الحياة» تنشر تفاصيل تبني «قوى 14 آذار» الفكرة التي فاجأت الجميع وبقيت طي الكتمان لحمايتها ...

 خيار سليمان للرئاسة اللبنانية أنضجه الحريري لاستشرافه الفراغ

بيروت – وليد شقير  - الحياة - 02/12/07//

 

كثرت التأويلات والتقديرات حول ظروف توجه قوى 14 آذار لاعتماد خيار ترشيح قائد الجيش العماد ميشال سليمان للرئاسة، للخروج من الفراغ الذي وقع فيه لبنان منذراً بأوضاع خطيرة. وكان اعتماد الأكثرية هذا الخيار موضوع تساؤل من بعض القوى المنضوية في 14 آذار، نظراً الى أن العمل على انضاجه بدأ في حلقة صغيرة من هذه القوى وتوسع شيئاً فشيئاً منذ الأسبوع الماضي، أي قبل انتهاء المهلة الدستورية لانتخاب الرئيس الجديد، وصولاً الى الأسبوع الماضي، حيث أخذت دائرة العمل على اعتماده تتسع وصولاً الى إعلان هذا الخيار في شكل واضح. لكن اعتماد هذا الخيار كان مدار تساؤل أكثر في أوساط قيادة المعارضة التي فوجئت بتغيير الأكثرية موقفها من خيار سليمان.

 

وكشف مصدر معني بالسعي لإنضاج هذا الخيار في الأكثرية ورافق بعض مراحله، ان فكرة اعتماده جاءت من زعيم تيار «المستقبل» النائب سعد الحريري الذي يقول العارفون بتحركه على هذا الصعيد إنه لم يستبعد اسم العماد سليمان منذ أن بدأ التفكير بالاستحقاق الرئاسي قبل أشهر، على رغم أنه لم يجاهر به، بل كان يأتي على ذكره في حلقات ضيقة. وأوضح المصدر ان الحريري بدأ التفكير بخيار سليمان قبل بدء معركة نهر البارد بين الجيش وتنظيم «فتح الإسلام»، وأن قناعته بهذا الخيار ازدادت بعد هذه المعركة. فالحريري يستند الى فلسفة واقعية تقول إنه إذا كان على اللبنانيين ان يبنوا دولة مستقلة وقوية، فإن هذا يحتاج الى بناء جيش قوي ومتماسك يجسّد هذه الاستقلالية، وأن خيار سليمان للرئاسة يساعد في ذلك.

 

وأضاف المصدر نفسه: «برهن الحريري عن حنكة ومسؤولية إذ أبقى تفكيره هذا محصوراً ضمن حلقة ضيقة ولم يطرح هذا الخيار، من جهة، وتجنب من جهة أخرى تكرار الموقف الذي كان يردده حلفاؤه، سواء رئيس «اللقاء النيابي الديموقراطي» وليد جنبلاط أو رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع أو الرئيس السابق أمين الجميل وسائر قوى 14 آذار، برفض تعديل الدستور، وكان يكتفي حين يُطرح عليه، باتخاذ موقف حيادي، بل انه حين بدأت اللقاءات بينه وبين رئيس المجلس النيابي نبيه بري في شهر تشرين الأول (اكتوبر) الماضي، بحثاً عن اتفاق على الرئاسة بين الأكثرية والمعارضة، لم يعارض ولم يوافق على خيار سليمان، حين طرحه بري، واكتفى بسؤال الأخير: «لكن هذا الخيار يحتاج الى تعديل الدستور الذي تتطلب آليته دوراً لحكومة الرئيس فؤاد السنيورة وأنتم تعتبرونها غير شرعية كمعارضة»، فأجابه بري: «في النهاية علينا ان ندفع ثمناً ما». وكان ذلك إشارة من بري الى أن المعارضة مستعدة للاعتراف بدور الحكومة في التعديل الدستوري إذا كان لا مهرب من تسليمها بطريقة مباشرة بأنها شرعية.

 

وتجنب الحريري طرح فكرة دعم سليمان لأن الاتصالات كانت جارية مع الوساطات الخارجية، ولا سيما الفرنسية على التحضير لإصدار البطريرك الماروني نصر الله صفير لائحة بأسماء مرشحين على أن يختار هو وبري منها رئيساً... كما أن قراره والأكثرية، وبري الالتزام برأي صفير، الذي كان حسم بأن تعديل الدستور غير محبذ، جعله يحجم عن طرح خيار سليمان، على رغم أن بعض المعارضة كان رشحه علناً وأن الأنباء تفيد بأن دمشق ترى فيه مرشحاً مقبولاً منها، فضلاً عن أن بعض المسؤولين المصريين لم يخفوا موقفهم الإيجابي إزاءه، بحيث يكون مرشحاً يحتفظ بمسافة واحدة من الجميع. فالحريري بحسب قول المصدر، لم ينس موقف سليمان الحكيم برفض قمع تظاهرات قوى 14 آذار بعد اغتيال والده في 14 شباط (فبراير) العام 2005، وتصرفه في شكل متوازن بين هذه القوى وقوى 8 آذار التي تظاهرت دعماً لسورية فحمى الأمن للجانبين.

 

كما أن الحريري أحجم عن طرح سليمان بعد ان توافق مع زعيم «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون على عدم تعديل الدستور في الاستحقاق الرئاسي بناء لإصرار الأخير أيضاً.

 

والعارفون في موقف الحريري يقولون إنه بعد ان اكتشف صعوبة التوافق مع المعارضة على اسم من اللائحة التي طرحها البطريرك صفير – إثر فشل اجتماعاته مع بري في اعتماد الآلية التي كان ينتظرها صفير بعد إصداره اللائحة أي أن ينزلا باسمين أو ثلاثة الى البرلمان لانتخاب واحد منها، إذ أن الرئيس بري كان حصر صفة التوافقية بمرشح واحد فقط هو الوزير السابق ميشال إده، وعاد عن اعتباره النائب روبير غانم كمرشح توافقي نتيجة فيتو من «حزب الله» والعماد عون – أخذ يفكر بخيار سليمان. وهو كان يرى أن البلاد ذاهبة الى الفراغ، ويرفض خيار ميشال اده وبري رفض خيار روبير غانم.

 

واحتفظ الحريري بالفكرة لنفسه، التي علمت «الحياة» أنها كانت بدأت تختمر في رأسه بجدية يوم الثلثاء في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) أي قبل 4 أيام من انتهاء ولاية الرئيس اميل لحود (وربما قبل ذلك أيضاً)، لأنه وصل الى قناعة بأن المعارضة بدعم سوري وإيراني تتجه الى خيار الفراغ وليس الى انتخاب رئيس.

لكن الحريري فضل متابعة الجهود مع وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنير، على رغم أنه أسرّ للبعض، الثلثاء في 20 تشرين الثاني أنه قد يقدم على خيار جديد في الرئاسة من دون أن يفصح عنه. وعمل الحريري بنصيحة كوشنير الذي كان انضم اليه زميلاه الايطالي ماسيمو داليما والاسباني ميغيل انخيل موراتينوس، لقاء العماد عون لأن «حزب الله» ودمشق يربطان إزالة العقد، بالتوافق معه. عاد الحريري من لقائه مع عون على أساس أن ينتظر منه اسمين أو ثلاثة من المرشحين التوافقيين القريبين منه لكن اقتراحات عون لم تأت.

 

وفي ساعة متأخرة من ليل الاربعاء في 21 تشرين الثاني، اجتمع الحريري مع رئيس الحكومة فؤاد السنيورة للتشاور وجرى عرض للعقبات والمخاوف من الفراغ، وقال الحريري إنه يرى وجوب التفكير باسم من خارج اللائحة ومن خارج ما هو متداول.

 

وكان رد فعل السنيورة مزيجاً من المفاجأة والارتياح، إذ كان اسم العماد سليمان كخيار تردد في حلقات الحوار والتحليل الليلية التي كان يعقدها مع بعض الوزراء الذين يقيمون معه فيها، لعرض نتائج انسداد أفق الوساطات ومحاولات التوافق... وخلال أقل من 5 دقائق، وبعد أن سأل السنيورة الحريري عما إذا كان الاقتراح فكرته أم من جهة أخـــرى أجابــه زعيم تيـــار «المستقبل» بأنــه فكرتــه وأراد التشاور معه ومع جنبلاط فيها، ووافق السنيورة عليها. أما جنبـــلاط فأخذت موافقته بعد استماعه الى الحوار القصير بين الحريري والسنيورة ثواني هي المدة التي استغرقتها العبارة الآتية التي أدلى بها: «أوافق بلا تردد». كان جنبلاط يعتقد بوجوب الإتيان بأي رئيس منعاً للفراغ. ولهذا السبب كان دعا الحريري الى الموافقة على ميشال اده قبل أيام.

 

واتفق الثلاثة على سلوك مزدوج: متابعة الجهود للتوافق مع الجانب الفرنسي والأوروبي في اليوم التالي أي الخميس 22 تشرين الثاني، لعل معجزة تتحقق لانتخاب رئيس في اليوم التالي أي الجمعة 23-11. والعمل على خطة تحرك مع القوى المسيحية في قوى 14 آذار، إذا عجز البرلمان يوم الجمعة عن انتخاب رئيس، تبدأ بالبطريرك صفير، لاستكشاف إمكان تسويق خيار سليمان. واتفق على إبقاء الأمر سراً الى أن ينضج الأمر ويتم التأكد من إنجاحه. توزع الثلاثة الأدوار في الاتصالات وأخفوا الأمر حتى عن قوى خارجية صديقة، وتابعوا في اليوم التالي اللقاءات والاتصالات مع الوزراء الأوروبيين الثلاثة الذين غادروا لبنان بعد مؤتمرهم الصحافي على أثر مبادرة العماد عون التي رفضتها الأكثرية.

 

وحين عرض الوزراء الأوروبيون مع الحريري قبل مؤتمرهم الصحافي الصعوبات، كانوا محبطين وسأل أحدهم: ما العمل؟ فأجاب الحريري: «ربما يكون الحل ان نقدم عرضاً يصعب عليهم رفضه»، فالتقط داليما العبارة وقال بصوت منخفض: «ربما يكون اعتماد خيار العماد سليمان» ولم يعلق أحد من الذين سمعوه، بمن فيهم الحريري.

 

واستكمل الأخير والسنيورة اتصالاتهما بالتنسيق مع جنبلاط تحضيراً لتحركهما. وعقد اجتماع قوى 14 آذار ليلاً من دون أن يطرح هذا الخيار لأن التركيز كان على جلسة البرلمان اليوم التالي وعرض نتائج الاتصالات. وبعد فشل الجلسة في 23-11 توجه الحريري الى البطريركية المارونية واستمزجها رأيها بخيار سليمان فلم تمانع. وفي اليوم التالي، السبت 24-11، كان السنيورة ينوي إرسال موفد الى بكركي، لكنه في اللحظة الأخيرة قرر الذهاب شخصياً. وسمع عدم ممانعة من صفير. وبين يومي الجمعة والسبت أبلغ بالسعي لإنضاج هذا الخيار بضعة أشخاص، بينهم رئيس حزب «القوات اللبنانية» الدكتور سمير جعجع ليل الجمعة وقبله السفير السعودي الدكتور عبدالعزيز خوجة، ثم الرئيس السابق أمين الجميل والسفير الفرنسي أندريه باران (لأن باريس أكدت استمرار مبادرتها)، كما أبلغ السفير الأميركي جيفري فيلتمان باتجاه الأكثرية نحو هذا الخيار، وكذلك السفير المصري أحمد البديوي. وكان موقف هؤلاء جميعهم تأكيدهم دعمهم لما يتفق عليه اللبنانيون... والخروج من الفراغ في أسرع وقت.

 

وفي حين لم يمانع الجميل أمام هذا الخيار يوم السبت، في لقائه مع الحريري، فإن جعجع طرح بداية تحفظات تتعلق بتوافق قوى 14 آذار على عدم تعديل الدستور وعدم القبول بوصول العسكر للرئاسة، لكنه ترك الباب مفتوحاً أمام الفكرة، وطلب وقتاً للتشاور مع معاونيه. كما أبلغ بالفكرة النائب ميشال المر الذي كان طرح سليمان لكن لمدة سنتين قبل بضعة أشهر وهو ما رفضه الحريري.

 

لكن المر أبدى ارتياحه وحماسته للفكرة وزار الرئيس بري الاثنين في 26-11 لإبلاغه بالتوجه الجديد ثم زار السنيورة الثلثاء (27-11) لبحث الأمر معه ودعم الحكومة. وحفل اليوم الذي سبق، أي الاثنين باللقاءات العلنية والسرية: بدأ العماد سليمان تحركاً لدى الفعاليات السياسية والروحية بعد أن أُبلغ بإحياء البحث في ترشيحه. الرئيس الجميل أبلغ السنيورة موافقته النهائية. وزار السفير خوجة جعجع ليتمنى عليه القيام بكل ما في وسعه للخروج من الفراغ الرئاسي. كما أن السفير فيلتمان كان التقى جعجع للاستفسار منه عن موقفه.

 

الثلثاء 27-11 أطلع السنيورة الوزراء للمرة الأولى على التوجه الذي يتم التحضير له، خصوصاً ان التعديل الدستوري يجب أن يمر بمجلس الوزراء. وجاء الاجتماع بديلاً من اجتماع كان اقترحه البعض يوم السبت الذي سبق ويقضي ان تجتمع الحكومة في ذلك اليوم (24-11) من أجل اقتراح التعديل الدستوري. لكن ارتؤي صرف النظر عن الفكرة في انتظار المزيد من الإنضاج للفكرة. وليل الثلثاء عقد اجتماع موسع ضم الحريري، السنيورة، جنبلاط، الجميل وجعجع الذي كان بات موقفه أكثر ليونة تجاه الخيار، وعُرضت فيه الاتصالات واتفق على انتظار موقف بري، مع الإبقاء على التكتم.

 

الأربعاء 28-11 صدر تصريح النائب في كتلة «المستقبل» عمار حوري الذي أكد الانفتاح على التعديل الدستوري ما أزعج جعجع الذي اعترض، فجرت اتصالات بينه وبين جنبلاط لمعالجة الأمر. الخميس 29-11 زار السفير خوجة ثم السفير باران بري، لإبلاغه بأن لا ضرورة للتوجس من الاقتراح لأنه من صنع الحريري دون غيره وشجعاه على إيجاد مخارج للتعديل الدستوري، لكن بري الذي بدا غير مرتاح الى عدم تبلغه بالفكرة وكيف تم العمل لإنضاجها، عاد فأبدى انفتاحاً على تعديل الدستور واشترط ألا تقدم حكومة السنيورة على اقتراح التعديل (لأن المعارضة تعتبرها غير شرعية)، موحياً بذلك ان صيغة التعديل الدستوري المرجحة هي ان تصدر عن مجلس النواب.

 

وقال بري إنه سبق ان رشح سليمان في لقاءاته مع الحريري. وفي اليوم نفسه زار وفد من «حزب الله» ضم النائبين حسين الحاج حسن وأمين شري السفير خوجة للاستفسار منه عما إذا كان موقف الحريري مناورة وعما يخفي هذا الاقتراح فطمأنهما الى أن الفكرة لبنانية صرف ولم تأت من أي من الجهات الخارجية وليست مناورة. وفي اليوم نفسه صدرت موافقة عون على خيار سليمان بعد لقاء بينه وبين المر معتبراً ان سليمان مرشحه