ماذا يجري في جبيل ؟

تقرير من اعداد/حماة الارز

 

خط انتشار شيعي من حدث بعلبك بوداي الى عمشيت.

الوف المسلحين وكميات ضخمة من الاسلحة اعدها "حزب الله" لأجتياح المنطقة المسيحية.

المطران الماروني نبيل عنداري لا يعرف ما يجري و الحزب سيطر على املاكه.

التعبئة الاجتماعية في "حزب الله" تنفذ مخطط الاستيطان الشيعي في جبيل.

علي الهاشم شقيق النائب عباس الهاشم يشتري الاراضي في اللقلوق واهمج ومحيطها بأموال "جهاد البناء" الايرانية.

النواب المسيحيون العونيون في جبيل وكسروان غائبون عن الوعي.

الحي الشيعي في عمشيت اكبر من بلدة عمشيت.

"حزب الله" قسم جبل لبنان الى منطقتين بقوة السلاح والديموغرافيا وغباء المسيحيين.

 

تبدو الطبيعة الرائعة في جرود بلاد جبيل هادئة تماما ولا شيء يعكر سكونها ورهبة وديانها الساحقة، والسكان الصامدون هناك في فصل الشتاء لا يتجاوز عددهم بضع مئات من اصل عشرات الالوف من المواطنين الذين ينزلون الى الساحل بعيدا عن الثلوج والزمهرير شتاء. لكن الاحوال ليست تماما على هذه الصورة من الطمأنينة والسكون والاخبار والاشاعات تسري مثل النار في الهشيم عن تبدل الاحوال في الجرود، وسماسرة العقارات الباحثون عن العقارات لشرائها يثيرون قلق الاهالي ومشاعرهم، خصوصا ان اخبار مشاريع التغيير الديموغرافي تملأ وسائل الاعلام وتحتل حيزا واسعا من النقاش الملتهب بين مكونات المجتمع اللبناني.

 

وللاطلاع على المشكلة لا بد من تحديد الجرود التي اثيرت التساؤلات عنها والتي تتصل شرقا بحدود محافظة البقاع، وقضاء بشري شمالا وجرد كسروان جنوبا. وتضم مساحات واسعة في خراج بلدة العاقورة الجبلية تمتد الى قناة الري في بلدة اليمونة البقاعية، بلدة المطران شكرالله حرب والتي كانت بلدة مسيحية ولا تزال كنيسة السيدة قائمة فيها حتى يومنا هذا. هذه الاراضي كانت مشاعات لقضاء جبيل وكانت دائما عرضة لتعديات الرعيان الاتين من البقاع والشمال مع قطعانهم، وهكذا تولى اهالي العاقورة قديما مسؤولية رد الاعتداء عن هذه البقعة، وكانوا يطلبون المال لقاء الحماية التي يوفرونها للجرد الشاسع الذي تبلغ مساحته 150 مليون مترا مربعا. ولاحقا وبعد قيام الدولة اللبنانية بتنظيم ادارتها بادرت وزارة الزراعة وبلدية العاقورة الى تضمين مراعي الجرد بمبلغ 75 مليونا في السنة. وكان الذين يستثمرون هذا الجرد يعمدون بدورهم الى تضمينه لرعيان قطعان المواشي الكبيرة التي كانت تسرح في الجرد خلال فصل الصيف. لكن هذا الوضع تغير مع اندلاع القتال في لبنان العام 1975 بين المنظمات الفلسطينية وحلفائها من جهة واحزاب "الجبهة اللبنانية"، فكان ان اندفعت الفصائل الفلسطينية المسلحة من ناحية اليمونة، وارتسمت خطوط تماس بين الجانبين وتمركز لواء اليرموك التابع لجيش التحرير الفلسطيني على جبهة العاقورة ، واستمرت هذه الجبهة قائمة بين اهالي المنطقة و "القوات اللبنانية" ولاحقا الجيش اللبناني ومن ناحية اخرى التنظيمات الفلسطينية المسلحة التي اخلت مكانها لقوات الجيش السوري الذي حول المنطقة الى خطوط دفاع عسكرية ضخمة واستمر في احتلاله للمنطقة الى حين انسحابه العام 2005.

 

بعد استتباب الامور عادت بلدية العاقورة ووزارة الزراعة الى استثمار الجرد ولكن مع تعديلات كبيرة، فقد اقتطع اهالي اليمونة مساحات واسعة من الجرد ومنعوا البلدية من الافادة منها لأسباب عدة، فكان ان تطور الخلاف وانتهى بتدخل الجيش بين الطرفين ورسم خطا فاصلا اصبح ثابتا مع مرور الايام رغم ان الامور واضحة قانونيا.

 

المحور الثاني في جرود جبيل هو خط بوداي المنيطرة افقا- لاسا والذي وصلت اليه الحرب عام 1975 لكنها توقفت بسبب العلاقات الاجتماعية بين الاهالي، وعدم تسلل التنظيمات الفلسطينية المسلحة الى تلك الناحية بكثافة. واقتصر الامر على انتشار بعض الفصائل اليسارية والاسلامية في بلدة آفقا التي ينتمي معظم ابنائها الى آل زعيتر احد اكبر عشيرتين شيعيتين في البقاع (الثانية عشيرة آل شمص). وفي حين انسحب محازبو الاحزاب اليسارية من المنطقة الى خارجها، التحق شباب من القرى باحزاب "الجبهة اللبنانية" مثل الكتائب والاحرار، وكان واضحا ان هناك تفاهما ضمنيا على عدم قيام اي من الفريقين المتنازعين بأي استفزاز او محاولة لتوريط المنطقة الجبيلية الجردية في صراعات غير مفيدة، وكان للاحزاب التاريخية مثل الكتلة الوطنية وعميدها ريمون اده والكتلة الدستورية دور في منع انفلات الامور ووأد الفتنة. واستمرت الامور على ما هي عليه طيلة سني الحرب وما اعقبها، الى عام 1990 عندما انهارت المناطق الشرقية واحزابها وعاد من غادر القرى الجبيلية الشيعية اليها لتبدأ المشاكل اعتبارا من عام 1994 .

 

لاسا وآفقا والقصة المكررة

المفارقة ان 80 في المئة من اراضي آفقا والجرود المحيطة بها هي اراضي تابعة لبطريركية المارونية، والمثير في الامر ان وكيل البطريركية في المنطقة والمسؤول عن اراضي الوقف هو من آل زعيتر من آفقا ويدعى قزحيا موسى زعيتر، ويقال انه اطلق على احد ابنائه اسم مارون. لكن ما يدعو الى القلق ان اراضي افقا وجردها الشاسع جدا الذي تملك البطريركية المارونية غالبيته، هو من الاراضي غير الممسوحة وفي هذه الحال فأن مختار البلدة هو بمثابة قاض سجل عقاري. ويقال ان هذه الوضعية اضافة الى الفوضى الكبيرة التي حدثت اثناء الحرب ادت الى سيطرة الاهالي على مساحات واسعة من اراضي بكركي استنادا الى شهادات العلم والخبر العقارية التي وقعها المختار. واذا اضيفت الى هذه العوامل لا مبالاة الصرح البطريركي ووقف مار عبدا الماروني تحديدا الذي يملك هذه الاراضي فيمكن ان يتصور المرء حجم العقارات التي جرى وضع اليد عليها من غير وجه حق.

 

وتنسحب هذه المشكلة ايضا على بلدة لاسا المجاورة لبلدة آفقا والتي تبلغ مساحة خراجها حوالى ثلاثة ملايين متر مربع، منها مليوني متر مربع ملك كرسي مطرانية عرمون (المطران نبيل عنداري) ومليون متر مربع لأهالي البلدة الذين يتوزعون بين 90 في المئة شيعة و 10 في المئة مسيحيين من عائلات سيف الدين والحسيني وعبيد والشامي. ويروي المعمرون في المنطقة ان الكنيسة المارونية اشترت منطقة لاسا بكاملها عام 1863 ووقدمت الاراضي الى الفلاحين للافادة من تلك الناحية ذات الاراضي الخصبة والينابيع الوفيرة، وبنيت كرسي مطرانية مارونية في تلك الانحاء لا تزال اثارها قائمة حتى اليوم. اما كيف وصل مليون متر مربع من الاراضي الى الاهالي فلذلك قصة تروى، ذلك ان البطريركية قامت خلال الاحداث بضمان عقاراتها الشاسعة الى المرحوم الدكتور فؤاد الشمالي الذي استثمرها زراعيا، ولكن وفي موازاة ذلك ولسبب ان تلك العقارات الشاسعة غير ممسوحة ومسجلة في السجل العقاري، فقد قام الاهالي بوضع اليد على ما استطاعوا من عقارات خصوصا آل المقداد الذين يسكنون لاسا وهكذا انتقل حوالى مليون متر مربع من ملكية الكنيسة المارونية الى الاهالي من غير وجه حق. وكنتيجة لهذا الوضع غير الطبيعي فوجئت الكنيسة عام 2001 بالشيخ عيتاوي يدخل الى كنيسة السيدة الاثرية في لاسا والتي جرى بنائها عام 1963، معلنا ان هذه الكنيسة متنازع عليها عقاريا وهي مصلى لآل حمادة الذين كانوا يسكنون المنطقة منذ مئات السنين وانه يريد اعادتها الى آل حمادة. واما هذا الوضع عقدت اجتماعات عدة بين رئيس البلدية محمد المقداد والمطران نبيل عنداري والنائب السابق فارس سعيد واهالي البلدة من المسيحيين والمسلمين وتدخل "حزب الله"، وتم الاتفاق على سحب المشايخ من الكنيسة القديمة وحلت المشكلة مؤقتا علما ان المسيحيين طالبوا المطرانية بوضع صليب على الكنيسة لحسم هويتها لكن شيئا من ذلك لم يحصل كما لم يحصل اي شيء بالنسبة الى السيطرة على الاراضي وتسجيلها بأسم الاهالي من غير وجه حق .

 

بوداي عمشيت

لكن المشكلة في جرود العاقورة ولاسا وافقا لا تنتهي بالسيطرة على عقارات البطريركية، بل تمتد نزولا في اتجاه البحر المتوسط، ذلك انه ورغم وجود شبكة طرق محترمة ومعترف بها تربط كل انحاء المنطقة من الجرد نزولا الى الساحل، وتضم طرقا معبدة وواسعة مثل طريق عنايا - مار شربل. الا ان الاهالي فوجئوا عام 1994 وفي عز الهيمنة السورية ورغم ان الامور كانت هادئة بين السكان ولا يعكر صفوها اي حزازات ومناكفات، بالحكومة اللبنانية تقرر فجأة استملاك الاراضي ما بين بلدة بوداي البقاعية وبلدة آفقا في جرود جبيل. وانطلقت الجرافات لشق الطريق عام 1995 ، تحت عنوان ربط المناطق اللبنانية وتسهيل امور المواطنين الحياتية، علما ان المسافة من جبيل الى افقا هي اقصر بكثير منها بين افقا وبوداي وحدث بعلبك. لكن الكلام اخذ ينتشر بين الاهالي عن عنوان اخر هو ربط البقاع الشيعي بمنطقة جبيل الشيعية.

 

كبرت علامات الاستفهام عن المغزى من شق هذا الطريق وبهذه السرعة، وازدادت التساؤلات حدة مع الشروع في ربط الطريق الجديد بأخرى جديدة تمر عبر قرية لاسا الشيعية وتنحدر منها عبر طبيعة وعرة جدا الى قرية شيعية عند ضفاف نهر ابراهيم تدعى قرقريا، وتمر هذه الطريق ايضا في عقارات تملكها البطريركية المارونية، وجرى تنفيذ هذا المشروع غيلة وبسرعة فائقة خلال ايام حكومة الرئيس نجيب ميقاتي. ويروي العارفون ان النائب حسين الحاج حسن كان يتابع موضوع شق الطريق التي تربط افقا ولاسا بقرقريا لأن كل عائلات البلدة الاخيرة هم من آل الحاج حسن. ولا تنتهي قصة الطريق الاستراتيجي في قرقريا بل تعبر نهر ابراهيم الى قرية تدعى فراط يسكنها آل علام وهي متصلة ببلدة اسمها علمات يسكنها الى عواد وحيدر احمد ، والتي تتصل بدورها بقرية مشان الشيعية التي تتصل بدورها بطورزيا وراس اسطا (الواقعة على طريق عنايا - مار شربل) وتتصل ايضا ببلدتي بستليدا وفدار ومنهما الى كفرسالا (الحي الشيعي في عمشيت).

 

ويروي العارفون ان وخلال العام 1993 جرى تلزيم دراسة وادي نهر ابراهيم المصنف على لائحة التراث العالمي كأحد المواقع الطبيعية الرائعة الجمال في لبنان والشرق الاوسط والعالم، والذي يفترض منع البناء فيه. وجاءت نتيجة التصنيف متناسقة مع مشروع الطريق، حيث سمح للقرى الشيعية بالبناء واستخدام عقاراتها لهدف السكن في حين لم يسمح للقرى والبلدات المسيحية بذلك وفرضت عليها شروط قاسية للبناء، وكان المسؤول عن هذه الدراسة السيدة د. ا. من بلدة طورزيا.

الاهالي في جرود جبيل ينظرون بريبة الى ما يدور ويستهجنون هذا الاصرار المتمادي على شق هذا الطريق من لاسا الى قرقريا وفراط، والذي يؤمن التواصل بين القرى الشيعية في بعلبك وجبيل دون حاجة الى المرو في البلدات والقرى المسيحية. وهم يعتبرون ذلك خطوة مرفوضة في بلاد جبيل التي اعتادت التعايش المشترك ولم تشهد ضربة كف طيلة الاحداث. وعلى ذمة الاهالي في جرد جبيل فان هذا الخط استخدم خلال حرب تموز 2006 لنقل التموين الى "حزب الله" ولتأمين تحرك قياداته في شكل سري وبعيدا عن الاعين. ويروي الاهالي ان السبب المباشر لقصف الجسور في المعاملتين وجبيل، كان محاولة اسرائيلية لأغتيال ضباط ايرانيين رفيعي المستوى كانوا يتنقلون بأستمرار على هذا الخط بين سوريا والبقاع وجرود جبيل وصولا الى الضاحية الجنوبية، وان الطيران اصاب موكب الضباط في شكل مباشر ونقلوا الى احد مستشفيات كسروان حيث قامت الاجهزة الامنية بنقلهم على وجه السرعة الى مكان مجهول.

 

ومشاريع شق الطريق لا تتوقف عند حدود قضاء جبيل وتاليا شق المناطق المسيحية تاريخيا في جبل لبنان الى نصفين، بل يمتد الى قضاء كسروان وذلك من خلال الاصرار على شق طريق من بلدة قرقريا الى المربع الشيعي في كسروان والذي يضم بلدات المعيصرة والزعيترة وغيرها وصولا الى بلدة يحشوش التي تضم 85 صوتا شيعيا بين ناخبيها. وهذا ما يتيح الربط ايضا بين بعلبك والعقيبة في كسروان والاشراف على مصب نهر ابرهيم المطلة على الطريق الدولية. واذا اضيفت الى هذه الوقائع المعلومات المتداولة عن توزيع الاسلحة وتخزين كميات ضخمة من السلاح الثقيل والمتوسط والذخائر في جرود جبيل لصالح "حزب الله" لأمكن الحديث عن مشروع متكامل لأسقاط مناطق جبيل وكسروان بالضربة القاضية .

 

والسؤال الكبير الى كل المسيحيين والى البطريركية المارونية هو : لماذا شق هذه الطرق وهل هي للسياحة، علما ان المنطقة تملك شبكة جيدة من امواصلات، ام هي لغرض امني او للوصول الى تغيير ديموغرافي من خلال دفع جماهير الشيعة من البقاع الى جبيل وكسروان .

بيروت في 25 تشرين الأول