جبران تويني وغيفارا التماثل حتى الشهادة

بقلم/بيار عطاالله

 

لم ادرك سر تعلق جبران تويني بصورة تشي غيفارا الا حين استشهاده.  واذا كان غيفارا قد سقط حاملا بندقيته فإن تويني سقط حاملا اوراق جريدته وهم استعادة لبنان الجميل الذي كتبت عنه ناديا تويني.

 

كما غيفارا، ناضل جبران تويني وعلى طريقته من اجل لبنان بكل ما اوتي من قوة وشجاعة وفصاحة وتعرض للاضطهاد والملاحقة. وفي الوقت الذي كان يستطيع فيه بكر غسان تويني ان يعيش حياة مرفهة مسالمة بعيدا عن السياسة واخطارها، فضل حياة النضال والعيش بين الشباب تماما مثل الطبيب الارجنتيني تشي غيفارا الذي انصرف الى ثورته الاممية وترك ترف العيش وجاه السلطة في هافانا. ومثل غيفارا ايضا، الذي لم يفهمه رفاقه وتركوه يخوض القتال وحيدا، هكذا جبران تويني استشهد وفي قلبه غصة من خيانة  بعض من ناضل ونذر نفسه وقلمه وماله ودمه من اجلهم ودافع عنهم حتى الاستشهاد.  

 

جبران تويني ابن الاشرفية الارثوذكسي المتأصل في وجدان اهلها وذاكرتهم، ورفيق بشير الجميل وداني شمعون والشباب على كل الجبهات والمنابر والمواقف. اذكره جيدا عند جبهة ضهر الوحش حيث كان يقود تظاهرة شعبية للمطالبة بفك الحصار الذي فرضه الجيش السوري على المناطق الموالية للعماد ميشال عون. كان الامر مجازفة كبيرة بين خطوط التماس الملتهبة، لكن جبران تجاوز الجماهير ووصل الى خط الجبهة الذي كان مقطوعا بحفرة عميقة لمنع عبور الدبابات المهاجمة عليه، ووسط حقل الالغام وقف جبران بقامته المديدة يلوح بيده لمجموعة من المتظاهرين ظهروا عند خط الجبهة الاخر وهم يرفعون العلم اللبناني وراية الحزب التقدمي الاشتراكي، وهناك القى كلمة ناشد فيها اللبنانيين على المقلب الاخر مساندة اخوانهم المحاصرين ومنع السيطرة السورية على لبنان.

 

اغتيل رئيس "الجبهة اللبنانية" داني شمعون وغادر جبران تويني لبنان الى المنفى وظن البعض ربما ان ثورة جبران قد خمدت. لكنه اعلن من العاصمة الفرنسية عن انطلاق "الجبهة اللبنانية" مرة جديدة، ووجه الرسالة تلو الاخرى بصفته الامين العام معلنا استمرار النضال من اجل "تحرير لبنان وسيادته واستقلاله" والمبادئ التي استشهد داني شمعون من اجلها.ولم يتراجع جبران تويني عما يؤمن به. وعندما عاد الى لبنان اعتقد البعض ان الشعلة الملتهبة في داخله قد خبت، ولكن ما كان هناك ن سبيل الى ذلك.

 

حضن جبران تويني قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية ودعم اهاليهم وتحرك بسلاحي المال والموقف لدعم التحركات المطالبة بالافراج عنهم. وخلال الاعداد لمقاطعة الانتخابات النيابية العام 1996 الهب جبران تويني جماهير المعارضة القليلة بالكلام الشجاع عن الحرية والسيادة والاستقلال والمطالبة بإنسحاب الجيش السوري من لبنان، عندما كان الشجعان يتنكبون عن الكلام الصريح ومطلب السيادة والاستقلال. خلال الاعداد للانتخابات البلدية والاختيارية العام 1998 ما كانت المناطق المسيحية لتجرؤ على الحركة يومها جمع المرشحين من المخاتير ورؤساء البلديات في مكتبه في الاشرفية وحرك فيهم روح الممانعة وحاول تنظيم حركة اعتراض ما على الوضع القائم الذي كان يلقي بظله الثقيل على المجتمع المسيحي قمعا واعتقالات وتهديدات من الذين يعتصمون اليوم مطالبين بشعارات الحرية زيفا وتاريخهم يشهد نقيض ذلك. وعندما احتاج الامر الى طباعة المناشير الملصقات كان جبران تويني لا يتردد في طباعتها بالالاف وعلى نفقته كرمى معركة السيادة والاستقلال، وغيرها من الاعمال الكثير.

 

ورغم كل ذلك كان رفاق الصف لا يتوانون عن الطعن في المناضل جبران تويني والصاق الاتهامات الزائفة به. لاحقا تبدت لي الامور بكل وضوح كان المطلوب اسقاط كل القيادات المسيحية وتهشيم حضورها لا تهميشه، بمعنى القضاء على هذه القيادات معنويا، كي يتسنى البقاء للزعيم الاوحد والقائد الرؤيوي الذي يجب ان يمسك بمصير المسيحيين ويقودهم نحو ما يراه مناسبا، وفي افضل الاحوال كان نموذج القليعات حاضرا دائما.   

 

في العاصمة الفرنسية التي وصلتها لاجئا كان لجبران تويني وصية واحدة :"اهتم بتغطية اخبار العميد والرئيس والعماد وليس مطلوبا منك اكثر من ذلك". العميد ريمون اده وافته المنية شهيد الغربة القسرية عن لبنان، والرئيس امين الجميل حمل حنينه وعاد الى لبنان ليتحدى الظلم وقرار النفي الذي اصدره المعتصمون اليوم في ساحة رياض الصلح مطالبين بالحرية والسيادة . اما العماد ميشال عون فقد استمر في العاصمة الفرنسية الى ان حان وقت العودة مع استشهاد الرئيس رفيق الحريري وخروج الجيش السوري من لبنان. ولكن ما قبل العودة كانت فصول طويلة من النقاش بين جبران تويني المناضل والمؤيد الصلب ل "حرب التحرير" وخطيب منبر قصر الشعب والعماد المنفي المتمسك برؤيويته للامور في لبنان.

 

بين جبران تويني وميشال عون كانت صداقة كبيرة واتفاق على الاهداف وخلاف كبير على الوسيلة ولكن "من يأكل العصي ليس كمن يعدها" وجبران المهدد يوميا والذي يعيش بين الناس في بيروت ويتحسس معاناتهم كان يسعى جاهدا لأقناع العماد في غربته القسرية ونقل ما يتعرض له المسيحيون من قمع وتهميش على يد من يعتصمون اليوم للمطالبة بالمشاركة وخصوصا المشاركة المسيحية.

 

تسع سنين من الحوار والنقاش وخصوصا على "لقاء قرنة شهوان" والوسيلة الافضل لأستعادة السيادة، وكانت الامور تنتهي بسلام واتفاق. لكن عسس الازلام والمحاسيب وبقايا الاجهزة كانوا دائما بالمرصاد لتعكير العلاقة بين جبران المناضل الصلب من اجل لبنان والعماد عون المنفي من اجل لبنان ايضا.

 

بين سيرة تشي غيفارا وجبران تويني تماثل كبير بدءا من الايمان الكامل بعدالة القضية وصولا الى خيانة الرفقاء وتركهم ساحة المعركة وصولا الى الشهادة في ساحة المعركة، لكن غيفارا سقط وهو يحمل بندقيته في حين سقط جبران حاملا جريدته واقلامه وحلمه بلبنان.

 

6 كانون الأول 2006