرع الفتنة والتباعد بين الجيش والقوى المسيحية وعلى رأسها القوات اللبنانية ، وهو وجدها فرصة مناسبة فإستغلّها شرّ إستغلال ، ولكن هذه القراءة الموضوعية اليوم أصبحت حقيقة ناصعة لا يمكن الهروب منها أو تجاوز واقعيتها .

 

وما يثبت ما أوردناه ، أنّ توقف أحداث 14 شباط لم يحصل سوى ميدانيا" أي توقف العمليات العسكرية على الأرض ، ولكن الشحن وأجواء التعبئة إستمرت وبوتيرة متصاعدة لدرجة أن عون وفي إجتماع ضمّ عدد كبير من الضباط قال : " هيــدي أوّل ضربـة ، وبعد فــي ضربة تانـيي وبـيــلنـتــهو "..

وفي حديث أدلى به لصحيفة الـــديار قال عون : " هذه المرة قرأت عليهم العنوان ، المضمون واضح ، مكان القوات وراء نهر الكلب "..

 

إنقسمت الشرقية ، ونجح عون بتأليب الرأي العام المسيحي وتجييشه ضدّ القوات اللبنانية ، والواضح أنّ الرجل الذي كان شريكا" أساسيا" مع القوات لسنوات ، نكث بوعوده التي أطلقها قبيل تسلّمه قيادة الجيش ، والواضح أنّ الرجل إعتاد المناورات ، أو دعونا نحدّد وعلى الطريقة اللبنانية كما يقول المثل : تمسكن ليتمكّن..

 

ميشال عون لم يفِ بما وعد به بأنه لن يضرب القوات..

 

المسيحيون ينامون على معركة حلّ الميليشيات وإذ بهم يستيقظون على حرب التحرير!!

 

لا يمكن لأي قائد مهما عظم شأنه وكبر حجمه أن يتصرّف على هوى أحلامه الشخصية ، كما لا يجوز لأي زعيم مهما كانت شعبيته أن يجرّ ناسه الى الخراب والدمار ودفعهم الى الهجرة ..

 

وإذا كان ميشال عون كلّ همّه أن يعتلي كرسي رئاسة الجمهورية ، نقول أنّ الأثمان التي دفعها المسيحيون وعلى كلّ المستويات لم تكن تستحق ولا هي تساوي هذا الانحدار والتراجع في الوجود المسيحي الحرّ ، ودوره الريادي الذي كان سبّاقا" في دفع لبنان باتجاه العالمية وإعطائه تلك الثقافة التي ميّزته عن باقي الدول المحيطة به .

 

وهنا أريد أن أبدأ هذا الموضوع بكلام قاله حليف عون وصديقه السابق وحليفه اليوم ضمن مجموعة 8 آذار وهو الوزير السابق ألبير منصور على خلفية إقدام عون على إصدار قرار بإقفال المرافىء غير الشرعية :

 

" إنّ ما تفعله يا جنرال جنون ، إنك توّرطنا في حرب أهلية جديدة نحن في غنى عنها ، ليس هكذا يكون العمل،

لبنان لا يتوّحد بهذه الطريقة ولا يتحرر بهذه الطريقة"..

 

ـ 4 ـ

 

ماذا كان ردّ ميشال عون ؟

 

" أنــــــــــــــا بــــــــدّي جِــــــنّ.."

 

ألبير منصور : " قبل الآن كان لك الحق أن تجنّ ، لكن ليس الآن ، الآن أنت تقود طائرة كلنا فيها ، ممنوع عليك أن تجنّ ، ممنوع تِخوَتْ لأنك مسؤول عنّا كلنا ، كنت جنّ قبل أن تستقل الطائرة وتقودها ليس الآن "

 

عون يقصف المنطقة الغربية ويتهم القوات بأنها وراء ما حصل ..

 

السابعة والنصف من صباح يوم الثلثاء الواقع فيه 14 آذار 1989 يفتح العماد عون نيران مدافعه باتجاه المناطق الغربية من بيروت لتنهمر القذائف بشكل مفاجىء على المدنيين الآمنين ليسقط عشرات من الطلاب والأهلين قتلى وجرحى ، ليصيب الذهول كلّ اللبنانيين بمن فيهم سكّان الشطر الشرقي ، كون ما حصل كان بدون أية مقدّمات ولا أية أسباب تبرّر أو تعطي تفسير لما أقدم عليه عون ، فالقذائف لم تصوَّب باتجاه مراكز جيش الاحتلال السوري ، ولا هي أصابت مواقع لميليشيات حليفة لسوريا ، كلّ ما في الأمر أنّ قصفا" جنونيا" أصاب المواطنين اللبنانيين المدنيين الآمنين ، وذنبهم أنهم إستيقظوا صباحا" للذهاب الى وظائفهم ومدارسهم وأعمالهم اليومية ، وذنبهم أنّ ميشال عون يريد توريط القوات اللبنانية بما فعله ، لأنه سيسوّق لاحقا" أنّ القوات هي وراء القصف الجنوني والمتهوّر هذا ، ولكن ظهر عون مساء" على شاشة التلفزيون معلنا" حرب التحرير على سوريا حتّى تُخرج جيوشها من لبنان ، والمفاجىء أيضا" أنّ وزراء عون في حكومته الانتقالية لم يكونا على علم بنوايا رئيسهم ، وهما تفاجئا كما كلّ اللبنانيين بهذا الإعلان ، ليدخل لبنان نفق مظلم حيث عاشت المناطق المسيحية جحيم القصف والتدمير ، وكذلك المناطق الأخرى ، والذي دفع الثمن المواطن اللبناني لأنّ القتلى والجرحى والمصابين والمعاقين والمهجرين والمهاجرين كانوا كلّهم من اللبنانيين ، وهنا لا بدّ من التوقف عند هذه التطورات والأحداث ، واليوم تحديدا" بات لا بدّ من فتح هذه الملفات وإستحضار عون أمام محكمة التاريخ ، فهذا الرجل الذي يتبجّح ببراعته في نبش القبور وفتح ملفات الآخرين ، آن الأوان أن نفتح له ملفاته ، وتجاوزاته ، وحروبه العبثية التي لم تحرق ولم تدمّر سوى اللبنانيين وتحديدا" المسيحيين منهم الذي يزعم زورا" وبهتانا" أنه زعيمهم والمدافع عن حقوقهم ...

 

عون يطلب التنسيق مع القوات ومساندتهم له ..

 

ما أن إنتهت ذيول معركة 14 شباط ، حتّى أعلن عون حرب التحرير ، وفي خضّم الشحن والتعبئة التي أتقنها ضدّ القوات اللبنانية ، ووالوسائل الدعائية ـ التحريضية مستمرة باتجاه القوات ، وإذ بميشال عون يطلب من القوات اللبنانية مساندته ، لدرجة أن غرفتي العمليات للطرفين تمّ وصلهما ببعض وهذا إن دلّ على شيء فهو يدلّ على مستوى التعاون والتنسيق والدعم الذي أراده عون من القوات!!

 

ـ 5 ـ

إنها فعلا" محطات تستوجب أن يتوقف عندها اللبنانيون ، إنها وقائع تدفع بالمسيحيين فعلا" وتحديدا" منهم العونيين لكي يُعيدوا قراءة التاريخ وتفاصيل ما حصل بدقائقه ، حتّى يتأكدوا من توّرط ميشال عون وجنوحه عن المستوى الواجب أن يكون عليه المسؤول ، خاصة إذا ما كان يتوّلى قيادة البلاد والعباد في آن معا".

 

والسؤال المنطقي والطبيعي : كيف تعلن حربا" على القوات في 14 شباط ، وكيف تطلب في 14 آذار من القوات نفسها مساندتك ومساعدتك في حرب أخرى؟؟

 

إذا" شاركت القوات الى جانب الجيش في حرب التحرير ، على الرغم أن عون لم يستشِرها قبل إعلانه لتلك الحرب ، كما أنه لم يقف عند رأي أحد غيرها من القيادات المسيحية الأخرى ، وبسحر ساحر ، إنقلب العداء ضدّ القوات الى شهر عسل وغنج مفاجىء ، ومن محاولة لقتل جعجع ، الى عودة للقاء الفريقين بشكل دوري ..

 

وبعد أن كان لقاء ما بعد حادثة جسر الباشا لم يدم لأكثر من ثلاثين دقيقة ، باتت ساعات الاجتماعات تتخطى الست والسبع ساعات ، وتوقفت وسائل عون الدعائية ـ التعبوية ضدّ القوات ، وكأنّ شيئا" لم يحصل.

وهنا أدعو الرفاق في التيار الوطني الحرّ ، تحديدا" هؤلاء وليس العون

يين ، كون هذه الفئة تمّت مصادرة قرارها وشُلَّت حركية فكرها وأي جدل معها لن يُفيد كونها باتت من جماعة "عنزة ولو طارت"... أدعوها لقراءة هادئة!!

 

سؤال : هل يعلم أحدكم لماذا أعلن ميشال عون الحرب على القوات في 14 شباط؟

 

سؤال: هل يعلم أحدكم لماذا أعلن ميشال عون حر ب التحرير في 14 آذار ، أي بعد شهر ؟

 

سؤال : هل تعتبرون قصف غربي بيروت وقتل الأبرياء جريمة أم حق مشروع ؟

 

سؤال: هل يستحق ميشال عون أن نسأله عن الدماء التي سقطت في عهده بدون مبرر ؟

 

سؤال : مَنْ يريد فعلا" حلّ الميليشيات وإلغائها ، كيف له أن ينسّق معها ويطلب مساعدتها ؟

 

من الواضح أن ميشال عون الذي روّج لمعادلة أنه الوحيد الذي قراره بيده بينما الآخرين مرتهنين للخارج ، كان الأكثر تأثّرا" لا بل إرتباطا" بالخارج ، ولكن الفرق بينه وبين الآخرين ، أنه بمزاجيته المتقلبة والمنقلبة ، كان يتنّقل بين دولة وأخرى ، وللتدليل على ما نقول ، يكفي أن نشير الى أنه تلّقى إشارات ورسائل سورية واضحة كما الشمس مفادها بأنه ضروري أن يُنهي القوات اللبنانية على طريق إلغائها وزوالها في الشرقية ليسيطر هو عليها دون سواه ، وهذا شرط أساسي كان السوريون يدعمونه باستمرار ، ولذلك رأينا كيف أنهم دعموا الياس حبيقة مثلا" بداية" في التحضير للإتفاق الثلاثي ، ومن ثمّ الطلب السوري عبر مصطفى طلاس الى ميشال عون للتدخل والعمل لإنقاذ حبيقة من الكرنتينا حيث كان مُحاصَر ، ولاحقا" دفعه لإقتحام الشرقية ...

 

ولأنّ عون لم ينجح في المعركة الأولى (14 شباط) ، عاد من مؤتمر تونس مزوّدا" بدعم عراقي بعد إنتصار العراق على إيران في حرب الخليج ، كما وبدعم فلسطيني بشخص ياسر عرفات الذي قُدِّر له أن يستعيد سيطرته على منظمة التحرير الفلسطينية ، والطرفان أي العراقي ـ الفلسطيني كانا عدوان لدودان لسوريا في تلك الفترة ، لذا دفعا عون لكي يعلن حربه تلك إنطلاقا" من لبنان وعلى سوريا وهو ما أسماه حرب التحرير...

 

ـ 6 ـ

 

وفي المنطق التحليــــلي..

 

عون كُلّف بحكومة إنتقالية مهمتها حصريا" التحضير لإجراء إنتخابات رئاسة الجمهورية ،

 

ما أن تسلّم السلطة حتّى راح يتصرّف على أنه الرئيس الفعلي للجمهورية ، وفي أقلّ الإيمان راح يتصرّف ميدانيا" ليُعِدّ نفسه وليمهّد الطريق لكي يصل هو الى الرئاسة ، ومن ثمّ في حال لم يُكتَب له النجاح ، العمل بشكل جدّي للبقاء في السلطة الى أجل غير مسمّى ، ولعلّ إغتيال الرئيس المنتخب رينيه معوّض دفع بأحد وزيريه في الحكومة العسكرية الى القول : " خلص هلّق ظبتط معنا ، إستلمنا السلطة وما رح نترك أبدا" "...

 

أما الجواب البديهي على سبب إعلانه حرب التحرير على سوريا ، هو دوافع بحت شخصية آنية لا علاقة لها أبدا" بالطروحات التي أعلنها خاصة وأنّ الهمّ الأساسي كان بداية على ما أعلن، إعادة إحياء الغرفة البحرية وإقفال المرافىء غير الشرعية ، وحلّ الميليشيات.. إذا" ما الذي تبدّل في أجندة عون ؟

 

 

الرجل أصيب بصدمة لا بل بخيبة أمل من ردّ فعل سوريا على عدم تقديرها وثنائها له لضربه القوات اللبنانية ، وهي لم تبادله هذا المعروف الذي أراده هدية للسوريين ، فعلا" إنّ هذا الرجل يستحق أن نفتح له كلّ ملفاته ، ليكون عبرة لمن تخوّله نفسه العبَث بمصير اللبنانيين ، وتاليا" بمصير المسيحيين الذي يزعم هو أنه مُحصّل حقوقهم.

 

إذا" إنْ لم تأته الرئاسة ، يقبُض هو على السلطة ، قانعا" نفسه بالظروف الإقليمية المؤاتية ، وبدعم عراقي ـ فلسطيني ، ولا ضرورة لتذكيركم بلقائه بالسيد ياسر عرفات ، ودعم صدّام حسين له بالمال والسلاح ، ومن دون أن ننسى إعتماده على فرنسا ، بينما كان يصوّر للبنانيين أنه وحده يتكلّ على نفسه وشعبه والجيش ، ولكن الحقيقة عكس ذلك، فهو عندما قطع أمله بالوصول الى الرئاسة ، أعلن حرب التحرير على سوريا ، وعاد وتناسى مسألة حلّ القوات اللبنانية ، لا بل تقرّب منها وعاد يطلب منها الدعم والتنسيق ، وهي فعلت بأنْ فتحت له مخازنها وقدّمت له كلّ دعم ممكن ، ولكن ما كانت النتيجة ؟ وكيف ردّ الجميل للقوات ؟

 

ولعلّنا بسؤال العميد عامر شهاب ، مدير المخابرات في الجيش اللبناني طوال فترة تولّي عون للحكومة الانتقالية ، عن المهمات التي أوكله بها عون والتي كانت تتمحور حول إتصاله بقائد القوات اللبنانية والطلب اليه التنسيق ، لا بل الطلب من القوات مساندة الجيش في أعمال القصف المدفعي..

وحدهم ضباط الجيش يكشفون حقيقة هذا الرجل ، وحدهم الضباط الذين خدموا معه سنوات طويلة ، بإمكانهم أن يفضحوا هذا الوهم الذي إسمه ميشال عون ، من هنا نسأل أنفسنا اليوم وبإلحاح ، طالما أنّ عون صوّر للبنانيين وتحديدا" للمسيحيين أنّ القوات اللبنانية كابوس وخطر وإضعاف للدولة ، وبأنّ شباب القوات زعران .. والى ما هنالك من ألفاظ نعت بها القوات وقائدها ، وطالما قال للضباط بعد عملية 14 شباط " بعد في ضربة وبينتهو "... لماذا إذا" يا جنرال طلبت المساعدة والتنسيق والدعم ، لدرجة أنكّ وصلت غرفة العمليات العسكرية التابعة لقيادة الجيش بغرفة عمليات القوات ؟

 

ملّخص القصة مفادها أن ميشال عون جامح باتجاه السلطة وهو رأى في دعم عرفات ـ صدام فرصة مؤاتية ، كما أفاد من مشروع فرنسا الراغبة في العودة الى الشرق الأوسط عبر البوابة اللبنانية ، خاصة وأنها كانت تقرأ في

ـ 7 ـ

 

المتغيرات الحاصلة على مستوى إنهيار أوروبا الشرقية فرصة لإستعاة نفوذها ، ولكن حسابات الحقل لم تتطابق مع حسابات البيدر ، لتسقط التجربة الفرنسية أمام العملاق الأميركي ، وبالتالي لتسقط لعبة عون الصغيرة في خضّم لعبة حسابات الكبار ، وليدفع لبنان ثمن هذا الرهان المتهوّر سقوط آخر معقل حرّ أمام الحلم السوري الذي قدّم له عون المناطق الشرقية على طبق من فضّة ، ليتبيّن لاحقا" أنّ كلّ ما حصل كان مُـعَـدّا" بإحكام ، حيث ولأوّل مرة في تاريخ لبنان يدّنس جيش إحتلال عتبة أعلى مرجعية في الدولة اللبنانية وأعني بها حرَمْ القصر الجمهوري ، كما وتدنيس عتبة شرف لبنان وأعني مقار وزارة الدفاع الوطني البيت الأمّ للمؤسسة العسكرية.

 

وفي كلّ الأحوال ، يتحمّل ميشال عون تبعات ونتائج الاجتياح السوري للبنان في 13 تشرين الأول 1990 ، كما أنه يتحمّل وحده من الداخل اللبناني مسؤولية كلّ شهيد سقط أو معاق أصيب أو مهاجر أو مهجّر بسبب ذلك الاجتياح ، فإذا كان عون لعب دور حرب التحرير بالتنسيق مع السوريين ليتمكنوا من تبرير الإجتياح بحجة إزالة التمرّد فهذه جريمة ، وفي حال لم يكن على تنسيق كامل معهم وهذه فرضية بات مشكوك بأمرها كثيرا" لأسباب سنأتي على تفصيلها لاحقا" ضمن هذه السلسلة ، فإنه أيضا" يتحمّل المسؤولية لكونه دفع بالأمور لكي تصل الى هذا الدرك الخطير لدرجة أنه أعطى الذريعة للسوريين ليجتاحوا!!

 

إذا" عون مسؤول في كلّ الحالات ، وبات لِـزاما" أن يُفتَح ملّف 13 تشرين وعلى كامل مصراعيه ، وليتحمّل كلّ من تسبّب بشكل مباشر أو غير مباشر أ كانَ فاعلا" أو متدخلا" أو محرّضا" أو شريكا"... وهذه الوسائل تلبس عون وكأنها ثوب جاهز عليه ، وتاليا" يتوّجب عليه أن يواجه التاريخ والناس وأرواح كلّ الذين قضوا في تلك المجزرة ، والتي لازلنا حتى الساعة ندفع ثمن نتائجها .

 

 

حرب إلـغـاء معجّـل مكـرّر.. حرب لإلـغاء المسيـحيين!!

 

هل يجوز لرجل خرّب وتسبّب بهذا الكمّ الهائل من الدمار والتهجير والهجرة ... أن لا يُسأل عما إرتكبته يداه خلال سنتان من تسلّمه السلطة؟

 

هل سنقبل لهذا الرجل أن يحاكم الجميع ولا يرضى أن يحاكَمْ؟

 

كلّ مسؤول يتسلّم مقدرات البلاد عليه أن يقدّم شروحات لما أنجزه طوال فترة توليه للمسؤولية!!

 

ورئيس الحكومة الانتقالية ميشال عون ، الذي إستلم السلطة منذ 23 أيلول 1988 ولغاية 13 تشرين الأول 1990 ، يتوّجب عليه أن يطلّ على اللبنانيين ولو لمرة واحدة في حياته ، ويقدّم لهم شروحات وإعتذار على ما إرتكبه من حفلات تهوّر ، ولحظات جنوح عن المألوف ، أوْدت بنا الى التقهقر والتراجع!!

 

واليوم جئت أُعيد الإدلاء بشهادتي ، أو دعوني أستعمل لغتنا في المحاكم ، جئت أتقدم بإعادة محاكمة ، لما جرى في الشرقية ، ولما إعتبرناه سابقا" وعن خطأ وسوء تقدير ، حربا" لتوحيد البندقية ، كما روّج لها ميشال عون ، على إعتبار نريد دولة لا يحميها إلاّ جيشها ، وبالتالي لا أحد يحمل السلاح إلاّ الجيش!! ليعود هذا الجنرال بعد سنوات ليشرّع سلاح ميليشيا حزب الله ، والأنكى ، والأبشع ، أن الجنرال المذكور لم يكتفِ بأن شرّع سلاح ميليشيا ، بل ناصرها على حساب الجيش ، ليتعدّاه الأمر الى حدّ إنتقاد دورية درك تقوم بواجبها يوم حاولت قمع مخالفات بناء، في منطقة الرمل العالي ، ولكون هذه المنطقة محسوبة على حزب الله ، إنهال بإنتقادته على الدرك وقوى الأمن الداخلي ، وكذلك فعل في أحداث مار مخايل ـ الشياح ...

 

إذا" ، بات واجب علينا أن نُعيد كتابة التاريخ ، وليس من منظار عوني ، بل من خلال وقائع ميدانية حقيقية ، لنصل الى الحقيقة التي تؤكّد أنّ ميشال عون قرر من جديد إلغاء القوات اللبنانية بطلب سوري مباشر..

 

وقـــــــائــع وإشـــارات.. الشعارات عدّة المعركة ، والهدف : أنا ألغي القوات ، أنتم هل توصلونني الى الرئاسة؟

 

قبيل إنتخاب الشهيد رينيه معوّض رئيسا" للجمهورية ، جرى إجتماع في القصر الجمهوري ضمّ الى جانب فريق عمل عون قائد القوات سمير جعجع الذي حاول جاهدا" إقناع عون بالقبول بمعوّض رئيسا" ، ولكن حسابات عون كانت في مكان آخر ، لم تأته الرئاسة ، فهل يتنازل عن قصر الرئاسة هكذا ببساطة؟

 

حسابات عون كانت تحضيرا" وإعدادا" وتجهيزا" لعمل ما يريد من خلاله نسف كلّ ما أنتجه الطائف ، بما فيه قطع الطريق أمام إنتخاب رئيس للجمهورية ، طالما أنه ليس هو هذا الرئيس!!

 

كان الهمّ الأساسي لدى جعجع ، حرص ودراية كاملتين لمنع أي صدام في الشارع المسيحي ، لإعتباره وإعتقاده أنّ هذا الأمر يُضعف الجميع ، أي الجيش والقوات وحتى رئاسة الجمهورية ، لذلك كان يسعى أن يتمكن الرئيس من

ـ 2 ـ

القصر ، وبذلك يكون مُحاطا" ومدعوما" من المؤسسة الشرعية العسكرية ، والمؤسسة المقاومتية وهي القوات ، وبذلك يكون رئيسا" قويا" لن يستفرد به أحد ، وبالتالي فهم جعجع أن الإرادة الدولية تتجه الى التسوية على هذا الأساس ، لا رجوع عن الاصلاحات ، ولا مساومة في موضوع إنتخاب الرئيس.. حتما" ميشال عون يفهم هذه المعادلة الجديدة ، ولكنه لن يقدّم القصر ببساطة ، لا بل سيسعى للعرقلة ، علّ هذه العرقلة تُكسبه وقتا" يتمكن خلاله من إحداث فجوة في جدار الحلّ الآتي على متن قطار بات أمرا" واقعا" ، أي الطائف..

 

وإذا كان لميشال عون صولات وجولات في إعتباره القوات اللبنانية السند والساعد والمساعد للجيش وللشرعية التي كان يمثلّها عون مع حكومته ، ولعلّ إعتباره القوات جزء لا يتجزأ من الشرقية ، الى حدّ إعتبارها بمثابة جيش إحتياط ، لماذا اذا" عاد ووجّـه البندقية الى الداخل وأدخل الجيش في لعبة الدم ، فوقف الأخ ضدّ أخاه ، يقاتلان بعضهما البعض ، ومن أجل ماذا ؟ وما كان الثمن ؟؟

 

قلنا سابقا" أنّ عون لجأ الى الخديعة عشية علمه بإقتراب موعد إنتخاب رينيه معوض رئيسا" فعرَض على أقطاب الشرقية توزير بعضهم عبر توسيع حكومته ، وهذا المسعى منه، كان تكتيكا" يرمي من خلاله قطع الطريق على الرئيس المنتخب كي لا يتمتع بنصف الشرعية ، فالشرعية بحاجة للشرقية ، وَمَنْ لا تدعمه الشرقية لا يمكنه أن يحكم ، فالرئيس المسيحي ، ومن باب أوْلى أن يحظى بتأييد المسيحيين ، وهذا ما كان يسعى الى منعه عون أو على الأقلّ الى مسك زمام المبادرة داخل الشرقية ، وهو في حال قُدِّر لمحاولته تلك أن نجحت ، فهذا يعني أنه يكون قد إستوعب القوات ووضعها تحت إبطه ، وبالتالي يكون قد أحرجها لدرجة تكبيل قرارها بحيث تصبح أسيرة لموقفها نتيجة مشاركتها بحكومة عون ، وهنا يُطرَح السؤال التالي : لماذا لم يفكر أو يبحث عون سابقا" في توسيع الحكومة ؟ ولماذا مَنْ ضرب القوات في 14 شباط ، يريد اليوم مشاركتها في حكومته ؟

 

نترك الأجوبة عن هذه الأسئلة لمناصري عون اليوم ؟

 

عون يتحجج بإسترداد مدرسة رسمية في فرن الشباك ..

 

تذكرون قصة البيت المُصادَر من قبل عائلة قواتية ، وعون زجّ الجيش لإخراج المصادرين.. في 31 كانون الثاني 1990 ، عون يريد أن يسترجع مدرسة سبق للقوات أن شغلتها كثكنة للمجموعة المسماة الدفاع الشعبي ، متحججا" أمام مَنْ راجعه بالموضوع أن رئيس منطقة جبل لبنان التربوية يريد إسترجاع المدرسة!!

 

القوات لم تفتح معركة لعلمها أن عون يبحث عن ذريعة ، وعلى الرغم من سقوط عدد من الإصابات ، إلاّ أنه كان المطلوب عدم تقديم هدية للجنرال كي يتحجج بها ويبدأ تنفيسته في الشرقية .

 

واذا كان القادة المسيحيين ، بمعظمهم ما عدا عون طبعا" يهربون من الصدام ، كان عون يستمر في تحرشاته وحركشاته الدائمة لإستدراج القوات الى القتال ، وكان كلما أبعدت القوات شبح المواجهة عبر التغاضي عن تجاوزات عون المقصودة والمتعمّدة ، كان الأخير يحور ويدور ويحركش ، فمن فرن الشباك الى عمشيت حيث إعتراض على وجود إنارة زائدة على مركز للقوات ، مرورا" بالدكوانة حيث تمّ إقتحام مركز قواتي ..

 

ـ 3 ـ

بعد أقل من 24 ساعة ، الجيش يقتحم بيت المستقبل في منطقة النقاش ، ومن ثمّ يتابع تمشيط المناطق في المتن مسيطرا" على مراكز قواتية عبر عملية قضم وبشكل بطيء ، لتتوضّح معالم الخطة العونية ، ومفادها السيطرة على الشرقية شيئا" فشيئا" إذا أمكن من دون أن تستعمل القوات قوتها العسكرية ، معتمدا" عون على وضع جعجع داخل الشرقية بعدما جيّشها الجنرال بشكل عدائي ضدّ القوات اللبنانية.

 

إذا" المسألة لم تعد كما قال عون مدرسة نريد إسترجاعها.. ويا مسيحيين أنظروا القوات لا تريد لأبنائكم أن يتعلموا.

 

ومرة قصة بروجكتور.. ومرة بيت المستقبل... المسألة باتت واضحة يريد عون مسك الشرقية ليقول الأمر لي ..

 

ولكن عجبا" كيف كان السوريون يمررون لنا البنزين والمازوت والمواد الغذائية عبر المعابر ، وغريب كيف صار القوميين وجماعة حبيقة يكزدرون في مناطقنا هكذا فجأة".. وغريب كيف أن الجنرال راح يكلّف أشخاصا" بالاتصال بالقوميين ، حتّى أنه تمّ تحديد موعد مع غازي كنعان...

 

واذا ما عدنا الى الوراء ، وتحديدا" الى يوم 15 كانون الثاني 1986 ، أي يوم الانتفاضة على منحى الياس حبيقة الذي كان باتجاه الاتفاق الثلاثي ، والذي جنح بعيدا" نحو السورنة ، ولأننا في سياق هذه السلسلة نتناول تحديدا" ميشال عون ، نورد ماذا حصل بينه وبين قائد الانتفاضة سمير جعجع الذي قاد مجموعاته من جبيل مرورا" بكسروان حتى وصل الى منطقة الجديدة في المتن الشمالي وهناك أجرى إتصالا" هاتفيا" بقائد الجيش العماد ميشال عون بطلب من هذا الأخير ، لا بل ، وبإلحاح منه عبر رسالة بعث بها عون الى جعجع بواسطة أحد الضباط..

 

عــون : إذا بدّك تعرف رأيي ، أنا ضدّ الاتفاق الثلاثي ، ولكن ما يجري لا يمكن التغاضي عنه ، والسوريين يضغطون عليّ ، العماد حكمت الشهابي إتصل فييّ أكتر من عشرين مرّة اليوم ... "

 

ماذا يعني هذا الكلام ؟

 

يعني تحديدا" مدى العلاقة التي ربطت عون بالسوريين ، وهل يمكن أن نفهم غير ذلك ؟

 

ومَنْ له تفسير غير ذلك فليشرح لنا ؟

 

عندما يقول عون بأنّ السوريين يضغطون عليه !! كيف يضغط السوريين على شخص لا تربطهم به علاقة أكثر من ممتازة تجعلهم بمستوى الضغط !!

 

وإذا كان عون ضدّ الاتفاق الثلاثي ، في وقت حُكي كثيرا" عن أنّ الرجل هو مَنْ أشرف على الشق العسكري في الاتفاق ، ولكن الواضح أنه إكتشف رفض أقطاب الشرقية لهذا الاتفاق وعلى رأسهم الرئيس كميل شمعون الذي دحض جعجع كامل الدعم لتنفيذ العملية ، وبإقامة حاجز للقوات يبعد مايتا متر عن حاجز الجيش في منطقة المونتي فردي وبتنسيق مع الرئيس أمين الجميّل ، الهدف من إستحداث الحاجز المذكور القبض على الفارين من جماعة حبيقة ، كون عناصر الجيش لا يعرفونهم ، إلاّ أنّ حاجز الجيش أزال الحاجز القواتي عبر إستعمال القوة العسكرية وقد سقط قتيلين وعدد من الجرحى.. مرة جديدة نسأل مَنْ المسؤول عن كل هذه الأرواح التي تسقط وكان الأجدى إستعمال الوسائل والطرق الحضارية إذا كان من قرار بإزالة الحاجز ، ولكن الواضح أن صراع عون مع رئيس جمهوريته وبتغذية ودعم سوريين لضرب القوات كانت بدأت معالمه بترجمة عملية على واقع الأرض ،

 

ـ 4 ـ

 

ومنذ ذلك الوقت ، أي منذ ما قبل توّلي عون لسدة رئاسة الحكومة الانتقالية ، وكأنّ جدول أعماله تضمّن بندا" واحدا" ألآ وهو إلغاء القوة المسيحية في الشرقية ، وهي مطلب أساس من قبل السوريين.. وهو ، أي عون يتابع مخططه هذا حتى اليوم ، بحيث يتناغم عمليا" مع السوريين ..

 

وقصة عون مع الشرقية والقوات فيها تحديدا" ، قصة الف معركة ومعركة ، والواضح من كل المعطيات أن عون وضع نصب عينيه مع إقتراب نهاية ولاية رئيس الجمهورية أن يقبض على السلطة ، وهو كان يعلم أنّ العرقلة الوحيدة لغايته هذه ، القوات اللبنانية ، فمع رحيل رئيس الجمهورية يكون عون قد أزال من دربه عائق أساسي ، ولكن تبقى القوات ، لذا لا سبيل للإطاحة بها إلاّ بحرب مدّمرة عليها ، وهذا ما بدأ الرجل يسوّق له في مجالسه الخاصة ، كما في لقاءاته مع الضباط علنا" وجهارا" ، وكذلك إستعمل مجلة الجيش لتمرير رسائله الحربجية ضدّ القوات ، وبذلك يتمكن من شحن العسكريين وتعبئتهم لليوم الموعود.. إذا" حروب ميشال عون التي خاضها لاحقا" لم تكن البتّة بنت ساعتها ، لا بل إنّ الرجل مهّد لها وأعدّ عدّتها من داخل المؤسسة العسكرية ، ولاحقا" لدى الأوساط الشعبية عبر تأشيره للثغرات والتجاوزات التي كانت تحصل على الأرض..

 

وهكذا خلق عون جوّا" عدائيا" في الشرقية ، حتى متى قُدِّر له إعتلاء السلطة يكون جاهزا" للضربة الموعودة ، والتي ستوصله للرئاسة حتما" ، وهذا ما مهّد له الرجل، وهذا ما منّن نفسه به ، على إعتبار أنه يريد تقليد بشير الجميّل الذي مسك الشرقية ، وتاليا" أوصلته هذه المعادلة الى الرئاسة..

 

وهنا يجب أن نطرح ما يلي:

 

كلّ الميليشيات لم تقصّر خلال الحرب عبر تجاوزاتها وتصرفاتها مع الجيش ، ولعلّ الجرائم التي إرتكبتها بحق الجيش ذبحا" وسرقة وتجهجيرا" ... أكثر بكثير مما حصل بين الجيش والقوات ، ونحن لا نريد أن نبرّر أي تعدي على الجيش ، ولكن نطرح وبإلحاح مسؤولية مَنْ يقف وراء تلك التحرشات والتعديات بين الفريقين!!

 

ومَنْ الذي جيّش وحضّر وحضّ على الاقتتال.. وإذا كانت القوات إرتكبت بحق الجيش ما إرتكبته ، السؤال المطروح ، لماذا إرتكبته ؟ أليس ردة فعل على فعل ز جّ عون الجيش فيه ؟ وأعود لأكرر ليس دفاعا" ، ولا تبريرا" لما حصل ، ولكن البحث عن المبرر والمسبّب أمران مهمان جدا"...

 

أليس عون مَنْ يريد منع المصادرات فأخرج عائلة من منزل صادرته؟

 

أليس عون مَنْ يريد إسترداد مدرسة من القوات بذريعة أن القوات لا تريد لأولادنا أن يتعلّموا؟

 

أليس عون من أمرَ بإزالة حاجز المونتيفردي على الرغم من حصول موافقة من قبل مدير المخابرات ؟

 

ولوْ أن ميشال عون نفذّ كلّ هذه العنتريات على كلّ الميليشيات ، لكان فعلا" الرجل يستحق الثناء ، وبأنه بطل لبناني وعسكري لا يساوم ، ولا يهادن ولا يساير..

 

يضرب القوات ، ونراه يُدخِل جماعة حبيقة على الشرقية!!

 

يضرب القوات ، ونراه ينسّق مع القوميين في المتن!!

 

يضرب القوات على إعتبار أن لا بندقية خارج سلاح الجيش اللبناني ، ومن ثمّ نراه يطلب منها توحيد العمليات ومساعدته في القصف المدفعي !!

 

ـ 5 ـ

 

بنتيجة التعبئة والحقد الذي صار زرعه بين الفريقين ، تحوّلت الشرقية الى فوّهة بركان ، ولكن المعلومات المتوافرة عن تلك الحقبة ، من ضباط شاركوا ، من صحافيين مراقبين ، من سياسيين تدّخلوا ، أجمعوا كلّهم على أن عون كان دائما" الحجر العثرة بوجه أي تفاهم ، وعندما كان يتدخل سعاة الخير لعقد لقاء ، كان عون دائما" الرافض ، مرة بحجة ، ومرة بإجتماع طارىء ، ومرة بضرورات أمنية ، المهم في الموضوع ، أنّ عون المتحضّر والمتجه للمواجهة الحتمية ، لم يكن ليلتقي بجعجع بعدما حوّل الشرقية الى شطرين متعاديين بشكل جنوني..

 

واليوم بتنا نرى بشكل أوضح ، هل الشهداء الذين سقطوا من الجانبين ، ليس لهم أمهات وآباء وإخوة وأقرباء؟؟

 

هل الحقد الذي زرعه عون في صفوف العسكريين بداية" ومن ثمّ في صفوف المواطنين والذي يزداد يوما" بعد يوم ألآ يستحق هذا الرجل محاسبته على ما فعله؟

 

وهل بات حزب الله وحركة أمل والشيوعي والقومي والبعثي ، وحتّى السوري ، نعم السوري، أقرب للبنانيين ، وتحديدا" للمسيحيين، أكثر من القوات أو الكتائب؟

 

في كلّ الأحوال مَنْ يشرب الشمبانيا عشية إستشهاد رينيه معوّض ، لن يكون غريبا" عليه ما فعله ويفعله؟

 

وليتذكّر العونيين ، أنّه فور إستشهاد جبران تويني ، حلفاء عون وزّعوا البقلاوة ورقصوا فرحا" !! فهل هذا جزاء جبران الذي وقف معنا في كلّ المراحل ؟ أمْ أنّ جبران الذي كشف خديعة عون فكتب مقالته الشهيرة تحت عنوان طــــعـــــنـــة الـــجـــنــرال ( إفتتاحية النهار 30 آب 2001 ) ، أصبح عدوا" لميشال عون وجماعته ؟

 

غريب كلّ الذين إكتشفوا حقيقة عون صاروا فجأة" غير صالحين ، ولكن عجبا" كيف أنهم إستُشهِدوا ، بمعظمهم..

 

وتذكرون ما كتبه سمير قصير : عون الراجع هو عون الذي لا يتغيّر ، يحاكِـم ولا يُـحاكَـم...

 

عـون يتـودّد مـن جعـجع عشيـة إنـتخـاب رئيس الجمهورية في 18 آب 1988

 

الآن ستكتشفون المزيد من ألاعيب عون وتقلباته ، فعشية إعلان رئيس المجلس النيابي حسين الحسيني موعد لجلسة إنتخاب رئيس الجمهورية في 18 آب 1988 ، وكون الرئيس الأسبق فرنجية الأوفر حظا" ، سارع ميشال عون الى الاتصال بقائد القوات اللبنانية عبر إيفاده ضابطين من قبله الى المجلس الحربي ، وكان السلام والتحبب والقبلات والحنان والتودد وكلّ المجاملات التي قد تخطر على بال إنسان ، وما ساد جوّ اللقاء لا يعكس أبدا" حقيقة ما سبق من تشنجات ، كما لا يعكس أبدا" أجواء الشحن والحقد والضغينة والتعبئة التي كانت تسيطر على الشرقية ، فعلا" أمر هذا الرجل غريب!! بالأمس كان يُعدّ العدة لشنّ حربه على القوات ، اليوم عندما شعر بدنو خطر الرئاسة ، إستعان بالقوات ، ليعطّل الانتخابات ... فكروا قليلا".. ولا تبقوا مغمضي العينين ..

 

رسالة ميشال عون لسمير جعجع كانت التالية: " أطـلُب ما تـريد يـا حكـيـم ، ولكن أوْقف الانتـخابات "

 

وبالفعل أبلغ عون جعجع أن يفعل ما يشاء إقامة حواجز.. إنتشار مسلّح.. منع نواب من الوصول...

 

وليس المهم ما حصل لاحقا" من منع حصول الانتخابات ، وكردّة فعل على خطف النائب فريد سرحال ، خطفت القوات وزير الدفاع عادل عسيران ، إحذروا ماذا كان رد فعل ميشال عون ؟

 

ـ 6 ـ

موفديه أبلغوا الحكيم رسالة الجنرال : " بتعرف الجنرال ما في يعلن قبوله بما حصل ، ولكن لا تخافوا فقط من أجل الدعاية سوف نتحرّك صوَريا" ، لا تعتلو همّ ما رح نعمل شي "..

 

ولكن يبقى أنّ قائد الجيش ميشال عون بنى ألوية الجيش وأفواجه لتكون بين يديه ، فراح يتصرّف بشكل غير مناقبي وبشكل لم تعتد المؤسسة عليه ، حيث راح القائد يقرّب منه ضباط الرتب المتوسطة والصغيرة ، وهكذا يصبح هؤلاء أداة طيّعة بين يديه ، يستعملهم في مشروعه الهادف في الأول والأخير للقبض على السلطة..

 

والويل لمن سيخالف لاحقا" رأي الجنرال ، لأنه سيكون مصيره مصير ضباط كثر سيعتقلهم عون وسوف يز جّ بهم في السجن وسيتعرّضون للتعذيب .

 

وإذا كان ما فعله عون بأخصامه ، من ضروب إعتقال وتعذيب وتحديدا" منهم عناصر القوات ، قد يتفهمه المواطن، ولكن أن نتفهّم إعتقاله لضباط من الجيش وسجنهم وتعذيبهم لمجرد أنهم لم يشاركوه لعبته ! قهذا أمر غير مقبول على الإطلاق ، حيث تعرّض هؤلاء لأبشع أنواع التعذيب .

 

 

حرب إلـغـاء معجّـل مكـرّر.. حرب لإلـغاء المسيـحيين!!

 

هل يجوز لرجل خرّب وتسبّب بهذا الكمّ الهائل من الدمار والتهجير والهجرة ... أن لا يُسأل عما إرتكبته يداه خلال سنتان من تسلّمه السلطة؟

 

هل سنقبل لهذا الرجل أن يحاكم الجميع ولا يرضى أن يحاكَمْ؟

 

كلّ مسؤول يتسلّم مقدرات البلاد عليه أن يقدّم شروحات لما أنجزه طوال فترة توليه للمسؤولية!!

 

ورئيس الحكومة الانتقالية ميشال عون ، الذي إستلم السلطة منذ 23 أيلول 1988 ولغاية 13 تشرين الأول 1990 ، يتوّجب عليه أن يطلّ على اللبنانيين ولو لمرة واحدة في حياته ، ويقدّم لهم شروحات وإعتذار على ما إرتكبه من حفلات تهوّر ، ولحظات جنوح عن المألوف ، أوْدت بنا الى التقهقر والتراجع!!

 

واليوم جئت أُعيد الإدلاء بشهادتي ، أو دعوني أستعمل لغتنا في المحاكم ، جئت أتقدم بإعادة محاكمة ، لما جرى في الشرقية ، ولما إعتبرناه سابقا" وعن خطأ وسوء تقدير ، حربا" لتوحيد البندقية ، كما روّج لها ميشال عون ، على إعتبار نريد دولة لا يحميها إلاّ جيشها ، وبالتالي لا أحد يحمل السلاح إلاّ الجيش!! ليعود هذا الجنرال بعد سنوات ليشرّع سلاح ميليشيا حزب الله ، والأنكى ، والأبشع ، أن الجنرال المذكور لم يكتفِ بأن شرّع سلاح ميليشيا ، بل ناصرها على حساب الجيش ، ليتعدّاه الأمر الى حدّ إنتقاد دورية درك تقوم بواجبها يوم حاولت قمع مخالفات بناء، في منطقة الرمل العالي ، ولكون هذه المنطقة محسوبة على حزب الله ، إنهال بإنتقادته على الدرك وقوى الأمن الداخلي ، وكذلك فعل في أحداث مار مخايل ـ الشياح ...

 

إذا" ، بات واجب علينا أن نُعيد كتابة التاريخ ، وليس من منظار عوني ، بل من خلال وقائع ميدانية حقيقية ، لنصل الى الحقيقة التي تؤكّد أنّ ميشال عون قرر من جديد إلغاء القوات اللبنانية بطلب سوري مباشر..

 

وقـــــــائــع وإشـــارات.. الشعارات عدّة المعركة ، والهدف : أنا ألغي القوات ، أنتم هل توصلونني الى الرئاسة؟

 

قبيل إنتخاب الشهيد رينيه معوّض رئيسا" للجمهورية ، جرى إجتماع في القصر الجمهوري ضمّ الى جانب فريق عمل عون قائد القوات سمير جعجع الذي حاول جاهدا" إقناع عون بالقبول بمعوّض رئيسا" ، ولكن حسابات عون كانت في مكان آخر ، لم تأته الرئاسة ، فهل يتنازل عن قصر الرئاسة هكذا ببساطة؟

 

حسابات عون كانت تحضيرا" وإعدادا" وتجهيزا" لعمل ما يريد من خلاله نسف كلّ ما أنتجه الطائف ، بما فيه قطع الطريق أمام إنتخاب رئيس للجمهورية ، طالما أنه ليس هو هذا الرئيس!!

 

كان الهمّ الأساسي لدى جعجع ، حرص ودراية كاملتين لمنع أي صدام في الشارع المسيحي ، لإعتباره وإعتقاده أنّ هذا الأمر يُضعف الجميع ، أي الجيش والقوات وحتى رئاسة الجمهورية ، لذلك كان يسعى أن يتمكن الرئيس من

ـ 2 ـ

القصر ، وبذلك يكون مُحاطا" ومدعوما" من المؤسسة الشرعية العسكرية ، والمؤسسة المقاومتية وهي القوات ، وبذلك يكون رئيسا" قويا" لن يستفرد به أحد ، وبالتالي فهم جعجع أن الإرادة الدولية تتجه الى التسوية على هذا الأساس ، لا رجوع عن الاصلاحات ، ولا مساومة في موضوع إنتخاب الرئيس.. حتما" ميشال عون يفهم هذه المعادلة الجديدة ، ولكنه لن يقدّم القصر ببساطة ، لا بل سيسعى للعرقلة ، علّ هذه العرقلة تُكسبه وقتا" يتمكن خلاله من إحداث فجوة في جدار الحلّ الآتي على متن قطار بات أمرا" واقعا" ، أي الطائف..

 

وإذا كان لميشال عون صولات وجولات في إعتباره القوات اللبنانية السند والساعد والمساعد للجيش وللشرعية التي كان يمثلّها عون مع حكومته ، ولعلّ إعتباره القوات جزء لا يتجزأ من الشرقية ، الى حدّ إعتبارها بمثابة جيش إحتياط ، لماذا اذا" عاد ووجّـه البندقية الى الداخل وأدخل الجيش في لعبة الدم ، فوقف الأخ ضدّ أخاه ، يقاتلان بعضهما البعض ، ومن أجل ماذا ؟ وما كان الثمن ؟؟

 

قلنا سابقا" أنّ عون لجأ الى الخديعة عشية علمه بإقتراب موعد إنتخاب رينيه معوض رئيسا" فعرَض على أقطاب الشرقية توزير بعضهم عبر توسيع حكومته ، وهذا المسعى منه، كان تكتيكا" يرمي من خلاله قطع الطريق على الرئيس المنتخب كي لا يتمتع بنصف الشرعية ، فالشرعية بحاجة للشرقية ، وَمَنْ لا تدعمه الشرقية لا يمكنه أن يحكم ، فالرئيس المسيحي ، ومن باب أوْلى أن يحظى بتأييد المسيحيين ، وهذا ما كان يسعى الى منعه عون أو على الأقلّ الى مسك زمام المبادرة داخل الشرقية ، وهو في حال قُدِّر لمحاولته تلك أن نجحت ، فهذا يعني أنه يكون قد إستوعب القوات ووضعها تحت إبطه ، وبالتالي يكون قد أحرجها لدرجة تكبيل قرارها بحيث تصبح أسيرة لموقفها نتيجة مشاركتها بحكومة عون ، وهنا يُطرَح السؤال التالي : لماذا لم يفكر أو يبحث عون سابقا" في توسيع الحكومة ؟ ولماذا مَنْ ضرب القوات في 14 شباط ، يريد اليوم مشاركتها في حكومته ؟

 

نترك الأجوبة عن هذه الأسئلة لمناصري عون اليوم ؟

 

عون يتحجج بإسترداد مدرسة رسمية في فرن الشباك ..

 

تذكرون قصة البيت المُصادَر من قبل عائلة قواتية ، وعون زجّ الجيش لإخراج المصادرين.. في 31 كانون الثاني 1990 ، عون يريد أن يسترجع مدرسة سبق للقوات أن شغلتها كثكنة للمجموعة المسماة الدفاع الشعبي ، متحججا" أمام مَنْ راجعه بالموضوع أن رئيس منطقة جبل لبنان التربوية يريد إسترجاع المدرسة!!

 

القوات لم تفتح معركة لعلمها أن عون يبحث عن ذريعة ، وعلى الرغم من سقوط عدد من الإصابات ، إلاّ أنه كان المطلوب عدم تقديم هدية للجنرال كي يتحجج بها ويبدأ تنفيسته في الشرقية .

 

واذا كان القادة المسيحيين ، بمعظمهم ما عدا عون طبعا" يهربون من الصدام ، كان عون يستمر في تحرشاته وحركشاته الدائمة لإستدراج القوات الى القتال ، وكان كلما أبعدت القوات شبح المواجهة عبر التغاضي عن تجاوزات عون المقصودة والمتعمّدة ، كان الأخير يحور ويدور ويحركش ، فمن فرن الشباك الى عمشيت حيث إعتراض على وجود إنارة زائدة على مركز للقوات ، مرورا" بالدكوانة حيث تمّ إقتحام مركز قواتي ..

 

ـ 3 ـ

بعد أقل من 24 ساعة ، الجيش يقتحم بيت المستقبل في منطقة النقاش ، ومن ثمّ يتابع تمشيط المناطق في المتن مسيطرا" على مراكز قواتية عبر عملية قضم وبشكل بطيء ، لتتوضّح معالم الخطة العونية ، ومفادها السيطرة على الشرقية شيئا" فشيئا" إذا أمكن من دون أن تستعمل القوات قوتها العسكرية ، معتمدا" عون على وضع جعجع داخل الشرقية بعدما جيّشها الجنرال بشكل عدائي ضدّ القوات اللبنانية.

 

إذا" المسألة لم تعد كما قال عون مدرسة نريد إسترجاعها.. ويا مسيحيين أنظروا القوات لا تريد لأبنائكم أن يتعلموا.

 

ومرة قصة بروجكتور.. ومرة بيت المستقبل... المسألة باتت واضحة يريد عون مسك الشرقية ليقول الأمر لي ..

 

ولكن عجبا" كيف كان السوريون يمررون لنا البنزين والمازوت والمواد الغذائية عبر المعابر ، وغريب كيف صار القوميين وجماعة حبيقة يكزدرون في مناطقنا هكذا فجأة".. وغريب كيف أن الجنرال راح يكلّف أشخاصا" بالاتصال بالقوميين ، حتّى أنه تمّ تحديد موعد مع غازي كنعان...

 

واذا ما عدنا الى الوراء ، وتحديدا" الى يوم 15 كانون الثاني 1986 ، أي يوم الانتفاضة على منحى الياس حبيقة الذي كان باتجاه الاتفاق الثلاثي ، والذي جنح بعيدا" نحو السورنة ، ولأننا في سياق هذه السلسلة نتناول تحديدا" ميشال عون ، نورد ماذا حصل بينه وبين قائد الانتفاضة سمير جعجع الذي قاد مجموعاته من جبيل مرورا" بكسروان حتى وصل الى منطقة الجديدة في المتن الشمالي وهناك أجرى إتصالا" هاتفيا" بقائد الجيش العماد ميشال عون بطلب من هذا الأخير ، لا بل ، وبإلحاح منه عبر رسالة بعث بها عون الى جعجع بواسطة أحد الضباط..

 

عــون : إذا بدّك تعرف رأيي ، أنا ضدّ الاتفاق الثلاثي ، ولكن ما يجري لا يمكن التغاضي عنه ، والسوريين يضغطون عليّ ، العماد حكمت الشهابي إتصل فييّ أكتر من عشرين مرّة اليوم ... "

 

ماذا يعني هذا الكلام ؟

 

يعني تحديدا" مدى العلاقة التي ربطت عون بالسوريين ، وهل يمكن أن نفهم غير ذلك ؟

 

ومَنْ له تفسير غير ذلك فليشرح لنا ؟

 

عندما يقول عون بأنّ السوريين يضغطون عليه !! كيف يضغط السوريين على شخص لا تربطهم به علاقة أكثر من ممتازة تجعلهم بمستوى الضغط !!

 

وإذا كان عون ضدّ الاتفاق الثلاثي ، في وقت حُكي كثيرا" عن أنّ الرجل هو مَنْ أشرف على الشق العسكري في الاتفاق ، ولكن الواضح أنه إكتشف رفض أقطاب الشرقية لهذا الاتفاق وعلى رأسهم الرئيس كميل شمعون الذي دحض جعجع كامل الدعم لتنفيذ العملية ، وبإقامة حاجز للقوات يبعد مايتا متر عن حاجز الجيش في منطقة المونتي فردي وبتنسيق مع الرئيس أمين الجميّل ، الهدف من إستحداث الحاجز المذكور القبض على الفارين من جماعة حبيقة ، كون عناصر الجيش لا يعرفونهم ، إلاّ أنّ حاجز الجيش أزال الحاجز القواتي عبر إستعمال القوة العسكرية وقد سقط قتيلين وعدد من الجرحى.. مرة جديدة نسأل مَنْ المسؤول عن كل هذه الأرواح التي تسقط وكان الأجدى إستعمال الوسائل والطرق الحضارية إذا كان من قرار بإزالة الحاجز ، ولكن الواضح أن صراع عون مع رئيس جمهوريته وبتغذية ودعم سوريين لضرب القوات كانت بدأت معالمه بترجمة عملية على واقع الأرض ،

 

ـ 4 ـ

 

ومنذ ذلك الوقت ، أي منذ ما قبل توّلي عون لسدة رئاسة الحكومة الانتقالية ، وكأنّ جدول أعماله تضمّن بندا" واحدا" ألآ وهو إلغاء القوة المسيحية في الشرقية ، وهي مطلب أساس من قبل السوريين.. وهو ، أي عون يتابع مخططه هذا حتى اليوم ، بحيث يتناغم عمليا" مع السوريين ..

 

وقصة عون مع الشرقية والقوات فيها تحديدا" ، قصة الف معركة ومعركة ، والواضح من كل المعطيات أن عون وضع نصب عينيه مع إقتراب نهاية ولاية رئيس الجمهورية أن يقبض على السلطة ، وهو كان يعلم أنّ العرقلة الوحيدة لغايته هذه ، القوات اللبنانية ، فمع رحيل رئيس الجمهورية يكون عون قد أزال من دربه عائق أساسي ، ولكن تبقى القوات ، لذا لا سبيل للإطاحة بها إلاّ بحرب مدّمرة عليها ، وهذا ما بدأ الرجل يسوّق له في مجالسه الخاصة ، كما في لقاءاته مع الضباط علنا" وجهارا" ، وكذلك إستعمل مجلة الجيش لتمرير رسائله الحربجية ضدّ القوات ، وبذلك يتمكن من شحن العسكريين وتعبئتهم لليوم الموعود.. إذا" حروب ميشال عون التي خاضها لاحقا" لم تكن البتّة بنت ساعتها ، لا بل إنّ الرجل مهّد لها وأعدّ عدّتها من داخل المؤسسة العسكرية ، ولاحقا" لدى الأوساط الشعبية عبر تأشيره للثغرات والتجاوزات التي كانت تحصل على الأرض..

 

 

وهكذا خلق عون جوّا" عدائيا" في الشرقية ، حتى متى قُدِّر له إعتلاء السلطة يكون جاهزا" للضربة الموعودة ، والتي ستوصله للرئاسة حتما" ، وهذا ما مهّد له الرجل ، وهذا ما منّن نفسه به ، على إعتبار أنه يريد تقليد بشير الجميّل الذي مسك الشرقية ، وتاليا" أوصلته هذه المعادلة الى الرئاسة..

 

وهنا يجب أن نطرح ما يلي:

 

كلّ الميليشيات لم تقصّر خلال الحرب عبر تجاوزاتها وتصرفاتها مع الجيش ، ولعلّ الجرائم التي إرتكبتها بحق الجيش ذبحا" وسرقة وتجهجيرا" ... أكثر بكثير مما حصل بين الجيش والقوات ، ونحن لا نريد أن نبرّر أي تعدي على الجيش ، ولكن نطرح وبإلحاح مسؤولية مَنْ يقف وراء تلك التحرشات والتعديات بين الفريقين!!

 

ومَنْ الذي جيّش وحضّر وحضّ على الاقتتال.. وإذا كانت القوات إرتكبت بحق الجيش ما إرتكبته ، السؤال المطروح ، لماذا إرتكبته ؟ أليس ردة فعل على فعل ز جّ عون الجيش فيه ؟ وأعود لأكرر ليس دفاعا" ، ولا تبريرا" لما حصل ، ولكن البحث عن المبرر والمسبّب أمران مهمان جدا"...

 

أليس عون مَنْ يريد منع المصادرات فأخرج عائلة من منزل صادرته؟

 

أليس عون مَنْ يريد إسترداد مدرسة من القوات بذريعة أن القوات لا تريد لأولادنا أن يتعلّموا؟

 

أليس عون من أمرَ بإزالة حاجز المونتيفردي على الرغم من حصول موافقة من قبل مدير المخابرات ؟

 

ولوْ أن ميشال عون نفذّ كلّ هذه العنتريات على كلّ الميليشيات ، لكان فعلا" الرجل يستحق الثناء ، وبأنه بطل لبناني وعسكري لا يساوم ، ولا يهادن ولا يساير..

 

يضرب القوات ، ونراه يُدخِل جماعة حبيقة على الشرقية!!

 

يضرب القوات ، ونراه ينسّق مع القوميين في المتن!!

 

يضرب القوات على إعتبار أن لا بندقية خارج سلاح الجيش اللبناني ، ومن ثمّ نراه يطلب منها توحيد العمليات ومساعدته في القصف المدفعي !!

 

ـ 5 ـ

 

بنتيجة التعبئة والحقد الذي صار زرعه بين الفريقين ، تحوّلت الشرقية الى فوّهة بركان ، ولكن المعلومات المتوافرة عن تلك الحقبة ، من ضباط شاركوا ، من صحافيين مراقبين ، من سياسيين تدّخلوا ، أجمعوا كلّهم على أن عون كان دائما" الحجر العثرة بوجه أي تفاهم ، وعندما كان يتدخل سعاة الخير لعقد لقاء ، كان عون دائما" الرافض ، مرة بحجة ، ومرة بإجتماع طارىء ، ومرة بضرورات أمنية ، المهم في الموضوع ، أنّ عون المتحضّر والمتجه للمواجهة الحتمية ، لم يكن ليلتقي بجعجع بعدما حوّل الشرقية الى شطرين متعاديين بشكل جنوني..

 

واليوم بتنا نرى بشكل أوضح ، هل الشهداء الذين سقطوا من الجانبين ، ليس لهم أمهات وآباء وإخوة وأقرباء؟؟

 

هل الحقد الذي زرعه عون في صفوف العسكريين بداية" ومن ثمّ في صفوف المواطنين والذي يزداد يوما" بعد يوم ألآ يستحق هذا الرجل محاسبته على ما فعله؟

 

وهل بات حزب الله وحركة أمل والشيوعي والقومي والبعثي ، وحتّى السوري ، نعم السوري، أقرب للبنانيين ، وتحديدا" للمسيحيين، أكثر من القوات أو الكتائب؟

 

في كلّ الأحوال مَنْ يشرب الشمبانيا عشية إستشهاد رينيه معوّض ، لن يكون غريبا" عليه ما فعله ويفعله؟

 

وليتذكّر العونيين ، أنّه فور إستشهاد جبران تويني ، حلفاء عون وزّعوا البقلاوة ورقصوا فرحا" !! فهل هذا جزاء جبران الذي وقف معنا في كلّ المراحل ؟ أمْ أنّ جبران الذي كشف خديعة عون فكتب مقالته الشهيرة تحت عنوان طــــعـــــنـــة الـــجـــنــرال ( إفتتاحية النهار 30 آب 2001 ) ، أصبح عدوا" لميشال عون وجماعته ؟

 

غريب كلّ الذين إكتشفوا حقيقة عون صاروا فجأة" غير صالحين ، ولكن عجبا" كيف أنهم إستُشهِدوا ، بمعظمهم..

 

وتذكرون ما كتبه سمير قصير : عون الراجع هو عون الذي لا يتغيّر ، يحاكِـم ولا يُـحاكَـم...

 

عـون يتـودّد مـن جعـجع عشيـة إنـتخـاب رئيس الجمهورية في 18 آب 1988

 

الآن ستكتشفون المزيد من ألاعيب عون وتقلباته ، فعشية إعلان رئيس المجلس النيابي حسين الحسيني موعد لجلسة إنتخاب رئيس الجمهورية في 18 آب 1988 ، وكون الرئيس الأسبق فرنجية الأوفر حظا" ، سارع ميشال عون الى الاتصال بقائد القوات اللبنانية عبر إيفاده ضابطين من قبله الى المجلس الحربي ، وكان السلام والتحبب والقبلات والحنان والتودد وكلّ المجاملات التي قد تخطر على بال إنسان ، وما ساد جوّ اللقاء لا يعكس أبدا" حقيقة ما سبق من تشنجات ، كما لا يعكس أبدا" أجواء الشحن والحقد والضغينة والتعبئة التي كانت تسيطر على الشرقية ، فعلا" أمر هذا الرجل غريب!! بالأمس كان يُعدّ العدة لشنّ حربه على القوات ، اليوم عندما شعر بدنو خطر الرئاسة ، إستعان بالقوات ، ليعطّل الانتخابات ... فكروا قليلا".. ولا تبقوا مغمضي العينين ..

 

رسالة ميشال عون لسمير جعجع كانت التالية: " أطـلُب ما تـريد يـا حكـيـم ، ولكن أوْقف الانتـخابات "

 

وبالفعل أبلغ عون جعجع أن يفعل ما يشاء إقامة حواجز.. إنتشار مسلّح.. منع نواب من الوصول...

 

وليس المهم ما حصل لاحقا" من منع حصول الانتخابات ، وكردّة فعل على خطف النائب فريد سرحال ، خطفت القوات وزير الدفاع عادل عسيران ، إحذروا ماذا كان رد فعل ميشال عون ؟

 

ـ 6 ـ

موفديه أبلغوا الحكيم رسالة الجنرال : " بتعرف الجنرال ما في يعلن قبوله بما حصل ، ولكن لا تخافوا فقط من أجل الدعاية سوف نتحرّك صوَريا" ، لا تعتلو همّ ما رح نعمل شي "..

 

 

ولكن يبقى أنّ قائد الجيش ميشال عون بنى ألوية الجيش وأفواجه لتكون بين يديه ، فراح يتصرّف بشكل غير مناقبي وبشكل لم تعتد المؤسسة عليه ، حيث راح القائد يقرّب منه ضباط الرتب المتوسطة والصغيرة ، وهكذا يصبح هؤلاء أداة طيّعة بين يديه ، يستعملهم في مشروعه الهادف في الأول والأخير للقبض على السلطة..

 

والويل لمن سيخالف لاحقا" رأي الجنرال ، لأنه سيكون مصيره مصير ضباط كثر سيعتقلهم عون وسوف يز جّ بهم في السجن وسيتعرّضون للتعذيب .

 

وإذا كان ما فعله عون بأخصامه ، من ضروب إعتقال وتعذيب وتحديدا" منهم عناصر القوات ، قد يتفهمه المواطن، ولكن أن نتفهّم إعتقاله لضباط من الجيش وسجنهم وتعذيبهم لمجرد أنهم لم يشاركوه لعبته ! قهذا أمر غير مقبول على الإطلاق ، حيث تعرّض هؤلاء لأبشع أنواع التعذيب .

 

 

فـي الحلقة التاسعة : نــماذج عن ديمقراطية عون مع ضباط خالفوه الرأي .. الضحايا

 

 

 

 

عون الديمقراطي يقمع رفاقه الضباط ويُنزِلْ بهم أبشع أنواع التعذيب..

 

لم تكن تصرفات عون داخل المؤسسة العسكرية تتوافق والمناقبية ، كما أنها لم تكن تتلاءم والأصول المتبعة من قبل قادة الجيش منذ توّلي القائد الأول والمؤسس اللواء فؤاد شهاب ، وبشهادة ضباط خدموا مع عون وعرفوه ، أكدوا تجاوز الأخير لكل الأعراف والتقاليد المتبعة داخل المؤسسة العسكرية ، ولعلّ أبرزها على الإطلاق تخطيه الدائم لقادة الوحدات وتواصله المباشر مع صغار الضباط ، وهذا ما سبّب إحراجا" ، وفي بعض الأحيان " خربطة " داخل التركيبة المؤسساتية ، ولعلّ النقطة الأهم في بحثنا إنعدام قدرة عون وعدم تحليه بروح الديمقراطية حيث أنه لم يكن يسمع إلاّ صوته ، وعند سماعه لصوت يخالف رأيه كان يسارع الى قمعه بأساليبه المتنوعة .

تجربة العقيد أنطوان سعد

أي اللواء سعد لاحقا" ، والنائب الحالي في البرلمان ..

ماذا يقول اللواء سعد عن تجربته مع ميشال عون ؟

معرفتي بالعماد عون تعود الى المدرسة الحربية ، حيث كنت أنا في السنة الأولى وهو في السنة الثالثة ، وكان مثله مثل باقي التلامذة الضباط ، لم يكن مميزا" ، أو أنه ظاهرة متميزة عن سائر التلامذة ، ومنذ تخرجه لم التقِ به إلاّ يوم تسلمت مركزي عام 1965 في بعلبك ، حيث كان عون في المدفعية وأنا في المشاة ، وكان عون قائد بطارية ، هكذا كانت التسمية ، وأنا كنت آمر سرية ، وعندما نلتقي طبعا" كنّا نتكلم في السياسة ، كان عون كتلويا" ، بينما أنا كنت شهابيا" ، لينقطع التواصل حتى عهد الرئيس الياس سركيس ، وكان عون يحضر الى مديرية المخابرات لزيارة بعض أصدقائه ومنهم فؤاد الأشقر ، وكان واضحا" على عون طموحه غير المخفي في حبّ الوصول الى قيادة الجيش ، ولعلّ هذا الطموح كان متوارثا" لدى معظم الضباط الموارنة ، ولكن عند عون كانت بارزة وظاهرة .

أمّا عن كيفية وصول عون الى قيادة الجيش ، لا يخفي اللواء سعد أنّ الوزير السوري عبد الحليم خدّام والذي كان حاضرا" لإجتماع مجلس الوزراء في بكفيا هو من طرح إسم الضابط ميشال عون ليتولى قيادة الجيش ،" وبحسب معلوماتي فإنّ الرئيس أمين الجميّل كان يؤيد توّلي العميد حبيب فارس للقيادة .."

إعتراضات الضابط سعد على سلوكية قائد الجيش كانت ظاهرة ، وبالتالي لم يُخفِ رأيه ، لا بل على العكس كان يجاهر بجنوح عون عن الخط الواجب إنتهاجه ، وهو في هذا الإطار ، صارحه خلال تقديمه له التعازي بعمّه والد زوجته ، حيث قال له حرفيا" : " يا جنرال ، فؤاد شهاب صار رئيس جمهورية لأنّو عِمِلْ قائد جيش .." ، فردّ عليه عون بسؤال : " ليش أنا مش قائد جيش ؟ " فأجابه العقيد سعد كلا ، أنتَ تحوّل الجيش الى ميليشيا.

 

ـ 2 ـ

 

وعن هذه الفكرة والقناعة لدى سعد ، يقول بأنّ عون دأب على مجالسة الضباط الصغار من رتب ما دون نقيب ، حيث كان يحادثهم بالسياسة وبأفكاره ، وهكذا لم يعد داخل المؤسسة من رتب وبالتالي لم يعد هناك تراتبية في الجيش ، حيث كان عون وعند طلبه لأمر معيّن يتوجه الى ضابط برتبة ملازم أو ملازم أول ، متخطيا" الضباط القادة ، متجاهلا" إيّاهم وكأنهم نكرة غير موجودين ، الأمر الذي عزّز قدرة وقوة صغار الضباط ، وهذا يعني على حساب الهرمية المؤسساتية ، وكأننا داخل ميليشيا وليس ضمن جيش نظامي..

نتيجة هذه التصرفات الخاطئة ، بدأ عدد من كبار الضباط يعبّرون عن سخطهم ورفضهم لهذا النهج الذي يتبعه عون، ومن هؤلاء نذكر على سبيل المثال لا الحصر العميد نايف الكلاّس ، العميد وليم مجلّي ، وغيرهم من الذين تجرأوا على إبداء رأيهم ، مع العلم أنّ كثيرين من الضباط كانوا معترضين على سلوكية الرجل ، إنما نظرا" لطبيعة الأنظمة العسكرية التي تحتّم على الضباط والعسكريين عدم الخوض في مثل هذه المسائل ، وبالتالي تنفيذ التعليمات والأوامر العسكرية من دون أي إعتراض أو تحفظ . وبعد أن شعر عون بأنّ بعض الضباط غير موافقين على نهجه، قام بتشكيل معظمهم وبالتالي نقلهم الى مراكز محددة بشكل أن يُبقي هؤلاء تحت ناظريْه ، كما ووضعهم في قطع لا يمكنهم خلالها من إحداث أي خطر عليه ، فالعقيد سعد مثلا" نقله الى التخطيط وهكذا يبقى تحت المراقبة المباشرة ، وهذا كان نصيب كلّ الضباط الذين شكك عون بولائهم لشخصه وليس للمؤسسة.

لم يخفِ الضابط سعد إقتناعه بأنّ حرب الشرقية ، أي حرب الإلغاء إنما أعلنها عون مسايرة" للسوريين الذين وعدوه بإيصاله الى الرئاسة في حال ضرب القوات اللبنانية ، حيث بدأ بحملته باكرا" عبر تكثيف لقاءاته مع الضباط الصغار حيث عمل على إستنهاضهم وتوجيجههم بشكل مباشر على طريق التعبئة لليوم المنشود ، بمعنى بدأ الرجل عمله الدؤوب تحضيرا" لحربه على القوات ، ولكن لم يُقدم على خطوته هذه من دون تحضير ، بل قام بتحضير أرضية العسكر ، بأنْ شحنهم جيدا" وعبّـأهم بشكل أنه يوم سيعلن حربه على القوات يكون هؤلاء جاهزون للقتال بشراسة ومن دون إبداء أي إعتراضات أو تلكؤ ..

إذا" العائق أمام وصول عون الى رئاسة الجمهورية كانت القوات اللبنانية ، هذا ما زرعه السوريين لديه بشكل أنه أصبح أمام خيار لا ثاني له ، ألآ وهو ضرورة ضرب القوات اللبنانية وإلغائها..

كان بعض الضباط الذين يجرؤون على مواجهة عون يبعثون له برسائل مفادها ، أترك السياسة وحافظ على المؤسسة العسكرية ، وقد تنامت هذه النصيحة ـ المعادلة خاصة بعد توليه لرئاسة الحكومة الانتقالية ، على إعتبار أنه بإنتهاجه لسياسته تلك سوف نصل الى إنقسام الجيش ، وهو بالفعل ما حصل لاحقا" ، حيث إنقسم الجيش، واحد بقيادة عون وآخر في المنطقة الغربية بقيادة اللواء سامي الخطيب الذي عينته حكومة الرءيس الحص ، ومن ثم بقيادة إميل لحود ، وهكذا صار عندنا جيشان ..

رأي هؤلاء الضباط ، ونصيحتهم له أن يبقى قائدا" للجيش ، وأن يُبقي على وحدة الجيش ، وأن يحافظ على المؤسسة ، وهكذا في حال حافظ على الجيش وأبقاه موّحدا" ، يمكن أن يصل الى الرئاسة ، وحدها هذه المعادلة كانت راسخة في عقول ضباط كثر ، إلاّ أنّ عون كان دائم الإمتعاض والإنزعاج من هؤلاء الضباط ، وهو تدّرج في الانتقام منهم ، حتى وصل الى حدّ إعتقال بعضهم والزجّ بهم في السجون حيث مورس بحقهم أبشع ضروب

 

ـ 3 ـ

 

التعذيب والاهانات ، بشكل لا يليق أبدا" بالمعاملة التي تعوّد عليها الضباط حتى في حال توقيفهم ، إلاّ أنّ عون كسر كلّ الأعراف والتقاليد ، ولم يعد يرى أمامه سوى طموحه وجموحه الى السلطة ، وكلّ من يراه أنه سيقف في وجه هذا الطموح كان مصيره السجن ، مهما كانت رتبته .

وهو كان دائما" يرسل إشارات ورسائل الى الضباط المعترضين لكي يصمتوا وبأن لا يتكلموا بما يفكرون به تجاهه ، على إعتبار أنه كان يخاف إنتشار هذه العدوى بسرعة لتصبح ككرة الثلج ، ولمّا لم يلتزم بعض الضباط بما فرضه عليهم عون من صمت وعدم الإعلان عن آرائهم ، زجّ بهم في السجون..

فالعقيد أنطوان سعد مثلا" تمّ وضعه تحت المراقبة المباشرة ، من قبل جهاز المخابرات الذي لم يعد تابعا" للجيش بقدر ما كان جهازا" تابعا" لشخص ميشال عون.

وقبيل تعيين اميل لحود قائدا" للجيش من قبل حكومة الشطر الآخر من بيروت بعد إنتخاب الياس الهراوي رئيسا" ، تمّ طرح ثلاثة أسماء لتولي القيادة ، حيث إضافة الى لحود كان إسمي العميدين فهيم الحاج وفايز حرب .

الملفت أنّ ميشال عون وبحسب بعض المعلومات كان يوّد تعيين اميل لحود قائدا" للجيش ، كما أنه سعى هو شخصيا" في فترة من الفترات الى طرح هذا التعيين خلال توّليه لرئاسة الحكومة الانتقالية ، وما عزّز هذه القناعة والمعلومات ، تسهيله لانتقال العميد اميل لحود من الشرقية الى الغربية وعبر معبر المتحف حيث طلب من الحاجز هناك التابع له تسهيل مرور العميد لحود ، إذا" ؟

جعجع يكرر أمام بعض الضباط عن تهرّبه من المواجهة المسيحية ـ المسيحية!!

ينقل ضباط إلتقوا قائد القوات اللبنانية سمير جعجع في مرحلة سبقت حرب عون الإلغائية ، أنّ الحكيم كان دائم الحرص على عدم إنزلاق المناطق المسيحية في أتون لعبة الدم والبارود ، والتي كان عون يتحضّر لها ، وكان هؤلاء الضباط كلما أزّفوا الى جعجع معلومات عن إحتمال شنّ حرب عونية على القوات ، كان جعجع دائم الحرص على أنه لن يقوم بأي خطوة تساهم أو تساعد في هذا الخطأ التاريخي ، لن أقاتل مسيحي ، ولا أريد أن يحصل قتال مسيحي ـ مسيحي ، ويتابع الحكيم أمام بعض الضباط ، ويقول أنه يتراجع كلّ يوم ليس خوفا" أو عدم قدرة على العكس إنما تجنّبا" من أي مواجهة في الشارع المسيحي ، كلّ يوم يتم إعتقال عناصر من القوات ، ويعودون بعد الإفراج عنهم منهكين من الضرب ، وعلى الرغم من ذلك نُبقي على هدوئنا ولا نُستفز حفاظاط على وحدة المسيحيين ، ومنعا" لحدوث صدام مسيحي ـ مسيحي .

 

بتاريخ 2/1/1990 ، بدأت حملة إعتقالات الضباط في الجيش الذين كانوا ينتقدون حركية عون وسلوكيته داخل المؤسسة العسكرية ، كما وخياراته التي ستؤدي في النهاية الى الهاوية ، يومها إعتُقل العقيد أنطوان سعد ، الذي تمّ إقتياده من منزله الى سجن وزارة الدفاع ، حيث وصل الى منزله أحد ضباط فوج المكافحة المقربين جدا" من عون وطلب الى العقيد سعد مرافقته الى القيادة ، حيث كان البناء حيث يسكن سعد مطوّقا" ، ليبلغه الضابط بأنّ بحوزته أوامر صادرة عن دولة الرئيس بإعتقاله ، وعندما سأله سعد عما إذا كان مزودا" بمذكرة من القضاء ،

 

ـ 4 ـ

 

فأجابه الضابط بحوزتي أمر من دولة الرئيس وهو أهم من القضاء ، وشعر العقيد سعد أنه في حال لن يمتثل لأوامر النقيب الذي حضر لإعتقاله فإنه سيتعرّض للبهدلة .. وبالفعل تمّ إصطحابه الى السجن ، لتبدأ معه رحلة الألف ميل ، رحلة التأديب والتعذيب والتأطير والإهانات ، فقط لأنه غير موافق على سياسة عون التي إعتبرها سعد وغيره كثر من الضباط ستؤدي بالنهاية الى الخراب والدمار ، وبالتالي الى هلاك المؤسسة العسكرية.

تمّ إقتياد العقيد سعد عبر دورية عسكرية مدجّجة بالسلاح ، بداية أُدخل الى مقرّ قيادة فوج المكافحة بقيادة المقدّم فايز كرم ، ليعلم سعد عندها أنّ حملة الإعتقالات طالت العديد من الضباط ، وفي مركز المكافحة كان تمّ إحتجاز العميد وليم مليّس والعميد يوسف الطحّان ، ومن ثمّ تمّ وضعهم في زنزانات الوزارة تحت الأرض ، في اليوم الأوّل لم يتم إستجواب الضباط وكان يوم أحد ، في اليوم الثاني بدأت التحقيقات ، والملفت أنّ أسلوب التحقيق كان مخالفا" ومناقضا" لكلّ القوانين والأصول المتبعة داخل المؤسسة العسكرية ، وتحديدا" مع الضباط ، حيث عُصبت أعين الضباط ، والأيادي مكبّلة بالسلاسل الحديدية أي الكلبشات ، وهو أمر لم تعتده وزارة الدفاع الوطني ، طوال تاريخ التحقيقات مع ضباط الجيش اللبناني .

وقائع بعض التحقيقات..

المحقق: يا عقيد أنا عميد رح حقق معك ، اذا تعاونت معنا تسهّل علينا الأمور ، واذا لم تتعاون معنا بتعرف شو بيصير فيك .

العقيد سعد : إذا شي أنا عاملو بقول ، إنما ما تطلب مني قول إشيا مش مظبوطا .

المحقق : أنت رجل مخابرات قوي .

العقيد سعد : لأنني قوي منع عون عني الترقية كما فعل مع كل الضباط الذين لم يوافقوه آراؤه

المحقق: أنتَ متهم بالتحضير لإنقلاب على دولة الرئيس العماد ميشال عون بالإتفاق مع القوات والبطرك صفير؟

العقيد سعد : لا أعرف في القوات إلاّ شخص واحد إسمه نادر سكّر، هذا هو الشخص الوحيد الذي أعرفه ، ومعرفتي به تعود الى يوم جنازة النائب لويس أبو شرف ، والذي عرّفني عليه هو جان عبيد ، والعلاقة التي تطورت كانت مجرد صداقة شخصية ليس إلاّ ، أمّا بالنسبة للبطريرك صفير فأنا لا أعرفه شخصيا" ، أعرفه فقط من خلال التلفزيون ، ومن جهة أخرى ، أنا موضوع بالتصرّف ، أي ليس تحت أمرتي أحد من العسكريين وبالتالي كيف بإمكاني تحريك جندي واحد في الجيش وأنا بتصرف القيادة ، ولا عسكري معي سوى سائقي الخاص ، فهل سأقوم بالإنقلاب بواسطة ساقي ؟

المحقق : أنت متهم أيضا" بأنك أقدمت على القيام بضغوطات على العراق بواسطة الرئيس صدّام حسين لوقف الدعم الذي كان يؤمنه للعماد عون ولكي تدعم العراق إميل لحود ؟

العقيد سعد : هل منطقي أن صدام حسين الذي لا يردّ على أحد بما فيها دول كبرى ، أن يعمل ما أطلبه منه أنا ؟

المحقق : أنت متهم بأنك إلتقيت بجوني عبده الذي كلّـفك بمهمات لدعم الياس الهراوي ؟

العقيد سعد : أنا لم ألتقِ بالسفير جوني عبده ، وهو لم يتصل بي ، وكلّ هذه الاتهامات باطلة وغير صحيحة على الإطلاق ، أمّا إذا كنتم ترغبون بتلفيق وتركيب هذه القصص فافعلوا ما شئتم !!

 

ـ 5 ـ

 

أكتبوا ما شئتم ، وأنا أوقّع لكم ، أنتم اليوم في السلطة والقوة معكم ...

وهكـذا كانت مرحلة التحقيق صبحا" وظهرا" وبعد الظهر وفي المساء ، وفي كلّ المراحل ، الأعين معصوبة واليدين مكبلتين بالأغلال ، وقد تبيّن لاحقا" للعقيد سعد أنّ ذاك المحقق الذي زعم أنه برتية عميد لم يكن سوى ضابط برتبة نقيب ، ولكن كون قانون الدفاع العسكري يفرض خلال التحقيق مع ضابط أن يكون المحقق بنفس الرتبة أو أعلى منه رتبة ، وهذه أيضا" مخالفة فاضحة . ولكن العقيد سعد لم يوقع على أية إفادة ، وطوال فترة التحقيق كانت أصوات التعذيب والاهانات والصريخ تملأ المكان ، وكلّها كانت إهانات وسباب على القوات وعلى سمير جعجع ، خاصة خلال ساعات الليل ، وكان البعض يُسمع العقيد سعد أن دوره آت في القريب العاجل ، وسيلقى مصير هؤلاء الذين كان صراخهم لا يتوقف طوال ساعات الليل والنهار .

والغريب الكيل الهائل من الاهانات والكلمات النابية التي كانت تُلقى على العقيد سعد بشكل لم يعتد عليه الجيش ، وأقول مجددا" خاصة أثناء التحقيقات مع ضباط في الجيش اللبناني .

وفي كلّ أطوار ومراحل التحقيقات البعيدة كليا" عن الأصول والقوانين ، كان يلّح العقيد سعد على المحققين كي يتم تحويله الى القضاء العسكري ليحاكَم ، أما أن تتم معاملته بهذا الشكل فهذا أمر مرفوض ، وطالما أنه متهم ولديهم إثباتات ، فليحوّل الى المحاكمة ، والمعاملة لا تكون بهذا الشكل الميليشيوي ، فحتى في الدول والأنظمة الدكتاتورية لا يعامَل الضباط بهذا الشكل ، ويقول العقيد سعد ، نحن ضباط ، وخدمنا سنوات طويلة في المخابرات ، ولم نعامل أي ضابط بهذا الشكل ، حتّى زمن إنقلاب القوميين ، وخلال توقيف بعض الضباط ، تمّ وضعهم في غرف بحراسة عسكرية ، وكان يتم تأمين كافة مستلزماتهم .

الملفت في تلك التحقيقات أن الجنرال عون كان يتصل بشكل دوري لدرجة أنه في فترة من المراحل كان يتصل كل ربع ساعة تقريبا" ليسأل عن مجرى التحقيقات ، وكأنه كان خائفا" لا بل مرتعبا" من تصرفاته غير الجائزة بحق ضباط ، ذنبهم الوحيد أنهم لم يسايروه ولم يماشوه بسياسته الهوجاء .

وعندما إكتشف العقيد سعد هوية المحقق ، وواجهه بأنه تعرّف عليه ، ليتبيّن أنه صديق مقرّب ، وبأنّ عون إختاره شخصيا" لهذه المهمة ، وهنا يمكن أن نحلل تصرفات عون لهذه الناحية ، كما كلّ تصرفاته ، وعندما حاول المحقق نكران هويته الحقيقية ، واجهه العقيد أكثر وأكثر ، مما دفعه الى القول ، نعم أنا فلان ، ولكن أليس أفضل أن أكون أنا وليس أحد سواي ؟ عندها علم العقيد سعد أن سواه كان سيتصرف بشكل أبشع وأكثر إهانة ، تماما" كما فعلوا بالعميد يوسف الطحّان الذي تمّ ضربه وتعذيبه بشكل غير لائق ، لدرجة أنه أصيب بعاهات جسدية حيث أُعطبت كليتيه نتيجة الضرب .

أمّا عن الأكل ، فكانت البطاطا المسلوقة الغذاء الوحيد صباحا" وظهرا" ومساء" ، ولفترة شهر مُنعت عنهم الملابس الداخلية منها والخارجية ، ولم يقم بزيارة العقيد سعد سوى العميد الياس خليل نائب رئيس الأركان للتخطيط ، كون سعد كان يخدم في التخطيط ، وهو لم يستطع القيام بشيء ، سوى الإطمئنان ، وأبلغه سوء المعاملة ، والتجاوزات الفاضحة للقوانين ، وخرق الأصول المعمول بها في التحقيقات مع الضباط .

 

ـ 6 ـ

 

بعد مضي الشهر تمّ نقل بعض الضباط الى سجن رومية ، ومنهم العقيد سعد ، والعقيد اميل حبيقة ، والوجبة إستمرت البطاطا المسلوقة ، والملفت أنه تمّ وضع الضباط في آخر طابق ، والقذائف كانت تنهمر بشكل جنوني ، لدرجة أنّ العسكريين أجلوا الطابق حيث كان الموقوفين ، لينزلوا الى الطوابق السفلية ، ولكن المفارقة أنّ الضباط أبقوهم في آخر طابق ، وكان بالإمكان تعرّض المكان للقصف وبالتالي لولا القدرة الالهية لكان سقط هؤلاء قتلى ، وكأنه كان مطلوبا" أن يحصل هذا الأمر ، وهكذا يسهل على عون إتهام القوات بأنهم من قتلوا الضباط ، كون معركة الإلغاء كانت قد بدأت . ويتذكّر الضباط عن تلك الحقبة أنّ زوجات بعضهم كتبن بعض الرسائل الى اميل لحود الذي كان تسلّم الجيش في المقلب الآخر ، حيث شرحنّ له ما يتعرّض له أزواجهم ، ولكن إتضحّ للضباط لاحقا" أن إميل لحود لم يكلّف نفسه حتى عناء قراءة هذه المكاتيب ، ولعلّه كان يرمي بها في سلّة المهملات.

قبل مضي الثمانين يوما" على التوقيف ، بثماني وأربعين ساعة ، تمّ تحويل الضباط الموقوفين الى المحكمة العسكرية ، كما وإحالتهم الى المجلس التأديبي الذي تعثرت إنطلاقته بسبب رفض معظم الضباط المشاركة فيه ، وقد حضر الى مبنى توقيفهم القاضيين الياس موسى وفوزي داغر حيث بدأت من جديد مرحلة التحقيقات ، ويذكر عدد من الضباط لباقة وحسن معاملة العقيد عادل ساسين الذي كان لطيفا" معهم ويتعامل بأخلاقية .

وكان القضاة محرجون وقد أفهموا الضباط أنهم مضطرين للقيام بما يقومون به ولو على غير إقتناع .

ونتيجة المعاملة السيئة ،حاول العقيد سعد إرسال بعض الرسائل لعدد من الجهات المحلية والدولية ، يشرح فيها سوء المعاملة ، ويشبّه المعتقل بسجن عتليت الاسرائيلي ، ولكن العقيد عادل ساسين كشف أمر الرسائل ولكنه لم يسلّمها الى أحد وقد أخفى أمرها حتّى لا يتعرّض الضباط لمزيد من الضغط .

أفرج عون عن العقيد إميل حبيقة بطلب من الياس حبيقة حيث كانت الخدمات المتبادلة بين الطرفين ، وقد تدّخل لاحقا" السفير الفرنسي رينيه آلآ لكي يفرج عون عن الضباط .

أما عن المحكمة العسكرية والمجلس التأديبي فذهبا مع الريح ، ومع إشتداد وطأة المعارك داخل المناطق المسيحية ، بدأت تطفو على سطح المؤسسة إعتراضات كثيرة ومنهم آثر ترك منطقة نفوذ عون بإتجاه المناطق الأخرى.

وعن دخول العسكر السوري الى وزارة الدفاع الوطني ، يأسف الضباط لسرقة تاريخ لبنان الذي كان في الوزارة، وكيف أنّ اميل لحود لم يصل الى وزارة الدفاع إلاّ بعد ثماني وأربعين ساعة مما سمح للسوريين بأخذ كلّ شيء.

كما يتساءل الضباط كيف أن السوريين أعادوا الضباط المعتقلين القريبين من ميشال عون ، ولم يعيدوا باقي المعتقلين ، وهذه أسئلة تبقى برسم الجواب عليها من قبل عون شخصيا" ومن يؤيده حتى الساعة.

وعن الضباط الذين سقطوا في كلّ المعارك التي لم تقدّم للوطن سوى الويلات والدمار والخراب ، يسأل معظمهم ماذا فعل ميشال عون بنا ؟

وفي سلسلة تناقضات ميشال عون بين الأمس واليوم ، لا بدّ من تذكير اللبنانيين ببعض مآثره وتحديدا" على مستوى دور الجيش ، فهو في أمر اليوم رقم (44) ورد ما حرفيته :

 

ـ 7 ـ

 

الجمهورية اللبنانية

وزارة الدفاع الوطني

قيادة الجيش

أركان الجيش للعديد

رقم 13281/ع.د/م.م

تصنيف 242 ـ 1

 

أيها العسكريون،

(... )لا بدّ أن يعود للجيش دوره الطبيعي عاجلا" كان ذلك أم آجلا" ، ذلك أن كل ما وجد على هذه الأرض من قوى أمر واقع لا يمكن أن يكون بديلا" من الجيش الوطني الذي وحده يحمي الوطن وبوجوده فقط تصان حرية المواطن وحقوقه.

المرسل اليهم

تعميم رقم واحد

 

عاش الجيش

عاش لبنان

اليرزة في 31/7/1985

العماد عون قائد الجيش

 

وفي أمر اليوم رقم (64) ورد ما حرفيته :

 

الجمهورية اللبنانية

وزارة الدفاع الوطني

أركان الجيش للعديد

رقم 9640/ع.د/

تصنيف 242 ـ 1

 

ـ 8 ـ

 

أيها العسكريون

... في غابات الأسلحة غير الشرعية التي تمزّق أرض الوطن وتتقاسم إرادة الشعب وقراراته وخياراته ، وتعوق مسيرة التحرير ، ، يتجلى سلاحكم شرعة وشريعة .

فلا أمن سوى الأمن الذي توفره بندقيتكم ، لأن السلاح غير الشرعي يفترس نفسه وبيئته ، وشتان شتان ما بين بندقية الطمأنينة والبندقية المرهبة ، وما بين أمن آمن للمواطن وأمن كامن له .

 

المرسل اليهم:

تعميم رقم واحد

 

عاش الجيش

عاش لبنان

اليرزة في 31/7/1986

العماد عون قائد الجيش

 

يصف أحد الضباط المعترضين على منهجية عون في الجيش تصرفاته بتلك المعتمدة في الدكتاتوريات وجمهوريات الموز ،فحتى بالنسبة للترقيات كانت مزاجية بالنسبة له ، وهو كان يعاقب ويعاتب الضباط الذين يخالفوه رأيه ، فالكفاءة بالنسبة له كانت مدى وحجم ولاء الضابط له ، لشخصه ، وبسؤال أحد الضباط الذين إعتقلهم عون ، اذا كانت معاملة ضباط الجيش على هذا الشكل ، كيف كانت إذا" معاملة الموقوفين من القوات اللبنانية ؟

لم تكن هناك سوى لغة واحدة ، وأسلوب واحد ، ضرب وتعذيب وإهانات وسباب ...

 

لــماذا أصبح مـعيـبا" أن تـكون عـونـيا"؟

(الحلقة العاشرة)

 

عون عاشق الإعلام وعدوّه اللدود !!

 

لنبدأ بآخر إنجازات عون على مستوى عشقه للإعلام ، وعلى مستوى إحتقاره لكل وسيلة إعلامية لا تبخّر له ، فصحيفة "لوريون لو جور" التي جاهرت وتجرأت بإتهام قاتل الشهيد سامر حنّا وهو على متن الطوافة العسكرية ، جاهرَ عون في المقابل برغبته بأن يتمّ تحويل الجريدة المذكورة الى المحاكمة ، وهو شنّ سلسلة من الحملات عليها وأرداها كالعادة بكمّ هائل من الاتهامات ، وقذفها بوابل من مفردات قاموسه الذي تعوّد وعوّد اللبنانيين عليه.

 

ليس بجديد على عون أن يتطاول على الاعلام والإعلاميين ، وليس بجديد على الرجل أن يطلق العنان للسانه لكي يسلك طريق التهديم بالمؤسسات الاعلامية ، طبعا" تلك التي لا تماشيه ، أمّا الصحافة التي تبخّر له ، فهي تبقى بمنأى عن لسانه ، ومَن يراقب تصرفات الرجل تجاه الإعلام بإمكانه إكتشاف هوَسه وولعه بالإعلام ولكن إعلام موّجه ، إعلام أقلامه تسوّق لعون ولطموحاته، أقلام تروَّس لإعتلاء الملك على عرشه .

 

ولأنّ الرجل لا يمكنه السكوت عن جمهور غير جمهوره ، ولأنه لا يمكنه أن يستوعب أنّ آخرين عندهم شعبية ، كان يعيّر دائما" قادة المسيحيين الزمنيين منهم والروحيين ، وليس بالضرورة تذكير اللبنانيين بما قاله عون مثلا" عن البطريرك الماروني ، لدرجة أنه أنزل على نفسه لفب بطرك ..

 

وعقدته المزمنة بالإنزعاج من الجماهير التي ليست ملكه ، دفعته الى الضغط إن لم نقل التهديد للقوات اللبنانية لكي تلغي مهرجانا" كانت أعدّت له تحت عنوان "يوم المقاومة" ، وبالفعل فقد تمّ نقل موعد المهرجان المذكور منعا" لأي صدام في الشرقية ، ولمزيد من المساعي لتمرير هذه المناسبة من دون أي إحتكاك أو صدام.

 

قلنا أن عون لا يستوعب أن يكون هناك إعلام حرّ ، كما أنه لا يفقه معنى إعلام يعبّر عن الرأي المضاد له ، وهذا أمر طبيعي ، كما أنه من أبسط البديهيات إذا ما سلّمنا أنّ لبنان وطن الحريات والممارسة الديمقراطية ، ولكن سلسلة هجماته على الإعلام لم تبدأ اليوم ، ولا هي بسلوكية جديدة عليه ، بالعكس فقد إمتاز ميشال عون بإستعدائه لوسائل إعلامية لا تماشيه ، وهنا على سبيل المثال لا الحصر ، لا بدّ من تذكير اللبنانيين بواقعة التعرّض لإذاعة صوت لبنان في الأشرفية ، هذه الإذاعة الناطقة بإسم حزب الكتائب اللبنانية ، أعلنت صراحة ومن دون تدوير للزوايا ، موقفها العلني والصريح من مسألة الطائف ، خاصة وأنّ رئيس الحزب جورج سعادة كان الحصان الأسرع في المملكة بالسير في الاصلاحات ، وهو طبعا" كان يمثّل وجهة نظر المسيحيين بمن فيهم بكركي ، ما عدا ميشال عون ، الذي حتما" كان يعلم أنّ ملء كرسي رئاسة الجمهورية لن يكون من نصيبه ، ولو كان كذلك ، صدّقوني كان ليمتطي الجواد الأول وليعلن جهارا" سيره باتجاه الطائف ، رفضه كان لسبب واحد ، أحد ، سبب محدد .. واضح .. وصريح ، عون رئيس للجمهورية تنتهي اللعبة هنا ويوقف كلّ شيء عند هذا الحدّ ، غيره رئيسا" للجمهورية اللبنانية ، هذا يعني أنّ يوم القيامة آت لا محال ، كما سيعني لاحقا" حلّ المجلس النيابي ... وبالنهاية لا إعتراف بالتركيبة السياسية التي سيفرزها الطائف ، وبالفعل فجر يوم الرابع من تشرين الثاني عام 1989 ، أصدر عون المرسوم القاضي بحل المجلس النيابي .

 

في الخامس منه ، النواب في مطار القليعات ينتخبون رينيه معوّض رئيسا" للجمهورية ، فهاجت الشرقية ، وتحديدا" مناطق نفوذ عون ، تحطيم وتكسير لمكاتب وممتلكات بعض النواب ، ليصل الأمر الى حدّ وضع بعض المتفجرات ، وبنتيجة تسارع الأحداث ، إزداد عون غيظا" من الإعلام ، حيث حمّله المسؤولية الأكبر ، فاتخذ القرار بوضع حدّ لهذا الإعلام ، وبالتالي إسكاته ، فكان التحذير الأول لعون ، أو دعنا نقول التهديد الأول له ، حيث أبلغ وسائل الإعلام بضرورة الإمتثال لتعليماته وأوامره وسياسته ، وتاليا" ممنوع على هذه المؤسسات ذكر إسم رئيس للرئيس المنتخب حديثا" ، وهذا إنسحب أيضا" على كلّ الصفات الأخرى ، من وزراء ورئيس حكومة وحتّى النواب ، بات ممنوعا" على الإعلام وصف النواب عبر إستعمال عبارة نائب ...

 

جريدة الــــــــــديار ، لم تلتزم بتهديدات عون للصحافة والصحافيين ، وقد ترجمت الصحيفة المذكورة رفضها للقرارات الجائرة بإفتتاحية لرئيس تحريرها الأستاذ شارل أيوب حيث توّجه الى عون بالعنوان التالي:

 

" بــــــكل إحــترام ، لــن نــلـتـزم" ، في وقت إمتنعت محطة المؤسسة اللبنانية للإرسال عن بث نشرات الأخبار .

 

العسكر ينتشر ليمنع توزيع جريدة الديار ، وليتمّ توقيف الجريدة ومنعها من الصدور لمدة أسبوع.

 

منذ بدايات الرجل في إطلالاته الإعلامية ، كان شرسا" مع الإعلاميين والوسائل ، كان عدائيا" مع الصحافيين ، ولكنه في الوقت ذاته كان يهوى ، لا بل يعشق الظهور الإعلامي .

 

ولعلّ التاريخ يعيد نفسه ، وتحديدا" مع جريدة لوريون لو جور ، حيث أنّ رئيس تحريرها عيسى غريّب أسدى النصح لميشال عون بالتروي في مسألة مجابهة ومواجهة وسائل الإعلام ، وبالتالي طالبه بضرورة التعاطي مع الملف الإعلامي بشيء من المرونة ، ليعود بع ثمانية عشر عاما" ميشال عون ليطالب بإحالة الجريدة عينها على المحاكمة ، ولكن لماذا ؟ لأنّ الصحيفة وقفت الى جانب المؤسسة العسكرية ضدّ مَنْ إعتدى على الجيش ، في وقت من المفترض ومنطقي أن يقف أيضا" هذا الضابط المتقاعد ، لا بل قائد الجيش السابق الى جانب الجيش أيّا" كانت الظروف والمعطيات وحيثيات القضية ، ولكن للأسف عون العائد من باريس هو غير عون الرابية .

 

وإذا ما إسترجعنا تاريخ علاقة عون بالصحافة اللبنانية ، لوجدنا أنّ هذا الرجل هو الأكثر إفادة ، والأكثر إستثمار للإعلام وتسخيره لإعلان مواقفه ، ولكن في الوقت عينه لاكتشفنا أيضا" أنه الأكثر تهجما" والأكثر إهانة" والأكثر تجريحا" بالصحافيين ، ولعلّ أرشيف مقابلاته وطلاّته الإعلامية يكشف لنا ذاك الكمّ الهائل من سيل الصراخ والتهويل ، يكشف إنعدام التخاطب اللائق بينه وبين ضيوفه الإعلاميين ، ولعلّ حفلة البهدلة التي أطلقها من مطار بيروت يوم عودته ، كانت كافية للتدليل على النشاط السلبي الزائد للرجل تجاه الإعلاميين .

 

لماذا أصبح معيبا" أن تكون عونيا"؟

(الحـلقة الـحاديـة عشرة )

 

ميشال عون.. من "بيت الشعب"في بعبدا، الى قصر الشعب في الشام.

 

مَنْ يراقب حركية النائب ميشال عون في الآونة الأخيرة ، خاصة مواقفه المعلنة تجاه الجمهورية العربية السورية التي يحكمها نظام حزب البعث العربي الاشتراكي برئاسة نجل الرئيس الأسبق حافظ الأسد السيد بشار الأسد ..

 

ومَنْ واكب عون سنوات طويلة ، ومَن تابع خطواته العسكرية والسياسية منذ أنْ قُدِّر للرجل تسلـّـم مراكز قيادية داخل المؤسسة العسكرية ، يعلم تماما" أنّ مجده الباطل الذي بناه على أكتاف العسكر والضباط والأنصار والمؤيدين والمقتنعين هؤلاء بمعظمهم تمكّن من تحويلهم الى مجرّد قطيع يسوقه كما يحلو له ، وهو لم يخفِ هذه الحقيقة لا بل أقول هذه الواقعية تجاه من صدّقه ووثق بخطابه حتى أمام عارفيه ، وهنا على سبيل المثال لا الحصر وخلال الحصار المفروض من قبل حكومة الهراوي يوم كان الأخير يحكم من المنطقة الغربية ، وبعد التوصل مع عون عبر مفاوضات شارك في جزء منها السيد الياس حبيقة ، وأثناء الطلب من عون تخفيف لهجته تجاه السوريين والحكم المتمثل بالهراوي انطلاقا" من خشية كيفية التبرير للجماهير الرابضة والمخيمة في باحات "بيت الشعب"، كان جواب عون الدائم " لا تخشوا هؤلاء فبكلمة مني يتحولون، فاذا ما قلت شمال قالوا شمال واذا ما قلت يمين مشوا مع اليمين".. وبالفعل هذا ما فعله الرجل منذ عودته الميمونة الى بيروت ، وحتى ما قبل هذه العودة التي توّجها بإيفاد رسول من قبله الى الشام محملا" إيّاه هدية للنظام السوري ، لا ندري حقيقة مضمونها ، ولكن المؤكّد أنه سوّق لهذه الهدية العونية بمسعاه لعقد طاولة مستديرة تضمّ من عدادها السوريين ، هذا هو أسلوب الرجل مع الآخرين ، عندما يريد شيئا" ما، يروّج له قبل فترة على طريقة الترويج الإعلامي ـ الاعلاني والدعائي كأي مُنتج تجاري يرغب مُطلقه أن ينتشر في الأسواق فيبدأ بالحملة الاعلانية بشكل يدفع المستهلك للتدافع لاقتنائه ، وهكذا كان اسلوب عون الدعائي البروباغندي تجاه ناسه ومؤيديه ، لدرجة أن البعض منهم ولكثرة انعدام الرؤيا وانْمساح الفكر وزوال المنطق ، ما عادوا يتمكنون من ترجيح عقلهم ، وأنا أفهم هؤلاء لأنني كنت من عدادهم منعدم التقييم الى أن قضى الله فيّ فأعادني الى صوابي واسترجعت قدرتي على التحكّم في عقلي وفكري وبذلك استرجعت لغة المنطق بعدما فقدتها لسنوات طويلة .

 

واليوم فقط ،علمت وتأكّدت مليا" وجديا" لماذا استقدم عون بعض المرتزقة وجعلهم نوابا" على جمهوره ، واليوم بدأت أفقه معنى إبعاد الصقور في التيار حتى الطرد النهائي ، وإحلال بعض الموظفين الذين تقتصر وظيفتهم على الموافقة والايماء بحني الرأس موافقين على ما يقول..

 

 

وما الدعوة التي وجهها رئيس سوريا السيد بشار الأسد الى النائب عون مشرّعا" أمامه أبواب قصر الشعب السوري ، سوى دلالة على التنسيق المفتوح والفاضح بين عون والنظام السوري منذ عقود من الزمن ، وقد لاقاه أحد رفاق عون الجدد المستقدمين حديثا" الى الأراضي اللبنانية والذين جعل منهم نواب الأمّة بكلام يُشرح القلب " إنّ دعوة سيادة الرئيس بشار الأسد وسام ونيشان على صدر العماد عون ".. ليلاقيه عون بعد يومين من الدعوة الميمونة بكلام لم يخلو من اللياقات التي لطالما لم يتفوه بها الرجل مع اللبنانيين من نواب وسياسيين ومسؤولين ..

 

 

نوابنا "بسينات" ، وشعب 14 آذار "بناديق"، والرئيس الجميّل " ما بيوصل لتحت زنارو"...

 

غريب أمر هذا الزويعم اللبناني الذي عوّد اللبنانيين على قاموسه السياسي المليء بإهانة الآخرين والتجريح بهم والتطاول على المقاماة الروحية منها والسياسية ، بينما نجده في التخاطب الاقليمي

 

وتحديدا" مع السوري شخص يمتاز بالهدوء والسلاسة والمفردات الطيبة كما فعل بردّه على دعوة الرئيس الأسد ، وعندها فقط ، في لحظة التناغم والغنج المطلق بيه وبين الأسد ، إستعدتُ مشهد جنودنا يسقطون أمام الاجتياح السوري في 13 تشرين الأول ، وكم كان الأجدى به لو أنه ربط زيارته الى الشام باستعادة المعتقلين والمخطوفين في السجون السورية..

 

وفي قراءة سريعة لمنهجية عون القديمة ـ الجديدة في تعاطيه مع السوريين ، يتبدّى لنا بأنّ الرجل خطط للمرحلة الحالية منذ سنوات طويلة ، وهو أعدّ لخطة العودة معهم عبر سماسرة لبنانيين ..

 

والقراءة الموضوعية لهذه المنهجية المبرمجة تدفعنا الى إعادة النظر في أهم المحطات التأسيسية لحالة عون الشعبية ، والتي قامت على إعتماد المحاور التالية :

 

المحور الأول : إستغلاله لمنصبه العسكري وإستثمار البذة العسكرية

 

المحور الثاني : التصويب على تجاوزات للميليشيات

 

المحور الثالث : العداء الظاهر لسوريا والتخطيط الباطني معها .

 

بالنسبة لاستغلال منصبه العسكري ، لا بدّ من التأشير في هذا المجال الى أنّ ميشال عون من أكثر قادة الجيش اللبناني الذين استغلوا مناصبهم العسكرية ، وهو الأكثر استثمارا" لهذه المناصب لدرجة يمكننا القول أنه حوّل المؤسسة العسكرية لخدمته الشخصية ولتحقيق مآربه الآنية ، واذا ما طرحنا السؤال ، كيف كان له ذلك ؟ الاجابة واضحة عندما نقترب أكثر فأكثر من الحالات الشاذة داخل المؤسسة العسكرية بحيث أن ضباطا" وأفراد كان ولاؤهم لشخص ميشال عون وليس لقيادة الجيش ، وهذه الواقعية تجلّت في العديد من المحطات التي إستغلها عون لإظهار حكرية عون للمؤسسة العسكرية وكأنها تابعة له ، وهنا نتوقف عند الكلام الذي أعلنه عون خلال حرب نهر البارد ، حيث انبرى منزعجا" من سقوط شهداء من صفوف 14 آذار ليطلّ قائلا" أنه ليس فقط لهذه القوى شهداء " فأنا يسقط لي كلّ يوم عشرة شهداء في نهر البارد "..

 

وهذا الكلام إن دلّ على شيء ، فهو يدلّ على أن عون لا يزال يعتبر المؤسسة العسكرية تابعة لإمرته، أو على الأقل دعنا نقول أنه لا يزال حتى الساعة يعتبرها من عِـداد الموالين له ، وهو يتصرّف على هذا الأساس وبالتالي يسمح لنفسه أن يسخّر هذه الطاقة خدمة لمصالحه ..

 

والواضح حتى الساعة أن مشروع الرجل لم يتبدّل قيد انملة تجاه تأمين المصالح المزدوجة ، أي مصلحة عون السورية ، ومصلحة سوريا العونية .. هذه هي المعادلة التي انتهجها الرجل منذ سنوات طويلة ، والتي لم نفهم معناها الاّ متأخرين وبعدما تمادى الرجل في تطبيقها والتي يستمر في دفعها باتجاه تحقيق هذا الازدواج في المصالح ، وهو تبعا" لذلك تلّقف دعوة الأسد برحابة صدر وانشراح، وهو تبعا" لذلك سبق له أن أعاد تموضعه مع المجموعات الموالية لسوريا منذ ما قبل عودته من فرنسا التي كانت محطة للعديد من الرموز السورية ، كما وللعديد من المسؤولين السياسيين والعسكريين السوريين .. حقيقة الرجل أنه الحالة السورية في لبنان بامتياز ، والحقيقة أنه وبالتنسيق مع النظام السوري ركّب لكل الحروب والمواقف العدائية في الظاهر فقط من أجل إنجاح المخطط والهادف في نهايته الى استنهاض المسيحيين وجذبهم الى عون مع ما ترافق ذلك من شحن ضدّ القيادات المسيحية الأخرى وعلى رأسها القوات اللبنانية التي تحوّل عون معها من مدرّب في صفوفها الى إعلانه حربا" لإلغائها ، وهذا التدرّج كان مدروسا" ومنسّقا" ومخططا" له مع السوريين منذ سنوات طويلة والتي تخللها زيارتين لعون الى الشام حيث بدأت عملية إستدراجه ودغدغة جموحه الرامي للقبض على السلطة ، من هنا نكتشف العلاقة الوطيدة بينه وبين السوريين والتي يتوجونها اليوم باصطفاف المجموعات السورية في لبنان الى جانب عون وبشكل مطلق ، ولعلّ السيد وئام الوهّاب والسيد ناصر القنديل عبّـرا ويعبران عن هذه المشهدية السوريالية في الدعم المطلق

 

الذي يتلقاه عون من السوريين ، والتدرّج المتبع بدأ من أسفل الهرم صعودا" الى أعلاه.. وأعني بذلك أن كشف المستور بين عون والسوريين بدأ يظهر على العلن منذ الرحلات المكوكية للحود الإبن ومعه بقرادوني ومن ثمّ تتالت الزيارات لبعض المحسوبين على سوريا ..

 

ومن ثمّ بدأت المواقف السورية بالتصاعد بداية مع ما قالته الوزيرة بثينة شعبان بتاريخ 21/8/2007

 

" النائب ميشال عون قاتل من أجل الاستقلال ، ووحدة الرؤية معه طبيعية "

 

مرورا" بكلام الوزير وليد المعلّم الذي ذكر اسم عون والرابية أحد عشر مرة في مؤتمره الصحافي ، والتتويج الكبير كانت مع الدعوة التي وجهها رئيس سوريا السيد الأسد لعون وتحديدا" لاستقباله في قصر الشعب ، وهو تعمّد للدعوة أن تكون في قصر الشعب ، كونه أراد بها تذكير اللبنانيين بأن عون أطلق حالته السياسية من القصر الجمهوري في بعبدا والذي حوّل اسمه عون الى قصر الشعب ومن ثمّ الى بيت الشعب ، لذا جاءت الدعوة من حيث الشكل الى عون لممارسة المزيد من الدغدغة السورية للجموح اللا متناهي عند الرجل في قبضه على السلطة ، لذا نرى شهر العسل الطويل بين عون والسوريين بحيث أن كلّ طرف يؤمّن مصلحته انطلاقا" من التواصل بينهما وصولا" الى إحداث مزيد من التخريب على مستوى الجمهورية اللبنانية التي لا يريدها عون أن تستمر لا بل لا ضرر عنده في إلغائها طالما أنه ليس هو الرئيس على هذه الجمهورية ، وبالمقابل فإنّ السوري يستغل ويستعمل عون الى أقصى الحدود تماما" كما العلكة التي يعلكها الانسان وعندما ينتهي مفعول السكّر فيها يرميها ، الطرفين يستعملان بعضهما البعض .. عون يستقوي بالسوري ، ولكنه يستقوي به على اللبنانيين ، والسوري يتحجج بعون لإحداث المزيد من التراجع على مستوى الاستقرار الداخلي ، وهكذا تدور اللعبة بين المحورين انطلاقا" من أن كل فريق يؤمّن مصلحته ، وبأن كل فريق يجد ضالته بالآخر ، واذا كان السوري صاحب الأطماع التاريخية في لبنان ، والذي لم يعترف يوما" بالكيان اللبناني ، يسعى جاهدا" لضرب لبنان والحاق الأذى والقدر الأكبر بالخسائر كون كلما كان لبنان ضعيفا" ، وكلما كان لبنان مسرحا" للصراعات الداخلية فيه ، وكلما كان لبنان أتون نار ، وكلما كان لبنان ساحة لتصفية الحسابات ، وكلما كان لبنان مشتت ومنقسم على ذاته ... كلّما أمّنت سوريا لنفسها المزيد من الربح السياسي على مستوى المنطقة والربح الاقتصادي على مستوى التجارة والربح السياحي على مستوى طرد السواح العرب منهم والغربيين...

 

إنها لعبة القطّـة والفأر يمارسها السوري مع لبنان حتى إنهاكه ، ومن هنا نعلم لماذا يدعم ميليشيا هي حزب الله ويمدّها بالسلاح على حساب استقرار لبنان ، والاّ لا شيء يبرر عدم قيام مقاومة في الجولان ، ولكن كيف تقوم مثل هذه المقاومة والمفاوضات السورية ـ الاسرائيلية كانت جارية على قدم وساق خلال حرب تموز 2006 ؟

 

والواضح أن مهووس القصور تمادى كثيرا" في لعبته ، وتمادى كثيرا" في تغليب مصلحته وأنانيته على مصلحة لبنان ، كما الواضح أيضا" أن تخطيه لسقف اللبننة وصولا" الى سورنة حالته الشعبوية حتى وإن بدأ نجمها بالأُفول شيئا" فشيئا" ، الاّ أنّ التمادي المُفرط في إساءة إستعمال ما آلَ اليه عبر الغش والخداع وصولا" الى النتائج التي حصل عليها في انتخابات العام 2005 ، سوف يؤدي مستقبلا" ان لم نستدرك هذا الخطر السرطاني الى ضرب ما تبقى من بوادر حلّ للأزمة التي يسعى كل من عون وسوريا وحزب الله الى تمديد أمـَـدها الى أجل غير مسمىّ..

 

فالسوري من مصلحته استمرار الوضع على ما هو عليه ربحا" لمزيد من الوقت الذي يعتقد ولو خاطئا" أنه في المستقبل سيكون لمصلحته انطلاقا" من التعويل على تبدّل في الموقف الآميريكي مع تبدّل الادارة الاميركية وهذا ما تسعى اليه ايران أيضا"..

 

حزب الله حتما" سيسعى في هذا الاتجاه تقاطعا" مع المصلحتين السورية والايرانية طالما أن هذه المعادلة تؤمّن له استمرار سلاحه في الداخل ، خاصة بعدما سقطت مقولة أن هذا الحزب لم يوّجه

 

ابدا" سلاحه الى الداخل اللبناني ، وتحديدا" بعدما شرّع عون لهذه الميليشيا وجودها والحق بتوجيه السلاح الى الداخل عندما قال "اذا انحشر السيد حسن حق له أن يستعمل السلاح في الداخل"..

 

وأخيرا" بالنسبة لميشال عون الذي لا همّ عنده اذا ما بقيت جمهورية أم لم تبقَ ، وهو أزّف أمام مناصريه سرا" بأنه سيخرب لبنان ان لم يصل الى الرئاسة الأولى ، وبالفعل يفعل ما وعد به ، طبعا" ليس بعضلاته انما بسلاح حزب الله والمجموعات السورية في لبنان وبدعم مطلق من السوريين ومن دون حدود ، خاصة وأن النظام السوري أفهم كلّ عملائه اللبنانيين أن رجلهم الأول اليوم في لبنان هو ميشال عون ، لذا المطلوب منهم جميعا" دعمه بالمطلق ، فمَـن غيره استطاع الاستحصال على شرف دعوة رئيس سوريا السيد بشار الأسد الى قصر الشعب؟

 

وهذا الشرف الكبير لم يحصل عليه أي من عملاء سوريا التقليديين لعقود من الزمن ، وحده الزويعم ميشال عون نال شرف الدعوة وعلى لسان الأسد شخصيا" ، بعدما كان يتناوله صغار النظام السوري ومن قبلهم عملاؤه في لبنان ، اليوم تدرّج عون في المدرسة السورية ليتخرّج قريبا" من قصر الشعب في سوريا ، إنها لعنة القدر أن يقف جنرال بلباس مرّقط ويقول للعالم :

 

" بـعـد فـي رأس واحــد بـدْنـا نكـسّـرو هـوي راس حافظ الأسـد " فكان زنّار النار والبارود والضحايا والشهداء والمهجرين والمهاجرين والمخطوفين في سوريا..

 

اليوم أصبحت زيارة عون الى سوريا عزيزة على قلبه وهو ينتظرها بأحرّ من الجمر ..

 

وهكذا انكشف المستور ، وحده قصر الشعب السوري أظهر أن بيت الشعب في بعبدا لم يكن في يوم من الأيام بيتا" لبنانيا" مع عون بل كان وقودا" أشعل من خلاله نيران حروبه .. تلك الحروب التي أرجع فيها لبنان وحدّ من خلالها تقدمه وديمومته واستقراره ..

 

إنها لعبة القصور والتي لم تنتهِ فصولها بعد ، ولن تنتهي قبل أن نضع حدّا" لهذا الجنون المُفرط في جرّ لبنان الى الهاوية والى مزيد من الهجرة الى بلاد الله الواسعة..

 

والى اللقاء القريب مع الجنرال الذي تخرّج من بيت الشعب في بعبدا الى الزويعم الحالم دائما" أبدا" بزيارة قصر الشعب في الشام ..