وثيقة الطروحات العونية: بكائية مسيحية جديدة

بقلم/بيار عطاالله

 

افضل توصيف لوثيقة "الطروحات المسيحية اللبنانية" التي اعلنها النائب ميشال عون انها ترداد للبكائيات المسيحية منذ بداية الازمة العام 1975 وحتى تاريخه. فالوثيقة التي احيطت باحتفالية كبيرة احتملت ايجابيات، كما سلبيات عدة شأن اي وثيقة او طرح، لكن طبيعة تقديم هذه الوثيقة وظروف تشكلها وتقديمها الى الرأي العام خلال مرحلة التوافق على انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية يطرح اكثر من علامة استفهام حولها، وما اذا كانت على سبيل المزايدة على العماد ميشال سليمان قبل ان يصبح رئيسا ام انها خريطة طريق للرئيس الماروني الآتي وسط بحر الازمات لاستعادة المسيحيين الى الدولة التي اخرجهم منها زمن الوصاية السورية والحقد والتنافس والضغينة بين الزعامات المسيحية.

 

لا تقدم الوثيقة جديدا وهي بمعنى ما امتداد لسلسلة الطروحات المسيحية التي توالى صدورها عن الاحزاب والتيارات والجبهات تباعا خلال سني الازمة الطويلة، وجملة النقاط الواردة هي مطالب عموم المسيحيين في الحرية والعيش بكرامة والتشديد على دورهم في حاضر لبنان ومستقبلهم، لا اهل ذمة كما هي حال من تبقى من المسيحيين في العالم العربي والاسلامي. ومن الواضح ان من كتب هذه الوثيقة قد استعان جيدا على نصها بمنشورات مقررات خلوة الجبهة اللبنانية في سيدة البير، واطروحات التعددية التي كتب فيها طويلا الاستاذ انطوان نجم ووليد فارس وغيرهم، وقد سبقت القوات اللبنانية التيار العوني منذ سنين طويلة عندما اعلنت شعارا لها "اما وجود بكل ما للكلمة من معنى او صراع الى ما لا نهاية"، او جملة الدكتور سمير جعجع الشهيرة :"نرفض العيش كائنات بيولوجية" وهذا الكلام يتقاطع مع البند 1 من الوثيقة العونية والذي يشير الى "الدور الفاعل الذي يثبت الوجود ويحافظ عليه وان الوجود للوجود فقط هو طريق الزوال".

 

لكن ما لا يفهم في هذا البند هو الخلاصة التي تنص على "الدعوة الصادقة الى قراءة متأنية لوثيقة التفاهم بين التيار الوطني الحر و"حزب الله"، وما الرابط بين الدور الفاعل والوجود الحر ووثيقة التفاهم (وهذا بحث اخر)، لكن السؤال الى العونيين والذي يرفضون الاجابة عنه صراحة بل مواربة، هو عن المردود الايجابي لهذه الوثيقة على لبنان ؟ وكل ما يستطيع العونيون الرد به هي ان الوثيقة هي تحالف شيعي- مسيحي في مواجهة السنة والدروز، لكن العونيين يرفضون الاعتراف بحقيقة لا لبس فيها ان وثيقة التفاهم ادخلت لبنان في دوامة الصراعات الاقليمية والمحاور المذهبية المتصارعة وزجت بمجموعة اساسية منهم ممثلة بجمهور التيار العوني ومن ناصره من المسيحيين في حمأة صراع لا يعنيهم من قريب او بعيد.

 

والحديث عن الدور الفاعل والوجود يقود الى طرح جملة اسئلة عن مدى التكافؤ في هذه الوثيقة بين العونيين و"حزب الله"، ولماذا لم تنجح هذه الورقة في اعادة المهجرين الى حارة حريك والمريجة والضاحية الجنوبية وتحرير عدد من المعتقلين في السجون السورية وهل كانت قيادة التيار على معرفة بحرب تموز قبل اندلاعها. وكي لا نندفع في الكلام عن ورقة التفاهم وما لها وعليها تقتضي الحكمة في معد الوثيقة ان لا يعتبر اي تحالف بين اقليتين في لبنان انموذجا يعتد به، لأن اي عقد اجتماعي بين الجماعات اللبنانية يحتاج الى موافقة كل هذه التعددية اللبنانية ورضاها كي يثبت الوجود المسيحي عزيزا بين الجماعات الاخرى.

 

تناول البند الثاني "ازمة المسيحيين وواقعهم الراهن" وعرض باسهاب لما اصاب المسيحيين من تهميش وخصوصا في الخلل الديموغرافي وقوانين الانتخاب الجائرة ومشاركتهم الشكلية في ادارة مؤسسات الدولة. ومن المفارقات الكبيرة ان المسؤولين عن كل هذا التهميش المسيحي كانوا في غالبيتهم جلوسا في الصف الاول لدى تلاوة الوثيقة وبعضهم مهر توقيعه على ملف التجنيس وقوانين الانتخابات المعلبة. ويغفل واضع الوثيقة او يتغافل عن دور الوصاية السورية في هذا التهميش ويمر عليها عرضا، لقد كان من الاولى بمعدي الوثيقة ان يعملوا على فضح حقيقة الدور السوري في ضرب الحضور المسيحي وتفريغه من مقوماته الاساسية لا الايحاء او القاء التهم مباشرة على المسلمين بأنهم مسؤولين عن هذا التهميش، خصوصا ان الاعلان العوني ورد تحت شعار وثيقة الطروحات المسيحية، والتي يفترض ان تتناول كل مسببات محنة المسيحيين (...).

 

في البند الثالث كلام عن "قواعد الديموقراطية واصولها في الوسط المسيحي" والتي وان انطلقت من فكرة سقوط الفكر الاحادي في العالم اجمع والتي كان على معد الوثيقة ان يعتبر منها لتعميم التشاور والقبول بحق الاختلاف داخل المجتمع المسيحي، لا القفز الى ركيزة اولى ترى ان للاكثرية حق القيادة السياسية، بما معناه ان على جميع المسيحيين الانصياع لقيادة النائب ميشال عون والقبول بقيادته، علما ان مسألة القرار وخصوصا على مستوى الجماعات الاقلوية لم تحسم لا في علم السياسة ولا على مستوى الممارسة، فمن الذي يضمن عدم تراجع شعبية هذه القيادة المنتخبة في اي مكان او زمان وخصوصا على مستوى الرأي العام المسيحي اللبناني المتحرك دائما في خياراته، حيث اظهرت نتائج انتخابات المتن تعادلا بين اطراف الساحة المسيحية يستحيل معه الحسم بمرجعية هذا الطرف او ذاك (...).

تشير الفقرة الرابعة الى "قواعد الديموقراطية واصولها في التركيبة اللبنانية" ويعيد كاتب الوثيقة تكرارا التركيز على الديموقراطية المركبة التوافقية، ولا يفوت النص الاشارة الى الحال في الدول التعددية كسويسرا وبلجيكا وسواها. لكن هذه العناوين لا تعالج ملف التعددية بالجدية والعمق اللذين يشير اليهما اسم الوثيقة، وفي مسألة التعددية التي تطمح اليها غالبية المسيحيين والاقليات في لبنان. ويستشف من هذه الفقرة الصغيرة انها تهدف الى تحقيق هدف واحد الا وهو تبرير ترشيح العماد ميشال عون الى رئاسة الجمهورية والرد على رفض الغالبية القبول به رئيسا. 

 

لكن ما هو اسوأ من خفة الوثيقة في التعاطي مع موضوع التعددية، هو رد فعل قوى 14 اذار الساذج، والتي سارت الى اعتبار هذا الطرح مآخذ او تهمة تستوجب الادانة من خلال وصف الوثيقة بأنها طرح فيديرالي، وفي ذلك انتقاص من الطرح الفيديرالي او الاتحادي او اللامركزي او التعددي الذي تجري مناقشته لدى قاعدة واسعة من شرائح المجتمع اللبناني مسلمين مسيحيين ودروزاً وشيعة. وفي هذا دلالة عميقة على تسرع قوى 14 اذار، وابتعادها عن القراءة المتأنية للاحداث والطروحات اللبنانية، مضافة الى سطحية واضع الوثيقة في معالجته للتعددية اللبنانية.

تعالج الوثيقة في البنود 5 و 6 مسائل المجتمع والاقتصاد وبناء الدولة في حضور المسؤولين عن الافساد وهدر اموال الدولة والاطاحة بحكم القانون بمساندة الوصاية السورية. لكن السطحية في معالجة هذه النقاط تبلغ ذروتها في الفقرة الثانية من المادة 6 بالتأكيد على "رفض المسيحيين كل مقولات الامن الذاتي الذي يحمل في طياته سمات التقسيم والتفتيت" ويتناسى واضع الوثيقة آلاف المقالات والتصريحات الصادرة عن العماد ميشال عون قبل التوقيع على وثيقة التفاهم مع "حزب الله"، والتي كان يتمسك فيها بلا شرعية سلاح الحزب. أليس العماد عون هو القائل: "لا يمكن لدولة صغيرة أن تعيش في الدولة الكبيرة، وتسليم السّلاح الى الدولة واجب على حزب الله"؟.

 

واستطرادا فإن النقاش حول اولوية الامن على الديموقراطية يحتل حيزا واسعا من الحوار حول الديموقراطية وحقوق الانسان والتنمية وتاليا الانماء وتقدم اي مجتمع، لكن الاكيد ان بناء الدولة اللبنانية لن يستقيم في موازاة مشروع الامن الذاتي والدفاع الذاتي والمؤسسات الرديفة التي يعمل "حزب الله" على بنائها. وعلى واضع هذه الفقرة ان يعيد التفكير مليا في تجربة الثورة الفلسطينية في لبنان والنتائج المدمرة التي ادى اليها ازدواج السلطة والسلاح بين الثورة والدولة وما ادى اليه من نتائج كارثية (...).

 

يعرض البند 7 للاخطار المحدقة بالمسيحيين ويراها في التوطين وخطره على المعادلة الديموغرافية الدقيقة، وخطر الفائض المالي الذي يستعمل في شراء الاراضي وتبديل هويتها. واذ يغفل واضع الوثيقة عن الخلوص الى نتائج لكيفية التعامل مع هذين الخطرين الحقيقيين، الا ان مجرد ذكرهما كان يفرض تحديد المسؤوليات عن هذا الوضع، وفي ملف اللاجئين الفلسطينيين كان يفترض ان تقدم الوثيقة رؤية لكيفية التعامل معها. والعماد ميشال عون سبق له ان تقدم بافكار عدة للتعامل مع هذا الموضوع. اما في مسألة بيع الاراضي فقد كان يفترض ان يعالج هذا الملف مع حليف التيار العوني اولا والمقصود "حزب الله"، لوضع حد لشراء الاراضي في جبيل والجنوب والبقاع.

 

15 كانون الأول 2007