أهل السكاكين والعبوات في لبنان

حازم صاغية

نقلا  عن جريدة " الغد" الأردنية

25/12/2006

 

هناك حزب في لبنان، اسمه "السوريّ القوميّ الاجتماعيّ"، يُكتب تاريخه بالعبوات والمسدّسات والسكاكين وأدوات الموت والتفجير. دهم بعض الأسلحة لديه في منطقة الكورة، من شمال لبنان، أعاد التذكير به. نوع الأسلحة التي تتّصل بعمليّات اغتيال، وحصول الدهم في هذه الفترة بالذات، لوّنا التذكير باللون الأسود.

 

هذه بعض عناوين سيرة الحزب المذكور: في 1949 نفّذ مؤسّسه و"زعيمه" أنطون سعادة محاولة انقلابيّة بالتنسيق مع حاكم دمشق يومها حسني الزعيم، الذي كان صاحب أوّل انقلاب عسكريّ تعرفه سوريّة، وثاني انقلاب يشهده العالم العربيّ (بعد انقلاب بكر صدقي في 1936 في العراق). في 1951 اغتال القوميّون السوريّون رئيس حكومة لبنان وأحد رمزيّ استقلاله، رياض الصلح، وهو في طريقه الى مطار عمّان للتوجّه منه الى بيروت بعد زيارة رسميّة للأردن. في 1955 اغتالوا الضابط السوريّ عدنان المالكي وشاركوا في محاولة انقلابيّة ضدّ تحالفٍ حاكمٍ ضمّ خالد العظم وحزبي البعث والشيوعيّين. في رأس سنة 1962 حاولوا القيام بانقلاب عسكريّ في لبنان ضدّ عهد الرئيس فؤاد شهاب. في 1982 اغتالوا رئيس الجمهوريّة اللبنانيّة المنتخب لتوّه بشير الجميّل.

 

والقتل، عند القوميّين السوريّين، ليس موجّهاً الى الأعداء والخصوم وحدهم. القوميّ محمّد سليم، مثلاً، قتله "رفقاء" قوميّون حين آثر عدم الإنصات الى دمشق متمسّكاً بعلاقته بمنظّمة التحرير الفلسطينيّة إبّان تنافس الطرفين على اقتسام الحلفاء في لبنان. الموالون لمحمّد سليم، داخل الحزب، عادوا فقتلوا "رفقاء" آخرين اتّهموهم بقتله.

 

إنّهم "أبو نضال" اللبنانيّ وقد مُطّ حزباً. ومثلما مُطّ النضال و"القضيّة" مع أبو نضال، مُطّت "المقاومة" مع القوميّين السوريّين فصارت تُمارَس من الكورة، حسبما أعلن رئيس الحزب علي قانصو في مؤتمر صحافيّ عقده في بيروت بعد أعمال المداهمة (الكورة، لمن لا يعرف، تفصلها عن أعلى نقطة في الجنوب مسافة 130 كلم كخطّ مستقيم)!

 

الأفكار و"المناقب" ليست في حسابات القوميّين السوريّين ولا في اعتباراتهم. والحال أن الانهيار المبكر لعلاقتهم بالأفكار و"المناقب" كان أحد أسباب استنادهم الى الارهاب. فهم في وقت مبكر خسروا علّة وجودهم: حين انتهت الحرب العالميّة الثانية وانهارت الحركات الفاشيّة والعِـرقيّة الأوروبيّة التي قلّدوها منذ نشأتهم في 1932، لم يعد ثمّة مبرّر لبقائهم على الخريطة السياسيّة. وكرّت السنوات والتجارب تعزّز هذه الوجهة وتكرّسها: في زمن صعود "القوميّة العربيّة"، بات ناشزاً وغريباً أن ينتسب المرء الى "القوميّة السوريّة". وفي الزمن التالي وما شهده من نزاعات أهليّة هدّدت، وتهدّد، بتفكيك البلدان القائمة، غدا من المضحك دعوة أبناء "الأمّة السوريّة" إلى وحدة مع جزيرة قبرص (علماً أن النزاع الدائر في هذه الأخيرة هو ما بين الرابطتين اليونانيّة والتركيّة).

 

وهذه العلاقة المضطربة والانتهازيّة بالأفكار كانت سِمة القوميّين منذ بداياتهم الأولى. فـ"الزعيم" أنطون سعادة، حينما تأكّد من وجود كميّات نفط ضخمة في العراق والكويت، ضمّ هذين البلدين الى "الأمّة السوريّة" التي كانت تقتصر قبلاً على لبنان وسوريّة والأردن وفلسطين وقبرص. هكذا بشحطة قلم. لكن الاضطراب والانتهاز تعاظما، بسرعة قياسيّة، بعد رحيل "الزعيم" وانعدام ما تبقّى من أسباب تحمل على الانتساب الى حزبه وأفكاره.

صار المطلوب فحسب بقاء التنظيم على قيد الحياة عبر تقديم الخدمات لمن يطلبها: في الخمسينات، ربط القوميّون السوريّون أنفسهم بالسياسات المناهضة للناصريّة، وعن هذا الارتباط صدرت أعمالهم التآمريّة والانقلابيّة حينها، في سوريّة أوّلاً ثمّ في لبنان.

بعد ذاك، وإذ خرجوا من سجونهم اللبنانيّة بموجب تسوية مع "الشعبة الثانية" ("المكتب الثاني") اللبنانيّة، باشروا انتقالهم الى "اليسار" والى "العروبة"، وهي عمليّة رافقها تلفيق "فكريّ" استاء منه أرثوذكسيّو العقيدة السعاديّة.

بعضهم التحق بالثورة الفلسطينيّة وبعضهم التحق بسوريّة، وانشقّ الملتحقون الأوّلون عن الملتحقين الآخرين، والعكس بالعكس، وفي ما بينهم تبادلوا القتل والتآمر. لكنْ مع انتصار دمشق على منظّمة التحرير، أعيد توحيد الحزب ثانيةً بقيادة المرتبطين بدمشق. مذّاك يرطن القوميّون بعروبة تكاد تكون بعثيّة، هم الذين اغتالوا، في الفترة الأسبق، الضابط البعثيّ عدنان المالكي فتولّى البعثيّون وحلفاؤهم إجلاءهم عن سوريّة بقسوة وشراسة بالغتين.

وإخفاءً منهم للتناقض بين دعوتهم القوميّة السوريّة والدعوة العروبيّة، صاروا يتحدّثون عن "الأمّة" التي لا أحد يعرف أمّة ماذا وأمّة من. وبعدما كان العرب "أهل العرَبَة"، أي الصحراء، وبعدما كانت جماجم السوريّين تختلف عن جماجم باقي العرب، تيمّناً بتعاليم المدارس العنصريّة الخام والمبتذلة، صار تلامذة سعادة جنود حافظ الأسد الخلّص.

 

هل أن تلك الأسلحة التي عُثر عليها في الكورة مدخل لنهاية هذه الكذبة المتورّمة والمؤذية؟ هل ثمّة صلة بين تلك الأسلحة، وأسلحة أخرى مثلها، وبين سواطير "الأحباش" وسكاكينهم التي ربّما كُتب فصلها الأخير مع أحمد عبد العال، أحد نجوم التحقيق في عمليّة اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟

 

يصعب الجزم في ذلك. ما يمكن الجزم فيه، وبكلّ راحة ضمير، أن الدور الذي أتيح لعبه لأهل السكّاكين والمسدّسات إنّما يرقى الى شهادة بليغة على السياسات الراديكاليّة في بلداننا، على مدى أخلاقيّتها ومبدئيّتها، وخصوصاً على سنوات عهد الوصاية السوريّة التي بلغت في هذا المجال ما لم يبلغه غيرها!

 

آنذاك نشأ تقسيم عمل مفاده أن يكون هناك "حزب الله"، وأن تكون أيضاً أحزاب كثيرة لـ"الشيطان" أبرزها القوميّ السوريّ. عسى، وقد سقطت "قدسيّة المقاومة" وانتهت موجبات تقسيم العمل السابق، أن لا يهبّ الأوّل لإنجاد الثاني.