المنسقية العامة للمؤسسات اللبنانية الكندية

ملف زيارة العماد ميشال عون إلى سوريا التي بدأت في 3/12/2008 وانتهت في 7/12/2008

 

عون يصل إلى دمشق اليوم في زيارة تستمر ٥ أيام

3/12/2008/السفير/ مارلين خليفة

دمشق : يصل قبل ظهر اليوم الأربعاء رئيس تكتّل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون الى دمشق في زيارة رسمية تستمرّ خمسة ايام مترئسا وفدا مؤلفا من النواب: عباس الهاشم، نبيل نقولا، ابراهيم كنعان، فريد الخازن، والوزير السابق سيبوه هوفنانيان الى القياديين بيار رفول والعميد المتقاعد فؤاد الأشقر والإعلاميين ناصيف قزّي وجان عزيز، والدكتور ناجي غاريوس والمحامي جورج عطا الله.

ومن المتوقع أن يصل عون جوّا عبر مطار دمشق حيث أعدّ له استقبال رسمي.

يستهلّ عون زيارته باجتماع مع الرئيس بشار الأسد، وقد تكتّم المسؤولون الأمنيون والإعلاميون في التيار الوطني الحر وكذلك مراسم القصر الرئاسي السوري عن تقديم اية تفاصيل عن البرنامج المعدّ مفضلين إبلاغ الإعلاميين يوميا عن تفاصيل الزيارة. ولكن علم من مصادر مواكبة للتحضيرات أن اللقاء مع الرئيس الأسد في قصر الشعب سيفتتح بصورة تذكارية، بعدها يصافح اعضاء الوفد الرئيس الاسد ويجتمعون معه لمدة ربع ساعة ثم يعقد العماد عون خلوة مع الرئيس الأسد. ويعقب اللقاء مؤتمر صحافي لعون في قصر الشعب. كما علم أن عون سيلتقي رئيس الحكومة السورية محمد ناجي العطري ووزير الخارجية وليد المعلّم.

وكان اعضاء الوفد الإعلامي والأمني المرافق لعون وبعض القياديين في التيار قد وصلوا بعد ظهر أمس الى دمشق حيث استضيفوا في صالون الشرف عند نقطة الحدود في جديدة يابوس، وانتقلوا بعدها الى فندق شيراتون دمشق حيث سيقيم أيضا العماد عون طيلة خمسة أيام.

إجراءات أمنية مشددة اتخذتها الدولة السورية في محيط الفندق المجاور لساحة الأمويين حيث انتشر عناصر أمنيون، وقد غصّ الفندق بالإعلاميين اللبنانيين الذين كانوا ينتظرون وصول عون ويسألون عن تفاصيل البرنامج الذي بقي طيّ الكتمان، باستثناء معلومات عامة عن محاضرة مركزية سيلقيها عون في جامعة دمشق وجولات مناطقية في حلب وحمص ومرافق سياحية دينية.

ولوحظ مساء وجود الوزير السابق ميشال سماحة في فندق الشيراتون، وفيما تردّد أنه منسق تفاصيل زيارة عون الى دمشق رفض سماحة قطعا التحدث الى الصحافيين قائلا إنه يلتزم الصمت حتى يوم الاثنين المقبل.

 

عنوانان لزيارة عون إلى سوريا: رسالة صداقة وتأكيد على أهمية الوجود المسيحي المشرقي

2/12/2008

السفير/مارلين خليفة

من المتوقع أن يصل الى سوريا في الساعات الـ٢٤ المقبلة رئيس تكتّل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون في زيارة رسمية سيلتقي خلالها كبار المسؤولين السوريين وفي طليعتهم الرئيس بشار الأسد.

بداية الزيارة تنطلق اليوم مع توجّه الوفد الإعلامي والأمني وقيادات التيار الى دمشق، وسيلحق بهم العماد عون إما الليلة مساء وإما صباح غد الأربعاء فيما رفض المسؤولون في التيار الوطني الحرّ تحديد موعد دقيق لوصوله لاعتبارات أمنية.

التكتّم يلفّ أيضاً تفاصيل برنامج الزيارة، وعلم أنه يتألف من شقين سياسي يتوّجه لقاء مع الرئيس الأسد، كما سيلقي عون محاضرة مركزية في دمشق، وشق آخر له طابع مسيحي يتضمّن زيارات الى الأماكن المسيحية المقدّسة في سوريا ومنها موقع مار مارون في الشمال وصيدنايا ومعلولا، كما ستتخلّل الزيارة لقاءات شعبية في أماكن عدّة.

يدرج التيار الوطني الحر هذه الزيارة في سياق المسار العام لسياسة الانفتاح التي اعتمدها العماد عون منذ عودته من المنفى، إلا أن أصواتاً عدّة، خصوصا لدى مسيحيي الموالاة، تنتقد هذه الزيارة وتتوقع لها آثاراً سلبية ستنعكس على شعبية العماد عون كما حصل عند توقيع وثيقة التفاهم مع حزب الله عام .٢٠٠٦ يقول المسؤول الإعلامي في التيار الوطني الحرّ الدكتور ناصيف قزّي في هذا الصدد: أمام القضايا ذات البعد الوطني لا يتوقف العماد عون عند المصالح الانتخابية الضيقة. حين وقع وثيقة التفاهم مع حزب الله لم يفكر بالربح وبالخسارة بل رأى فيها مساراً صحيحاً، وفي زيارته لسوريا يؤسس لحالة طبيعية من العلاقات مع لبنان.

يقفز ملف المفقودين والمعتقلين في السجون السورية إلى الواجهة وتتصاعد أصوات مطالبة عون بالطلب من المسؤولين السوريين الكشف عن مصيرهم. يصف قزّي هذا الملف بـالمقدّس بالنسبة الى العماد عون الذي سعى وسيسعى الى كشف ملابسات هذه المسألة كلّها، وهو سيقدّم كل الدعم والمساعدة للجنة الرسمية التي تشكلت إثر زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان الأخيرة الى دمشق.

يلفت القيادي في التيار الى أن عون عاد من باريس بعد الانسحاب السوري من لبنان واليوم يذهب الى سوريا بعد إقرار إقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

وماذا إذا عاد العماد عون خالي الوفاض من أيّ إنجاز يقدّمه له السوريون؟ يجيب قزّي: العماد عون بزيارته ينهي عهداً ويبدأ عهداً جديداً، ويقول انتهى زمن التناحر وبدأ زمن المصالحات والتفاهم وهو انطلق من المصالحات الداخلية الى التفاهمات مع سوريا باتجاه العرب بشكل عام، بغية الوصول بلبنان الى حالة سلام حقيقية في زمن تكاثرت فيه المخاطر، ولا سيما ما نشهده من تحركات لمجموعات إرهابية في لبنان، وبالتالي هو لا يروم إنجازات شخصية له.

يتساءل خصوم العماد عون السياسيون عن الصفة التمثيلية التي يقصد فيها سوريا؟ يجيب قزّي: ميشال عون هو شريك في حكومة وحدة وطنية، وها هو النائب سعد الحريري يجول العالم فهل هو رئيس حكومة لبنان أم وزير خارجيته؟ لا يذهب العماد عون لإرساء اتفاقات فهذا من شأن الحكومة اللبنانية ونحن متضامنون مع الرئيس ميشال سليمان والحكومة مجتمعة ومع قيادة الجيش من أجل ترتيب الأمور بين لبنان وسوريا.

يذكر أنّ علاقة العماد ميشال عون مع سوريا شهدت مداً وجزراً وهي توتّرت بشدّة إثر حرب التحرير التي أعلنها ضدّ وجود جيشها في لبنان عام ١٩٨٩ بعد تعيينه رئيساً للحكومة الانتقالية عقب انتهاء عهد الرئيس أمين الجميل. إنتهت مرحلة عون الحكومية بدك المدافع السورية لقصر بعبدا حيث اضطر للجوء الى السفارة الفرنسية ومنها الى باريس حيث استمرّ في المنفى ١٥ عاماً، عانى فيها مناصروه في لبنان من أشدّ أساليب القمع .

قبل صدور القرار ١٥٥٩ عام ٢٠٠٤ توجّه العماد عون الى الولايات المتحدة الأميركية، لكنّه أوضح في ما بعد أن زيارته لم تكن من أجل إقرار قانون محاسبة سوريا بل للمطالبة بخروج الجيش السوري الذي دخل بوصاية أميركية. عشية عيد الاستقلال عام ٢٠٠٤ أرسل عون مبعوثاً الى سوريا هو غابي عيسى كلفه الشروع بإقامة حوار بين الأفرقاء اللبنانيين والسوريين لإيجاد مخرج مشرّف لخروج الجيش السوري من لبنان، وهو كان متأكداً من حتمية خروجه، وأكد مرارا أن لا عيب في إنهاء حال العداء بعد خروج الجيش السوري من أرض الوطن. غداة اغتيال الرئيس رفيق الحريري في ١٤ شباط ٢٠٠٥ ناشد عون اللبنانيين عدم التعرض للعمال السوريين، مرسياً منذ خروج الجيش السوري في نيسان من العام ذاته سياسة انفتاحية تتوجها الزيارة العتيدة وعنواناها الرئيسيان بحسب قزّي: التعارف والصداقة، والتأكيد على أهمية الوجود المشرقي المسيحي، مذكراً بما قاله العماد عون يوماً في حديث صحافي من أن طمأنة مسيحيي الشرق هي مسؤولية عربية إسلامية (...) مشكلتنا التي لم يتفهّمها الكثيرون هي أن خيارنا ليس ضدّ العرب ولا ضدّ الإسلام ولا هو في الانعزال، خيارنا هو المحافظة على شخصيتنا وأن تكون محترمة ولا مشكلة بعد ذلك.

 

عون يصل إلى دمشق اليوم في زيارة تستمر ٥ أيام

مارلين خليفة/السفير 3/12/2008

دمشق :

يصل قبل ظهر اليوم الأربعاء رئيس تكتّل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون الى دمشق في زيارة رسمية تستمرّ خمسة ايام مترئسا وفدا مؤلفا من النواب: عباس الهاشم، نبيل نقولا، ابراهيم كنعان، فريد الخازن، والوزير السابق سيبوه هوفنانيان الى القياديين بيار رفول والعميد المتقاعد فؤاد الأشقر والإعلاميين ناصيف قزّي وجان عزيز، والدكتور ناجي غاريوس والمحامي جورج عطا الله.

ومن المتوقع أن يصل عون جوّا عبر مطار دمشق حيث أعدّ له استقبال رسمي.

يستهلّ عون زيارته باجتماع مع الرئيس بشار الأسد، وقد تكتّم المسؤولون الأمنيون والإعلاميون في التيار الوطني الحر وكذلك مراسم القصر الرئاسي السوري عن تقديم اية تفاصيل عن البرنامج المعدّ مفضلين إبلاغ الإعلاميين يوميا عن تفاصيل الزيارة. ولكن علم من مصادر مواكبة للتحضيرات أن اللقاء مع الرئيس الأسد في قصر الشعب سيفتتح بصورة تذكارية، بعدها يصافح اعضاء الوفد الرئيس الاسد ويجتمعون معه لمدة ربع ساعة ثم يعقد العماد عون خلوة مع الرئيس الأسد. ويعقب اللقاء مؤتمر صحافي لعون في قصر الشعب. كما علم أن عون سيلتقي رئيس الحكومة السورية محمد ناجي العطري ووزير الخارجية وليد المعلّم.

وكان اعضاء الوفد الإعلامي والأمني المرافق لعون وبعض القياديين في التيار قد وصلوا بعد ظهر أمس الى دمشق حيث استضيفوا في صالون الشرف عند نقطة الحدود في جديدة يابوس، وانتقلوا بعدها الى فندق شيراتون دمشق حيث سيقيم أيضا العماد عون طيلة خمسة أيام.

إجراءات أمنية مشددة اتخذتها الدولة السورية في محيط الفندق المجاور لساحة الأمويين حيث انتشر عناصر أمنيون، وقد غصّ الفندق بالإعلاميين اللبنانيين الذين كانوا ينتظرون وصول عون ويسألون عن تفاصيل البرنامج الذي بقي طيّ الكتمان، باستثناء معلومات عامة عن محاضرة مركزية سيلقيها عون في جامعة دمشق وجولات مناطقية في حلب وحمص ومرافق سياحية دينية.

ولوحظ مساء وجود الوزير السابق ميشال سماحة في فندق الشيراتون، وفيما تردّد أنه منسق تفاصيل زيارة عون الى دمشق رفض سماحة قطعا التحدث الى الصحافيين قائلا إنه يلتزم الصمت حتى يوم الاثنين المقبل.

بدأ زيارة تاريخية لسوريا بلقاء مطول مع الأسد وسط استقبال رسمي لافت

عون: ثبّتنا سيادة لبنان واستقلاله وقراره الحرّ بكلام صريح من الرئيس بشار

السفير/ مارلين خليفة /4/12/2008

دمشق : اكتسبت زيارة رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون الى سوريا، التي استهلّها أمس بلقاء الرئيس بشار الاسد، أهمية استثنائية لدى الجانب السوري الذي كان قد وجه دعوة لعون عقب اتفاق الدوحة، فيما بدأ تنظيم الزيارة فعليا منذ اسابيع.

دلالات رمزية عدّة حملتها الزيارة التي وصفت بـالتاريخية. فهي أكدت أن عون يُعتبر الزعيم المسيحي الأبرز بتمثيله النيابي والشعبي، وهو بزيارته طوى صفحة سوداء في تاريخ خلافه مع سوريا، وها هو يُستقبل مجددا بعد ١٨ عاما في قصر الشعب السوري، مستقلا طائرة الرئيس بشار حافظ الأسد ثم سيارته الخاصة، وقد وضع السوريون في مؤتمره الصحافي علم التيار الوطني الحرّ الى جانب العلم اللبناني، وحرصوا على تزيين القاعات بالورود البيضاء والبرتقالية، وكأن الأولى ترمز الى السلام والصفاء والمودّة التي باتت سوريا تريدها مع التيار البرتقالي خصوصا، ومع الشعب اللبناني عموما.

من جهة أخرى خطا العماد عون في زيارته خطوة جريئة في اتجاه نقل قسم كبير من المزاج المسيحي من ضفّة الغرب الى ضفّة العروبة، ومن قلب سوريا بالذات، التي وإن أحسنت التعامل مع مسيحييها، فإنها ظلّت على تماس مع مسيحيي لبنان وخصوصا موارنته، الذين يفتحون معها اليوم صفحة جديدة.

الرمزية الاخرى تتمثل بشعور المودّة والإعجاب لدى المواطن السوري بالعماد عون، الشخصية الجدلية التي طالما وقفت في موقع الخصومة مع سوريا. ففي المؤتمر الصحافي لفت ارتداء صحافيات المناديل البرتقالية وقد زينت ياقة إحداهنّ وردة برتقالية، ولم يسلم الصحافيون من خطّ برتقالي يزين ربطات العنق، حتى المواطن العادي كان يعبّر عن فرحته العارمة من دون سؤال: فها هو النادل في الفندق يقول متحببا: أنا ايضا في حزب التيار الوطني الحرّ، وأيضا سائق التاكسي والكثير من المواطنين العاديين، الذين تسمّروا على شاشات التلفزة في انتظار كلمات العماد العائد من خصومة دفنها الى غير رجعة من دون نسـيان الماضي حتى لا تتـكرر الاخطاء، كما عبّر في مؤتمره الصحافي.

وفي مؤتمره الصحافي، أكد العماد عون أنه لم ينسَ معاناة المسيحيين، وأنه ثبّت سيادة لبنان واستقلاله وقراره الحرّ بكلام صريح من الرئيس بشار الأسد.

الاضطهاد الذي تعرّض له لبنان خصوصا كما جميع اللبنانيين آن له أن يُمحى، كما عبّر عون. وقد تكون قصة العميد فؤاد الاشقر عبرة عن جرح عميق جدّا يندمل تدريجيا.

تترقرق الدموع في عيني العميد اشقر صديق العماد عون منذ عام ،١٩٧٦ وتكاد تنهمر وهو يعجز عن الإجابة عند سؤاله عما واجهه في السجون السورية (فرع فلسطين) إثر عملية ١٣ تشرين الأول ،١٩٩٠ لكنّ العميد يحبس دموعه ليقول: أنا مؤمن بأن زيارة العماد عون الى سوريا ضرورية.

رأي هو عبرة للتفريق بين المصلحة الشخصية ومصلحة الوطن كما يقول الأشقر وهذا مغزى أساسي للزيارة.

الوصول

تأهبت عدسات المصورين واقلام الصحافيين مرارا لإشارات خاطئة تنبئ بوصول العماد عون الى مطار دمشق الدولي، تأفف الصحافيون المنتظرون منذ ساعات الفجر الأولى من بطء الطائرة، فهل يعقل ان تستغرق الرحلة من بيروت الى دمشق أكثر من خمس دقائق؟!.

استغرقت الرحلة الجوية من مطار بيروت الدولي على متن الطائرة الخاصة بالرئيس بشار الأسد التي وضعها بتصرّف النائب العماد عون نصف ساعة، ووصل عون الى مطار دمشق الدولي عند التاسعة صباحا مع الوفد المرافق، وكان في استقباله نائب وزير الخارجية فيصل المقداد.

توجه الرجلان فورا الى قاعة كبار الزوار حيث رحب المقداد بزيارة سيادة العماد الى سوريا، وقال: نأمل بأن تكون بداية علاقات وثيقة ومتطورة لبلدينا.

وردّ له العماد الترحاب بالمثل معربا عن سعادته بزيارة دمشق.

علما بأن المقداد سيبقى طيلة مدّة الزيارة بأيامها الخمسة في رفقة العماد عون وهو دليل تكريم استثنائي يشير الى أن السلطة التنفيذية في سوريا ترافقه في تقدير واضح للمبادرة التاريخية والجريئة من عون.

خلوة الساعتين مع الأسد

في إحدى الصالات الثلاث المخصصة لكبار الزوار، سار العماد ميشال عون وحيدا على البساط الأحمر الممدود لأمتار طويلة، وما إن وصل الى منتصف الطريق حتى فتح باب مكتب الأسد، وخرج الرئيس السوري وسار في اتجاه عون الى منتصف الطريق في إشارة ودية لا يقوم بها الأسد عادة الا لرؤساء الضيوف، وكانت مصافحة تاريخية وقبلات خلّدتها عدسات المصورين.

ثم وصل الوفد المرافق للعماد عون يرافقه وزير الخارجية وليد المعلّم ونائبه فيصل المقداد ومستشارة الرئاسة السورية الدكتورة بثينة شعبان. تألف الوفد من النواب: عباس الهاشم، نبيل نقولا، ابراهيم كنعان، فريد الخازن، والوزير السابق سيبوه هوفنانيان الى القياديين بيار رفول، العميد فؤاد الأشقر والإعلاميين ناصيف قزّي وجان عزيز، والدكتور ناجي غاريوس والمحامي جورج عطاالله، والمحامي الزميل جوزيف ابو فاضل.

دخل الرئيس الأسد وعون الى المكتب وجلس الاثنان في صدر الصالون الفسيح، فيما جلس الوفد المرافق في الجانب الآخر، وبادر الأسد عون بسؤال عن الدائرة التي سيترشح فيها فأجابه عون بأنه سيترشح في كسروان، فتعجّب الأسد قائلا إنه ظن بأن عون سيترشح في بعبدا، فراح العماد عون يشرح له قانون القضاء الجديد في حديث عابر أمام عدسات المصورين.

استمر الاجتماع الأولي مع الوفد المرافق زهاء ثلث ساعة، فيما امتدّ الاجتماع الثنائي مع العماد عون لساعتين إلا ربعا. وتردّد بأن عون سيعاود الاجتماع بالرئيس الأسد في ختام زيارته يوم الأحد المقبل.

من الأجواء التي رشحت عن اللقاء قول الرئيس الاسد: إن التقدير السوري للعماد عون كبير على الصعيد الوطني وليس المسيحي فحسب، وأضاف بأن عون كان في خلافه مع سوريا خصما شريفا، والمشكلة ليست مع الشرفاء بل مع الخصم غير الشريف.

وقال الاسد بحسب ما نقل عنه بعض أعضاء الوفد: نحن في سوريا نحب صراحتك وصلابتك يا سيادة العماد. نريد أن نكون صريحين مع بعضنا ونسمّي الأمور بأسمائها وبوضوح، لأن أهميتك يا جنرال أن لك وجها واحدا تحكي وتفعل ما تقوله.

المؤتمر الصحافي

بعد انتهاء اللقاء الثنائي عقد العماد عون مؤتمرا صحافيا قدّمته فيه المستشارة الرئاسية الدكتورة بثينة شعبان قائلة: يسعدنا الترحيب بضيف سوريا الكبير الزعيم الوطني ميشال عون، الذي ارتبط اسمه بالصراحة والصدق والجرأة ومواقفه الوطنية الشجاعة. أجرى سيادة العماد مباحثات بنّاءة مع الرئيس الاسد وهذه الزيارة تفتح عهدا جديدا للعلاقة بين سوريا ولبنان وتصبّ في مصلحة الشعبين.

ثمّ تحدّث العماد عون قائلا: أنا سعيد أن ألتقي معكم في دمشق. ما كان يعتقد أنّه محرّم أصبح حلالا وحلالا جدّا. بالطبع، لنا جرأة مواجهة الماضي وليس الهروب منه، ونحن لن نمحوه من ذاكرتنا كي لا نكرر الأخطاء. لذا كان حديثنا مع الرئيس الأسد واضحا جدّا، وتطرّقنا لمواضيع كثيرة بصراحة تامّة لأننا نريد بناء المستقبل وليس التوقف عند الماضي.

أضاف عون: انطلاقا من هنا، أطلقنا على اللقاء تسمية عملية القلب المفتوح، لأننا حكينا بقلبنا وبعقلنا وكل ذلك بهدف تنقية الوجدانين السوري واللبناني كي لا يبقى أثر لماضٍ فيه أشياء أليمة جدّا. ولقاؤنا اليوم هو وعد بمستقبل زاهر.

وقال أنه لم يمكن التطرق الى مواضيع تمتد على مدى ٢٠ عاما لذا أترك لكم أنتم الصحافيين حرية سؤالي عما تشاؤون.

سئل عن الفارق بين سوريا حافظ الأسد وسوريا بشار الأسد، وعن ملف المفقودين في السجون السورية؟

فقال: الفارق كبير، إذ تغيرت الظروف والمسؤولين، ومن دون شرح اكثر كلنا نعلم بأن الدول حتى إذا تحاربت تعود في النهاية الى التفاوض، ويجب التنبه الى عدم الانزلاق مجددا الى موقع الصدام. إن الماضي انقلب صفحة بيضاء.

وعن المفقودين قال: ثمة لجان تعمل ونحن بحثنا في هذا الموضوع، وأعتقد بأن هذه اللجان ستتوصل الى نتيجة بالبحث عن الاسماء الموجودة على اللوائح لمعرفة إن دخلت سوريا ومصيرها. الموضوع يتقدم واتمنى أن ينتهي سريعا ويعلن عن النتائج.

وشدد عون على ضرورة إقامة العلاقات الطيبة والانفتاح والتضامن بين البلدين. مشيرا الى أنه كان في حال خصومة مع سوريا وليس عداء، لأن العداء شيء ضخم ولا يجوز.

عن ملف اللاجئين الفلسطينيين قال: دول كثيرة تركت الموضوع وتحاول التسوية على حق العودة، وأقول أن اية تسوية لن تكون على حساب الدول التي تحمّلت أعباءالـ٦٠ عاما المنصرمة.

سئل عن مغازي الاستقبال وما سيقدمه لسوريا، فقال: لا يستطيع إنسان أن يقدّم اكثر مما لديه، وليس لدي إلا الصداقة.

وحول ترسيم مزارع شبعا ولبنانيتها، قال: لقد قالت سوريا كلمتها بأن المزارع لبنانية، وثمة خلاف على توقيت الترسيم بعد إخلائها. والخرائط موجودة في فرنسا ويمكن للأمم المتحدة الترسيم من دون لبنان وسوريا.

وعن زيارته للأماكن المسيحية المقدسة والرمزية التي تحملها، قال: إن سوريا هي مهد المسيحية، فهل يجوز ألا ازور هذه الأماكن حيث يوجد مسيحيون هم جزء من الشعب السوري، ولكنني أشير الى انني سأزور مواقع إسلامية ايضا وسأجتمع مع المفتي، لأن الشعب السوري مهم بفئاته كلها، ونحن نتوجه الى المسيحيين خصوصا لثنيهم عن الهجرة وحثهم على التمسك بأرضهم وبمشرقيتهم والقول بأنه يمكنهم العيش هنا وان يكونوا طليعيين بكسر حواجز الخوف.

وسئل عمن يعارض زيارته في لبنان، فقال: يجب التغلب على الخوف من الاشرار الذين لا يريدون أن تقام علاقة صحيحة بين البلدين. مستطردا: قد تؤدي الزيارة الى خسارتنا بضعة أصوات في الانتخابات، لكننا لن نتراجع امام قضية تخص الشرق الأوسط برمته. وليسأل من يعارضون أنفسهم: في حرب تموز هل بقيت حدود مفتوحة غير حدود سوريا؟ ليفكروا بالمصلحة الصغيرة الضيقة على الأقل.

وعن العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، قال: إن العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية تشبه حالة الطقس المتقلب، فلا شمس دائمة ولا غيوم دائمة. نحن لا نقيم العداء مع الولايات المتحدة الأميركية بل نعادي بعض مواقفها. اما ذا حصل تبدل إستراتيجي في الأساليب والأهداف كما عبّر الرئيس المنتخب باراك أوباما فتعمد الى بناء علاقات جيدة معنا كدول صغرى لها خصوصياتها، فسنعمد الى تغيير التعاطي معها، أما إذا استمرت في الأهداف والأساليب عينها فلن نخسر بل سنربح للأننا على ارضنا.

وحول رؤية الرئيس الأسد لتطوير العلاقات اللبنانية السورية، قال: السيادة والاستقلال والقرار الحر هي الركائز، قبل كل شيء يجب أن يعترف الإنسان بذاته عندها يعترف به الآخرون. لقد عبّر الرئيس الأسد عن ذلك بكل صراحة ووضوح، وأنا اعرف نواياه وبرغم ذلك تبناه بالكلمة المتبادلة.

وردّا على سؤال عما اذا كانت سوريا يجب ان تعتذر من اللبنانيين قال عون: على بعض اللبنانيين تقديم الاعتذار لنا لما حصل عن مرحلة كانوا فيها شركاء في أمور ضدّنا، فلنبدأ بالاعتذار في بيروت ولننتقل بعدها الى الشام.

وقال عن شهداء ١٣ تشرين: استشهدوا لنبقى أحرارا، المهم الا تتكرر الاحداث التي وقعت، وهذه أكبر تعزية للشهداء الذين ماتوا وهي أن يتأكدوا بأن أبناءهم واحفادهم لن يموتوا.

لـقـطـات

ـ اصطفّ عشرات المصورين في صالة الاستقبال الرئيسية في جوار مكتب الرئيس بشار الأسد، في انتظار لحظة دخول العماد عون، وقد لاحظ الأسد في حديثه الى عون أن عدد هؤلاء فاق المصورين الذين تواجدوا في زيارات رسمية لقادة عالميين.

ـ لوحظ التساهل في التفتيش الأمني للوفد الإعلامي المرافق في قصر الشعب.

ـ زيّنت قاعات في قصر الشعب بباقات الورد الأبيض والبرتقالي ووضعت في مزهريات برتقالية اللون ايضا.

ـ جلس اعضاء الوفد المرافق لعون في المقاعد الاولى خلال المؤتمر الصحافي، وكان بعضهم يبتسم او يضحك خلال بعض الاجابات الطريفة لعون.

 

جال في أحياء دمشق وتفقد سبع كنائس والتقى المعلم

عون لـالسفير: مطمئن للحاضر والمستقبل

غراسيا بيطار/السفير 4/12/2008

دمشق : من قلب دمشق القديمة رسمت شارة الصح لـالتيار الوطني الحر، على كفي العماد ميشال عون وأيضا على الأصابع العشر للشباب السوريين الذي سالوا كالنهر في ذاك التراث الحي بشارعيه الرئيسيين باب توما وباب شرقي، مرحبين بـالرجل الصادق والخصم الشريف وأسد لبنان والزعيم المسيحي والوطني اللبناني.

نساء ورجال وأطفال تدفقوا محتشدين في شوارع دمشق القديمة، التي يشعرك قدمها بأنك تعيش في ذاك الزمن الذي نحنّ اليه ولكن عبثا نحنّ. حملوا الأعلام اللبنانية والسورية وصور الرئيس بشار الأسد وضيفه سيادة العماد مزغردين ومرنمين في كل محطة دينية من الكنائس السبع التي تفقدها الجنرال. وللمرة الأولى بالنسبة لشعب لم يهتف منذ سنوات طويلة جدا إلا لرئيس بلاده، هتف الشعب السوري: أهلا أهلا بالجنرال، الله سوريا ولبنان وبس. أما بالروح بالدم نفديك يا بشار فتعني التحية للرئيس إكرامية ضيفه الكبير، على ما يعبر أحد المواطنين.

إطلالة عون العاصفة هذه ظاهرة بحد ذاتها تكررت على لسان أكثر من مراقب ولعلها تتقاطع مع الانطباع الأول الذي أسر به العماد عون لـالسفير بعيد وصوله الى دمشق: إنني مطمئن للحاضر وللمستقبل. كلام قاطع في طمأنته يشبه هدية الزائر الكبير لمضيفه الرئيس في قصر الشعب في دمشق: تشكيلة من الخناجر التراثية صنعت في لبنان وفي جزين تحديدا.

رائعة دمشق القديمة. تقف أمام تاريخها مندهشا بحجارة كنائسها الناطقة بزمن انتشار المسيحية، وأيضا بأبنائها السعداء لحدث أن أتى من يزورنا وهو منا. وفق طقوسها الخاصة، استقبلت كل كنيسة العماد المحبوب والساعي الى بناء سور المحبة بين البلدين.

على مدخل دمشق القديمة، تمر بالقرب من تمثال صلاح الدين الأيوبي، تعبر سوق مدحت باشا أو الطريق الطويلة الطويلة فعلا محالّ وكثرة وافدين. الجميع سيرا إلا موكب الجنرال خرق له نظام السير في المنطقة التراثية. يشق السوق التراثي والجماهيري عابرا الجامع الأموي وقلعة دمشق وصولا الى باب توما القشلي. سيرا لـسيادة العماد يرافقه نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد والوفد المرافق. هو الحي ذو الغالبية المسيحية لناحية البطريركيات والأبرشيات.

المحطة الأولى في الكنيسة المريمية التي أحبت أن تستقبل زائرها مع فرقة فرسان الشاغور. قائد الفرقة التي قدمت لوحة سيف وترس والعراضة الشعبية، يقول: نعتز لهذه الزيارة فنحن سوريا ولبنان واحد، ونريد أن نكون يدا واحدة في وجه العدو. يتوقف الجنرال لبرهة لينفض ما علق على رأسه من الأرز مستمعا الى راهبات يزغردن. وعلى وقع أجراس الكنيسة الفرحة استقبل المطران جورج أبو زخم العصف الجنرالي، الذي انتقل الى محطته الثانية في بطريركية السريان الأرثوذكس، وفي الاستقبال البطريرك زكا الأول عيواص على رأس وفد من الأساقفة.

اوساط هؤلاء ثمنت الزيارة وطالبت بتحسين العلاقات بين لبنان وسوريا ونحن كسريان لدينا وجود كبير في لبنان، ولهذا يهمنا توطيد الأواصر الاجتماعية والروحية معطوفة على السياسية.

وفي الوداع لم يقبل البطريرك إلا أن يودع الجنرال على مدخل الكنيسة الخارجي وإن استند الى عكازه.

بين المحطة والأخرى صيحات لبنانية بلهجة شامية أهلين وسهلين بالجنرال. وأمام المحطة الثالثة أي مطرانية دمشق المارونية. موارنة الجذور يرحبون بالعماد عون، تحت اللافتة التذكيرية وقف المطران سمير نصار مستقبلا، ولفيف من الأساقفة والآباء على الوقع الهادر لكشافة دير اللاتين.

وبعد الصلاة، المطران نصار يرتجل: يقال إن الدنيا تهتز ولا تقع، ودمشق اليوم تهتز ولن تقع، ونحن نرحب بكم على خطى مار بولس المقدسة وفي رحلة حج. مرحبا بعون من مهد المسيحية وتحديدا شمال سوريا حيث جذور الكنيسة المارونية التي تعود الى ما قبل الفتح الإسلامي.

وتابع وعون شاخص فيه: إن الشعب السوري يحبك لأنك تساهم في إعادة الإلفة بين الشعبين اللبناني والسوري.

ثم تحدث مسؤول الدير مرحبا بعماد لبنان في سوريا رحم المارونية، ليضع بعدها الجنرال نزولا عند طلب الآباء، إكليلا من الورد على رفات شهداء الكنيسة المارونية. تصفيق تضج به الكنيسة المصغية الى مداخلة عون الذي آثر الحديث هذه المرة بلغة مسيحية من قلب الكنيسة فأنا أتيت الى سوريا وأعرف تاريخها. داعيا الى تنقية الوجدان والضمير من دون تعقيد... وبعد هذه الزيارة ستشهدون زوارا كثرا لبنانيين الى سوريا.

ناطرين زيارتو مناطرة، نحبه لأنه شريف، تقول السيدة المتحمسة واللاهثة الى خطف صورة مع الزائر غير العادي وإلى جانبها راهبة زعلت لإبعادها قبل أن تأخذ صورتها معه. هذا في الطريق الى المحطة الرابعة: كنيسة القديس حنانيا. هذا القديس الذي يعمّد القديس بولس في مجسم على مدخل الكنيسة.

ويشرح الرهبان الفرنسيسكان للـجنرال تاريخ هذا الصرح ويقودونه الى تحت الأرض، فالشام تعرضت الى مراحل تدمير متعددة ما أدى الى ولادة كنيسة ـ مغارة أصبحت اليوم رمزا للسلام، لأن منها سمع صوت السيد المسيح الذي حوّل بولس من مضـطهد للمسـيحيين الى مبـشر بالمسـيحية في العـالم.

شق وفد العماد عون أحياء دمشق القديمة من نواب (عباس هاشم، إبراهيم كنعان، فريد الخازن ونبيل نقولا) والوزير السابق سيبوه هوفنانيان وقياديي التيار الوطني الحر: العميد فؤاد أشقر، المنسق العام بيار رفول، مسؤول الإعلام والعلاقات العامة ناصيف قزي، ناجي غاريوس وجورج عطا الله. الناس تعرف معظمهم وتحييهم بأسمائهم لا سيما النواب وتدعو لهم بالتوفيق.

ابتسامة هوفنانيان تعرض أكثر عند المحطة الخامسة في مطرانية الأرمن الأرثوذكس وعبق تاريخها، مع تمثال القديس حروب مانتدوتس مخترع الأبجدية الأرمنية عام ٤٠١ م. لتكون المحطة السادسة عابرة في الكاتدرائية القديمة للسريان الأرثوذكس وخاتمة ميلادية مع شجرة العيد المضاءة في الباحة، والترانيم الميلادية في المحطة السابعة في بطريركية الروم الكاثوليك.

البطريرك غريغوريوس الثالث لحام استقبل الجنرال بالصلاة وبكلمة مطبوعة مطولة منها: نستضيفكم في جو دمشقي يا سيادة العماد فالخميس (اليوم) يصادف عيد مار يوحنا الدمشقي وعيد البربارة، ونرى أن زيارتكم ستكون حديث الصغار والكبار.

وإذ ذكر ببدء المسيحية في الشام في عام ٣٥ م، أي بعد سنتين على موت وقيامة السيد المسيح، رحب باسم السوريين بكل المبادرات التي تساعد على فتح الطريق بين بيروت ودمشق، فسوريا ولبنان هما رسالة مميزة بين الدول العربية والمسيح ولد في فلسطين لكن المسيحية انتشرت من سوريا.

وختم مكررا ثلاث مرات في معرض أمله بتطوير العلاقات بين لبنان وسوريا: نريد السلام. وسرعان ما رد الجنرال ما وجودنا اليوم إلا من أجل السلام سلامنا الداخلي وسلامتنا على حدودنا في محيطنا غير المستقر بسبب وجود إسرائيل التي لا تعمل للسلام.

ثم قدم البطريرك للعماد عون أيقونة العذراء مريم وكتبا عن القديس بولس. وعندما طلب الوفد التنظيمي من البطريرك الاستعجال لارتباط العماد عون بموعد مع وزير الخارجية السوري عند السابعة، علق البطريرك: بدنا نمالح الجنرال قبل ذلك. أصر الوفد بتهذيب فعلق البطريرك ضاحكا وكان كما رغب: أنا البطريرك هنا ودعا العماد عون الى جلسة استراحة قصيرة في صالون البطريركية.

برنامج العماد عون يتابع اليوم دينيا وفكريا لتبقى السياسة حاضرة خصوصا في إطلالات الوزير المعلم في فندق الشيراتون وتحديدا جناح السلام. فبعدما استفاض الطرفان في خلوتهما في العناوين تركا له الغوص تفاوضا في التفاصيل.

اليوم يبدأ مبدئيا بمحاضرة لعون دعي اليها أكثر من ألف شخصية فكرية سيلقيها في إحدى جامعات دمشق، على أن يكون البرنامج حافلا بعد استراحة الغداء بلقاءات مع وفود سورية ستطبع أيام العماد الدمشقية.

 

كلمة العماد في جامعة دمشق: وحدتنا الوطنية ساعدت المقاومة على تحقيق الانتصار في أشرس حربٍ خاضتها إسرائيل ضد لبنان

عن موقع التيار الوطني الحر/4 كانون الأول/08

سيداتي، سادتي،

لا شك أنكم تتساءلون وأنا أتوجّه إليكم في هذا اللقاء الكبير والمميز ما عساي أقول في هذه المناسبة، وهي الأولى بعد عقود من الزمن طغت عليها ظروف صعبة ومعقدة، رافقتها أحداث أليمة خيّمت على العلاقات في ما بيننا، فالكلام المشدود إلى مثل هكذا ماضٍ يصبح مربكاً، لاسيما وأن قوىً كبرى ساهمت في تكوين تلك الحالة أو كانت من مسبباتها، ما زالت ضاغطة، وتعمل جاهدة لإبقائها وإيقاف مسيرة العودة إلى الحالة الطبيعية الواجب أن تسود واقعنا.

فهل نستطيع فصل الماضي عن الحاضر والمستقبل كي يصبح الكلام مريحاً والإصغاء ممكناً؟!

أنا أقول نعم، ولكن ليس بمحوه طبعاً ولا بالخوف منه ولا بالهروب إلى الأمام، بل من خلال مواجهته وإعادة النظر فيه من قبل الجميع بذهنية الناقد الذاتي المصمم على التغيير. قدرتنا على القيام بهذه العملية هي مقياس لإرادتنا وتصميمنا على التطور ومواكبة المتغيرات والمساهمة في صنعها، فنجعلها أكثر ملاءمةً وفائدةً لمجتمعاتنا وأوطاننا. من هذا المنطلق يصبح التفاهم سهلاً والتقارب طبيعياً فلا يعود الماضي مرهقاً، ولا الحاضر مربكاً، ولا المستقبل مقلقاً.

لقد قمنا في لبنان، نحن والمقاومة، بهذه التجربة التقييمية منذ العام 2006، ونجحنا معاً بعد أن وضعنا كل الأمور على الطاولة وناقشناها بعمق وصراحة أوصلانا إلى تفاهم، هذا التفاهم الذي انعكس على مجتمعنا طمأنينة مكنتنا من المحافظة على وحدتنا الوطنية وساعدت المقاومة على تحقيق الانتصار في أشرس حربٍ خاضتها إسرائيل ضد لبنان ووفق موازين قوى غير متكافئة بفوارقَ كبيرة. وإذا كانت الطمأنينة ساعدت المقاومة، فالغطاء الذي أمّنه خيارنا الوطني بدعمها في مواجهة إسرائيل حصّنها ضد الخارج الذي حاول استقطاب الداخل اللبناني لمناهضة المقاومة بإثارة مخاوف أمنيّة من سلاحها ومخاوف سياسية من غاياتها، ليس أقلّها اتهامها بالسعي إلى إقامة نظام ديني يتناقض مع عاداتنا وتقاليدنا والتزامنا بحرية المعتقد.

بالرغم من كل العراقيل، حققنا تناغماً وطنياً حول المقاومة ومفاهيمها وأهدافها، ووحدنا النظرة الى وطن سيّد حرّ مستقل يبني علاقاته مع الدول الأخرى على أساس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، كما النظرة الى مجتمع مستقبلي نسعى الى قيامه في ظل دولة قوية وعادلة، وبدأنا انطلاقة جديدة على طريق المواطنة آملين استكمالها بتحولات بنيوية.

وخلافاً لكل التوقعات التي أكدت يومذاك انتصار إسرائيل على المقاومة أتت النتائج لتعكس هزيمة لم تُشف إسرائيل من تداعياتها بعد، كما لم تستطع تهديدات المسؤولين الإسرائيليين المستمرة بضرب لبنان ومقاومته وبنيته التحتية أن ترفع من معنويات قواتهم المسلحة أو أن ترهبنا. فهم لم يتعلموا شيئاً من تجاربهم السابقة فيه، ولا زالوا يقوّمون خطأً أسباب هزائمهم المتكررة؛ فبيننا وبينهم فوارق كبيرة في تقدير موازين القوى، قيمتهم الآلة وقيمتنا الإنسان، وإذا كانوا قد حولوا الآلة أداةً لاغتصاب الحقوق، فإن الإنسان المؤمن بحقه استطاع تدمير تلك الآلة، وهذه المعجزة قد تمّت على أيدي المقاومين وفرضت معادلة عسكرية جديدة ستبقى قائمة طالما بقي مجتمعنا يواصل دعمه للمقاومة.

ومنذ قيام إسرائيل، أي منذ ستين عاماً، وهي تواجه مشاكلها مع العرب على قاعدة القوة بواسطة الصراع المسلح معتمدةً المدفع والدبابة والطائرة، وإذا كانت إسرائيل قد حققت انتصارات آنية، مستفيدةً من تعثر إنساننا في تلك المرحلة، فإنها، لم تستطع إسقاط إرادة النواة الصلبة في المقاومة التي كانت تتزايد مع تزايد العنف الإسرائيلي. وهكذا تمكّن شعبنا أن يحرر نفسه من التعثر والارتباك، وبالرغم من تخاذل بعضنا أحياناً، حققت المقاومة الانتصار.

إن إسرائيل التي وصلت قواها المسلحة إلى حجمها الأقصى ومستواها الأعلى في الجهوزية التقنية والقتالية والعسكرية، أصيبت بالهزيمة ولن تكون لها غلبة بعد الآن، ولن ينقذها التدريب الجديد لوحداتها العسكرية، فالموضوع يتخطى تقنيات استعمال السلاح والقتال ليصيب الثقة بالنفس والقدرة على الاستمرار في معركة مع لبنان.

إن القادة الإسرائيليين غطوا هزيمتهم بادعائهم عدم الإعداد اللازم للمعركة، والصحيح أن حجم القوى ومستوى التدريب ووسائله كانت أكثر من كافية، ولكن الشعب الإسرائيلي الذي يولد ويموت في الحروب، دون أن يأمل يوماً بالوصول إلى السلام المنشود فقد معنوياته وخسر إرادة القتال، وهنا يكمن السبب الحقيقي للهزيمة.

في نهاية العام 2004 نُشرت رسالة كتبها عالم النفس اليهودي سيغموند فرويد إلى الدكتور حاييم كوفلر في العام 1930 أي بعد 75 عاماً من كتابتها، وهي تناهض الفكر الصهيوني الذي يدعو إلى إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وقد رفض فرويد طلب كوفلر المساهمة في الدعاية لهذه الدولة لعدة أسباب وجيهة فنّدها في رسالته، وهذه الأسباب هي نفسها المشاكل التي تعاني منها إسرائيل اليوم.

ويأتي أيضاً كتاب المؤرخ اليهودي "إيلان بابي" ILAN PAPPE "التطهير الإتني لفلسطين" في العام 2006 ليشكّل إقراراً موثقاً بالمجازر التي ارتكبتها الصهيونية بحق الفلسطينيين منذ العام 1948، وبالتهجير الذي طاول مدنهم وقراهم.

لقد كان من المفترضِ أن تبقى رسالةَ فرويد سرّية، ولكنَ نشرَها ونشرِ كتاب "التطهير الإتني لفلسطين" في وقت متزامن تقريباً، وحيث لا يزالُ هذا التطهيرُ متواصلاً، وكذلك المجازر الإسرائيلية خصوصاً في غزة، يشكلان بالحد الأدنى دعوة من عقلاء اليهود إلى إعادة نظر في السلوك والتفكير الإسرائيليين اللذين لا يتآلفان مع مسيرة السلام التي انخرطت فيها إسرائيل والدول العربية.

وأنا في الواقع متيقن أن إعادة النظر هذه إذا حصلت، ستجعل إسرائيل تغيّر مقاربتها في معالجة القضية الفلسطينية وتفهم بصورة أكيدة ونهائية أنها إذا أرادت السلام فإنه يبدأ بحل مشكلة اللاجئ الذي طرد من أرضه ومن ثمّ إعادة الحقوق في الأرض إلى أصحابها؛ فلا سلام بدون عدالة، ولا عدالة إلا باحترام الحقوق، وخلاف ذلك فالحلول سراب.

لا يمكن لإسرائيل اليوم أن تتصرف عكس مسار التاريخ وتتحدى التطور الإنساني بعصبية لم تعد مقبولة؛ فمع سقوط الفكر ألآحادي في أشكاله كافة، السياسية والعرقية والدينية، وسير المجتمعات باتجاه التعددية التي بدأت تعمّ العالم، تعلن إسرائيل نفسها دولة يهودية، وتؤكّد على ذلك برفض حق العودة للفلسطينيين إلى أرضهم. وبعد أن كان المضطهَد يطالب بأرض يعيش فيها تحول إلى مضطهِدٍ يرتكب المجازر ويهجر ويستولي على الأرض ويقضي على هويتها..

إن عوامل الخيبة والإحباط واليأس التي ضربت الشعب الإسرائيلي تفرض على إسرائيل الإسراع في تغيير مقاربتها للحلول وإلا وجدت نفسها على مسار انحداري، نترك لها أن تقدّر أين ينتهي.

إن الذاكرة تبقى دائماً مشدودة إلى آخر الأحداث، وذاكرتنا اليوم مشدودة إلى حرب لبنان وحصار غزة، وكأننا نسينا جذور المشكلة ونسينا مسببيها مما يتيح لهم التلطي والهروب من مسؤولية أعمالهم. فقلما نشير إلى أن مأساة فلسطين، وما جرته من ويلات على الشعوب العربية كافة، وُجدت نتيجة قرار من الأمم المتحدة قضى بتقسيم فلسطين جاهلاً أو متجاهلاً ما تزخر به تلك المنطقة من مقدسات تتقاسمها الديانات السماوية الثلاث ما يجعلُ السيطرةَ عليها من قِبَلِ فريقٍ ما، إعلاناً لحرب الآلهة على الأرض، تشتعل نارها تارة وتخبو طوراً وفقا للظروف ولكنها لا تنطفئ أبداً.

إن الأمم المتحدة التي قسّمت فلسطين وما نتج عن هذا التقسيم من مساس مادي ومعنوي بحقوق الشعب الفلسطيني تعتبر المسؤولة الأولى عن تغطية جميع أعمال الأذى التي قامت بها إسرائيل في ما بعد ضد الشعب الفلسطيني وقد رأيناها تعالج هذه المشاكل وفق إرادة الدول الكبرى بصرف النظر عن توافق هذه الإرادة مع القوانين الدولية او عدمه، فهي لم تنجح يوماً في إدانة إسرائيل بسبب حق الفيتو، كما أنها لم تحاول إرسال قوى لتنفيذ قرارات دولية في فلسطين لتساعد على حماية شعب بأكمله بينما نراها في حقول النفط بقرار دولي أو بدون قرار، ونجد أهم أعضائها اليوم يعملون على إلغاء مفاعيل القرار 194 الذي ينصّ على حق العودة للاجئين الفلسطينيين من خلال الضغط لقبول تسوية تلغي واقعياً هذا الحق.

إن هذه المشكلة التي بدأت في العام 1917 مع وعد بلفور وشغلت القرن العشرين ستبلغ بعد تسع سنوات عامها المئة، وأكبر ضحاياها الشعب الفلسطيني ثم الشعب اللبناني، وباعتقادي، إذا لم تصل هذه القضية إلى حل عادل وسريع تتحمل فيه الأمم المتحدة مسؤوليتها فإن النهاية ستكون أقرب مما نتصور وأكثر مأساويةً من البداية، تنعكس فيها الأدوار... تلك هي حتمية التاريخ.

بعد أن طرحنا أمامكم هذه المقاربة التي حققناها في لبنان والتي اكدت نجاحها نتوجه عبركم الى مختلف المجتمعات العربية عاقدين العزم على الوصول معا الى مجتمع عربي حضاري وحديث اكثر فعالية وتضامنا واكثر استعدادا لمواجهة تحديات العصر فنتحول عندئذ من مجتمع تبعي ملحق الى مجتمع طليعي قائد.

الأسئلة

س: مشروعية السلام تتم من خلال الملفين: الأرض، التوطين أو عودة اللاجئين الفلسطينيين. أين مشروعية السلام إذا ليس فحسب على المستوى اللبناني انما على المستوى العربي أيضا؟

ج: قلتها بوضوح أن لا سلام من دون إعادة حقوق ولا سلام من دون عدالة. الشيئان الأساسيان هما الحق الفلسطيني في العودة وحق العرب في الأرض التي ما زالت محتلّة. ومن دون هذه العودة الى هذه الحقوق الأساسية، لأننا اليوم نتناسى الكثير من المواضيع، يجب ألا ننسى أننا اليوم في الذكرى الـ 61 للإعلان العالمي لحقوق الانسان وذلك بعد أسبوع في 11 ديسمبر. بعد ستة أشهر على هذا الإعلان، صدر قرار تقسيم فلسطين وما عاناه الشعب الفلسطيني، فتمزقت الشرعة واحترقت الشرعة ولا أحد يتكلم عليها.

واليوم هناك الكثيرون ممن يعطوننا الدروس في حقوق الانسان ويعلّموننا، ولكن ماذا فعلوا بشرعة حقوق الانسان بعد ستة أشهر من اعلانها ؟ طارت كل الشرعة، يعني هذا المؤرخ اليهودي الذي تحدثت عنه كتب كتابا فيه الكثير من الشجاعة عندما تكلم على التطهير الأتني في فلسطين وهذا اليوم ما يحسب جرائم ضد الإنسانية.

لا ادري لماذا تأخروا في تصنيف الجرائم ضد الإنسانية ولكن أن تأتي متأخرة لا يمنع توصيف تلك المرحلة بأنها كانت جريمة ضد الإنسانية ولو معنويًا.

س: سؤالي عن مزارع شبعا، سوريا أعلنت مرارا وتكرارا لبنانية هذه المزارع، حتى في لبنان أعلن الرئيس اللبناني ميشال سليمان البارحة وعلى الملأ في ألمانيا لبنانية هذه المزارع. في رأيكم ما سبب اثارة هذا الموضوع في كل فترة؟ لماذا جعله عقبة في تكوين علاقات طبيعية بين سوريا ولبنان على رغم وجود هذه المزارع تحت نير الاحتلال الاسرائيلي؟

ج: أعتقد أنها عملية تشويش لا أكثر ولا أقل.

يعني هناك بعض الناس في خط سياسي عاجزون أن يعبروا عنه برفض صريح، يختلقون الأعذار كي يخلقوا دائمًا جوًّا من القلق، وهذا اعتدنا عليه ويجب ألا يؤثر فينا.

المسار الصحيح مستمر ولن نتوقف وهم كلما ازدادوا عجزًا كلما زاد تضليلهم الإعلامي وزاد التشويش. حتى البارحة وعلى رغم أن كل التلفزيونات كانت تبث مباشرة، سألوني عن الاعتذار السوري لي عن أحداث لبنان، قلت لهم: اذا كانت هذه الأحداث تتطلب اعتذار فليبدأ اللبنانيون الذين أذونا بالاعتذار منا، وهذا يكون اعترافًا صريحًا منهم بأنهم أذونا أيضًا، عندها نطلب من السوريين اعتذارًا آخر.

اذًا، يصلون الى حد التضليل وبعضهم ممن يفتحون تلفزيونات من دون تسميتها الآن لا نريد فتح سجال معهم انطلاقًا من دمشق، من الجامعة بخاصة، ولكن كلكم تتابعون وتسمعون شيئًا ثم تحاولون التأكد من معلوماته، ويشك هل ما سمعه صحيح. اذًا تصل الى هذه الدرجة. وهناك الكثيرون من الصحافيين اللبنانيين الموجودين هنا نواجه معهم هذه المشكلة يوميًّا ليس مع الصحافيين هنا ولكن مع الإعلام الموجه.

س: رفضت استخدام كلمة عداء وتصر حتى الآن على استخدام كلمة خصومة، ألا ترى معنى أن بعض الأفرقاء اللبنانيين ذهبوا الى حد بعيد في عدم استخدام كلمة خصومة واستخدموا ما تجاوز حد العداء. هذا أولاً.

سؤال آخر: التيار الوطني الحر في الجامعة له دور. ما هو دور التيار الوطني الحر في الجامعات ضمن تحالفاته، ضمن الجامعات وبين الطلبة؟

ج: أكيد، التوعية الأساسية تتم باللقاءات بيني وبين طلاب الجامعات وأحيانًا بواسطة لجان مسؤولة عن كل كلية في كل جامعة. هناك توعية وطنية وسياسية وتقريبًا اليوم هناك كثير من التماهي مع بقية الأفرقاء المتعاونين معهم مثل طلاب المقاومة. نحن واياهم جبهة واحدة لسنا منقسمين. وضعنا طبعًا أولويات العمل نحن والمقاومة ولكن لدينا الكثير من المواضيع التي يجب أن نقوم بها معًا. ويجب ألا يفكر أحد بان هذه أمور تنتهي، بل هي عمل متواصل وتراكمات مع الوقت.

بالنسبة إلى السؤال الثاني، هناك نقص في الثقافة السياسية وعصبية زائدة. حتى اليوم وفي المدارس العسكرية العليا يتحاشون استعمال كلمة "عدو" ويستعملون كلمة "خصم" او يستعملون كلمة أخرى مفترضة. حتى في المدارس العسكرية، إذ مبدئيًا يجب أن نسحب من فكرنا وهذا ما له أثر تربوي مهم. فكرة العداء تجاه الانسان الآخر أيًّا تكن الظروف والا اذا لم نسحبها نقوم بحروب فناء. حتى الحرب يجب أن تنتهي.

فإذا هذه كلمة "عدو" تحذف تدريجًا حتى في العلوم العسكرية ولكن ماذا نفعل بهم؟ انهم ناس لديهم ثقافة محدودة. هذا مؤسف ولكنه واقع.

س: الحملة التي تشن اليوم عليك في لبنان من المعسكر الثاني الذي يدعي السيادة والحرية والاستقلال، وأخيرًا حددوا مهاجمتك بسبب زيارة سوريا، ونحن نعرف كيف كانت علاقتهم بسوريا من قبل وعلى أي مستوى وكيف استقبلت انت في سوريا. جنرال ما هي الاهداف وراء هذا الاستهداف والى اي مدى هم قادرون على تحقيق شيء من أهدافهم؟

ج: في النتيجة عندهم ضياع، فخياراتهم التي قاموا بها وانا لا اسميها خيارات. فنحن من قمنا بالخيارات. في الخيار يربح الانسان او يخسر و يتحمل مسؤولية خياره، انما في الرهان يراهن حتى يربح وهناك تأتي الخسارة صعبة عليه لانه راهن ليربح.

نحن قمنا بالخيار وكنا مستعدين لتحمل الخسارة كما كنا مستعدين للمشاركة في الربح.

رهاناتهم مثل المقامرة، مثل لعب الميسر، هم يلاحقون خساراتهم اكثر من املهم في الربح لان العالم كله تغير الآن وهم لم يفهوا بعد انهم يجب ان يعدلوا سياساتهم وان رهاناتهم كانت خطأ. وهذه عادة عند المقامرين يخسرون آخر "قرش" في جيبهم وبعضهم ينتحر.

س: كان لبنان ولا يزال موئلاً للأدباء والمفكرين والمبدعين الوطنيين المتمسكين بقوميتهم. فيا ترى ما هو موقف الجنرال ممن يعول على الخارج ويستقوي به ضد ابناء وطنه وبخاصة عندما يكون هذا الخارج هو الولايات المتحدة الاميركية التي كانت وما زالت تزود العدو الاول للعرب وللبنان الاسلحة الفتاكة التي يستخدمها لقتل الاطفال اللبنانيين وللتشريد والتدمير.

ج: بالتاكيد في سلوكي الشخصي وهذا شيء شفاف بالنسبة إلى الكل، لم يكن لدي تعاون مع احد حتى مع اقرب المقربين في الخارج ضد أي فئة لبنانية. دائمًا كنت احاول ان اساعد قدر المستطاع لإيقاف الأذى، هذا في المرحلة الاولى.

في المرحلة الثانية حين اصبحنا في موقع المسؤولية السياسية والوطنية، اكيد موقفنا هو ضد المواقف التي تهدد وجودنا وتهدد وجود مثيلنا في المنطقة يعني الفلسطينيين. وقفنا هذه المواقف وكنا ضد، ولم نستعمل كلمة عدائية وكنا ضد المواقف الاميركية بوضوح وتحملنا الضغوط والتهديدات وهي اكثر مما تتصورون لانها كانت تصوب بالوسائل الدبلوماسية ونحن نحتفظ بها لنشرها لاحقا للتاريخ، في المذكرات.

فاذًا المواقف واضحة وكلامي اليوم واضح، انا اثق بأن مجتمعا متضامنًا ومقاومًا يكفينا، من دون حروب كبيرة، فقط مجتمع مقاوم ومدعوم عربيًّا. الارهاق الذي تحدث عنه الشعب الاسرائيلي حقيقي ولذلك عليه ان يختار. ولا تظنوا ان هذا يحصل بأعجوبة فهم من المؤكد يسمعون هذا الكلام ويقيمونه وغدًا سينكرونه، ولكن إذا أخذناه بعمقه يبدو كأنه نصيحة لهم ونحن لا نقول لهم سنفنيكم ونقتلكم ولكن انتبهوا واعطوا حقوق الناس حتى تعيشوا معهم. هذا هو الموضوع المهم. وبعد هذا كل واحد مسؤول عن اعماله.

س: جنرال المحكمة الدولية في آذار، فهل هناك مخاوف في المعارضة أن تطلب المحكمة الدولية من بعض النواب أثناء الانتخابات ولو حتى كشهود، لتغييبهم عن الانتخابات؟

ج: اعتقد ان هذا الشيء مستحيل، حتى الوضع الدولي كله تغير، وهو ليس في اجواء مسايرات عاطفية للبعض او غير مستندة الى وقائع حقيقية، بخاصة اننا نحمل المسؤولية للقضاء اللبناني في توقيف بعض اللبنانيين خلافًا للقانون، وهذا شي مؤسف.

س: في عام 2007 رفض بوش منح اي معونات لحزب التيار الوطني الحر بسبب مساندتكم لحزب الله. باعتباركم زعيم هذا الحزب هل تتوقع وضعكم على اللائحة السوداء ووصفكم بالارهاب كما هي الحال بالنسبة إلى حزب الله؟

ج: كلا، وإلا سيأتي الارهاب من الذي وصفني به. صحيح أن لبنان بلد صغير وفي حجم القوة التي نواجهها، اكيد ليس هناك مقاربة بالوزن، ولكن هناك اشياء معنوية تربطنا بالعالم كله. الحمد لله اسمنا اصبح معروفًا وهو اقوى من التوصيف. والصراع هو دائمًا بين حقين: حق القوة وقوة الحق. نحن نملك قوة الحق وهم لديهم حق القوة.

س: ذكرت في إحدى المقابلات ان خيارك هو ان تكون مع الشعب وان تخوض حربه. فإما ان يهزم وتتحمل انت معه الهزيمة وإما ان ينتصر فيكون لك شرف المشاركة في هذا النصر. ونحن في سوريا نكبر فيك هذا الموقف وهذا الخيار. جنرال انت ممن اثبتت التجربة انه صاحب موقف مبدئي وثابت وواضح ونحن في المرحلة القادمة مقبلون على عصف سياسي ناتج عن الأزمة المالية. فكثير من الدول ستبدل سياساتها واهتماماتها الخارجية وهناك دول في المنطقة سترفع سقف مطالبها الاقليمية كتعويض عن مساهمتها في معالجة الازمة المالية وهذا يعني مزيدًا من الضغط علينا وعليكم. نحن مستعدون. انتم كيف تهيأتم انتم وحلفائكم لمواجهة سيل الاستحقاقات القادمة التاتجة عن هذه الازمة ؟

ج: لغاية الان، نحن ننتظر التقويم الرسمي للحكومات القائمة الآن في المنطقة، ولكن نحن نستطيع ان نعيش في الحد الادنى ولن يكون هناك انهيار، لان منذ مدة تعودنا على الحد الأدنى، لذلك المصائب الكبرى تصيب الكبار. طبعًا ستزيد الضائقة عندنا ولكن نقدر ان نتحملها، على رغم كل شيء. الأزمة الاقتصادية عندما بدأت صار الانهيار المالي والنتائج الاقتصادية ستأتي، ومداخيلنا قد تنزل للنصف 40% لا أدري ولكن من هنا وعينا وتحملنا وقدرتنا على التحمل اكبر. واعتبر من كان يمشي على رجليه ليذهب الى عمله لن يتغير عليه الوضع كثيرًا وهذا هو الشعب المناضل. اما من كان يملك 3 4 cadillac ومرسيدس، ستصعب عليه تعبئتها محروقات وسيجبر على العمل أكثر. إذًا الإثراء هو الذي يصاب على مستوى المجتمع، والفقراء يحافظون على مستواهم على الاقل.

س: في المرحلة الأخيرة شهدنا تناميًا للأنظمة الإرهابية في شمال لبنان والتي تربطها علاقات ببعض التيارات السياسية ربما في الفريق الحاكم. كيف تحللون هذه الظاهرة ومن وضع الأجندة لها لكي تستمر في شمال لبنان؟

ج: اسمح لي الا اكون صريحًا، وذلك لأني لا اقوم بتحقيق قضائي ولكن سأعطيك مؤشرات أنت تحددها.

هذه المجموعات الارهابية لها ايديولوجية معينة لا احد من الموجودين هنا يجهل مصدرها، من دون أن نسمي، ولها أيضًا موازنات مالية تدعمها وأعتقد ان لا أحد جاهلاً مصدرها "وفهمكم كفاية".

س: صرحت في أكثر من مؤتمر صحافي أنك كنت خصمًا لسوريا وقد انتهت هذه الخصومة، في حين أن أكثر الموالين لسوريا في مرحلة من المراحل ذهبوا أبعد من الخصومة الى العداء وهم يدعون أنهم يمثلون مصلحة لبنان وهم في الحقيقة لا يريدون الا مصلحتهم الشخصية ومصلحة أعداء لبنان؟ كيف تقومون هذه الحالة بانعكاساتها أولاً على المواطن اللبناني وثانيًا على الحالة الوطنية اللبنانية المقاومة للمشاريع التي تستهدف أمن لبنان؟

ج: أعتقد أن العلاقة كانت أولاً خطأ، لم تقم على علاقة صداقة، كانت العلاقة مصلحية، وبعد التغييرات التي صارت وانسحاب سوريا من لبنان تحولت المصلحة في اتجاهات أخرى، فنقلوا الى الجهات التالية. لأن أصحاب المصلحة هويتهم دفتر الشيكات ووطنهم البنك، حيث وضعوا أموالهم. والتزامهم ليس في الأرض الحقيقية التي يلتزمها الانسان المواطن. من هنا نعرف ان هذه علاقات مصلحية ضيقة كثيرًا تتخطى حتى ليس مصلحة مجتمع، فتصبح مصلحة المجتمع اذا كانت واسعة وتضم القسم الأكبر من المواطنين تصبح مشروعة اذا كان هناك تحول ولكن مشاريع أفراد ومصالح محدودة جدًّا بالعكس تأتي بالخراب. التصادم في قلب البلد وتقوض الاستقرار، وهذا الخطأ فيها، وهي من الأساس مبنية خطأ وما يبنى على الخطأ يولد خطأ أكبر.

س: اضم صوتي إلى صوت زملائي وارحب بك مرة اخرى في بلدك الثاني سوريا، سيادة العماد ميشال عون، تحدثت مرات عدة عن مطلب الغاء الطائفية السياسية المقر في اتفاق الطائف، لكن هذا المطلب خفت عندكم، هل هو يأس ام تأجيل وما هي تحفظاتكم عن اتفاق الطائف؟

ج: التحفظات كثيرة اولها عدم التوازن بين مؤسّسات الدولة اللبنانية، مؤسسة لها اسم كبير ولكن من دون صلاحيات، رئاسة الجمهورية، مؤسسة ثانية تسمى رئاسة الحكومة وليس مجلس الوزراء، تمسك بجميع المؤسسات التنفيذية في المجتمع وتمسك كذلك بمؤسسات المراقبة، وفي ذلك خطأ علمي وقانوني واداري، لا يجوز الجمع بين المراقبة والتنفيذ، اي ان يكون التنفيذ باليد اليمنى والمراقبة باليد اليسرى، ممّا يفقد المراقبة فعاليتها، انني اعطي نماذج سريعة، فقد لاحظنا في بعض الأماكن ايضًا غياب المراقبة على صرف اموال الدولة التي تخضع أساسًا لقواعد المحاسبة العامة، كما رأينا أن مجلس الانماء والاعمار هو الحكومة الحقيقية للبنان، ولدينا حكومة وهمية يطلق عليها النار أمثالنا من السياسيين والصحافيين، لكن الحكومة الواقعية تسمى مجلس الانماء والاعمار وهي خاضعة لرئيس الوزراء، ما يعني وجود خروقات كبيرة في تنظيم الدولة اللبنانية كرسها الطائف أو اُلحقت بالطائف، فبعضها أُلحق بالطائف، اذ طرأت عليه بعض التعديلات الجزئية، من هنا وجوب اعادة النظر، والآن، المدافعون عنه أو بعض المستفيدين منه، جعلوه بمثابة الكتب المقدسة، ممنوعًا المساس به، ونحن نعرف أنّ أي تشريع مهما كان راقياً، اذا لم يُطوّر عندما تنشأ حاجة معينة، ويتم تعديله أو ضبطه، والقانونيون يعرفون ذلك، لا يمكن أن يلبي حاجات المجتمع المنبثق منه، لذلك يتطلعون إليها في لبنان على أنّها كتب مقدسة يجب عدم المساس بها، وستأتي الظروف وهي ليست ببعيدة، فجميع الناس سيشعرون أنّ هناك ضرورة، فقد وقعنا في أزمة سياسية مثلاً، فتصادمت الحكومة مع المجلس، وبهذا الصدام، من يحلّ مجلس النواب؟ هل هناك نظام برلماني في العالم لا يمكن فيه حل مجلس النواب والعودة الى استفتاء الشعب؟ لا يوجد، الاّ عندنا وقد ربطوه بالذين يتخاصمون، يعني أنه يرتبط بتوافق المؤسّسات المتخاصمة على حل المجلس، وعندما يكون هناك احتكام للشعب، لا يمكن أن يكون هناك توافقات في القمة، ما يعني انّ التوافقات التي ظهرت على هامش اتفاق الطائف، شلّت مؤسسات الدولة، ونأمّل ان يخرج منها. طبعًا هناك انتخابات نأمّل تأمين الأكثرية خلالها، لنقوم بتصحيحات كثيرة في شكل نحافظ فيه دائماً على وحدتنا الوطنية اي بإدراك الجميع أنّ ما سنقوم به هو شيء ضروري لاستقامة الأوضاع وممارسة الحكم في شكل سليم.

س: دكتور غسان اسماعيل من طلاب حركة أمل في سوريا. دولة الرئيس، بدورنا، نرحب بك هنا في الجامعة. دولة الرئيس، نحن نعرف اهمية الدور الذي تقوم به من أحل المحافظة على دور لبنان - الرسالة، ومن خلال تثبيت دورك الذي تقوم به، اي من خلال تثبيت الوجود المسيحي في الشرق، وكما يقول الرئيس بري أنّ لبنان لا يقوم الاّ بجناحيه المسلم والمسيحي، ففي رأيك ما هو التأثير الكبير للانتخابات النيابية المقبلة في دعم هذا الدور أو تقويضه؟

ج: اعتقد انّ الدور الذي نقوم به ليس بدورٍ ضيق مرتبط فقط بلبنان، مع احتمال النجاح بلبنان وعدم السقوط وعدم التحجيم، حتى لو تم، وهذا على سبيل المناقشة الفكرية فقط، هذا موضوع أساس، فما نقوم به اليوم، هو انطلاقة لفكر جديد، يجب أن يعمّ جميع المسيحيين في الشرق، ويجب أن يقود المجتمع اللبناني الى مجتمع المواطنة التي تكلمت بها، وهذا يحصل بتحولات بنيوية جديدة. هناك أشياء نشبّهها بأرزتنا، مثل الأرزة، تزرعها أنت، وأزرعها أنا بعمري هذا وأنا أعلم أنّني لن اراها كبيرة، لكن أولادي يرونها أكبر وأولاد أولادي يرونها أصبحت كبيرة جدًّا، فلا نستطيع أن نحصد كل شيء عندما نزرعه، فهذه الانسانية وهذا المسار الطبيعي للأفكار والتغييرات الكبرى في المجتمعات.

المهم أن نبدأ، والمهم أن ننتصر بسياستنا، لأننا نشعر كأننا متأخرون 20 سنة. فالانطلاقة كان يجب أن تكون تغييرية جيدة ولكن نستطيع أن نقوم بأشياء كثيرة ولكن لا يمكننا لا أن نقصّر الوقت ولا أن نطيله.

مرحلة النضج يلزمها الوقت، حتى تزهر الشجرة وتعقد وتكبر الثمرة ومن ثم تنضج وتقطف. هناك دورة طبيعية، وهكذا أعتقد نضج الشعوب والمجتعات، يلزمه وقته. تريد القسم الأكبر منه أن يعيش التجربة ويقتنع بها حتى يأتي التغيير بناء لطلبه، لا يأتي مفروضًا عليه من فوق.

س: كنت تذكر دائمًا أنك رجل خيارات لا رجل رهانات، ما هي خياراتك اليوم؟

ج: عبّرت عنها الآن على مستوى القضية. إذا أخذت القسم الأول، مواجهة الماضي والخروج منه وتحضير المستقبل حتى يكون لنا. لا تعود ذاكرتنا الا نقية، أي تنقية الذاكرة والعمل للمستقبل. ومستقبلنا هو ما نقوم به اليوم في حاضرنا.

المواقف بالنسبة إلينا هي إعادة نظر وتقويم. بالنسبة إلى القضية الفلسطينية التي هي قضيتنا وتحمل جروحات الشعب الفلسطيني وجروحاتنا منذ ستين عامًا. أيضًا عندنا دعم المقاومة لإكمال مسيرة الحل في شكل طبيعي.

بالنسبة إلى المجتمع العربي الأكبر، خياراتنا أن يقوم المجتمع بإعادة نظر ذاتية حتى يغيّر أساليبه ويعتمد أفكار جديدة ويتعاون مع باقي المجتمعات المثيلة له والصديقة. حتى نكوّن بالفعل شيئًا مستقبليًّا، ونحقق نوعاً من الاستقلال والمجتمع الفعّال.

س: أشرتم في مؤتمركم الصحافي الى أن مسيحيي الشرق هم جزء من بنية المنطقة، فما هو تصوّركم لهذا الدور في التوجه العربي في هذه المرحلة؟

ج: دائمًا الموضوع يثار وهذه قصة قديمة، من القرن التاسع عشر أو ما قبل، وهي قضية أقليات وأكثريات في الشرق الأوسط. اليوم النظرة الجديدة هي أن المجتمع إذا كان يحترم حقوق الانسان، وهذا ما نعمل من أجله بجهد كبير حتى نحققه، هذا يعني أنه يحترم حرية المعتقد للجميع، لأن العلاقة الدينية التي تتعلّق بمعتقدنا هي علاقة عمودية بيننا وبين الله. وهي ليست علاقة أفقية في المجتمع في ما بيننا.

في هذه العلاقة العمودية نحفظ شخصيتنا ومعتقداتنا الدينية، ولكن يجب أن نعيش مع الآخرين بعقد اجتماعي. وهذا ما يجمعنا وهو قوانين البلد الذي نعيش فيه والذي نأخذ قضاياه على عاتقنا.

لا أريد أن يؤثر المعتقد الديني في أحد سلبًا، لا انطلاقًا من ذاته حيث يشعر أنه مهمّش، أو أيضًا يخاطب الآخرين حتى لا يهمّشوه، لأن له دورًا أساسيًّا. عليه أن يكون مواطنًا بالحقوق نفسها والواجبات ضمن وضع حرية المعتقد لجميع الناس.

نحن نحارب الفكر الأحادي، العرقي والديني والسياسي، وكلهم يسقطون، والمجتمع يتطوّر في اتجاه التعددية. لا يظن أحد أبدًا أن الفكر الأحادي سينجح، فهو في تقلّص دائم عبر التاريخ.

أولاً بدأت بين سيطرة البيض على السود، وطارت العبودية. ومن ثمّ أتت العرقية الألمانية الهتلرية، فسقطت. وسقط الفكر الأحادي السوفياتي الشيوعي... وتسقط أشياء كثيرة أخرى.

كل دول العالم تصبح مزيجًا متعدداً من الأديان والأحزاب السياسية التعددية. في النتيجة عندما نتحدّث عن التعددية، نتحدّث عن حق الاختلاف في الرأي.

حق الاختلاف ينظر اليه الناس كأنهم يسمونه حق الخلاف. لا ليس حق الخلاف، بل أن يكون للانسان تفكيره الخاص به أو تفكير حزبي. أن يوضعوا باحتكاك مع فكر آخر، منه تنبثق الأفكار الجديدة أو حلول جديدة أو إبداع جديد فيه كل النشاطات التي نقوم بها.

يمكن أن نمارس حق الاختلاف في السياسة، ويمكن أن نمارسه في الفن، أو في البناء والهندسة...

وحق الاختلاف أشبه دائمًا بحالنا. الآن أنظر اليكم وجميعنا لدينا مكونات الانسان، ولكن لكل واحد وجه مختلف وصورة مختلفة. يعني أن الانسان عنده فرادة. وانطلاقًا من هذه الفرادة تطوّر، والا لما كنا نلبس اليوم هكذا. لكنّا مستنسخين عن الانسان الأول. من الذي جعلنا مثلما نحن اليوم؟ هو حق الاختلاف. كل واحد عنده بصمته، بصمة صوته، بصمة عينه، لكل واحد شكله وصورته، مكوناته تأتي بصورة فريدة. وهناك مليارات من الناس. حتى التوأمان ليسا متشابهين، يبقى هناك نقطة فارقة بينهما.

فإذًا من هنا نقول إن في هذه الفوارق والاختلاف لا يجوز أن نميّز بعضنا ضمن المجتمع كمسيحيين وكمسلمين، ولكن يجب أن يكون لنا حق الاختلاف مصدر غنى لثقافتنا وحياتنا وتقدمنا. أن نجمع هذه الفوارق فنغتني، وإذا طرحناها بعضها من بعض "فالعوض بسلامتكم" نصبح مديونين. فلنجمع فوارقنا ونغتني بها.

س: وسام المقداد طالبة في كلية العلوم. ذكرتم أننا يجب أن نخجل من أنفسنا لما يحدث في غزة. هل تعولون على الموقف الدولي في حل المشكلات التي يعانيها لبنان والمنطقة؟

ج: لا أحد موجودًا اذا لم نكن موجودين. يجب أن نكون موجودين أولاً ثم نطالب الأمم المتحدة لكن الهرب والتنازل عن الحق انتهيا. الأرض الفارغة من السكان يسكنها أي كان. القضية المهملة تسمح بالتطاول عليها أكثر وأكثر. اليوم، الحالة ليست مرضية وهذا شيء مؤسف: هناك ناس يعيدون وناس محاصرون لا يأكلون. هذه لغة الحصار دائمة. الحصار اللبناني، حصار غزة، حصار سوريا، حصار، حصار. كل واحد يرفع رأسه قليلاً يهددونه بالحصار والتجويع. المبدأ هنا أساسًا مرفوض.

س: نرحب بالقائد ميشال سليمان في سوريا

العماد عون: "معليش، أنا ما بزعل، هذا شيء لا يستوجب الاعتذار، ومعليش أن نتشبه ببعضنا"

س: رأى الكثيرون في زيارتك لدمشق التسوية التاريخية اللبنانية الثالثة التي يقوم بها العماد ميشال سليمان

الجنرال: أكمل، سأجيب بالنيابة.

س: ميشال عون هذه ثالث محاولة لانقاذ لبنان خلال ثلاث سنوات: الأولى: داخل كل جماعة أو طائفة لبنانية الثانية بين الجماعات في ما بينها كالتفاهم مع حزب الله والثالثة بين سوريا ولبنان. هل تعتبر نفسك رجل التسوية التاريخية؟

ج: كل انسان عندما يقوم بعمل يعتبره ايجابيًا، انما اعطاء صفة، لست أنا من يعطيها الصفة، انما تلقي الناس لها وتقبلها هو الذي يعطيها الصفة اذا كانت تاريخية أم لا. أنا سعيت في لبنان أولا إلى اقامة تفاهم عرض على كل مكونات المجتمع اللبناني، لم يكن فقط مع المقاومة، وعند عودتي من فرنسا واجهت حالة صدامية في لبنان وكانت تتطور سلبًا وقد حاولنا من خلال التفاهم أن نجد حلاً كي لا نصطدم بعضنا ببعض ولا مع الأمم المتحدة بسبب القرار 1559، وهذا ما كنت أنادي بتنفيذه ولكن مع احتفاظ الجميع بحقوقهم، إذ لا يمكن قرارًا اتخذ أن يكون مشروع حرب في لبنان ولا بأي شكل. إذًا، هذه المواضيع التي نقوم بها، اذا صمدت "وان شاالله ستصمد" سيقول الجيل من بعدنا أنها كانت تسوية تاريخية. ولكن اذا قمت أنا بتسوية لم "تضاين" شهرًا أو شهرين وسقطت، لا تكون تاريخية. لذلك نواجهها بمزيد من الأمل ومن التفاؤل المرتكز على أسس وعلى التجربة وعلى مصالح مشتركة وستنجح بإذن الله ولكن نحتفظ بقدر قليل من التحفظ عن التسميات وإذا لا سمح الله فشلت المحاولة يبقى لنا شرف المحاولة، وهذا شيء لا نتنازل عنه.

س: ما هو تقويمكم للدور السعودي المصري على الساحة اللبنانية في تحقيق التوافق اللبناني في هذه المرحلة؟

ج: لا أريد ان أحكم بالمطلق على هذا الموضوع وماذا يجري، اذا كان حكمي متوافقًا مع رأيك سيكون محرجًا للحضور واذا كان سلبيًّا فسيكون أيضًا محرجًا للآخرين. أود ألا أعلق.

الكاتبة كوليت خوري، كريمة رئيس الوزراء السوري الراحل فارس خوري:

أنا لن أطرح سؤالا، أنا باسم زملائي الأدباء والأديبات وقد لا يسمح لنا الوقت بترتيب لقاء معكم. أود أن أرحب بك.

أود أن أعطي شرحًا لغويًّا ليس فقط سياسيًّا أو عسكريًّا بين الخصومة والعداء. العداء نفسي وهو لا يؤدي الا الى الدمار وهو لا يجتمع مع المحبة. الخصومة هي في الرأي والمواقف وقد يكون الانسان محبًّا ويختصم مع غيره، وبعد الحوار والمفاوضة يؤدي الى مصالحة والدليل أمامنا واضح، المحبة واردة. أما الموضوع الذي يثير الأشجان والأحزان: الطوائف، فنحن فعلاً في سوريا لا نعرف الطائفية، وكما قال المفتي الشيخ أحمد كفاتارو في الكتاب رحمة الله عليه وهو زعيم كبير: "كلنا مسيحيون وكلنا مسلمون اذا اقتضت حاجة الوطن الى ذلك"، ولكن يجب أن أعترف أننا كمسيحيين ونحن نعتبر أن المسيحية الحقيقية هي في ميلادنا وليست في الخارج وكل ما هو خارج هذا الوطن الكبير مشوه، المسيحية الحقيقية هي نحن ونحن كمسيحيين نعتز بك زعيمًا وطنيًّا حرًّا واهلاً وسهلاً بك وبجميع من أتى معك وبكل من يأتي من لبنان الى دمشق.

على المسؤولين اللبنانيين الذين كانوا شركاء في الحقبة الماضية الإعتذار من اللبنانيين عما قاموا به.العماد عون بعد لقائه الرئيس الأسد: تطرقنا الى ملف المفقودين وهناك لجان تعمل وسيتوصلون حتماً الى نتيجة

على المسؤولين اللبنانيين الذين كانوا شركاء في الحقبة الماضية الإعتذار من اللبنانيين عما قاموا به.

العماد عون بعد لقائه الرئيس الأسد: تطرقنا الى ملف المفقودين وهناك لجان تعمل وسيتوصلون حتماً الى نتيجة

عن موقع التيار الوطني الحر/4 كانون الأول/08

أنا سعيد جدا أن التقي معكم اليوم في دمشق، ما كان يعتقد أنه محرّم أصبح حلالاً وحلالاً جدًا.

طبعًا لنا جُرأة مواجهة الماضي وليس الهرب منه ولن نمحوه من ذاكرتنا كي لا نكرر الأخطاء. لذلك كان الحديث مع سيادة الرئيس واضحًا، وطرحنا بصراحة الكثير من المواضيع لأننا نريد بناء المستقبل ولن نتوقف عند الماضي، فالذي يتوقف عند الماضي لن يستطيع بناء المستقبل.

من هذا الفكر، سمينا اللقاء "عملية القلب المفتوح"، تكلمنا بالقلب والعقل معًا وكل ذلك لتنقية الوجدانين السوري واللبناني كي لا يبقى أثر لماض فيه الكثير من الأشياء الأليمة، ولكن لقاؤنا اليوم وعدًا بمستقبل زاهر.

المواضيع كثيرة، لا أستطيع أن أعطيكم إفادة مفصلة عن أي موضوع طرح. الساعتان تحتاجان الى عشرين ساعة، فكل سنة تحتاج على الأقل الى سنة كي نحكي عنها وهناك مواضيع عشرين سنة.

لذلك أترك لكم طرح الأسئلة عن أي موضوع قد يقلقكم.

س: جنرال، خلوة مطوّلة بينك وبين الرئيس بشار الأسد، أي فارق بين سوريا حافظ الأسد عام 1990 وسوريا بشار الأسد 2008 ؟ واليوم الملف الأبرز الذي تكثر من حوله التساؤلات في الجانب اللبناني هو ملف المفقودين اللبنانيين. فهل تم بحثه؟

ج: الفرق كبير. الظروف تغيّرت والتقويم تغيّر والمسؤولون تغيّروا. ومن دون أن نطيل الشرح أكثر، لسنا مستنسخين بعضنا عن بعض وليست الأحداث مستنسخة. اذا كانت هناك حرب ننتظر انتهاءها بين الدول وتتفاوض الناس. وفي حال الصفاء يجب الانتباه من الإنزلاق الى حال صدام.

إذًا كل الظروف تغيّرت والأشخاص تغيّروا، وأنا لست أقوم ببحث تحليلي بالذي حصل. المرحلة نتركها لحكم التاريخ ولكن نحن بتحليلنا الشخصي نقوِّمها ونأخذ منها العبر ونقومها.

الموضوع الثاني، موضوع المفقودين. هناك لجان تعمل، بحثنا في هذا الموضوع وأكيد سيتوصلون الى نتيجة في المشاورات، وهي ليست مفاوضات بل أكثر. إنها بحث عن أسماء الموجودين على اللوائح اذا دخلت الى سوريا وماذا حدث بهم، وهذا الموضوع يعمل عليه. نأمل ألا تطول المدة وتعلن النتائج في هذا الموضوع.

س: وفق أي بوصلة توجَّهتم الى سوريا؟ وما هي ملامح الوعد لمستقبل زاهر تحدثت عنه نتيجة للقائك مع الرئيس بشار الأسد؟

ج: وعد بالعلاقات الطيبة بين لبنان وسوريا، الانفتاح والتضامن. لم نبحث في التفاصيل بل هناك إرادة طيبة وتوجه طيّب وعقل واع لمشاكل المنطقة ومشاكلنا الخاصة.

لا نقول إننا محونا كل شيء، بل ما دامت هناك إرادة ووعي وعقل تتحكّم بالموقف وليس عواطف وغرائز، سنصل حتمًا الى حلول للمشاكل السابقة والعالقة والى توجه جديد يحترم مصالح البلدين. أنا هنا لست وزيرًا ولا رئيس جمهورية، ولكن هذا استطلاع واستشراف للمستقبل، وهذا أبشّر به اللبنانيين. يعني إذا خرجت مرتاحًا من اللقاء وخرج كذلك الرئيس الأسد مرتاحًا من اللقاء، أعتقد أن كلاًّ منا يستطيع أن يطمئن الشعبين اللبناني والسوري.

س: خصومك في لبنان يعتمدون على العداء التاريخي بين المسيحيين في لبنان وسوريا لاستغلال.

العماد عون (مقاطعًا): تصحيح، خصومة لا عداء. خصومة، وأنا كنت الخصم الأول. وأنا صححّت لكل الذين اتهموني بالعداء أن هناك خصومة لا عداء لأن العداء شي ضخم جدًا ولا يجوز.

تابع للسؤال: هذا الخوف من المسيحيين في لبنان تجاه سوريا لضربك انتخابيًا في الانتخابات المقبلة. هل تعتقد أن الجمهور المسيحي سيتقبل هذه المصالحة مع سوريا كما تقبّل ورقة التفاهم بينكم وبين حزب الله؟

ج: لم لا؟ لا ننسى أن شعورهم بالخصومة قد يجد لهم مبررًا في حينه، وكثيرون هم الذين استفادوا من العلاقة مع سوريا وضربوا بعض المسيحيين. من هنا عندما قمنا بالانتخابات سنة 2005 أين كان سليمان فرنجية؟ ألم يكن صديقًا لسوريا ؟ لماذا انتخبوه؟ حتى ميشال المر، أين كان؟ وانتخبوه.

والواقع أن الخصومة لم تكن تجاه سوريا بل خصومة محلية تحوّلت تجاه سوريا من سوء إدارة الحكم في لبنان. هذه كانت الخصومة الحقيقية، لذلك أغلب المسيحيين من بعد الانسحاب سمعوا كلمتنا التي وجهناها "أنها مرحلة وانتهت"، ويجب أن نتطلّع بأمل الى بناء علاقة من أفضل العلاقات مع سوريا.

وقد وجهنا رسالة إلى من اعتدوا على العمال السوريين "ايّاكم ثم ايّاكم أن ترتكبوا أعمال عنف بحقهم"، فارتكاب أعمال العنف لا يجوز لا انسانيًا ولا تاريخيًا، ولا يجوز أن تسجل علينا قصة كهذه.

إذًا أيّ محلل يحلل الأحداث، لماذا الآن من كانوا مع سوريا أصبحوا ضدها؟ لماذا من كانوا يعتبرون أعداء لها أصبحوا أصدقاء؟ أنا لي رمزية معينة محترمة عند المسيحيين تعبّر عنهم وهذا هو الواقع الحقيقي.

س: بعد لقائك مع الرئيس السوري، وقبيل اللقاء صافحت الرئيس السوري. ما هو شعورك وأنت تصافح الرئيس السوري بشار الأسد بعد عشرين عامًا من العداء لسوريا؟

ج: "من العداء خلص"، هذه الكلمة تسجل عليكم جميعًا. أنتم في أجهزة الإعلام اجمالاً تكرّرون اللفظة حتى تؤمنوا بها، حتى لو عرفتم أنها كذبة. ولكن بفعل التكرار، ترسخ في ذهن الكل أنها عداء.

على كل حال، عندما آتي الى دمشق أكون قد تركت هذه الأشياء ورائي، ولو ما زالت أمامي لكانت حتمًا حاجزًا يمنعني من الوصول. بالنتيجة أنا عسكري، قائد ولا أحمل كراهية حتى تجاه من أحاربه. السبب، أننا نعرف بالعقل والمنطق والتاريخ، حتى في الحرب عندما يكون هناك مهزوم ومنتصر فهي تنتهي دائمًا بتفاوض. فكيف بالأحرى اننا نفتح صفحة جديدة من التاريخ لا فيها مهزوم ولا فيها منتصر، انما عودة الى العلاقات الطيبة ركيزتها الانفتاح والمصالح المشتركة بين البلدين.

إذًا الماضي انقلب، صفحة بيضاء وطبعًا سيزيد بياضها يومًا بعد يوم، ولكن هذه هي البداية.

س: هناك صراع في لبنان على اتجاهين متعاكسين تمامًا، ونتائج هذا الصراع لم تحسم حتى الآن. في ظل هذا الصراع، كيف يمكن بناء علاقات طيبة ومميزة كما ناديتم وتنادون بها، يعني بمعنى آخر، ما هي الأولويات لتصحيح هذه العلاقة وما الذي طلبتموه من دمشق، وماذا طلبت دمشق منكم؟

ج: كانت جلسة مصارحة مشتركة وتبادل وجهات نظر مشتركة واظهار حسن نية ولم تكن هناك مطالب من الطرفين، يعني كل القضايا المشتركة تبحث أكثر مما تكون مطالب. ليس لي حقوق عند سوريا وليس لسوريا حقوق عندي، ولكن هناك مصالح مشتركة للإثنين وهناك علاقات مشتركة، هذا ما يبحث فيه ويتم تبادل وجهات النظر فيهم. أما أن تكون متطابقة أو لا تكون. نضع المتطابق جانبًا ونعالج غير المتطابق حتى يصبح متطابقًا.

هذه هي أصول التعاطي الصريح والواضح. نحن وكما قلت لم نأت بجدول أعمال.

هذا لقاء أول لاستعراض شامل للمواضيع المختلفة، وكما قلت تنقية للوجدانين اللبناني والسوري من رواسب الماضي.

س: ذكرت أن لديك وجهة نظر تجاه قضايا مشتركة بين البلدين ومنها قضية اللاجئين الفلسطينيين على سبيل المثال. هل يمكن أن تضعنا في صورة وجهة النظر هذه؟

ج: ما هي المبادىء التي نتعاطى نحن بها في ما يتعلق باللاجئين الفلسطينيين. نحن ننطلق من حق العودة للاجئين الفلسطينيين. يمكن أن يكون هناك دول كثير تترك هذا الموضوع أو تحاول تسويته على حق العودة.

نحن متمسكون بحق عودة الفلسطينيين الى أرضهم ووطنهم، أو أي تسوية ثانية ستحصل إذا قبل الفلسطينيون فيها، وهذا خارج إرادتنا، لن تكون على حساب الدول التي تحمّلت أعباء السنوات الستين، يجب أن تكون على أعباء الذين خلقوا المشكلة. وفي المستقبل ستسمعين توضيحات أكثر.

س: بعد هذا الاستقبال الفخم الذي حظيتم به، الجميع يتساءل صدقًا أو خبثًا، ماذا سيقدم ميشال عون في المقابل إلى سوريا بعد هذه الحفاوة السورية التي تحمل الكثير من المعاني والمؤشرات؟

ج: لا يستطيع الإنسان أن يقدم أكثر مما عنده. عندي صداقة لسوريا وهذا ما أقدمه.

س: أنت تأتي الى الشام وهناك أخصام لك في لبنان يسألونك ويحمّلونك أعباء ملفات بحجم الوطن. البعض اليوم يسألك هل طرحت مع الرئيس الأسد مسألة أو إشكالية لبنانية أو سورية مزارع شبعا؟

ج: ليست اشكالية، سوريا قالت كلمتها إن مزارع شبعا لبنانية. الاختلاف على توقيت الترسيم، إذ يقال إن الترسيم سينجز بعد إخلائها. لبنان يريد إخلاءها الآن والأمم المتحدة تطالب بترسيمها الآن مسبقًا. أنا أريد أن أعرف، كما رسّموها راهنًا، هل أخذوا رأي لبنان وسوريا أم أنهم وضعوا الترسيم كما يريدون. إذا أرادوا احترام الخرائط الموجودة في نانت في فرنسا في التقسيم الذي حصل، هم ليسوا حتى في حاجة إلينا كي يعرفوا أين الحدود، والى أين يجب أن ينسحبوا. لأننا جميعًا نقرأ الخرائط، وإذا اختلفنا على شبر في ما بعد في الترسيم، لا سوريا ستحتجّ ولا لبنان سيحتج.

فلعبة الترسيم هذه قبل أو بعد، هي ثانوية. إذا أرادت الأمم المتحدة أن تعترف، يمكنها ذلك لأن الخرائط موجودة، وسوريا تقول إن مزارع شبعا لبنانية.

ثم صكّ الملكية الصادر من صيدا يكون بسيادة لبنانية حتى لو كان المالك سوريًا، وصكّ الملكية الصادر من دمشق، لا أعرف من أي محافظة، ولو كان المالك لبنانيًا تكون الأرض للسيادة السورية.

فإذًا المصادر التي أعطت صكوك الملكية هي التي تكون لها السيادة على الأرض، وهذا شيء بديهي جدًا ولا خلاف عليه.

فإذًا لماذا نخلق مشكلة حيث لا توجد. المشكلة الأولى مبدئية، هل نقبل بالترسيم في ظل الاحتلال الاسرائيلي وبوجودها أم لا؟ هذه قضية مبدئية، ولكن الأخرى ليست صعبة.

س: أثارت زيارتك لدمشق الكثير من الانتقادات في لبنان، كذلك أثارت زيارة قائد الجيش ووزير الداخلية أيضًا انتقادات. ماذا يمكن أن يمنع الانتقادات إذا كانت العلاقة ندية وجدية بين الجانبين، ومن يضبط هذه الانتقادات، ومن يفسر هذه الزيارة أنها تبعيّة لسوريا أم أنها تمثّل رأيًا رسميًّا سوريًّا، وما هو المقياس لهذا الموضوع؟ بالأمنس زياد بارود اتّهم، جان قهوجي اتّهم، اليوم ميشال عون، وغدًا الياس المر الذي اضطر أن يعطي تصريحًا أنه لا يسمح لأحد بتقويم زيارته. من يقوِّم الزيارات إذا كانت تبعيّة أم هي سياسية بكل معنى الكلمة بين ندّين مستقلّين؟

ج: نتائجها. كلمة واحدة لن أقول لك أكثر، نتائج الزيارة هي التي تقوِّم الزيارة إذا كانت تبعيّة أو استقلاليّة وفيها ندّية.

س: لماذا هذا الهجوم. هناك هجوم دائم كلما توجّه أحد الى دمشق؟

ج: "شو عليه". الطائرة التي تطير على ستين كيلومترًا في الجو لا تهّمها الصواريخ التي تفجَّر على 40 كيلومترًا. صواريخهم لن تصل، سقفها لن يصل الى طائرتنا.

س: أولاً، هل تكلّمتم على الانتخابات المقبلة في لبنان خلال الخلوة مع الرئيس الأسد. وثانيًا، هل يمكن أن نسمّيك اليوم حليف سوريا في لبنان؟

ج: تعرفين أن هذا الموضوع ليس موضوعًا تفصيليًا، أكيد سوريا تشجّع على إجراء الانتخابات في لبنان لأن هذا ما نريده نحن وما يريده الموالون أيضًا، إذا كنا بالفعل نريد أن نحترم الديمقراطية والحريات. ولكن أعتقد أن سوريا لا تتدخّل في موضوع الانتخابات، لن تقول للبنانيين انتخبوا هنا، وهي لا توزّع لا زفتًا ولا خدمات صحيّة ولا خدمات مدرسية... حتى ترشو فيها الناخبين في موسم الانتخابات. نحن نعرف أن سوريا لا تدفع أموالاً لأحد.

س: ستقوم بجولة على مواقع المسيحية والاسلامية، ما هي رمزية هذه الزيارة بالنسبة إلى موارنة لبنان والشرق؟

ج: ليس فقط للموارنة بل للمسيحيين عمومًا، كنت ملازمًا سنة 1958-1959 في المانيا، أصررت على زيارة متحف لان مثل تلك التجربة قد لا تتكرر. عندما ازور بلدًا مثل سوريا، مهد المسيحية على رغم اعتراض البعض لهذه التسمية، كأنها نوع من الإطراء للسوريين، متناسين ان سوريا هي فعلاً مهد المسيحيين منذ العهود الاولى، هل يجوز الا استغل مثل هذه المناسبة ولا ازور هذه المواقع المسيحية والمسيحيين هنا؟

اليسوا قسمًا من الشعب السورية، وسنكون ايضًا بضيافة المفتي، هي زيارة تعارف للشعب السوري.

كلنا نرى معاناة المسيحيين في العراق وفي الأماكن المقدسة، شارفوا الانتهاء، نحن نقول لهم لا تغادروا هذا الأرض. انتم مشرقيون وجذوركم هنا، ولكم في هذه الارض كسواكم، تستطيعون العيش هنا ولا تخافوا، نحاول كسر الخوف الذي نشأ نتيجة عوامل كثيرة والاّ لماذا نقول عهدًا جديدًا.

س: تحدثت عن عهد جديد، أما في الواقع هناك فريق لبناني لا هم لديه سوى محاربة سوريا.

ج: السيد المسيح صلب، في العهد الجديد، ولكن انتشرت المسيحية، وكل عهد يتسم باشخاص يعارضون التفاهمات. اما نحن فنريد التغلب على الخوف وعلى ذاتنا و من الآخر ومن الشريرين الذين لا يريدون بناء العلاقة بشكل صحيح،

من يقوم بخطوات كبيرة كهذه يجب ألا يعد نفسه بالربح، قد اخسر بضعة اصوات او اكسب غيرها، لكن هذه ليست قضيتي، بل القضية اكبر من وطني، كلنا كنا مهددين في وقت ما في الشرق الاوسط، عندما عشنا تحت الحصار الجوي والبحري، ظلت الحدود مع سوريا الوحيدة المفتوحة.

اذا لم يريدوا التفكير بالمصلحة العامة الواسعة، فليفكروا في المصلحة الضيقة، اين مدخل لبنان الى الدول العربية؟ نريد التحدث بواقعية وعقلانية.

س: ما هي تصوراتكم للوضع في لبنان بعد بوش، خصوصًا ان فريقًا لبنانيًّا يملك علاقات جيدة مع الادارة الاميركية؟

ج: العلاقات مع الولايات المتحدة تشبه الطقس المتقلب، ليس لدينا معاداة للولايات المتحدة، بل نعادي مواقف محددة. لذلك اذا كان هناك تغيير كما اعلن اوباما، تغيير استراتيجي وليس تكتيكيًّا لان اهداف الولايات المتحدة لم تكن سليمة قط، وإذا كانت على استعداد لبناء علاقات معنا ومراعاة مصالحنا نحن الدول الصغيرة، ولكن اذا ظلوا على الاهداف ذاتها، فهم الذين سيخسرون لاننا اصحاب حق في وطننا، ومن يجاريهم لبنانيا سيخسر، لان اميركا تملك قوة الاسترداد. الم يتعلموا من البورصة العالمية، عودوا الى ارضكم واراضيكم.

س: كيف وجدتم رؤية الرئيس الاسد لتطوير العلاقات اللبنانية - السورية؟

ج: سيادة لبنان واستقلاله، ومن اجل تحقيق هذا العنوان يجب على المرء الاعتراف بذاته اولا ومن ثم يفرض هذه العلاقة على الآخرين الذين سيقبلونها.

وهذا الامر عبر عنه الاسد بكل وضوح، وكلانا يدرك نيات الآخر في هذا الموضوع، وعلى رغم ذلك ثبتنا هذا العنوان بالكلمة المتبادلة.

س: هل في امكاننا اعتبار الاستقبال السوري الحار بمثابة اعتذار سوري، وهل حملك الرئيس الاسد اعتذارا الى الشعب اللبناني عن المرحلة السابقة لنستطيع المضي بهذا العهد الجديد؟

ج: هل اعتذر اللبنانيون الموجودون في بيروت الذين كانوا شركاء مرحلة معينة مع من كانوا مسؤولين في حينه عن الملف اللبناني، هل اعتذروا من اللبنانيين كلبنانيين؟ او ما زلوا مستمرين في ضربنا.

الذي حصل هو تكريم وليس اعتذارًا ويجب ان يبدأ اللبنانيون في بيروت بالاعتذار اولاً لنستطيع إلزام الشام الاعتذار.

س: هل هناك كلمة لشهداء 13 تشرين؟

ج: يدرك الجندي مسبقًا انه في حال استشهاده ان الحرب لن تستكمل حتى الفناء فسوف تتوقف والجندي يستشهد لنبقى نحن احياء، نحن نعيش مع الأحياء ونكرم الشهداء كل لحظة، وتذكروا النموذج الفرنسي - الألماني. اذا لم يكن هناك اعادة نظر في التاريخ وفي سير الاحداث، سنعيد تكرار الاخطاء ذاتها. حق الشهداء علينا الاّ نكرر الاخطاء ذاتها ونؤمن حياة من دون حروب لاحفادهم.

س: هناك قوة من فريق 14 شباط تستخدم المال السياسي، الى اين تتجه الامور في لبنان؟ هل هذه القوى قادرة على تغيير صورة لبنان المقاوم؟ ولبنان وطن نهائي لجميع ابنائه؟

ج: المال له تأثير كبير في عهود الانسانية عبر التاريخ والاديان، هناك سقوط في المجتمعات عبر المال، المجتمع المستهدف حاليا، المسيحيون لن يسقطوا بالمال لأنهم يعتقدون ان السيد السيح صلب وقبر وقام، ولكن لبنان اذا صلب وقبر فلن يقوم هذه المرة.

س: الى اي حد تغير الجنرال خلال هذا الأعوام العشرين؟

ج: كلنا تغيرنا، وهناك تأقلم دائم مع الظروف الحياتية، اذا خسر هذه الامكان فسيذهب إلى الفناء.

هناك الكثير من الاجناس البشرية انقرضت لانها لم تتأقلم مع المتغيرات، وهناك شعوب انقرضت لانها لم تستطع التأقلم مع المتغيرات.

س:سوريا هي دولة علمانية لا وجود فيها لتقسيم طائفي، الا تعتقد انه لو اعطيت زيارتك بعدًا وطنيًّا اكثر منه مسيحيًّا، تكون اعمق؟

ج: الوزيرة بثينة شعبان قدمتني كزعيم وطني، وهذه هي رؤيتي، لكن بعض اللبنانيين يريدون تضييق افقها عبر القول إنها زيارة للمسيحيين.

انا اقول ان المسيحيين في الشرق يعيشون في قلق، واذا كنت استطيع طمأنتهم، اقوم بهذا الواجب او لا اقوم؟

انطلاقًا من هنا عليك فهم توجهي الى المسيحيين وليس غيرهم.

يجب ان يكون لهذه الزيارة نتائج ايجابية، وهكذا اكون خدمت سوريا في سوريا عبر طمأنة شعبها المسيحي، واذا ذهبت الى الاردن وطمأنت مسيحييها اكون قد طمأنت الاردن، انا لا اهدف الى نزعهم من بلدهم و ضمهم الى حركة حزبية قومية مسيحية.

اخاطب المسيحيين وليس الموارنة فقط، وانا اقول انني مسيحي وهذا موضوع قومي، نحن المشرقيين ليسنا جالية بقيت من العهد الصليبي او اتت مع الانكليز او الفرنسيين، نحن اولاد الكنيسة المشرقية التي بشرت العالم بالمسيحية، هنا مهد المسيحية، مار بولس مار يوحنا، مار مارون، هذا المقصود من المسيحية المشرقية التي نوقظها على جذورها واصولها.

 

عون يحاضر في جامعة دمشق: قوى كبرى تعرقل العلاقات مع سوريا وللإرهاب تمويل معروف المصدر

تحفظنا على الطائف لعدم التوازن بين السلطات ونأمل الحصول على أكثرية لإجراء تعديلات لازمة عليه

5/12/08 /السفير/ مارلين خليفة

دمشق : مقاربة شاملة لتاريخ الصـــراع العربي الإسرائيلي ولمــــقاومة الاحتلال قـــدمها رئيس تكتّل التغيير والإصـــلاح الـــنائب العـــماد ميشال عـــون في محاضرة ألقـــاها أمس، في جامـــعة دمـــشق بدعوة من رئاســـتها. دعا العماد عون في كلمته الى مواجهة الماضي وإعـــادة النظر به بذهنية الناقد المصمّم على التغيير لإبعاد الــقلق على المســتقبل.

وعاد الى حلفه مع حزب الله قائلا: إن التيار الوطني الحرّ أجرى مع المقاومة تجربة تقييمية شاملة بدأت عام ،٢٠٠٦ وهي نجحت وأوصلت الى تفاهم انعكس طمأنينة على المجتمع، ما حفظ الوحدة الوطنية وساعد المقاومة على تحقيق انتصارها على إسرائيل وفق موازين قوى غير متوازنة. منتقداً بلا تسمية من حاول استقطاب الداخل لمناهضة المقاومة.

واعتبر العماد عون أنّ إسرائيل لم تُشفَ بعد من هزيمتها على يد المقاومة، ووصف الانتصار بـمعجزة تمّت على يد المقاومين. أضاف: إن هذا النصر سيدفع إسرائيل الى تغيير مقاربتها للقضية الفلسطينية، ولا سلام لها إلا بحلّ قضية اللاجئين وإعادة الحقوق السليبة وإلا فكلّ الحلول سراب.

وتطرّق الى حصار غزّة منتقداً تجاهل مأساة الفلسطينيين وقضيتهم التي جرّت الويلات على الشعوب العربية كافة. وانتقد الأمم المتحدة مباشرة، وقال: إنها مسؤولة عن قرار تقسيم فلسطين وعن تغطية أعمال الأذى التي قامت وتقوم بها إسرائيل وهي تنفّذ إرادة الدول الكبــرى ويحاول بعض أعضائها إلغاء القرار ١٩٤ الذي ينص على عودة اللاجئين الى ديارهم.

أجواء اللقاء

بالآلاف احتشدوا. طلاب وطالبات وشخصيات أكاديمية وعلمية رفيعة المستوى ضاقت بهم باحات ومدرج كلية الهندسة في دمشق التي تضمّ ١٢٠ ألف طالب.

فجأة علا التصفيق داخلا وخارجا، إذ بانَ موكب العماد عون. اختلط الحابل بالنابل، سبق دخوله تدافع، آلاف الخارج تريد الدخول الى القاعة حيث سيلقي سيادة العماد محاضرة.

ارتطم البعض بالآخر، اصطفّ البعض الآخر الى جانب الجدران، بعضهم افترش الأرض، ومعظمهم دخل في جدال مع الأمنيين، وانتهوا بمتابعة الحدث عبر شاشات عملاقة وضعت في الخارج.

الحشد يتضخم، الكاميرات تتدافع، ظهر الجنرال ثم اختفى. أين هو؟ وصل ... لم يصل... وصل لكنّه يجد صعوبة في اختراق الجموع الملوّحة بمعظمها بالأعلام اللبنانية، وكأنها تظاهرة في لبنان ليس فيها لا أنصار ٨ ولا مؤيدو ١٤ آذار إنما سوريون فحسب.

الطلاب عادوا للتدافع مجددا يريدون التقاط صور للعماد بهواتفهم الخلوية.

وصل الجنرال لم يصل... انفجرت القاعة الوسيعة بالتصفيق، وقف الحضور ورفع الجنرال يديه الاثنتين محيياً. استمرّ التصفيق طويلا، حتى جلس العماد في مقعده والى جانبه نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد ووزير الإعلام محسن بلال، والمستشارة الرئاسية السيدة بثينة شعبان. ومعه الوفد المرافق من لبنان. وحضرت شخصيات لبنانية.

وقف رئيس الجامعة وائل معلّم وخلفيته علمان متلاصقان للبنان وسوريا، وقدّم الضيف العزيز قائلا: إنه تحالف مع المقاومة اللبنانية حين تنكّر لها كثر، ووقف بشجاعة في وجه من تجنّى. يسعدنا أن نستقبل العماد ميشال عون، زعيم التيار الوطني الحرّ لكي يحدّثنا عن آخر المستجدّات السياسية.

وقف الحضور مجدداً واعتلى العماد عون المنبر تحت زخّات التصفيق المنهمرة كالمطر. وألقى محاضرته التي توّجت بحوار وبدرع من اتحاد الطلبة السوريين قدّمه رئيس الاتحاد الوطني لطلبة سوريا عمّار ساعاتي.

المحاضرة

اعتبر عون في محاضرته، أن قوى كبرى ساهمت في عدم العودة الى الحالة الطبيعية بين لبنان وسوريا، موضحاً أنه طالب باعتذار بعض المسؤولين اللبنانيين عن ممارستهم في الحقبة الماضية ضد غيرهم من اللبنانيين قبل طلب الاعتذار من سوريا. وأشار الى أن للمجموعات الإرهابية موازنات مادية، ولا أحد يجهل مصدر هذه التمويلات، كما أن تمويل المجموعات الإرهابية في شمال لبنان معروف المصدر.

ولفت عون الى أن هناك تحفظات عدة على اتفاق الطائف، منها عدم التوازن بين مؤسسات الدولة مثل رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة، وقال: المستفيدون من الطائف جعلوه كتاباً مقدساً، كما أن هناك خروقات كبرى في تنظيم الدولة كرّسها هذا الاتفاق أو أُلحِقت به، داعياً الى أن يكون التعديل في ظل ظروف تستوجب التعديل.

وأعرب عن أمله أن نتمكن من الحصول على أكثرية نيابية في الانتخابات المقبلة، حتى نجري تغييرات وإصلاحات لازمة.

وأضاف عون: إننا نستطيع فصل الماضي عن الحاضر، ويجب ألا نمحوه بالخوف منه ولا بالهروب الى الأمام، بل من خلال مواجهته وإعادة النظر فيه من الجميع بذهنية الناقد الذاتي المصمم على التغيير. وأشار عون الى أن القدرة على القيام بهذه العملية هي مقياس لإرادتنا وتصميمنا على التطور ومواكبة التغيرات، مضيفاً انه من هذا المنطلق يصبح التفاهم سهلاً، مستشهداً بورقة التفاهم القائمة بين التيار الوطني الحر وحزب الله، حيث وضعنا كل الأمور على الطاولة وناقشناها بعمق، وتمكنّا من الحفاظ على وحدتنا الوطنية وساعدت المقاومة على تحقيق الانتصار في أشرس حرب خاضتها إسرائيل ضد لبنان.

وأوضح عون أن الانتصار في حرب تموز تم على أيدي المقاومين، الذين فرضوا معادلة عسكرية جديدة ستبقى قائمة ما دام مجتمعنا يواصل دعمه للمقاومة، معتبراً أن القادة الإسرائيليين غطوا هزيمتهم بادعائهم عدم الإعداد الجيد وهذا غير صحيح، مضيفاً: إن الشعب الاسرائيلي فقد معنوياته وخسر إرادة القتال، وهنا يكمن السبب الحقيقي للهزيمة.

وأشار عون الى ان خوض السلام مع اسرائيل يبدأ بحل مشكلة اللاجئ الذي طرد من أرضه ومن ثم إعادة الحقوق في الأرض الى أصحابها، مؤكداً ان العصبية لم تعد مقبولة. وأكد أن الأمم المتحدة هي المسؤولة الأولى عن تغطية جميع أعمال الأذى التي قامت بها اسرائيل في ما بعد ضد الشعب الفلسطيني، وهي تعالج المشكلات وفق إرادة الدول الكبرى، ولم تنجح يوما في إدانة إسرائيل بسبب حق الفيتو، ونراها في حقول النفط بقرار دولي أو بدون قرار. وأضاف: ان التأخر في حل هذه القضية حلاً عادلاً سيجعلها أكثر مأساوية.

ودعا عون مختلف المجتمعات العربية للوصول لمجتمع حديث أكثر استعداداً لمواجهة تحديات العصر، فنتحول من مجتمع تبعي ملحق الى مجتمع طليعي قائد. وأضاف: ان لا سلام من دون إعادة الحقوق ومن دون عدالة، معتبراً ان الشيئين الأساسيين هما حق الفلسطيني بالعودة وحق العرب في أرضهم التي ما زالت محتلة.

حوار مع الطلاب

بعد المحاضرة أجاب العماد عون عن أسئلة الطلاب وقدمه عضو في اتحاد الطلبة قائلا: دمشق تزداد زهواً بقائد هو علامة فارقة بين السياسيين اللبنانيين. وهنا أبرز الأسئلة والإجابات:

الطالب محمد ابراهيم حمادة سأله عن مشروعية السلام عربيا من دون إعادة الحقوق، فأجاب عون: لا سلام من دون إعادة الحقوق وبدون عدالة، والأمران الأساسيان هما حق الفلسطينيين بالعودة الى أرضهم وحق العرب بالأرض التي لا تزال محتلّة. وبعد ٦ أشهر من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كان قرار تقسيم فلسطين، فتمزّقت الشرعة بعد ٦ أشهر على إعلانها.

دارين سليمان من الاتحاد الوطني للطلبة، سألت عن مزارع شبعا التي أعلنت سوريا لبنانيتها وعن سبب إثارة هذا الموضوع وجعله عقبة أمام تسوية العلاقات اللبنانية السورية؟ فقال العماد عون: إنها عملية تشويش لا أكثر ولا أقل. بعض العاجزين عن التعبير عن رفض سياسي يختلقون أعذارا ليبقوا جوّ القلق سائدا وكلّما ازدادوا عجزا ازداد تشويههم الإعلامي كما فعل بعض الإعلام أمس، عندما طلبت اعتذار بعض اللبنانيين المشاركين في مراحل الاضطهاد من اللبنانيين مثلهم.

ممثل طلاب حزب الله في سوريا الدكتور مهدي داغر، سأله عن الحملة ضده في لبنان من المعسكر السياسي الخصم بسبب زيارته لسوريا والأهداف من وراء هذه الحملة وكم هي فعالة؟

أجاب: هم يعانون الضياع، لأنهم راهنوا على الرّبح فجاءت خسارتهم صعبة جدّا. نحن اتخذنا خيارات محددة وكنا مستعدين لتحمّل الخسارة والمشاركة في الربح. رهاناتهم تشبه لعب الميسر، هم يلحقون خسارتهم ولم يفهموا بعد أنه يجب أن يعدّلوا سياستهم ويكملوا وهذه عادة المقامرين وبعضهم يخسر وينتحر.

الطالبة رنا سكاف من كلية العلوم السياسية، سألته عن التعويل على الخارج من قبل بعض اللبنانيين وخصوصا على الولايات المتحدة الأميركية، فأجاب: مواقفنا هي دوماً ضدّ المواقف التي تهدد وجودنا. كنا ضد المواقف الأميركية بوضوح وتحمّلنا تهديدات أكثر مما قد يتصوّر البعض، لكنها كانت تمر عبر القنوات الدبلوماسية. مواقفنا لا تزال واضحة وأثق بأن مجتمعاً متضامناً مقاوماً ومدعوماً عربياً يكفينا ويقينا شرّ الحروب الكبرى.

وسئل عن المحكمة الدولية وإمكانية أن يساق نواب معارضون أو مرشحون للمحاكمة لمنعهم من خوض الانتخابات؟

فقال: هذا مستحيل، الوضع الدولي تغير وليس فيه بعد أجواء مسايرات عاطفية للبعض غير مستندة الى وقائع حقيقية. ونحن نحمّل مسؤولية للقضاء في توقيف بعض اللبنانيين خلافا للقانون وهذا أمر مؤسف.

وسئل عن الإرهاب في شمال لبنان فقال: للمجموعات الإرهابية إيديولوجيات ولها مصدرها المعروف، ولها موازنات مالية تدعمها ولا أحد يجهل مصدرها وفهمكم كفاية.

ورفض العماد عون التعليق على سؤال عن الموقفين السعودي والمصري من على المنبر الموجود فيه، لأن أية إجابة ستكون محرجة كما قال.

وعن علاقته بالكادر الطلابي، اعتبر عون أن التوعية الأساسية للطلاب تتم عبر اللقاءات بين القادة وطلاب الجامعات، وأحيانا بواسطة لجان مسؤولة عن الجامعات، مشيراً الى التناغم مع طلاب المقاومة الذي يجمعنا وإياهم حلف واحد مع وجود أمور كثيرة يجب العمل عليها.

وبالنسبة لكلمة العداء لسوريا أوضح عون أنها ناتجة من نقص في الثقافة، مشيراً الى ان المدارس العسكرية تتحاشى استعمال كلمة عدو لأن فكرة العداء تجاه الطرف الآخر قد تسبب بحروب إفناء.

وأكد أنه لم يتعاون مع أحد من الخارج ضد أي فئة لبنانية، معتبراً أن المسؤولية تحتم عليه صد المواقف التي تهدد وجودنا ووجود الفلسطينيين.

وعن موقع لبنان على الساحة العالمية، اعتبر عون أننا نعيش في بلد صغير، وحجم القوة التي نواجهها كبير، موضحاً أن هناك أشياء معنوية تربطنا بالعالم ونحن معنا قوة الحق.

وعن الأزمة المالية العالمية، نفى عون وجود انهيار اقتصادي في الداخل اللبناني لأننا منذ مدة تعوّدنا على الحد الأدنى، وبإمكاننا تحمّل المصائب بالرغم من كل شيء لغاية الآن، مستدركاً أننا ننتظر التقويم الرسمي للحكومات القائمة حاليا في المنطقة.

وبعد الانسحاب السوري من لبنان، استغرب عون التحول من التبعية لسوريا للتبعية الى جهة ثانية، مؤكداً أن التغييرات حصلت لأن أصحاب المصلحة هويتهم دفتر الشيكات.

ورداً على سؤال عن الوجود المسيحي في الشرق، اعتبر عون أن المجتمع الذي يحترم نفسه يضمن حرية المعتقد لأن العلاقة مع الله هي علاقة عمودية مباشرة، ويجب ألا يؤثر المعتقد الديني على أحد سلبا، معتبراً ان حق الاختلاف هو أن يكون الإنسان له تفكيره الخاص به ونستطيع أن نمارسه في السياسة أو الفن أو أي شيء آخر.

وعن القرار ،١٥٥٩ أشار عون الى انه لا يمكن أن يكون مشروع حرب للبـــنان، معتـــبراً أننا اليوم نقوم بمرحلة تسوية والتـــفاؤل مرتكز على أسس وتجربة ومصالح مشتركة.

 

مواقف متناقضة لليوم الثاني من زيارة عون لسوريا

النهار 5/12/2008

صدر امس مزيد من المواقف من زيارة رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب العماد ميشال عون لسوريا. وراوحت بين ترحيب واعتراض.

النائب سمير فرنجيه قال: "لا جديد في هذه الزيارة، باعتبار ان عون يسدد فواتير الدعم السياسي والمالي الذي امنه له النظام السوري. وتبقى خطورة خاصة، تتعلق بمحاولة ربط المسيحيين بالمحور الايراني - السوري وعزلهم عن المجتمع العربي والدولي، وتهميشهم ووضعهم خارج التحولات الايجابية التي تحصل وبدأت تحصل في المنطقة".

عضو كتلة "المستقبل" النائب عاطف مجدلاني اعتبر ان "الزيارة تظهر ان هناك من يحاول تهميش المرجعيات المسيحية اللبنانية، اكانت المرجعية المسيحية السياسية المتمثلة في رئيس الجمهورية، ام المرجعية المسيحية الكنسية المتمثلة في البطريرك الماروني الكاردينال مار نصر الله بطرس صفير".

النائب السابق بهاء الدين عيتاني اعتبر ان "الحملة على عون تحكمها حسابات انتخابية ضيقة، بينما المطلوب التعامل معها بأفق وطني واسع". وأكد ان "كل زيارة تقوم بها شخصية رسمية لسوريا بروح التصالح وتبادل المعلومات وتنسيق السياسات الامنية هي لمصلحة البلدين. وعلى الجميع دعمها وتشجيعها".

"اللقاء الوطني المسيحي" رحّب "بالزيارة" على قاعدة ضرورة الإنفتاح والحوار وفتح صفحة جديدة من العلاقات اللبنانية - السورية". واذ استغرب "الحملة المبرمجة في بعض وسائل الإعلام التي لا تبغي إلا الحرتقة والهجوم"، رفض "التهجم على أي دولة شقيقة أو صديقة"، معتبرا ان "احترام علاقات لبنان العربية والإقليمية والدولية واجب على كل من يتعاطى الشأن العام".

مفتي جبل لبنان الشيخ محمد علي الجوزو سأل: "أين مصلحة الوطن؟ وأين دماء أبنائه التي أهدرت بغزارة لتذهب دفعة واحدة، ويزحف عون إلى دمشق ويقول لنا الآن انتهت معركة التحرير وأصبحنا أصدقاء وحلفاء لمن احتل لبنان 30 عاما، وقتل من قتل من أهله واغتال من اغتال من زعمائه المسيحيين والمسلمين؟". وقال: "النظام السوري طوى ملف الجنرال وبرأ ساحته والجنرال برأ النظام السوري وعفا الله عما مضى".

امين سر "شبيبة جورج حاوي" رافي مادايان رأى ان "الزيارة تنم عن شجاعة ووقفة تاريخية وتساهم في تصحيح نظرة قسم كبير من اللبنانيين الى محيطهم العربي والاسلامي، انسجاما مع الارشاد الرسولي ومبدأ التصالح مع التاريخ والجغرافيا والذات".

رئيس "تجمع الاصلاح والتقدم" خالد الداعوق اعتبر ان "عون يؤكد بزيارته متانة العلاقات الاخوية بين البلدين التي ستفتح الباب امام تحقيق المصالح المشتركة، بما ينعكس ايجابا على كل النواحي التي تهم البلدين".

"لقاء الانتماء اللبناني" رأى أن "الزيارة فولكلورية، ولم تأت بأي نتائج ملموسة، ولا حتى حققت الحد الأدنى الذي كان يتوقعه منها بعض المتفائلين". وقال: "واضح أن التكريم الذي حظي به عون في سوريا، والتضخيم المتعمد لمظاهر استقباله، يهدفان الى التعويض عن المضمون الفارغ للزيارة ونتائجها العملية الهزيلة، لا بل المعدومة".

 

زعيم التيار يجول في سوق الحميدية والجامع الأموي: أشعر أنني جزء من هذا البيت.. فكلنا ننتمي إلى الله

5/12/2008 السفير/غراسيا بيطار

دمشق : تاراراتاتا... جنرال هتاف التيار الوطني الحر صدح شامياً من أمام الجامع الأموي الكبير. العماد ميشال عون يقف رافعاً شعار الصحّ البرتقالي ومحيياً الحشود التي أمت أروقة سوق الحميدية لترحب بلكنتها الشامية: أهلاً وسهلاً بللي جاي، في اليوم الثاني لأيام الجنرال الدمشقية.

في حرم الجامع الذي يجمع المسجد الإسلامي الأول بهذا الحجم خارج بلاد الحجاز قديماً، وضريح راس مار يوحنا المعمدان أو النبي يحيى لدى المسلمين، قام الجنرال بجولة رافقه فيها ظلهخلال هذه الزيارة الدكتور فيصل المقداد ووفد عون المرافق من نواب تكتل التغيير والإصلاح والوزير السابق سيبوه هوفنانيان ومسؤولي التيار الوطني الحر. وكان في استقبالهم وزير الأوقاف عبد الساتر السيد الذي ألقى كلمة رحب فيها بـالزعيم المسيحي العروبي مثمناً التفاهم الذي وقعه مع حزب الله. ورد العماد عون الذي فشل في إخفاء التأثر عن وجهه من رهبة المكان متوقفاً عند المنزلة المهمة للجامع في المسيحية والإسلام. وقال: أشعر أنني جزء من هذا البيت عندما أدخله، لأننا كلنا ننتمي الى الله وكلنا خاصته، فهو يسمع صلاتنا ويرى أعمالنا جميعنا وكل الأديان هي طرق عبادة توصلنا اليه.

تحفة تراثية وروحية خلابة هو الجامع الأموي الكبير. انحناءة لرمزيته الروحية تقودك الى تذوق شغوف لكل حجر فيه. في الأصل، تم البناء على بقايا معبد جوبيتر. بني المسجد يميناً ليجاور الكنيسة يساراً طوال سبعين عاماً. كان المسجد الإسلامي الأول بهذا الحجم خارج بلاد الحجاز. ميزته في العمران والزخرفة والتناسب في أبعاده وأقواسه الرومانية العليا والعربية الدنيا. وعندما جاء الخليفة الوليد بن عبد الملك أخذ من المسيحيين مساحتهم وقدّم لهم في المقابل أرضاً بنوا عليها الكنيسة المريمية. وهكذا انفلش الجامع الأموي الكبير على المساحة كلها (١٥٩ـ٢٠٠ متر). يتألف الجامع من الصحن والحرم ومن ثلاث مآذن: العروس والمئذنة الغربية والمئذنة الشرقية المسماة منارة النبي عيسى. في عبارات سريعة ومكثفة يقدّم الشرح لـالجنرال الذي نقل ناظريه في التاريخ متأملاً الزخرفات الفارسية واليونانية والبيزنطية والإسلامية وأسقف الجامع المصنوعة من خشب الحور الدمشقي. تعليقات مقتضبة تصدر منه، ولكنها كافية لتسجيل إعجابه بما يرى. وبعد الجولة على متحف الجامع قدم وزير الأوقاف السوري للعماد عون درع وزارة الأوقاف ومصحف الرئيس السوري بشار الأسد وألبسه العباءة الشامية عربون تقدير ومحبة. الجنرال مازح الإعلاميات اللواتي ارتدين العباءات الخاصة لدخول المسجد: شو بس إنتو بتلبسوا العباية. ولكنك أصبحت سماحة الجنرال، قيل له، فأجاب: لقد سمّوني كذلك عندما وقعنا مذكرة التفاهم.

عام ٢٠٠٠ زار البابا يوحنا بولس الثاني الجامع الأموي فكان العماد عون، أمس، الزائر الثاني كزعيم مسيحي بعد زيارة الحج البابوية تلك. وقبل الوصول إلى الجامع كان الدرب صاخباً نحوه. فالناس وتجار سوق الحميدية، الأعرق تراثياً في المنطقة، خرجوا لملاقاة الجنرال مصفقين ومرحبين... محطات ترحيب ساخنة بردتها قليلاً الاستراحة عند بوظة دمشق. هنا اصطحب يوما الرئيس الأسد نظيره الملك عبد الله لتذوق تلك الخلطة الشهية من الفستق والقشطة والتي تشتهر بها دمشق. جلس الجنرال يتذوق والسياسة حاضرة في تقويم الزيارة: رحنا على أميركا ضد سوريا أرادوا محاكمتنا، واليوم نأتي الى سوريا ضد أميركا ويريدون محاكمتنا. أما صاحب الاستراحة فيعبر بعفوية عن سروره بزيارة العماد عون فخر الأمة العربية فهو وطني وقومي ويحب لبنان وسوريا.

عودة الى جناح السلام مقر إقامة العماد عون في فندق الشيراتون. فعلى جدول اللقاءات رجال أعمال ووفود نقابية وإطلالات للوزراء السوريين ودردشة طويلة في بهو الفندق بين الوزير الأسبق ميشال سماحة والوزيرة بثينة شعبان. وبعشاء بدعوة من الدكتور المقداد، أنهى العماد عون يومه الدمشقي الثاني.

 

شوارع حمص تفيض بناسها ترحيباً بالجنرال

عون: الشوائب لا تُنسى إلا بالمصارحة وبالتفكير بالمستقبل

السفير /مارلين خليفة

6/12/2008

حمــص : يواصل الشعب السوري مشاركة حكومته في الترحاب بالعماد ميشال عون. فنزلت حمص بمعظمها الى الطرقات، امس ، واستقبل بحر الجموع عون ووفده المرافق.

الشعب السوري ليس معتادا على نثر الأرزّ وعلى حمل شعارات حزبية تخصّ بلدا آخر. حتى رجال الدين شاركوا بكثافة في الاستقبال. ها هو شيخ يصيح في اجتماع رؤساء الأديان في مطرانية حمص، أهلا يا رجل الخيارات الصعبة، وها هي راهبة قبله تتقدّم منه وتقول جنرال...يا ريت كنت البطرك.. اخذ لون وجه الجنرال يميل نحو الأحمر عند سماعه هذه الكلمات... فوجئ بغمر العواطف... وبالتدافع الجارف نحوه.

الزيارة الى حمص سبقتها وفود شعبية ملأت الطرقات بعفوية بادية. المحطّة الأولى محافظة المدينة، حيث استقبال من المحافظ محمد إياد غزال. ثم شقّ الموكب الجموع بصعوبة الى مطرانية سيدة السلام للروم الملكيين الكاثوليك ، حيث عقد اجتماع لرؤساء الطوائف المسيحيين والمسلمين في طليعتهم: مطران حمص وحماه وتوابعها للسريان الأرثوكس سلوانس بطرس نعمة، مطران حمص وحماه للروم الكاثوليك إيسودور بطيخة ولفيف من الكهنة. والمشايخ: محمد نور مشرف، زهير الأتاسي، كبرياء نعمه، عصام المصري، عبد النافع فياض، حسن الحكيم وسواهم.

وألقى المطران إيسودور بطيخة كلمة قال فيها: كيف يزور الجنرال عون سوريا ولا يزور قلبها ونحن قلبها نحن الجذور. نستقبلك اليوم باسم القديسين والشهداء وفرحتنا عظيمة جدا لأنكم تمثلون الإخاء والمحبة والوطنية، وقد توسمنا في كلماتكم خيرا لأننا وجدنا فيها حلا للهجرة المسيحية، وقد حثيتمونا على تثبيت أقدام أبنائنا من أجل الوطن، وهذا صوت نسمعه أعطانا الراحة للمسلمين قبل المسيحيين. نرحب بكم في هذه المنطقة الوسطى ونتمنى علاقة أفضل بين الشعبين وهما واحد في وطنين يؤمن كلّ واحد منهما باستقلال الآخر. لبنان في قلبنا ونتمنى ان نكون في قلب لبنان، إننا نقدم لكم صليبا إضافيا وأنتم اعتدتم على الصلبان.

وبعد أن قدّم له الأسقف وسام المطرانية وايقونة، ردّ العماد عون قائلا: أردتم أن تحمّلونا صليبا آخر، ونحن قدّها وقدود، هناك الصليب الكبير الذي صلب عليه السيد المسيح وهنالك صليب القضايا الكبرى التي يتعذّب ويستشهد في سبيلها كثر، إنها رسالة الخلاص وليس من جديد علينا. القلب المفتوح يحمل أيضا قلوبا اخرى مفتوحة تتابعنا ولها نفس العواطف والشعور الذي تشعرون به.

أضاف عون: نحن في سوريا اليوم لأنه كانت توجد شوائب كثيرة ولا تنسى إلا بالكلام عنها والمصارحة وبالتفكير بالمستقبل. الماضي لا يجب أن يُمحى يوما لكنّ علينا التفكير به لئلا تتكرر الأخطاء، لأنه في البقاء في الماضي ندفن معه أنفسنا.

السفير سألت الخورأسقف ميشال نعمان عن معنى زيارة عون، فقال: نحن سعداء بالجنرال لأنه يمثل الانفتاح ويعطي الطمأنينة وخصوصا أن ثمة عائلات سورية لنا في لبنان والعكس صحيح، والجنرال أثبت أن العيش في جزر مغلقة غير مفيد، وأكد أن حق المواطنة هو للجميع.

وقال الشيخ ياسر الصالح إمام مسجد الإمام علي بن أبي طالب: نرحب بالجنرال عون في سوريا، لأنه الرجل الوطني الأبي الذي تفرّس وهو من اصحاب الفراسة، على عكس الذين لا يرون أبعد من انوفهم، والمؤمن المتفرّس ينظر بنور الله.

بعدها زار العماد عون كنيسة العذراء المعروفة بأم الزنار حيث يوجد جزء من زنّار السيدة مريم، حيث فاضت ايضا أنهار بشرية على الطرقات. وعقد معه مطران السريان الأرثوذكس سلوانس بطرس نعمه خلوة. واعقب اللقاء غداء مع رجال الدين وشخصيات في مطعم بيت الآغا، حيث القى عون كلمة شكر لأهل مدينة حمص مما جاء فيها: الكلّ هنا يعلم انني جئت لأنقل اليكم محبة اللبنانيين الذين يرغبون بعلاقات المحبة الوطيدة بين شعبينا، أنا هنا لأعلن نهاية الغيمة السوداء التي خيمت علينا في الأعوام الأخيرة والعودة الى حياة هانئة بجوّ من الصفاء والأخوّة.

أضاف: إنها صورة لبنان المحب أما لبنان الكاره فهو أقلية لا بدّ أن ترتدع وتتوب. نحن أمام مرحلة جديدة ستتبلور فيها سياسات جديدة، وآمل أن تكون نهضة جديدة.

وأُلبس الجنرال عباءة المدينة، وانتهى اللقاء بجرف آخر من الجماهير والأغنيات الوطنية...

 

أصر على الصلاة بلغة المسيح الآرامية متفقداً صيدنايا ومعلولا

عون يدعو إلى تخطي الحواجز التي تفصلنا كبشر ودول

السفير 6/12/08/غراسيا بيطار

دمشق : كتب العماد ميشال عون في سجلات الكنائس الذهبية السورية رسالة محبة وسلام. خشع في تصريحاته من قلب الكنائس الأقدم في العالم والتي تفقدها أمس في ريف دمشق فبين لكثر أن فعل السجود والركوع يختلف في الشكل وليس في النوايا. طلب مصرا أن يصلي الصلاة المسيحية الأولى التي خرجت من فم المسيح نفسه باللغة الآرامية في معلولا، المنطقة الناطقة حتى اليوم بسكانها كافة بلغة المسيح. لاطف الأطفال دامعا عندما أتوه بأغصان الزيتون والشموع. وتعمد أن يتفقد الجذور المسيحية فكان المشهد الأرهب أمام الراهبات الأرثوذكسيات اللواتي حافظن على زي بالغ الاحتشام حيث لا يبقى إلا وجه الراهبة ظاهرا. وهذه الأخيرة عبرت عن فرح غريب باستقبال أحد أبناء السلام. تخطت جولة العماد عون الروحية أمس معاني وتأويلات السياسة لتوقف الزمن عند محطة دينية بامتياز عكسها تفاعل الناس معه. ويروي الأهالي أن الرئيس بشار الأسد غالبا ما يصطحب عقيلته وأولادهما الى تلك المعالم المسيحية التي تخطت بقدمها وتراثها تاريخ الطوائف.

سوريا ستظل أمينة في العمل من أجل مصلحة لبنان هي إحدى اللافتات البرتقالية التي زينت دير سيدة صيدنايا وسط غابة من الطلاب والحشود الذين حضروا لملاقاة الزائر الكبير فهو نظيف وشريف وما بيتبرطل يقول أبو فواز الخوري الذي يسجل عتبا كبيرا على البطريرك نصرالله صفير لبعض مواقفه ويقول بكل فخر إن الجنرال هو بطرك الشرق ولهذا نحن هنا منذ الخامسة فجرا لاستقباله. تشق نهر المحتشدين صعودا نحو الدرج الملوكي للدير والذي بني في عهد البطريرك تيودوسيوس السادس عام ،١٩٦١ على وقع تمازج الأغاني الوطنية لكل من البلدين لكشافة الدير: سوريا يا حبيبتي، بكتب اسمك يا بلادي عل شمس اللي ما بتغيب.... سياح من الأردن أتوا في زيارة حج فأصبنا عصفورين بحجر كما تقولون عندكم في لبنان تعبر السيدة والى جانبها ابنها منهمكا في تصوير المشهد الإحتفالي. هذا المشهد طبع المحج الثاني بعد القدس على ما قالت الأم الرئيسة كريستيان باز خلال ترحيبها بـالجنرال على رأس مسبحة وقورة من الراهبات.

وأمام الوفد الروحي الإسلامي المسيحي المشترك الذي حضر لاستقباله، رد الجنرال في كلمته من دير السيدة بالدعوة الى التأمل في آلامها لاتخاذ العبر من أجل المستقبل ، والى تخطي الحواجز التي تفصلنا بعضنا عن بعض كبشر وكدول. نسأل إحدى الراهبات عن معنى هذه الزيارة بالنسبة اليها فتقول: مبسوطين كتير ونحبه لصراحته فهو لا يقول إلا كلمة ترمي الى السلام. جولة في مزار الشاغورة. الراهبات لا يتحدثن سياسة وإنما يعبرن من القلب: الله أرسل لنا إنسانا يتكلم في حقيقة الوجود الإنساني على الأرض وخصوصا في بلده لبنان الذي كاد يموت ونرجو أن يحيا الى الأبد ونحن نصلي للمحبة والسلام في لبنان وسوريا وفلسطين والعراق وكل البلدان العربية.

ملونة صيدنايا طائفيا وإن غلب عليها اللون المسيحي وشكل الإسلامي حوالى ١٠٪ منها. أما المسيحيون فمناصفة بين الأرثوذكس والكاثوليك ولكن هذا الدير الأرثوذكسي هو رمزنا جميعا يقول أحد المحتشدين المستقبلين والى جانبه رف من الطلاب والتلاميذ حاملين أغصان الزيتون على شمعة مزينة بالشارات البرتقالية. وتحاط هذه المدينة الغزالة على ما تشي روايتها بمناطق مسيحية أيضا مثل المعرة ومعرونة وبدّا. ومن الأم الرئيسة استمع الجنرال الى تاريخ دير صيدنايا وهي كلمة سريانية الأصل سيدانايا ومعناها سيدتنا أو صيد دنايا ومعناها أيضا بنفس اللغة أراضي أو أماكن الصيد. وتعود قصته الى الأمبراطور البيزنطي يوستنيانوس الأول الذي خرج لمهاجمة الفرس وعندما شعر عناصر جيشه بالجوع رأى غزالة وقال إنها شهية للصيد ولكن عند المطاردة ظهرت السيدة العذراء مكان الغزالة وقالت له: كلا لن تقتلني يا يوستنيانوس ولكنك ستشيد لي كنيسة هنا على هذه الرابية.

أيقونة العذراء

قشعريرة إيمان تنتابك في ذاك الدير. فدير صيدنايا البطريركي العام يحوي أيقونة السيدة العذراء وهي إحدى النسخ الأصلية للأيقونات الأربع التي رسمت بيد الرسول لوقا البشير وتلقب بالسريانية شاهورة أو شاغورة ومعناها المعروفة والذائعة الصيت. والدير في ذاته مؤسسة رهبانية أرثوذكسية تابعة لمركز البطريركية الإنطاكية في دمشق. أما مكتبته فتضم المئات من الكتب والمخطوطات الثمينة التي يتبين منها أن عهد بناء هذا الدير يرجع الى حوالى سنة ٥٤٧ بعد المسيح. على كتابه الذهبي وقع الجنرال وحملته الراهبات زوادة أيقونات وتبريكات مباركة إياه بالزيت المقدس على معصمه وجبينه.

نحو معلولا: عند ساحة البلدة أي قبل الصعود الى الدير تقرع الطبول وتصدح الأناشيد مرافقة الصخب البرتقالي وصولا الى دير مار سركيس وباخوس. ترنيمة يحفظ الرب إيابك من الآن والى الأبد تتصادف ودخول الجنرال الدير. على شرف هذين القديسين بنيت هذه الكنيسة، يقول رئيس الدير الأب توفيق عيد الذي شرح: يعود بناؤها الى بداية القرن الرابع أي عمر الدير حوالى ١٧٠٠ سنة وشيد عندما كان المسيحيون ما زالوا في بداية نشر رسالتهم ولذلك فإن مذبحها مسيحي بشكل وثني لأنه بني في تلك الفترة الانتقالية ما يفسر وجود أحصنة في بعض الرسومات. ويشير الى أساسات البناء فإذ بها خشبية من أرز لبنان لأنه كان يستعمل ضد الزلازل. والى جانب الفن العمراني، انتقل رئيس الدير الى شرح الأيقونات لـجنرال مصغ بالكامل: إنها من أقدم الأيقونات كتلك للقديسة تقلا وللسيدة العذراء والتي تعني مظلة المسيحيين. أما لماذا يضع القديس يوحنا المعمدان رجلا على رجل في أيقونة رسمه، فيجيب الأب: لأنه أتم مهمته والتي كانت التمهيد لقدوم المسيح وهو يشير بإصبعه الى فوق أي الى المخلص. مسك أيقونات الدير وأثمنها وأشهرها هي أيقونة الصليب والعشاء السري. فيها يبدو المسيح خادما لأبنائه والجميع وجوههم متجهة بشكل مباشر إلا التلميذ الخائن فوجهه نصف ظاهر. وهنا يلاحظ النائب نبيل نقولا في ثياب السيد المسيح اللون البرتقالي فيستفسر. يجيبه الأب: إنه الأحمر الأرجواني رمز الألوهة.

معلولا هي المنطقة الناطقة بالكامل لغة المسيح الآرامية. شبابها وشيبها تمثل لهم اللغة الأولى. وقف الأب لتلاوة صلاة الأبانا بلغة الجذور فتمنى عليه العماد عون أن يقوم بذلك جملة جملة كي يردد وراءه مصليا. وهكذا كان في ومضة روحية مؤثرة عكسها عون في ما كتبه على سجل الدير الذهبي: صلاة الأبانا باللغة الآرامية غمرت نفسي بالفرح وعادت بي الى الماضي الذي جعلني أشارك السيد المسيح لغته فملأ نفسي حبورا وسعادة. أما على خلفية الهدية التي قدمه له الأب الرئيس أي لوحة رمزية للعشاء السري فقرأ: من أراد أن يكون كبيرا فيكم فليكن لكم خادما. وعلق: إنها وصية السيد المسيح والتي علينا العمل بها كمسيحيين إذا أردنا بناء مجتمعنا. وفي لفتة قدرها رئيس الدير قدم الزميل في قناة المنار محمد قازان للأخير باقة ورد باسم الوفد الإعلامي المواكب لزيارة الجنرال.

مضطهدة من الحكم العثماني هربت القديسة تقلا فشق لها الرب الجبل طريقا لها وارتسم مذ ذاك الفج أو الممر الطويل الذي عبرته لتكمل نشر المسيحية في العالم يشرح المشرف العام المندوب من قبل رئاسة الجمهورية طوني الخوري لـالجنرال الذي مشى على خطى أولى الشهيدات المسيحيات في حدث يعود الى القرن الأول بعد المسيح. في تلك الدهاليز الصخرية الواقفة شاهد المشنقة العائدة الى العهد العثماني وبعدها بقليل مقبرة العظماء الى اليمين ومقابر العامة الى اليسار والى جانبهما الكرسي الصخري التي كان يستوي عليها الحاكم العثماني لإصدار أحكام الإعدام. من ذكرى اضطهاد فانتصار خرج العماد عون من الممر ـ النفق الصخري لتلفحه عاطفة البيت الواحد والهتافات التي لم يسمع بها في جولاته السابقة: ميشال ميشال والأرزة اللبنانية من هل ميل ومن هل الميل ما بتلبق إلا لك التحية وتحت لافتة ترحب عند أقدام دير القديسة تقلا بـصوت لبنان الحر هتفوا التيار الوطني الحر رح يتوسع ع كل الكون. داخل الدير الذي دخله العماد عون على وقع طبول شبيبة الكشافة ونثر الأرز، استمع من الأم الرئيسة بيلاجيا صياف الى تاريخه الذي يعود الى العام ٦٤ م. أيقونات متتالية تشرح مراحل القديسة منذ ولادتها مرورا بالعذابات التي تعرضت لها اضطهادا وصولا الى تحقيق الرسالة المسيحية. وهنا تقدم أطفال حاملين الورود البرتقالية الى الجنرال فأجلس طفلة على حضنه ولاطفها بغصة تأثر ظاهرة. ومن ريف دمشق التي تحضن سيدة صيدنايا ودير القديسين ســركيس وباخــوس ودير القديسة تقلا ونفقـها الصخري الروحاني، تابع الجنرال جولته نحو حمــص فحــلب الشـهباء التي وصلها مساء .

 

الجنرال يوطد علاقته بآل الأسد وينتقل بها من علاقة شخصية لعائلية

بعد اليوم الحمصي.. يوم حلبي لعون في سوريا

السبت 6 كانون الأول 2008/لبنان الآن

في اليوم الرابع من زيارته سوريا عزّز النائب ميشال عون أواصر علاقته الشخصية مع الرئيس السوري بشار الأسد وانتقل بها إلى علاقات عائلية لم تخل من الحميمية بين الأسد وعون وهو ما كرّسه إلتحاق عائلة عون على متن طائرة رئاسية سورية حطت في مطار الرئيس الشهيد رفيق الحريري الدولي فأقلّت زوجة عون وابنته وصهره وزير الاتصالات جبران باسيل إلى مدينة حلب حيث أولم الأسد لآل عون وترافقا سويًا في جولة على معالم المدينة السياحية والأثرية.

وكان عون قد استهلّ جولته الحلبية بزيارة كاتدرائية الاربعين شهيدا للارمن الارثوذكس ومتحف "زاريه يان" الكنسي والمطرانية المارونية القديمة والكاتدرائية المارونية يرافقه نائب وزير الخارجية فيصل المقداد الذي قال ان استقبال الاسد لعون بالشكل الذي تم فيه، "يدل على المحبة التي يكنها الاسد والشعب السوري للشعب اللبناني ويعبر عن رغبة سورية في إقامة أفضل العلاقات مع شعبنا اللبناني". وأكد المقداد أن "ما تم الاتفاق عليه خلال القمة اللبنانية السورية التي عقدت في دمشق موضوع على جدول اعمالنا، والجهود مستمرة بشكل دائم من أجل بناء السفارة السورية في بيروت، وسنعلن عن ذلك قبل نهاية العام الحالي".

عون اعتبر بدوره "ان القرار الذي اتخذته سوريا بإقامة علاقات دبلومسية مع لبنان على مستوى السفارة أسقط حرب النوايا بين الطرفين خصوصاً ان اللبنانيين كانوا يشعرون ان سوريا تريد الهيمنة على لبنان برفضها اقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين"، مؤكداً، في مقابلة مع التلفزيون السوري، ان التمثيل الدبلوماسي هو نتيجة الاستقلال ولا يعطي هذا الاستقلال.

ورداً على سؤال عن خشيته من تحول بعض مناطق الشمال الى مصدر للارهاب، رأى عون "ان المنطقة الواقعة بين الحدود السورية ومدينة طرابلس تشكل مخاطر من ثلاثة اتجاهات الاول عن طريق التسلل باتجاه سوريا والثاني التسلل الى الداخل اللبناني والثالث عن طريق البحر حيث تستطيع هذه الجماعات الارهابية الوصول الى أي دولة". واتهم عون بعض القوى التي تحارب الارهاب باستخدام الارهابيين في بعض الاحيان لضرب استقرار بلد معين لخلق ذريعة للتدخل في هذا البلد او ذاك، لافتاً إلى أنه "لا يخشى على لبنان من هذه الجماعات وان العمل الارهابي في لبنان ضيق جدا مهما اختلفنا وان المجتمع اللبناني تعددي وقد تختلف بعض مكوناته مع بعضها الآخر لكن لا يمكن ان تكون لديه نزعة ارهابية".

وجدد عون القول ان "سوريا وايران دعمتا لبنان سياسيا وقدمتا الدعم الى المقاومة اللبنانية" وإن زيارته لكلتا الدولتين جاءت بعدما نضجت الظروف، مشيراً إلى أنه "كان من الضروري القيام بزيارة ايران ولم يعد بالامكان انتظار المتخلفين بفهم المرحلة والتحولات التي تشهدها خاصة اذا كان هناك استحقاقات معينة".

وفي مأدبة عشاء أقامها المفتي العام لسوريا الشيخ أحمد بدر الدين حسون على شرف عون، ووصفه خلالها بـ"أب الوطنيين الأحرار"، شكر عون "سيادة الرئيس بشار الأسد" على استقباله، وأضاف: "المشاكل العالقة بين لبنان وسوريا ليست معي إنما مع لبنانيين آخرين".

في غضون ذلك لفت موقف للنائب آغوب بقردونيان أوضح فيه أن زيارة وفد الطاشناق الى سوريا غير مرتبطة بزيارة عون الى دمشق، بل جاءت بعد القمة بين الرئيسين الأسد وسليمان، وبعد اقرار اقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وأكد بقرادونيان، في حديث الى nowlebanon.com، ان زيارة الطاشناق "لا علاقة لها بالخيار، أي، قلنا للأسد ما نقوله في بيروت ان هدفنا كأرمن وقرارنا ككتلة وخيارنا السياسي مستقل".

وعما إذا كانت زيارتا عون والطاشناق ستؤثران على مشهد الانتخابات النيابية والتحالفات تحديدا في المتن الشمالي، أجاب بقرادونيان: "لا تأثير، فنحن كطاشناق قلنا خيارنا في المتن الشمالي، واننا مع العماد عون والنائب ميشال المر او من يكون محلّه كنجله الوزير الياس المر مثلا". وأشار الى أن "حزب الطاشناق يسعى إلى جمع المر وعون لخوض الانتخابات"، مضيفاً: "قد يكون هناك تقارب، واذا لم يكونا في لائحة واحدة، على الأقل تكون هناك صيغة معينة تراعي مصلحة وحجم كل طرف". وفي إطار زيارات المسؤولين اللبنانيين الى سوريا، كشف وزير الدفاع الياس المر أنه وضع مع الامين العام للمجلس الاعلى اللبناني- السوري نصري الخوري برنامجاً يتعلق بالجيش اللبناني لمناقشته مع المسؤولين السوريين خلال زيارته دمشق، وقال إنه سيعقد مع الخوري قريباً اجتماعاً لتحديد موعد الزيارة. وأضاف المر: "سأرفع الى مجلس الوزراء جدول الاعمال الذي سأحمله الى سوريا لأخذ موافقته على كل النقاط التي سنبحثها وخصوصا موضوع حماية الحدود اللبنانية - السورية وتطبيق القرار 1701 الذي نص على موضوع الحدود".

 

عون يحضر القداس الأول أمام مدفن القديس مارون في براد ويلتقي مجدداً بالأسد:

ندعو إلى تنقية الضمير مع حق الاختلاف السياسي... ولا انتقائية في المحبة وشهادة الحق

8/12/2008 السفير/ غراسيا بيطار

براد : اختلطت المناسبات السعيدة في يوم الأحد السوري... الجنرالي أمس. إنها صباحا وقفة عرفات عشية عيد الأضحى وظهرا قداس على اسم العماد ميشال عون مصليا من موقع هامة أبي الطائفة المارونية. والمناسبة الجميلة كذلك أن تعرّف أطراف حلب عن نفسها لكل العالم. تلك القرى العابقة بأصالة التراث وبخور القداسة المنسية في أذهان الدول والتاريخ. ضيعة هي براد بكل صفائها. القرية التي اختتم الجنرال فيها أيامه السورية الخمسة. ولم تكن صدفة، فرمزية المكان محفورة في الوجدان المسيحي الماروني إذ فيها هامة من كان راهبا ناسكا عاش ومات في منطقة القورشية شمال حلب في نهاية القرن الرابع وبداية الخامس. بكلمة روحانية من قلب نواة كنيسة ختم العماد عون زيارته الحدث.

قبل أن تصل الى براد عليك أن تعبر قرى صغيرة جبلية وحجرية المنازل مثل الصوغانية والعقيبة.. لا عجب فهناك مدن وقرى سورية عدة متشابهة مع اللبنانية مثل شارع الجديدة في حلب القديمة والأشرفية في حماه فضلا عن العائلات المتشابهة أيضا مثل كرم ونصر الله والخوري والحريري. ورغم عبور قرية خربة الحياة على ما يشي اسمها فإن مشهد تلك القرى الهادئة الساكنة يثلج وطأة المسافة من حلب القديمة الى براد التي استغرقت زهاء ساعتين. بعض الزفت على الطريق يبدو أنه وضع حديثا ربما من ضمن التحضير لاستقبال السيد العماد. في المنطقة الأثرية التي تضم الكنيسة الصغيرة، دير براد، كنيسة جوليانوس ومدفن مار مارون، احتشد الناس الذين قدرت أوساط المنظمين عددهم بنحو ٢٠ ألف شخص. حملوا الأعلام اللبنانية والسورية والشارات البرتقالية واستقبلوا الجنرال وودعوه بالهتافات والبالونات البيضاء والبرتقالية مترجمين ترحيبهم في لافتة عاش الإخاء اللبناني السوري. ومنهم من أتى من بيروت للمشاركة في القداس الذي يفتتح سلسلة ذبائح إلهية هنا في الخيمة ـ الكنيسة التي أقامتها السلطات السورية من خلال وزارة السياحة والوزارات المعنية، بعدما قدم الرئيس الأسد قطعة ارض لتكون البداية قبل وضع حجر الأساس للكنيسة.

عريقة براد. هي قرية أثرية مأهولة وتعتبر من أكبر القرى الأثرية في جبل سمعان إذ يمتد تاريخها الى القرن الثاني الميلادي وقد اكتسبت شهرة سياحية عالمية لوجود مدفن القديس مارون في كنيسة جوليانوس الأثرية. رقصت الألحان الرحبانية الفيروزية على صحون الطبول الكشفية. يدخل الجنرال الكنيسة عائليا ترافقه عقيلته السيدة ناديا وصهره الوزير جبران باسيل وعقيلته وكريمتهما وروي الهاشم وعقيلته. أما الوفد المرافق فكان سبقه بدقائق وضم النواب ومسؤولي التيار الوطني الحر، ليتكامل الحضور مع الجانب السوري وظل الزيارة الدكتور فيصل المقداد ومحافظ حلب الدكتور تامر الحجي، بالإضافة الى الحشد الذي ملأ الخيمة الكنيسة التي تتسع لنحو ٥ آلاف شخص. وبدخول ضيف سوريا بدأ القداس الذي ترأسه مطران حلب وتوابعها يوسف أبي عاد بمعاونة لفيف من المطارنة ممثلين كافة الكنائس في سوريا بما فيها الأبرشيات المارونية الثلاث دمشق واللاذقية وحلب. ومن على مذبح برتقالي مذهب، ألقى المطران أبي عاد عظة تحدث فيها عن فضائل مار مارون ومحطات في حياة هذا الناسك الذي تشبّه بسيده في مثل حبة الحنطة التي إن لم تقع وتمت في الأرض فإنما تبقى مفردة. وروى كيف من بعده تكونت عبر الأجيال جماعة سميت بيت مارون وتكاثرت الى أن صار لها في أواخر القرن السابع بطريركها الأول القديس يوحنا مارون وما برح أبناؤها يعيشون في البقاع السورية كلها حتى خرب ديرهم في القرن العاشر فارتحل القسم الأكبر منهم الى لبنان... فالموارنة مدينون لحلب عبر تاريخهم كله. ولأن الموقع هو جزء من مشروع الإنماء السياحي الذي تتولاه وزارة السياحة توقف المطران عند تحيتين استحقتا تصفيق المشاركين في القداس. تحية قدمها للرئيس الأسد الذي شجعنا منذ اللحظة الأولى على المضي قدما لتحقيق مشروع إظهار معالم هذه الأمكنة التراثية المارونية في براد وقلعة كالوته. والتحية الثانية لـالجنرال الذي توجه اليه المطران بالقول: نحن فخورون بكم الآن شخصا يتشامخ ويتواضع ويسجد أمام ربه وينحني ويرفع رأسه فترتفع معه رؤوس محبيه. وسأل الله أن يحفظه من كل مكروه وأن تبقوا على ما أنتم عليه من الصلابة في الإيمان والعزم والحمية وأن تكون أعمالكم كلها في سبيل زرع الوفاق والتقارب بين الأشقاء والدفاع عن الكرامات والسعي الدؤوب لإحلال السلام والعدل في هذه الديار الغالية وفي لبنان الحبيب وفي البلاد المشرقية كلها. وكانت لافتة لفتة المطران الذي تقدم ليعطي، شخصيا للعماد عون سلام المسيح.

وبعد ترنيمة لمار مارون يا سلاحا قويا لأهل النفاق رادعا اختتم القداس فاعتلى العماد عون المنبر غير راغب بالوعظ على ما قال وإنما بالصلاة. وقال: جئنا لنصلي ونتأمل في حياة القديس مارون الناسك الذي افترش الأرض والتحف السماء. فبعد ١٦٠٠ سنة نعود الى الجذور والينابيع والشجرة التي تقطع من جذورها تموت ولذلك وجدنا أن المسافة قصيرة وقريبة جدا من هنا الى جبل لبنان. ودعا الى صفاء النيات والوجدان والتفكير بـرسالة المسيحية أي المحبة وشهادة الحق. وقال: لا انتقائية في هذه المبادئ فكيف بالأحرى محبة من نعيش معهم.. إنه يوم تاريخي وآمل أن تشهد الأيام المقبلة البدء بتشييد الكنيسة هنا والرئيس الأسد دعانا كي نشارك في حفل وضع حجر الأساس. وتابع: لا يمكن لأي شعب يختزن روحية معينة أن ينفصل عن الينابيع التي أعطته هذه الروحية فالأرض تنجذب الى هذه الروحية ونحن من المهاجرين العائدين الى هذه الأرض. أنت ببيتك يا جنرال رحبوا به فحياهم وواصل: مهما تعاظمت الشرور فإن الخير هو المنتصر مهما كانت الاثمان. ومقتصرا كلمته على الروحانيات قدم العماد عون تهانيه من قلب الكنيسة بعيد الأضحى آملا أن تكون دائما الأعياد مشتركة لأننا صورة الله فلا نجعله هو على صورتنا. وفي الأسئلة التي وجهت اليه من خارج كلمته والمكان شدد على أهمية إعادة العلاقات اللبنانية السورية الى طبيعتها ودفع الأمور بشكل سريع. أما عن المصالحات المعلقة في بيروت فكرر الدعوة الى تنقية الضمير مع الاحتفاظ بحق الاختلاف السياسي. وأضاف: على الأقل لن نختلف على مار مارون ولا أحد يمكن أن يحتكره. وختم كلامه داعيا الجميع للمساهمة في بناء الكنيسة.

أنهى العماد عون كلمته ليخرج شاقا الحشود المرحبة. وعندما يتأفف البعض لكثرة الزحمة والتدافع، يدافع أحد المواطنين السوريين بلكنة بلاده: لا تزعلوا منا هادا منو إلا محبة. تعزف فرقة الكشاف النشيد الوطني السوري فيقف الجنرال محييا ليكمل بعدها من حيث بدأ زيارته. إذ عقد لقاء جديدا مع الرئيس الأسد في مقر إقامة الرئيس السوري في حلب، ثم عاد عون والوفد المرافق على متن طائرتين سوريتين الى بيروت.

 

شعبان لـالسفير: لا يُنظر إلى زيارة عون بعين المحاسب بل بعين من يكتب التاريخ

المقداد: لن نترك حجراً إلا ونقلبه لحلّ قضية المفقودين ولا عودة عسكرية إلى لبنان

8/12/2008/السفير

مارلين خليفة

دمشق : يقرأ نائب وزير الخارجية السوري الدكتور فيصل المقداد زيارة رئيس تكتّل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون الى سوريا قائلا إنه: كان من الطبيعي أن يكون الجنرال عون في سوريا وأن يكون جميع الأشقاء اللبنانيين فيها، وفي المقابل من الطبيعي أن يكون المسؤولون والشعب السوري في لبنان كلّه.

وأضاف المقداد في حديث الى السفير: أن الظروف التي شابت العلاقات اللبنانية السورية، وخصوصا في النصف الثاني من عقد التسعينيات والتي شهدت شجارا سياسيا حول قضايا معينة، إضافة الى التدخّل الأميركي والإسرائيلي والإقليمي المباشر في لبنان أدت الى تشويه العلاقات القائمة بين البلدين الشقيقين. كنا في سوريا نتطلّع دوما وما زلنا الى وجوب قيام أفضل العلاقات وأطيبها بين الشعبين الشقيقين والبلدين الجارين، وأعتقد أنه لم يكن يدور بذهن اي سوري أو لبناني أن تصل العلاقات الى ما وصلت اليه من تدهور بعد العام ٢٠٠٥ في شكل خاص.

يضيف المقداد: تطلعاتنا اليوم تتمثل بتجاوز تلك المرحلة بكلّ ما فيها من آلام لأننا في سوريا نتطلع الى بناء أفضل العلاقات مع جميع الدول العربية وفي مقدّمها لبنان.

وعمّا إذا كانت العلاقة الثنائية بين البلدين ستنحصر برئيس الجمهورية ميشال سليمان وبالعماد ميشال عون؟

قال الدكتور المقداد: لا تريد سوريا شخصنة العلاقات بينها وبين لبنان. هذه العلاقات التي حتّمت قيامها طبيعة الجغرافيا والتاريخ، ونحن نريد لهذه العلاقات أن تكون مع لبنان كلّه.

وهل ستنسحب هذه العلاقات على من شتموا سوريا؟

يجيب المقداد: سوريا لا تتعامل مع الآخرين بلغة الشتائم. الشعب اللبناني سيحاسب من لم يضمر في داخله إلا الحقد ضد سوريا. واعتقد ان من يضمر الحقد لسوريا يضمره للبنان.

وعما اذا كانت سوريا قادرة على المسامحة؟

يقول المقداد: سوريا في طبيعتها وبفعل الحضارة التي عاشتها كمهد للحضارة الإنسانية كانت تسامح دوما. لكن السؤال المطروح هو هل سيسامح هؤلاء أنفسهم؟ هل سيتخلون عن ارتباطاتهم وهل سيقوم الشعب اللبناني بمسامحة هؤلاء على الأذى الذي ألحقوه بالشعبين اللبناني والسوري؟.

وعن النتائج المتوقعة لزيارة العماد عون وخصوصا في ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية؟

يقول المقداد: بالطبع لقد بدأت نتائج هذه الزيارة تتبلور وخصوصا في إطار إعادة الثقة بين اللبنانيين والسوريين. وتعلّق الشعب السوري بالشعب اللبناني ورموزه الوطنية والقومية العربية الملتزمة، ومن المفيد الإشارة الى اننا في سوريا بغض النظر عن حقيقة أو عدم صدقية الادعاءات المتعلقة بالمفقودين اللبنانيين فإنــنا سوف لن نترك حجرا من دون أن نقلبه في إطار العمل على إيضاح كل ما يتعلق بما يــسمى المفقــودين اللبنانيين. في هذا المجال أؤكد أن الجهود ستنصبّ على معالجة هذا الملف سواء من خلال اللجان التي تمّ تشكيلها لهذه الغاية، أو من خلال مشاركة اللبنانيين في البحث عن هؤلاء المفقودين، وخصوصا أننا نتعاطف مع اهالي هؤلاء ونعيش المأساة التي حلّت بهم نتيجة لغياب أعزائهم عنهم، لكننا في الوقت ذاته نقول إنه يجب على السلطات اللبنانية وعلى أمراء الحرب السابقين في لبنان أن يبذلوا كل جهد ممكن للكشف عن هؤلاء المفقودين، الذين راحت أغلبيتهم الكبرى نتيجة الحرب الأهلية في لبنان وللقتل على الهوية، في الوقت الذي كانت فيه سوريا آنذاك تمنع الجحيم الذي عاناه لبنان وتوقف القتل على الهوية.

وعمّا إذا كانت سوريا تزمع العودة الى لبنان؟

قال الدكتور المقداد: يجب أن يعود اللبنانيون الى سوريا وأن تعود سوريا الى لبنان، لكن ليس بالطريقة التي كانت فيها في السابق. يجب أن يعود الشعب الى الشعب والحبيب الى حبيبه والعائلة الى العائلة. لكن إذا كان المقصود هو عودة القوات العسكرية السورية الى لبنان فإن قرار القيادة السورية هو أننا لن نعود بهذه الطريقة على الإطلاق.

هل هذا يعني أنكم ستعودون سياسيا عبر أصدقائكم اللبنانيين؟

يبتسم الدكتور المقداد ويجيب: نحن نودّ أن تسود العلاقات الرسمية بين البلدين الشقيقين والجارين على اساس الاحترام الكامل لسيادة واستقلال كلّ منهما، وألا يشكل أي منهما خطرا أمنيا على البلد الشقيق الآخر. نعتقد أن على من يروّج لمثل هذه الأفكار أن يتوقف عن ذلك وخصوصا أن زيارة العماد عون الى سوريا اثبتت أن لا غنى للسوريين عن لبنان ولا غنى للبنانيين عن سوريا.

شعبان

من جهتها، اعتبرت مستشارة الرئاسة السورية الدكتورة بثينة شعبان في حديث الى السفير، أن زيارة النائب عون الى سوريا ظهّرت توقا لدى الناس الى الانفتاح الحقيقي بين سوريا ولبنان، وقالت: من يعمل لصالح هذه العلاقة فهو يحظى بمحبة الناس وتقديرهم.

أضافت شعبان: إذا كنا نؤمن بأن السياسة تنطلق من الشرعية الجماهيرية فقد كشفت هذه الزيارة بما لا يقبل الشك رغبة الشعبين في إقامة علاقات مميزة لما فيه مصلحة البلدين.

وعن توجس بعض اللبنانيين من ترادف عبارة العلاقات المميزة مع التدخل السوري في الشأن السياسي اللبناني الداخلي، تجيب شعبان: يستخدم بعضهم هذا المنطق لمنع قيام العلاقة الطبيعية بين سوريا ولبنان. تخيلي لو طبقنا هذا المنطق على دول الاتحاد الأوروبي أو اميركا اللاتينية أو منظمة آسيان (دول جنوب شرق آسيا)... إن معظم البلدان تسعى الى تكتلات إقليمية، ونحن العرب لدينا من المشترك اكثر من اي تكتّل إقليمي في العالم. لذا فإنه من البديهي ان تستثمر السياسة الوطنية هذا المشترك لما فيه مصلحة شعوبها، وكل ما يقف ضدّ هذا المشترك لا يحترم المصلحة الوطنية العليا.

اعتبار البعض أن الزيارات المتتالية الى سوريا من قبل مسؤولين لبنانيين تضع لبنان في المحور الإيراني السوري ضدّ دول عربية اخرى، تجيب عنه الدكتورة شعبان بقولها: إن هذه المحاور غير موجودة إلا في أذهان من يتحدّث عنها. سوريا بقيادة الرئيس بشار الأسد تسعى الى علاقات مميزة مع جيرانها من لبنان الى تركــيا وإيران، لأن هذه العلاقات ضرورية في عالم متعدّد الأقطاب. دول العالم كلّها الــيوم تــبلور استراتيجياتها لما بعد عالم القطب الواحد. ونحن نشهد ظهور قوى سياسية في أقاليم جغرافية متعددة وقد حان للعرب أن يشكلوا قوة سياسية تستعيد حقوقهم وتخدم كرامتهم وكلمتهم.

وعن النتائج العملية لزيارة العماد عون الى سوريا، تقول الدكتورة شعبان: لا يُنظر الى هذه الزيارة بعين المحاسب بل بعين من يكتب التاريخ. إن من يتحدث بهذه اللغة لا يريد لهذه العلاقة أن تنــمو بين البلدين. هذه الزيارة هي خطوة مفصلية في علاقة إيجابية متنامية بين لبنان وسوريا ذات آفاق بعيدة المدى.

أما النظرة الى العماد عون من قبل المسؤولين السوريين وفي مقدّمهم الرئيس الأسد، فتقول عنها شعبان: إن الشعب السوري بأكمله وعلى رأسه الرئيس بشار الأسد رأى بالعماد ميشال عون إنسانا صادقا وطيبا يضع المصلحة الوطنية فوق المصالح والحساسيات الشخصية، وهذا بالضبط ما يحتاج اليه العرب في هذه المرحلة. على الرغم من كلّ ما تعرض له السوريون في لبنان في المرحلة السابقة فإنني أؤكد أنه لم يتم التعرض لأي لبناني أو لأي سيارة لبنانية في أسواق سوريا كلها.

العماد عون اختتم زيارته لسوريا وعاد مساء اليوم إلى بيروت

وطنية - 7/12/2008 (سياسة) عاد مساء اليوم الى بيروت، مختتما زيارته لسوريا، رئيس تكتل التغيير والإصلاح العماد ميشال عون، على متن طائرتين سوريتين نقلتاه والوفد المرافق من دمشق إلى بيروت، حيث حطتا في القاعدة الجوية في مطار رفيق الحريري الدولي - بيروت، ومنها انتقل الى الرابية.

يشار إلى أن الوفد المرافق للنائب عون في زيارته إلى سوريا التي استمرت خمسة أيام، ضم النواب: ابراهيم كنعان، نبيل نقولا، عباس هاشم وفريد الخازن والوزير السابق سيبوه هوفننيان، وانضم إليه أمس وزير الإتصالات جبران باسيل، إضافة إلى عدد من أفراد عائلته.

 

النائب العماد عون حضر قداسا اليوم في ضريح مار مارون في حلب

وطنية - حلب - 7/12/2008 (سياسة) زار رئيس تكتل التغيير والاصلاح العماد ميشال عون والوفد المرافق له، فى خامس ايام زيارته الى سوريا، مدفن القديس مار مارون فى منطقة براد شمال حلب وحضر اول قداس يقام فيه. وقال العماد عون في كلمة ألقاها بعد القداس: "أن المؤمنين اجتمعوا على القبر وصلوا من أجل قديس ناسك كان يفترش الأرض ويلتحف السماء ويساعد كل أخوته مثلما علمنا السيد المسيح، بعد ألف وستمائة سنة نعود للجذور والينابيع لأن الأغصان التي تقطع من شجرة وشجرة مقطوعة من جذورها لا تعيش، كنا نشعر أن المسافة بعيدة بين هنا وبين جبل لبنان، لا، وجدناها قصيرة جدا وصارت أقرب".

أضاف: "المهم أن نعود لصفاء النوايا وصفاء الوجدان وأن نعود للتفكير بإنسانيتنا ورسالتنا الأساسية المسيحية التي هي رسالة المحبة وشهادة الحق. والمحبة تشمل جميع البشر، ليس فيها انتقائية وإلا لن تكون محبة مسيحية، فكيف بالأحرى الذين نعيش معهم. اليوم هو نهار تاريخي وإن شاء الله في الأيام المقبلة تشهد إعادة إعمار هذا المكان لتخليد ذكرى مار مارون وخاصة أن الرئيس بشار الأسد دعانا إلى إعادة إعماره وقدم الأرض، حتى الطائفة المارونية تحتفل هنا في ذكرى القديس الذي ننتسب له والذي نفخر به فهو مهد المارونية. وكنيستنا السريانية الأنطاكية بدأت هنا وامتدت إلى جبل لبنان، والمسيحية كلها أخذت اسمها في أنطاكية قبل التسمية الاولى للمسيحيين على هذه الأرض وعلى امتدادها".

وأكد "أنه لا يمكن لأي شعب يختزن روحية معينة أن ينفصل عن الينابيع التي أعطته هذه الروحية". وقال: "ننظر حولنا، هذه الأرض التي هجرت في لحظة من اللحظات تعود وتجتذب في الروحانية التي انبثقت منها كل الذين هجروها، نحن من المهاجرين العائدين اليوم لهذه الأرض نصلي ونتأمل ونتواعد أنه صار لدينا مكان للقاء مؤسس الطائفة- هو لم يؤسس الطائفة أصلا ولكن عمله العظيم الذي قام به هو الذي دعا المؤمنون للالتفاف حوله والانتساب له- وبالنتيجة مهما تعاظمت الشرور ومهما تواجهت مع الخير بالنتيجة الخير هو المنتصر مهما كانت الأسماء".

ثم عايد العماد عون المسلمين والعالم الاسلامي بعيد الأضحى وتمنى "استمرار الاحتفالات المشتركة في الأعياد، فهذا هو العيش المشترك وهذا هو نداء دياناتنا السماوية وهذه توصياتها. لو لم يكن هناك خير لما أتت الدعوة الدينية للانسان. جاءت الدعوة الدينية ليس لكي نتقاسم الله بل لكي نشبهه نحن على صورته ومثاله وليس هو على صورتنا ومثالنا".

سئل: ذكرتم في لقاءاتكم الجماهيرية أن لبنان أمام مرحلة جديدة وانتصارات جديدة أسس لها انتصار تموز، ما هي العناوين الرئيسية لهذه المرحلة؟ وفي ضوء هذه الزيارة كيف ترون مستقبل العلاقات اللبنانية السورية؟

أجاب: "نحب أن نراها مثل هذا التلاقي الذي حصل في مختلف المدن السورية وطبعا بعد رسالة تنقية الوجدان يجب أن تصل إلى الجميع حتى تصبح هذه العلاقة بشكل طبيعي وما نتوخاه أعتقد أنه يوجد حتمية تاريخية في لقائنا وأن الأمور سوف تسير بهذا الاتجاه، ولا يمكن لأحد أن يعكسها لكن علينا أن نحترم الوقت ولا ندفع الأمور بشكل متسرع حتى يلمس الجميع أن هذه هي الطريق القويم للعيش المشترك في لبنان وسورية والمنطقة، متآلفين ومتعايشين ضمن إطار قيم إنسانية وأخلاقية مشتركة تمدنا بالسلام واللقاء في العلاقات".

سئل: تنقسم الآراء في لبنان حول زيارتك إلى سورية لا سيما أنه لا يوجد مصالحة مسيحية مسيحية في لبنان، وأنت أتيت لتتصالح مع التاريخ هنا في سورية؟

أجاب: "أعتقد أنني قمت بواجبي بدعوة الجميع لتنقية الضمير، ولا يوجد شيء بين المسيحيين يستوجب المصالحة لأن الاختلاف السياسي هو جزء من الحياة الديمقراطية، وإذا كان هنالك مشاكل بين أفراد فالقضاء يفصل فيها، لكن نحن متصالحون مع ذاتنا ولا أعتقد أننا سوف نعود ونختلف على مار مارون، ليس من أحد سوف يحتكره لذاته هو للجميع". كذلك زار العماد عون والوفد المرافق، وسط حشود شعبية، المواقع الاثرية والدينية فى منطقة براد والتى يعود تاريخها الى القرن الثانى الميلادي. ورافقه في جولته نائب وزير الخارجية السورية الدكتور فيصل المقداد ومحافظ حلب الدكتور تامر الحجة.

 

 

 

بدأ زيارة تاريخية لسوريا بلقاء مطول مع الأسد وسط استقبال رسمي لافت

عون: ثبّتنا سيادة لبنان واستقلاله وقراره الحرّ بكلام صريح من الرئيس بشار

4/12/2008 السفير/مارلين خليفة

دمشق : اكتسبت زيارة رئيس تكتل التغيير والإصلاح النائب العماد ميشال عون الى سوريا، التي استهلّها أمس بلقاء الرئيس بشار الاسد، أهمية استثنائية لدى الجانب السوري الذي كان قد وجه دعوة لعون عقب اتفاق الدوحة، فيما بدأ تنظيم الزيارة فعليا منذ اسابيع.

دلالات رمزية عدّة حملتها الزيارة التي وصفت بـالتاريخية. فهي أكدت أن عون يُعتبر الزعيم المسيحي الأبرز بتمثيله النيابي والشعبي، وهو بزيارته طوى صفحة سوداء في تاريخ خلافه مع سوريا، وها هو يُستقبل مجددا بعد ١٨ عاما في قصر الشعب السوري، مستقلا طائرة الرئيس بشار حافظ الأسد ثم سيارته الخاصة، وقد وضع السوريون في مؤتمره الصحافي علم التيار الوطني الحرّ الى جانب العلم اللبناني، وحرصوا على تزيين القاعات بالورود البيضاء والبرتقالية، وكأن الأولى ترمز الى السلام والصفاء والمودّة التي باتت سوريا تريدها مع التيار البرتقالي خصوصا، ومع الشعب اللبناني عموما.

من جهة أخرى خطا العماد عون في زيارته خطوة جريئة في اتجاه نقل قسم كبير من المزاج المسيحي من ضفّة الغرب الى ضفّة العروبة، ومن قلب سوريا بالذات، التي وإن أحسنت التعامل مع مسيحييها، فإنها ظلّت على تماس مع مسيحيي لبنان وخصوصا موارنته، الذين يفتحون معها اليوم صفحة جديدة.

الرمزية الاخرى تتمثل بشعور المودّة والإعجاب لدى المواطن السوري بالعماد عون، الشخصية الجدلية التي طالما وقفت في موقع الخصومة مع سوريا. ففي المؤتمر الصحافي لفت ارتداء صحافيات المناديل البرتقالية وقد زينت ياقة إحداهنّ وردة برتقالية، ولم يسلم الصحافيون من خطّ برتقالي يزين ربطات العنق، حتى المواطن العادي كان يعبّر عن فرحته العارمة من دون سؤال: فها هو النادل في الفندق يقول متحببا: أنا ايضا في حزب التيار الوطني الحرّ، وأيضا سائق التاكسي والكثير من المواطنين العاديين، الذين تسمّروا على شاشات التلفزة في انتظار كلمات العماد العائد من خصومة دفنها الى غير رجعة من دون نسـيان الماضي حتى لا تتـكرر الاخطاء، كما عبّر في مؤتمره الصحافي.

وفي مؤتمره الصحافي، أكد العماد عون أنه لم ينسَ معاناة المسيحيين، وأنه ثبّت سيادة لبنان واستقلاله وقراره الحرّ بكلام صريح من الرئيس بشار الأسد.

الاضطهاد الذي تعرّض له لبنان خصوصا كما جميع اللبنانيين آن له أن يُمحى، كما عبّر عون. وقد تكون قصة العميد فؤاد الاشقر عبرة عن جرح عميق جدّا يندمل تدريجيا.

تترقرق الدموع في عيني العميد اشقر صديق العماد عون منذ عام ،١٩٧٦ وتكاد تنهمر وهو يعجز عن الإجابة عند سؤاله عما واجهه في السجون السورية (فرع فلسطين) إثر عملية ١٣ تشرين الأول ،١٩٩٠ لكنّ العميد يحبس دموعه ليقول: أنا مؤمن بأن زيارة العماد عون الى سوريا ضرورية.

رأي هو عبرة للتفريق بين المصلحة الشخصية ومصلحة الوطن كما يقول الأشقر وهذا مغزى أساسي للزيارة.

الوصول

تأهبت عدسات المصورين واقلام الصحافيين مرارا لإشارات خاطئة تنبئ بوصول العماد عون الى مطار دمشق الدولي، تأفف الصحافيون المنتظرون منذ ساعات الفجر الأولى من بطء الطائرة، فهل يعقل ان تستغرق الرحلة من بيروت الى دمشق أكثر من خمس دقائق؟!.

استغرقت الرحلة الجوية من مطار بيروت الدولي على متن الطائرة الخاصة بالرئيس بشار الأسد التي وضعها بتصرّف النائب العماد عون نصف ساعة، ووصل عون الى مطار دمشق الدولي عند التاسعة صباحا مع الوفد المرافق، وكان في استقباله نائب وزير الخارجية فيصل المقداد.

توجه الرجلان فورا الى قاعة كبار الزوار حيث رحب المقداد بزيارة سيادة العماد الى سوريا، وقال: نأمل بأن تكون بداية علاقات وثيقة ومتطورة لبلدينا.

وردّ له العماد الترحاب بالمثل معربا عن سعادته بزيارة دمشق.

علما بأن المقداد سيبقى طيلة مدّة الزيارة بأيامها الخمسة في رفقة العماد عون وهو دليل تكريم استثنائي يشير الى أن السلطة التنفيذية في سوريا ترافقه في تقدير واضح للمبادرة التاريخية والجريئة من عون.

خلوة الساعتين مع الأسد

في إحدى الصالات الثلاث المخصصة لكبار الزوار، سار العماد ميشال عون وحيدا على البساط الأحمر الممدود لأمتار طويلة، وما إن وصل الى منتصف الطريق حتى فتح باب مكتب الأسد، وخرج الرئيس السوري وسار في اتجاه عون الى منتصف الطريق في إشارة ودية لا يقوم بها الأسد عادة الا لرؤساء الضيوف، وكانت مصافحة تاريخية وقبلات خلّدتها عدسات المصورين.

ثم وصل الوفد المرافق للعماد عون يرافقه وزير الخارجية وليد المعلّم ونائبه فيصل المقداد ومستشارة الرئاسة السورية الدكتورة بثينة شعبان. تألف الوفد من النواب: عباس الهاشم، نبيل نقولا، ابراهيم كنعان، فريد الخازن، والوزير السابق سيبوه هوفنانيان الى القياديين بيار رفول، العميد فؤاد الأشقر والإعلاميين ناصيف قزّي وجان عزيز، والدكتور ناجي غاريوس والمحامي جورج عطاالله، والمحامي الزميل جوزيف ابو فاضل.

دخل الرئيس الأسد وعون الى المكتب وجلس الاثنان في صدر الصالون الفسيح، فيما جلس الوفد المرافق في الجانب الآخر، وبادر الأسد عون بسؤال عن الدائرة التي سيترشح فيها فأجابه عون بأنه سيترشح في كسروان، فتعجّب الأسد قائلا إنه ظن بأن عون سيترشح في بعبدا، فراح العماد عون يشرح له قانون القضاء الجديد في حديث عابر أمام عدسات المصورين.

استمر الاجتماع الأولي مع الوفد المرافق زهاء ثلث ساعة، فيما امتدّ الاجتماع الثنائي مع العماد عون لساعتين إلا ربعا. وتردّد بأن عون سيعاود الاجتماع بالرئيس الأسد في ختام زيارته يوم الأحد المقبل.

من الأجواء التي رشحت عن اللقاء قول الرئيس الاسد: إن التقدير السوري للعماد عون كبير على الصعيد الوطني وليس المسيحي فحسب، وأضاف بأن عون كان في خلافه مع سوريا خصما شريفا، والمشكلة ليست مع الشرفاء بل مع الخصم غير الشريف.

وقال الاسد بحسب ما نقل عنه بعض أعضاء الوفد: نحن في سوريا نحب صراحتك وصلابتك يا سيادة العماد. نريد أن نكون صريحين مع بعضنا ونسمّي الأمور بأسمائها وبوضوح، لأن أهميتك يا جنرال أن لك وجها واحدا تحكي وتفعل ما تقوله.

المؤتمر الصحافي

بعد انتهاء اللقاء الثنائي عقد العماد عون مؤتمرا صحافيا قدّمته فيه المستشارة الرئاسية الدكتورة بثينة شعبان قائلة: يسعدنا الترحيب بضيف سوريا الكبير الزعيم الوطني ميشال عون، الذي ارتبط اسمه بالصراحة والصدق والجرأة ومواقفه الوطنية الشجاعة. أجرى سيادة العماد مباحثات بنّاءة مع الرئيس الاسد وهذه الزيارة تفتح عهدا جديدا للعلاقة بين سوريا ولبنان وتصبّ في مصلحة الشعبين.

ثمّ تحدّث العماد عون قائلا: أنا سعيد أن ألتقي معكم في دمشق. ما كان يعتقد أنّه محرّم أصبح حلالا وحلالا جدّا. بالطبع، لنا جرأة مواجهة الماضي وليس الهروب منه، ونحن لن نمحوه من ذاكرتنا كي لا نكرر الأخطاء. لذا كان حديثنا مع الرئيس الأسد واضحا جدّا، وتطرّقنا لمواضيع كثيرة بصراحة تامّة لأننا نريد بناء المستقبل وليس التوقف عند الماضي.

أضاف عون: انطلاقا من هنا، أطلقنا على اللقاء تسمية عملية القلب المفتوح، لأننا حكينا بقلبنا وبعقلنا وكل ذلك بهدف تنقية الوجدانين السوري واللبناني كي لا يبقى أثر لماضٍ فيه أشياء أليمة جدّا. ولقاؤنا اليوم هو وعد بمستقبل زاهر.

وقال أنه لم يمكن التطرق الى مواضيع تمتد على مدى ٢٠ عاما لذا أترك لكم أنتم الصحافيين حرية سؤالي عما تشاؤون.

سئل عن الفارق بين سوريا حافظ الأسد وسوريا بشار الأسد، وعن ملف المفقودين في السجون السورية؟

فقال: الفارق كبير، إذ تغيرت الظروف والمسؤولين، ومن دون شرح اكثر كلنا نعلم بأن الدول حتى إذا تحاربت تعود في النهاية الى التفاوض، ويجب التنبه الى عدم الانزلاق مجددا الى موقع الصدام. إن الماضي انقلب صفحة بيضاء.

وعن المفقودين قال: ثمة لجان تعمل ونحن بحثنا في هذا الموضوع، وأعتقد بأن هذه اللجان ستتوصل الى نتيجة بالبحث عن الاسماء الموجودة على اللوائح لمعرفة إن دخلت سوريا ومصيرها. الموضوع يتقدم واتمنى أن ينتهي سريعا ويعلن عن النتائج.

وشدد عون على ضرورة إقامة العلاقات الطيبة والانفتاح والتضامن بين البلدين. مشيرا الى أنه كان في حال خصومة مع سوريا وليس عداء، لأن العداء شيء ضخم ولا يجوز.

عن ملف اللاجئين الفلسطينيين قال: دول كثيرة تركت الموضوع وتحاول التسوية على حق العودة، وأقول أن اية تسوية لن تكون على حساب الدول التي تحمّلت أعباءالـ٦٠ عاما المنصرمة.

سئل عن مغازي الاستقبال وما سيقدمه لسوريا، فقال: لا يستطيع إنسان أن يقدّم اكثر مما لديه، وليس لدي إلا الصداقة.

وحول ترسيم مزارع شبعا ولبنانيتها، قال: لقد قالت سوريا كلمتها بأن المزارع لبنانية، وثمة خلاف على توقيت الترسيم بعد إخلائها. والخرائط موجودة في فرنسا ويمكن للأمم المتحدة الترسيم من دون لبنان وسوريا.

وعن زيارته للأماكن المسيحية المقدسة والرمزية التي تحملها، قال: إن سوريا هي مهد المسيحية، فهل يجوز ألا ازور هذه الأماكن حيث يوجد مسيحيون هم جزء من الشعب السوري، ولكنني أشير الى انني سأزور مواقع إسلامية ايضا وسأجتمع مع المفتي، لأن الشعب السوري مهم بفئاته كلها، ونحن نتوجه الى المسيحيين خصوصا لثنيهم عن الهجرة وحثهم على التمسك بأرضهم وبمشرقيتهم والقول بأنه يمكنهم العيش هنا وان يكونوا طليعيين بكسر حواجز الخوف.

وسئل عمن يعارض زيارته في لبنان، فقال: يجب التغلب على الخوف من الاشرار الذين لا يريدون أن تقام علاقة صحيحة بين البلدين. مستطردا: قد تؤدي الزيارة الى خسارتنا بضعة أصوات في الانتخابات، لكننا لن نتراجع امام قضية تخص الشرق الأوسط برمته. وليسأل من يعارضون أنفسهم: في حرب تموز هل بقيت حدود مفتوحة غير حدود سوريا؟ ليفكروا بالمصلحة الصغيرة الضيقة على الأقل.

وعن العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية، قال: إن العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية تشبه حالة الطقس المتقلب، فلا شمس دائمة ولا غيوم دائمة. نحن لا نقيم العداء مع الولايات المتحدة الأميركية بل نعادي بعض مواقفها. اما ذا حصل تبدل إستراتيجي في الأساليب والأهداف كما عبّر الرئيس المنتخب باراك أوباما فتعمد الى بناء علاقات جيدة معنا كدول صغرى لها خصوصياتها، فسنعمد الى تغيير التعاطي معها، أما إذا استمرت في الأهداف والأساليب عينها فلن نخسر بل سنربح للأننا على ارضنا.

وحول رؤية الرئيس الأسد لتطوير العلاقات اللبنانية السورية، قال: السيادة والاستقلال والقرار الحر هي الركائز، قبل كل شيء يجب أن يعترف الإنسان بذاته عندها يعترف به الآخرون. لقد عبّر الرئيس الأسد عن ذلك بكل صراحة ووضوح، وأنا اعرف نواياه وبرغم ذلك تبناه بالكلمة المتبادلة.

وردّا على سؤال عما اذا كانت سوريا يجب ان تعتذر من اللبنانيين قال عون: على بعض اللبنانيين تقديم الاعتذار لنا لما حصل عن مرحلة كانوا فيها شركاء في أمور ضدّنا، فلنبدأ بالاعتذار في بيروت ولننتقل بعدها الى الشام.

وقال عن شهداء ١٣ تشرين: استشهدوا لنبقى أحرارا، المهم الا تتكرر الاحداث التي وقعت، وهذه أكبر تعزية للشهداء الذين ماتوا وهي أن يتأكدوا بأن أبناءهم واحفادهم لن يموتوا.

لـقـطـات

ـ اصطفّ عشرات المصورين في صالة الاستقبال الرئيسية في جوار مكتب الرئيس بشار الأسد، في انتظار لحظة دخول العماد عون، وقد لاحظ الأسد في حديثه الى عون أن عدد هؤلاء فاق المصورين الذين تواجدوا في زيارات رسمية لقادة عالميين.

ـ لوحظ التساهل في التفتيش الأمني للوفد الإعلامي المرافق في قصر الشعب.

ـ زيّنت قاعات في قصر الشعب بباقات الورد الأبيض والبرتقالي ووضعت في مزهريات برتقالية اللون ايضا.

ـ جلس اعضاء الوفد المرافق لعون في المقاعد الاولى خلال المؤتمر الصحافي، وكان بعضهم يبتسم او يضحك خلال بعض الاجابات الطريفة لعون.

محاضراً ساعة ونصف ساعة في جامعة دمشق

عون: لن تكون غلبة لإسرائيل بعد الآن

دمشق من منال شعيا

النهار 5/12/2008

بعفوية، خاطب النائب العماد ميشال عون طلاب كلية الهندسة المدنية في جامعة دمشق في لقاء ضم جيلين تفصل احدهما عن الآخر اعوام من العمر فحسب بل مسافة سياسية طويلة طبعت علامات بلدين؟ عربين متجاورين تحاربا وتنازعا حتى امس قريب.

ومن بند احدى اكبر الكليات في العاصمة السورية، تحدث عون عن رفضه للفكر الاحادي، وعن الفارق بين الخلاف وحق الاختلاف، قائلا: "نحن نحارب الفكر الاحادي العرقي والسياسي، فالمنطقة تتحول في اتجاه التعددية، وكل الدول مزيج من الاديان والاحزاب"، داعيا الى "جمع الفوارق حتى نغتني". وهو افاض في عرض الصراع العربي الاسرائيلي فيما اتى الحديث عن سيادة لبنان واستقلاله من الجانب السوري، اذ كان لافتا ان يؤكد عضو المكتب التنفيذي في الاتحاد الوطني لطلبة سوريا ايهاب الحامد ان "سيادة لبنان واستقلاله لن تكون الا عبر الطريقة التي حددها العماد عون".

ساعة ونصف ساعة حاضر خلالها عون عن حقوق الاقليات والفلسطينيين وحق المقاومة والوضع العام في المنطقة، كما لو انه اراد الظهور بمظهر السياسي المشرقي وليس اللبناني المحلي.

هذا الانطباع اعطى عددا من الشباب السوريين، فرصة التعبير عن ارائهم. اذ وقف اكثر من شابة وشاب ليعلنوا امام حشد من الحضور السياسي والثقافي والطالبي والاعلامي: "نحن كمسيحيين في سوريا نعتزّ بك جدا. نفتخر فيك لأنك رجل نظيف". جموع شابة ضاقت بها القاعة الكبرى في الكلية منذ ساعات الصباح. المقاعد امتلأت. شباب وقفوا على الجانبين في الخلف، حتى ان بعضهم لم يبق امامه الا الممر. كلهم اتوا لسماع "السيد العماد". وان كانت اللافتة الكبيرة التي رفعت على الجدار كتب عليها: "جامعة دمشق ترحب بضيف سورية الكبير، الزعيم الوطني اللبناني العماد ميشال عون".

البهجة ارتسمت على وجوه الشباب الذين اتوا من مختلف الكليات. وحين تسأل احدهم عن سبب هذه الحماسة، يبادرك: "الجنرال في سوريا. انه رجل صادق. بين لبنان وسوريا، مرحلة كبيرة اختصرت باسم ميشال عون، ونحن كشباب نريد ان نتعرف الى هذا الرجل. ان نسمعه"، ويقاطعه اخر: "كيف لا نشارك؟ يكفي ان تكون هذه الزيارة حصلت على ايامنا. نحن شهود لهذا التاريخ".

ثوان، ويستعد الشباب. لقد وصل الجنرال. تصفيق استمر دقائق وتكرر اكثر من مرة، ثم دخل عون برفقة نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد ويرفع يديه محيّا الطلاب.

دقائق، تحولت فيها القاعة ايادي مرفوعة تحمل اجهزة الخليوي المزودة الكاميرا وعيون الطلاب مسمرة الى وسط القاعة وشفاههم مبتسمة. والعماد في الوسط تنقل حركته شاشتان كبيرتان على الجانبين.

تدمير الالة

من "المدرج الباسل" رحب رئيس جامعة دمشق الدكتور وائل معلى بـ"زعيم وطني كبير يحظى بالاحترام والتقدير، بمواقفه الواضحة والداعمة للمقاومة، في وقت تنكر لها كثيرون". انه ترحيب سوري في قلب جامعة لا تشهد كثيرا محاضرات مماثلة، وفق ما يفيد الجانب السوري، اذ ان اخر محاضرة شبيهة كانت لرئيس فنزويلا هوغو شافيز، ومن دون رسائل اعلام. اما امس، فكان "جيش الاعلاميين" العربي والاجنبي مواكبا للزيارة.

خلال المحاضرة، تلا عون نصا مكتوبا، ولكنه استهل بتساؤل "هل نستطيع فصل الماضي عن الحاضر والمستقبل كي يصبح الكلام مريحا والاصغاء ممكنا؟

انا اقول نعم، ولكن ليس بمحوه طبعا ولا بالخوف منه ولا بالهروب الى الامام، بل عبر مواجهته واعادة النظر فيه بذهنية الناقد الذاتي المصمم على التغيير. قدرتنا على القيام بهذه العملية هي مقياس لارادتنا وتصميمنا على التطور ومواكبة المتغيرات والمساهمة في صنعها، فنجعلها اكثر ملاءمة وفائدة لمجتمعاتنا واوطاننا. من هذا المنطلق يصبح التفاهم سهلا والتقارب طبيعيا فلا يعود الماضي مرهقا، ولا الحاضر مربكا، ولا المستقبل مقلقا".

وبعدما رأى ان المقاومة و"التيار الوطني الحر" خاضا تجربة تقويمية منذ 2006، قال: "نجحنا معا في وضع كل الامور على الطاولة ومناقشتها بعمق وصراحة اوصلانا الى تفاهم. هذا التفاهم الذي انعكس على مجتمعنا طمأنينة مكنتنا من المحافظة على وحدتنا الوطنية وساعدت المقاومة على تحقيق الانتصار في اشرس حرب خاضتها اسرائيل ضد لبنان ووفق موازين قوى غير متكافئة". وبين الآلة والانسان معادلة غير متجانسة احيانا، لكن وفق عون، "لم تستطع تهديدات المسؤولين الاسرائيليين المستمرة، ان ترفع معنويات قواتهم المسلحة او ان ترهبنا. فهم لم يتعلموا شيئا من تجاربهم السابقة فيه، ولا يزالون يقوّمون خطأ اسباب هزائمهم المتكررة؛ فبيننا وبينهم فوارق كبيرة في تقدير موازين القوى، قيمتهم الآلة وقيمتنا الانسان، واذا كانوا قد حولوا الآلة اداة لاغتصاب الحقوق، فان الانسان المؤمن بحقه استطاع تدمير تلك الآلة، وهذه المعجزة قد تمت على ايدي المقاومين وفرضت معادلة عسكرية جديدة ستبقى قائمة ما بقي مجتمعنا يواصل دعمه للمقاومة (...) واذا كانت اسرائيل قد حققت انتصارات آنية، مستفيدة من تعثر انساننا في تلك المرحلة، فانها، لم تستطع اسقاط ارادة النواة الصلبة في المقاومة التي كانت تتزايد مع تزايد العنف الاسرائيلي.

وهكذا تمكن شعبنا من ان يحرر نفسه من التعثر والارتباك، ورغم تخاذل بعضنا

أحياناً، حققت المقاومة الانتصار، واسرائيل التي وصلت قواها المسلحة إلى حجمها الأقصى ومستواها الأعلى في الجهوزية التقنية والقتالية والعسكرية، أصيبت بالهزيمة ولن تكون لها غلبة بعد الآن، ولن ينقذها التدريب الجديد لوحداتها العسكرية، فالموضوع يتخطى تقنيات استعمال السلاح والقتال ليصيب الثقة بالنفس والقدرة على الاستمرار في معركة مع لبنان".

سلام وعدالة

وفي مقاربة للمقاومة، عاد عون ستين عاما الى الوراء، عام نشوء اسرائيل ليستند الى شواهد تاريخية توثق المجازر الصهيونية في حق الفلسطينيين، مذكرا بقضية اللاجئين، قائلا: " في نهاية عام 2004 نُشرت رسالة كتبها عالم النفس اليهودي سيغموند فرويد إلى الدكتور حاييم كوفلر عام 1930 أي بعد 75 عاماً من كتابتها، وهي تناهض الفكر الصهيوني الذي يدعو إلى إقامة دولة إسرائيل على أرض فلسطين، وقد رفض فرويد طلب كوفلر المساهمة في الدعاية لهذه الدولة لأسباب وجيهة فنّدها في رسالته، وهذه الأسباب هي نفسها المشاكل التي تعانيها إسرائيل اليوم. ويأتي أيضاً كتاب المؤرخ اليهودي "إيلان بابي ILAN PAPPE "التطهير الإتني لفلسطين" في عام 2006 ليشكّل إقراراً موثقاً بالمجازر التي ارتكبتها الصهيونية في حق الفلسطينيين منذ العام 1948، وبالتهجير الذي طاول مدنهم وقراهم.

ان إعادة النظر هذه إذا حصلت، ستجعل إسرائيل تغيّر مقاربتها في معالجة القضية الفلسطينية وتفهم بصورة أكيدة ونهائية أنها إذا أرادت السلام فإنه يبدأ بحل مشكلة اللاجئ الذي طرد من أرضه ومن ثمّ إعادة الحقوق في الأرض إلى أصحابها؛ فلا سلام من دون عدالة، ولا عدالة إلا باحترام الحقوق، وخلاف ذلك فالحلول سراب." ولانه "لا يمكن اسرائيل اليوم أن تتصرف عكس مسار التاريخ"، بقيت ذاكرة عون مشدودة إلى حرب لبنان وحصار غزة، وقال: " كأننا نسينا جذور المشكلة ونسينا مسببيها مما يتيح لهم التلطي والهروب من مسؤولية أعمالهم. فقلما نشير إلى أن مأساة فلسطين، وما جرته من ويلات على الشعوب العربية، وُجدت نتيجة قرار من الأمم المتحدة قضى بتقسيم فلسطين جاهلاً أو متجاهلاً ما تزخر به تلك المنطقة من مقدّسات تتقاسمها الديانات السموية الثلاث ما يجعلُ السيطرةَ عليها من فريقٍ ما، إعلاناً لحرب الآلهة على الأرض، تشتعل نارها تارة وتخبو طوراً وفقا للظروف ولكنها لا تنطفئ".

امام هذا الواقع، تقع المسؤولية بالنسبة اليه على "الامم المتحدة التي قسّمت فلسطين وما نجم عن هذا التقسيم من مساس مادي ومعنوي بحقوق الشعب الفلسطيني، وهي تعتبر المسؤولة الأولى عن تغطية جميع أعمال الأذى التي قامت بها إسرائيل في ما بعد ضد الشعب الفلسطيني وقد رأيناها تعالج هذه المشاكل وفق إرادة الدول الكبرى بصرف النظر عن توافق هذه الإرادة مع القوانين الدولية او عدمه، فهي لم تنجح يوماً في إدانة إسرائيل بسبب حق الفيتو، كما أنها لم تحاول إرسال قوى لتنفيذ قرارات دولية في فلسطين لتساعد على حماية شعب بأكمله بينما نراها في حقول النفط بقرار دولي أو من دون قرار، ونجد أهم أعضائها اليوم يعملون على إلغاء مفاعيل القرار 194 الذي ينصّ على حق العودة للاجئين الفلسطينيين عبر الضغط لقبول تسوية تلغي واقعياً هذا الحق".

وفيما انطلق من "حتمية التاريخ"، ناشد المجتمعات العربية "العمل توصلا الى مجتمع عربي حضاري وحديث اكثر فاعلية وتضامنا واكثر استعدادا لمواجهة تحديات العصر، لنتحول من مجتمع تبعي ملحق الى مجتمع طليعي قائد".

المحكمة والارهاب

قال الجنرال كلمته. ثم ترك للشباب التعبير عن ارائهم، وكان بينهم لبنانيون ينتمون الى "حزب الله" وحركة "امل".

محاور عدة ناقشها الطلاب مع عون. من مسألة مزارع شبعا الى تدخل الولايات المتحدة في الشؤون اللبنانية، قائلا: "كنا ضد المواقف الاميركية بوضوح وتحملنا تهديدات كثيرة، كانت تصل الينا بالطرق الديبلوماسية، وسنحتفظ بنشرها في المذكرات. تكفينا حروبا ونريد مجتمعا مقاوما يكون مدعوما عربيا".

بالطبع السؤال عن المحكمة الدولية كان حاضرا. اما جواب عون فهو "ان الوضع الدولي تغيّر وليس بموقع مسايرة احد، ونحن نحمل القضاء مسؤولية الابقاء على اشخاص معتقلين خلافا للقانون".

والجنرال فضل اعتماد الديبلوماسية في رده على سؤال عن مصادر تمويل الحركات الارهابية في الشمال، اذ قال: "لا احد يجهل مصدر الممولين والدعم. وفهمكم كفاية"، فيما آثر عدم التعليق على الدور السعودي المصري في لبنان.

وبرز سؤال عن اتفاق الطائف ونظرة عون الى علاقة الاطراف اللبنانيين الاخرين بسوريا، فأجاب: "العلاقة كانت مصلحية، لم تقم على الصداقة. وبعد انسحاب الجيش السوري توجهت المصالح الى جهات اخرى. اصحاب المصالح هويتهم دفتر شيكات ووطنهم المصرف. اما انتقادي لاتفاق الطائف فهو بسبب عدم تحقيقه التوازن في مؤسسات الدولة، (...) لا يجوز الجمع بين المراقبة والتنفيذ".

وتبقى قضية مسيحيي الشرق والاقليات "الشغل الشاغل"، لعون وهي اتاحت له التحدث عن مفهومه الديني والثقافي، اذ اعتبر ان "العلاقة الدينية عمودية وليست افقية. نحن نعيش مع الاخرين بعقد اجتماعي عبر القوانين، ولا اريد ان يكون المعتقد الديني سلبا على احد، بل ان نكون جميعا مواطنين في الحقوق والواجبات".

وسط "منافسة" الطلاب على طرح الاسئلة. قدّم عون رؤيته. وتسلم في ختام المحاضرة درعا تقديرية من اتحاد الطلبة. وكان لافتا ان احد الطلاب ناداه مرارا "الرئيس ميشال سليمان"، فما كان من عون الا ان علق ضاحكا: "سأجيب بالنيابة. حلو نتشبّه ببعضنا".

 

اليوم الثالث أمضاه سائحاً دينياً من صيدنايا الى حمص

عون يعلن إزالة "الغيمة السوداء" وسط تظاهرات سورية مرحّبة

منال شعيا حمص:النهار 6/12/2008

... وفي اليوم الثالث نزل "الشعب السوري" على الارض لملاقاة الجنرال. بأغصان الزيتون استقبل. وعلى وقع اجراس كنائس وترانيم كشافة شقّ طريقه بين الجموع.

كانت مفارقة ان يشهد قلب حمص تظاهرات سورية تأييدا "لقائد تحرير لبنان".

هي قصة تاريخ كتبها بالامس النائب العماد ميشال عون. "الغيمة السوداء" التي حكمت لبنان اعواما طويلة، والتي تحدث عنها لحظة وصوله الى مطار بيروت بعد المنفى الباريسي، "ازيلت الان". لقد اعلن الجنرال نهايتها من حمص.

من ريف دمشق وصولا الى حمص "حجّ" العماد الى ابرز المقامات الدينية، وسط "بحر" من البشر تدافع الى درجة الاختناق. كانت حبّات الارز والورود تتناثر من كل حدب وصوب. والزغاريد وقرع الطبول و"زمور" الجنرال تسمع من شوارع حمص.

لحظة قد تبدو غريبة في آنيتها، لكنها ستبقى محفوظة في التاريخ ولحكمه: عون يسير في شوارع حمص وسوريون يهتفون: "حيّو ميشال وميشال والارزة اللبنانية". وقد ابى التكلم في السياسة. لكنه تحدّث الارامية، لغة المسيح القديمة، حين ردد وراء احد الكهنة في دير مار سركيس وباخوس في معلولا صلاة صغيرة. وبدا شديد التأثر. و عبر عن شعوره بالكتابة في السجل الذهبي للدير: "هذه الزيارة غمرت نفسي بالفرح وعادت بي الى الماضي الذي جعلني اشارك السيد المسيح في لغته، فملأ نفسي حبورا وسعادة".

هكذا، خلع عون لباسه

العسكري السياسي وتحوّل لساعات متفرغا للموضوع الديني زائرا كنائس وكاتدرائيات تعود الى 1500 سنة. خشوع، تأمل، ولحظات صمت تسود.

ببساطة صمتت لغة السياسة بالامس، ورهبة الامكنة وقدسيتها طغت على كل التفاصيل الاخرى.

صيدنايا، دير مار سركيس ودير مارت تقلا في معلولا، كنيسة ام الزنار، كاتدرائية سيدة السلام، مقامات لم "يسكنها" سوى الايمان والقداسة. وفيها كلّها اكثر من استقبال. انه تكريم لعون الضيف الاستثنائي.

المقام العجائبي

مشوار "الحج" بدأ باكرا. عون واعضاء الوفد المرافق يستعدّون و"الرفيق الدائم " نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد يرافقهم، فهو المكلّف من الرئاسة السورية مرافقة "الضيف الكبير" في كل محطات الزيارة، مما يعطي مؤشرا اضافيا على الاستقبال البروتوكولي اللافت.

يقطع الموكب العاصمة لينتقل الى ريف دمشق الذائع الصيت، لاسيما لبنانيا. ففي هذا الريف يقع دير صيدنايا. ثوان، وتطل بيوت قديمة وسكان يصطفون على طول الطريق، وتسمع من بعيد ترانيم دينية. وتلفت لافتة كبيرة باللون البرتقالي كتب عليها: "سورية ستظل امينة في العمل من اجل مصلحة لبنان"، وزغاريد النسوة لم تحجب وجوه بعض الشابات اللواتي حملن ورودا برتقالية وهتفن: "الله لبنان، عون وبس".

هتاف لبناني بامتياز. تقترب من احداهن لتدرك على الفور انها من بيروت ومتزوجة من سوري. وتبادر بالقول: "الله يخللي الجنرال. هو رجل نظيف يعرف متى يخاصم ومتى يصالح".

اما حين تسأل سوريا كيف

تنظر الى العماد عون، فسرعان ما تردّد: "شرف، مقاومة، تضحية، المثل العليا"، وتتدارك: "لماذا تستغربون محبتنا؟ الخصم الشريف لا يطعن، لكن الصديق غير الشريف بنى علاقة عداء معنا ولا تمحوها زيارة او لقاء. الجنرال لم يأت ليأخذ شيئا، نحن اردنا اعطاءه محبتنا".

الترحيب والهتاف لمسهما الجنرال وهو يدخل الكنيسة. سمع بعضهما وقابلهما بضحكة او بعبارة : "الله يخليكم". كان يصافح بعض الناس ويرد التحية على اخرين، وكان دائم الابتسامة، لا تجمد عيناه الا امام المذبح، وقد رافقته رئيسة الدير الام كريستينا باز وعدد من الراهبات، الى راعي ابرشية صيدنايا الاب جورج نجمة (لبناني من مجدليون) وادوّا صلاة الدعاء.

واقترب الجنرال من الاخت باز لتمسح جبينه بالزيت المبارك، وتقول: "نريد السلام العادل والعيش المشترك والتآخي. مدينة صيدنايا اضاءت بقدومكم. انتم صانعو السلام". مشهد فرض السكوت. صعب على الجنرال الكلام. حدّق في صورة السيدة العذراء وقال: "اتطلّع الى هذه المعاني حتى نأخذ العبر ونتخطّى صعاب الحياة".

وبدا مبهورا كأنه يسكن لحظة خارج الزمن واراد التمتع بكل ما حوله، فيما الراهبات يرشدانه الى المقام العجائبي الذي يحويه الدير، ويضم صورة ذات قيمة نادرة للسيدة العذراء يعتقد ان راسمها هو لوقا الانجيلي. هناك تسمر في الارض ورسم اشارة الصليب واضاء شمعة. وتأمل ولا كلام. فهذا المقام بأنواره الخافتة، لا بل بأنوار شموعه يعتبر المركز الثاني للامكنة المسيحية بعد القدس، ويعود الى 1500 سنة.

"في حضرة الله"

شعب مسيحي ظهر بالامس في سوريا. والجنرال الذي يتعظ بمثل العراق، عرف ان يحاكي مسيحيي سوريا من دون ان يغرق في تعصب، فقصد زيارة اماكنهم. وجال سائحا دينيا، متنقلا من صيدنايا الى دير مار سركيس وباخوس في معلولا. اعلام الفاتيكان والاعلام اللبنانية تستقبله. اطفال ونسوة ورجال اصطفوا في شكل منظم، وصفقوا دقائق من دون انقطاع، وهو يهم بدخول الكنيسة، يرافقه رئيس الدير الاب توفيق عيد.

على باب كنيسة الدير، تقف مهى الحاج. موظفة تعمل هناك. تتكىء برأسها على الباب وتبكي قائلة: "لا اصدق ماذا ارى. نحن شهود على هذا التاريخ. البابا يوحنا بولس الثاني زارنا واليوم الجنرال. هما من يحاكيان الوجود المسيحي. لا نريد الا السلام".

مهى، شابة ثلاثينية. تعجب للصورة التي يأخذها بعضهم عن سوريا وشعبها. هي ترى في زيارة عون "لفتة الى مسيحيي الشرق. نحن نريد من يدعمنا".

ربما لم يشاهد عون مهى، وان كان بالتأكيد لامس احاسيس من اصطفّ خارج الدير، وسمع نداءاتهم المرحبة. لم يردّ بخطاب بل بتحية وضحكة. ليدخل الكنيسة. يصلّي بالآرامية، ويتلقّى من الاب عيد ايقونة الصليب مع العشاء السري.

نحو عشرين دقيقة امضاها عون في ارجاء الدير، قبل ان يتوجه الى دير مارت تقلا. على طول الطريق، تشاهد بعض الكهوف. لتصل الى مكان تشعر بأنه " الهي". احساس يشعر المرء انه في "حضرة الله". جبلان منشقان والجموع تسير بينهما. مشى عون مستمعا الى كلام يشرح فيه ان هذا الجبل انشقّ جهتين حين مرّت القديسة مارت تقلا هربا من الجنود الرومان في القرن الاول الميلادي. انه مكان لا تصفه الكلمات. والجنرال ترك نفسه لهذه اللحظة. لا تصريح يكبّله، ولا ردّ على موقف يريد توجيهه. يضيق الممر بين الجبلين قبل ان تصل الجموع الى الكنيسة. وبعفوية اثارت بكاء بعض الحاضرين، امسك عون يد رئيسة الدير الاخت بلاجيا سيّاف ليصعدا الدرج معا، فيما الجموع تصفق وتردد: "تيارك يا ميشال عون كبر ووصل لكل الكون"، " من هالميل ومن هالميل، بدنا نؤدي التحية ونتمنالك كل العون من مارت تقلا النقية".

وقفا قليلا امام تذكار صغير للسيدة، نظر اليه الجنرال ليقرأ عبارة: " تقدمة رئيس بلدة الحدت - لبنان". قرأها جيدا بتمعن. هزّ رأسه. وعلّق احدهم: " كلنا مصيرنا واحد"، ثم كان ترحيب لافت من سيّاف، وضيافة فاكهة وحلوى وتذكارات.

حلّ عون "ضيفا" مكرّما في اقدم الكنائس التي تحتوي ايقونات من الرسم الحلبي، وتبرز ايقونة تجسد اورشليم وتعود الى 700 سنة، وكل الراهبات تحضرن لهذه اللحظة. وجميعهن اردن التحدث الى الجنرال. احداهن تشرح له رمز الصليب التي ترتديه، واخرى تصرّ عليه ان يبقى يذكر مسيحيي الشرق، فيما هو يستمع، وبتحبب، يجيب: "بصلواتكن. ان شاء الله خير".

حمص: مشهد آخر

جولة ماراتونية امضاها عون. انتقل برا من ريف دمشق الى حمص. نحو ساعة، ليستقبل " استقبال الزعماء". من اول حمص وحتى مقر المحافظة، اصطف الناس على جانبي الطريق، منتظرين مرور الموكب. طبول، زغاريد، "عراضة" شامية، وحناجر تصدح: "يا كبير يا عون".

بصعوبة شقّ الموكب الطريق. ترجل الجنرال ليدخل مقر المحافظة، ودائما برفقة المقداد، ويعقد لقاء مع المحافظ محمد اياد غزال وعدد من اعضاء المكتب التنفيذي. لم يستغرق الاجتماع ربع ساعة، وقدم خلاله غزال لعون تمثال الملكة زنوبيا.

يخرج الجنرال ليقترب قليلا من الجموع المحتشدة في الخارج. وبصعوبة يدخل سيارته. متوجها الى كاتدرائية سيدة السلام، مقر مطرانية الروم الكاثوليك. وهناك مشهد ربما لم تعرفه حمص من قبل، لا سيما خلال استقبال ضيف عربي. هي لحظات. وتتحوّل الجموع امواجا. تدافع. اختناق. زحمة. والكل يهتف لعون. الطريق لم تستوعب البشر. تشعر ان الشعب السوري كلّه نزل. جانبا الطريق " تفرّغ" بشرا. شرفات الابنية امتلأت والايدي لا تتوقف عن الارز والورود. بالكاد استطاع مطران حمص وحماه وتوابعها للسريان الارثوذكس المطران سالوانس بطرس النعمة ومطران حمص وحماه للروم الكاثوليك ازيدور بطيخة ولفيف من المشايخ من مختلف الطوائف الاسلامية، الاقتراب من عون لادخاله الكاتدرائية.

حالة من الانفعال الشديد سادت المكان. الى درجة ان مسافة قصيرة استلزمت اكثر من نصف ساعة ليتمكن كل اعضاء الوفد العوني من دخول الكاتدرائية. في الداخل الجو مختلف. صلاة، فتقديم من المطران بطيخة الذي علّق في عنق الجنرال صليباّ ازرق وباركه. وعند ذلك بدت على عون علامات التعب، لكنه بقي يبتسم، ثم ردّ بالقول: "الصليب الكبير صلب عليه السيد المسيح، ولكن هناك صليب القضايا الكبرى ومنهم من يستشهد في سبيلها (...)، سيبقى لدينا شرف المحاولة سواء انتصرنا او فشلنا شرط المبادرة لمواجهة الصعاب".

ويخرج الجنرال كما دخل. جموع، تدافع، زحمة، ترافقه حتى كنيسة ام الزنار التاريخية، حيث يعتقد بوجود زنار السيدة العذراء. هناك، اقام المطران النعمة صلاة دعاء وألقى كلمة ترحيبية، في حين كانت الجموع تهتف. وتواصل الترحيب. من كل الاعمار نزلوا. من كل الفئات الاجتماعية. ترى عاملا وطالبا وسيّدة ترتدي لباسا رسميا. شبكوا ايديهم بعضهم ببعض. الكتف على الكتف، وان اهتز المشهد مرارا بسبب التدافع، وكانت الهتافات تعلو صوتا واحدا: " حيّو ميشال. حيّو تيارك يا ميشال عون".

اما المشهد الاكثر تعبيرا فهو ذاك الشاب الذي يلوّح عاليا بنسخة من البرنامج السياسي لـ"التيار الوطني الحر" بعنوان: "الطريق الى الآخر". تكاد تختنق حتى تصل اليه، لتسأله عن السبب او اذا كان يعرف ما يحويه الكتاب. وبلهجة شامية محكمة، يجيب: " عون رجل حرّ وليس بوجهين. احد الاصدقاء ارسل لي هذه النسخة، لاني اريد ان اعرف ثوابت التيار وفكر هذا الرجل". ولا تستطيع ان تكمل الحديث مع الشاب، بسبب زحمة الجموع.

وما لبث "الهرج والمرج" ان هدآ قليلا حين علمت الجموع بتوجّه عون الى مطعم " بيت الآغا" حيث تناول الغداء، وقدّم له غزال عباءة. واذا كان عون قد اظهر بالامس وجها اخرا بعيدا عن السياسة، ولقي استقبال رجال دين، فانه عرف ان يزاوج في كلمته الاخيرة بين الدين والسياسة حين قال: "تشرّفت بهذه الجولة الدينية القيّمة. لبنان هو لبنان المحب، اما لبنان الكاره فهو لبنان الاقلية، ولا بد ان يندموا ويرتدعوا".

ومساء وصل عون الى حلب عبر مروحية، ليتابع جولته الدينية والسياسية.

مشاهدات

- لفت ان نائب وزير الخارجية السوري فيصل المقداد كان "الصامت الاكبر" خلال الجولة، وعلى رغم مرافقته النائب ميشال عون في كل الجولات والمحطات، لم يدل بأي تعليق للاعلاميين، تاركا كل المساحة للجنرال.

- خلال مرور موكب عون في شوارع دمشق، كانت تتوقف حركة السير. ويمر الموكب وحده على الطريق.

- خلال وجود الوفد العوني في كنيسة دير مار سركيس وباخوس في معلولا، انشرح وجه النائب ابرهيم كنعان حين ردد له الجنرال ضاحكا: "هذا شفيعك يا ابرهيم في المتن".

- لولا مساعدة اعضاء الوفد العوني والعناصر الامنية المرافقة للاعلاميين والصحافيين اللبنانيين خلال التظاهرات الداعمة لعون في شوارع حمص، وحرصهم على شبك الايدي بعضهم ببعض، على رغم الاقلام والدفاتر، لكان بعضهم بقي بسبب "الامواج البشرية" في قلب حمص، او ضاع في "ريف دمشق"!

- كتب الصحافيون تقاريرهم وهم في طريقهم براً من حمص الى حلب، بسرعة تجاوزت احيانا الـ180 كيلومتراً، مما اثار موجات من ضحك لن تنسى.

 

مفتي سوريا أكد "أن دماء الشهداء في لبنان لن تضيع"

عون أمضى وعائلته يوماً سياحياً والتقى الاسد ثانية:إذا قُتلت فأكون قد نقلت الحقيقة الى الأجيال

النهار 7/12/2008

حلب من منال شعيا

خرج "سيادة الرئيس" و"سيادة العماد" في جولة سياحية خاصة. خلعا البذلة الرسمية، ليكتشفا معا، وبرفقة عقيلتيهما، معالم قلعة حلب. فكان اللقاء والغداء الثاني بين الرئيس السوري بشار الاسد والنائب العماد ميشال عون، لكنه لقاء مختلف عن الاول في شكله ومضمونه. تكلّما في معالم الاثار والسياحة، وطغى على الجلسة الطابع العائلي.

ففي اليوم الرابع من جولة عون السورية، والاول له في حلب، انضمّت عقيلة عون السيدة ناديا والوزير جبران باسيل ورئيس مجلس ادارة الـ"او.تي .في" روي الهاشم وعقيلتاهما الى الوفد اللبناني، ليشاركوا جميعا في القداس الذي سيقام ظهر اليوم على قبر مار مارون في منطقة براد على جبل مار سمعان، والذي يرجح ان يحضره الرئيس الاسد وعقيلته.

بالامس، لم تميّز الجولة السياحية وحدها "اليوم العوني" في سوريا، وان كانت تحمل اكثر من دلالة، وخصوصاً انتقال الاسد من دمشق الى حلب، لمواكبة زيارة عون، ومرافقته شخصيا الى القلعة، في حفاوة لافتة اراد الرئيس السوري تكريسها لـ"ضيفه الكبير" وافراد عائلته.

انما هذه المناسبة السياحية لم تحجب " الطابع الماروني" الذي بدأ به عون نهاره، فحرص على ان يزور اهم كاتدرائيات حلب، "مهد المارونية"، كما قال مطران الموارنة يوسف انيس ابي عاد الذي اختار ان يهدي عون شعار مار مارون ودرع الكاتدرائية. قائلا: " نرحب من كل قلبنا بهذا الوجه الطيّب".

ترحيب من نوع آخر لاقاه عون مساء خلال عشاء لافت أقامه على شرفه مفتي الجمهورية السورية احمد بدر الدين حسون، ترافق مع كلام سياسي للمفتي الذي قال: "لبنان كسوريا وطن لا تعترف فيه بكلمة اقليات. نحن مع العدل. لسنا مع اكثرية او اقلية. دم الشهداء الذين سقطوا في لبنان لن يضيع ونحن نبحث عن هذه الدماء".

هكذا، عبر محطاته الدينية، مارونيا واسلاميا، ارسل عون اكثر من رسالة سياسية الى الداخل اللبناني. رسالة وجهّت في الشكل والحفاوة التي استقبل بها، ولم تنسحب على الكلام السياسي له. اذ آثر الجنرال، طوال اليوم، عدم التطرّق الى الشؤون السياسية او الردّ على المواقف المنتقدة. بالنسبة اليه، "اجواء الشر السياسي لا تأتي بشيء"، وبصراحة قال: "ان قتلت فأكون قد نقلت الحقيقة الى الاجيال، وستنتصر الرسالة ويحملها الجميع".

بين البطريرك والبابا

بين صورة البطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير والبابا بينيديكتوس السادس عشر، جلس عون في صالون الكاتدرائية المارونية والى يمينه المطران ابي عاد، ولفيف من الكهنة وممثلين لطوائف الكاثوليك والارثوذكس والبروتستانت. تحدثوا قليلا، فيما كانت اصوات قرع الطبول تسمع من الباحة الخارجية. لحظات، ويقول ابي عاد: " اتيتم من لبنان. وبيننا الكثير من التبادل. بين موارنة لبنان وحلب تبادل وتواصل مستمران.هذه الكنيسة الاثرية لها طابعها القديم ولها خصوصيات قديمة. يكفي ان تكون حلب مهد المارونية. من هنا، انطلق الموارنة".

لذلك، شعر عون بأنه في المكان الاقرب الى نشوء المسيحية. "هنا، جذور مسيحية ومارونية". كلام يدعو الى التعددية قيل من وسط حلب التي تعتبر اكبر المدن المسيحية، وتضم اكثر من 200 الف مسيحي، فضلا عن انها اول مدينة في الشرق تحوي 11 رئيس طائفة. وفي رأي عون، "لا فرق بين الاسلام والمسيحية"، اما المشكلة فهي "عندما نحاول اختصار الله ونسبب الانقسام. لنا ارث واحد هو ارث الانجيل ولنا طقوس مختلفة".

وأبي عاد، الذي حرص على توجيه تحية للرئيس الاسد من قلب الكاتدرائية المارونية، وصف عون " برمز مسيحي، وطني، ومشرقي يملأ قلبنا بهجة وسروراً. بين موارنة حلب ولبنان مسيرة مشتركة، نحن هنا نعيش حياة حلوة بين رؤساء الطوائف وحقوقنا محفوظة في عهد الرئيس الاسد".

وبلفتة محببة، خصّ ابي عاد عون برمز معبر، اذ اختار ان يسلّمه شعار مار مارون. وعلى رغم الدلالة الكبيرة لهذه اللفتة، الاّ ان الصورة التي قدّمها له مطران الروم الكاثوليك يوحنا جنبرت وهي تجمعه ببطريرك الروم الكاثوليك الراحل مكسيموس الخامس حكيم، في قصر بعبدا، وهو يرتدي البذلة العسكرية، جعلته يتأثر وخصوصاً حين قال له جنبرت: "اعرف كم كان البطريرك حكيم يحبك".

ثوان، ويجول الجنرال في ارجاء الكاتدرائية ليشهد على التاريخ، فيرى اقدم كتاب قداس باللغة السريانية يعود الى 1490 عاما، ثم يشق ممرا ضيقا لينتقل الى ما كان يعتبر الكنيسة القديمة. هناك، يطلّ التاريخ عبر الاعمدة والابواب والباطون. من هذه الكنيسة نطل على باب كنيستي الارمن الارثوذكس والروم الارثوذكس. وهناك، يقف عون ليستمع الى شرح احد الكهنة. يحدّق. واصوات الترانيم المارونية تأتي من الجهة المقابلة، من داخل الكاتدرائية. لحظات من الصمت والتأمل تسيطر على الحضور. يدخل عون والوفد متجها الى المذبح. تبدو الكاتدرائية شبيهة الى حدّ كبير بكاتدرائية مار مارون في وسط بيروت. التصميم نفسه، وبالطبع الايمان ايضا. الجميع يسكت. ولا صوت يخرق الترانيم وصلاة التبريك.

في الخارج، تحتشد جموع. تقف على الشرفات او تأخذ بصعوبة مكانها في الباحة. بعضها لبناني الاصل. الشابة ادنا شديد من حمانا تسكن في حلب لان امها سورية، تقول: " اتيت لاستقبل الجنرال. كنت ازور قصر الشعب (في بعبدا) عام 1990، دعما له، واليوم، استقبله هنا. انه رجل صادق وصاحب موقف". اما طوني فتال السوري الذي يأتي من اللاذقية فلا يعبر الا برفع علم كبير لـ"التيار الوطني الحر"، والى جانبه صونيا سلوكجي. هذه المرأة السورية تنظر الى عون على أنه " نظيف. حاربنا لكنه لم يعادنا".

وعون الذي دخل الكاتدرائية بالورود، خرجها بالارز. وعلى الباب الخارجي، اصرّت صونيا على الاقتراب، شدّ على يدها، فقالت عاليا: " نحن سوريون، نحبك كثيرا. انت لست للبنان فقط، بل لجميع المسيحيين".

"زنار من البشر" رافق عون خلال مرور موكبه في حلب القديمة. ومن الموارنة الى الارمن. اما المكان فهو: نادي الشبيبة السورية- المركز الثقافي للارمن، حيث استقبله مطران الارمن الارثوذكس لابرشية حلب وتوابعها شاهان سركيسيان. الترحيب لافت بالوزير السابق سيبوه هوفنانيان، الذي جلس الى جانب المطران.

"حبيبنا": بهذه العبارة اختصر سركيسيان العماد عون، واصفا اللقاء بـ"العظيم".

الجنرال لم يخف اعتزازه. لقد جاء ليزور جذوره، كما قال، حاملا اليهم محبة من لبنان: "أفرح بأني التقي اخوة لم تلدهم امي، لكنهم اخوة في الانسانية، واحيانا بالايمان والمواطنية والصداقة، وتبقى صداقتنا هي التي تضغط على الكبار وتحقق الوفاق".

الجو نفسه رافق جولة عون داخل كاتدرائية الاربعين شهيداً التي تعود الى 900عام.

وثمة ترحيب ظاهر من سركيسيان و عضو مجلس الشعب السوري سنبل سنبلين.

حلب: المفاجأة

قلعة حلب: المفاجأة الكبرى. ظهرا، كان موكب الاعلاميين يسير من دون ان نعلم اتجاهه. وكان التقدير ان ثمة نشاطا لعون. نحو ربع ساعة، ثم تتوضح نقطة الاتجاه: انها قلعة حلب. اما المفاجأة فكانت حين توقف عدد من السيارات الرسمية امام القلعة. دقائق، ويخرج الاسد من جهة السائق والى يمينه الجنرال. وفي الخلف السيدتان اسماء الاسد وناديا عون. تشعر بان الصورة "رئاسية" رسمية بامتياز. انما الاسد وعون "تحرّرا" من ربطة العنق، وتحوّلا سائحين في ارجاء القلعة، وبرفقتهما باسيل والهاشم وعقيلتيهما.

صمت مطبق فرضته المفاجأة، حتى على بعض السائحين والمواطنين في القلعة الذين ابعدوا الى الجهة المقابلة وهم يهتفون: "بالروح بالدم نفديك يا بشار".

قلعة ضخمة جدا، لا بل عملاقة في المساحات والادراج، فهي قادرة على استيعاب 15 الف شخص، وعلى الزائر ان يصعد 207 طبقات.

كان الودّ ظاهرا. السيدة أسماء تمسك بيد السيدة عون وتتحادثان عن النشاطات السياحية والثقافية في سوريا، فيما عون والاسد يتبادلان أطراف الحديث عن الآثار، وبينهما المرشد فوزي شعبوق الذي يشرح تاريخ القلعة.

جو مريح طغى بين الاسد عون. عفوية في التعامل وتقدير لافت اظهره الاسد. والاهتمام بالغ من السيدة اسماء بعقيلة الجنرال. احيانا، تمسك بيدها لتصعد احدى الادراج الاثرية. واحيانا اخرى تتحدث بتحبب مع عون. فالسيدة الانيقة عرفت كيف توصل رسائلها. بهمس، أخبرت زوجة الجنرال عن المدرج التاريخي حيث تقام المهرجانات الصيفية، وعن خزانات المياه التي اكتشفت حديثا داخل القلعة. منظر حضاري نادر، واحاديث متبادلة بين الرجلين عن الاثار والتاريخ. وحدها عبارة "سيّدي الرئيس" التي يطلقها شعبوق على الجنرال ليدله على احد المعالم، تعيدنا الى جو رسمي، بدده حضور العائلة ومشهد القلعة اللذان طغيا على كل ما عدا ذلك.

الجميع يصعد للوصول الى فوق، الى القمة، حيث يبرز مشهد بانورامي لحلب. دفعة واحدة، ترى المآذن وقبب الكنائس وبعض الابنية الاثرية والساحات. يتوقف الكلام، وتبقى اللغة الوحيدة للصورة.

12 حضارة، يقول شعبوق، "سكنت" هذه القلعة.

تنتهي السياحة بالودّ نفسه. احجيات يطلقها الجنرال، واخبار عامة تتناقلها السيدتان عن المجتمعين السوري واللبناني. كل شيء بعيد عن السياسة. فقط مشهد عون الاسد معا يعيد الى الكثير من المواضيع.

وكانت عائلة عون زارت بيت الرئيس الاسد في حلب، وتوجه الجميع الى الغداء في احد مطاعم سوق حلب القديمة، قبل ان يقود الاسد السيارة بنفسه متوجها الى القلعة.

ومساء، واصل عون لقاءاته في مقر اقامته في "الشيراتون" حيث استقبل وفودا من رجال دين ورجال اعمال.

وفي لفتة نادرة، أقام المفتي حسون عشاء لعون في مطعم "قصر الوالي". والقى حسون كلمة لفت فيها الى ان " لبنان كسوريا وطن لا تعترف فيه بكلمة اقليات. نحن مع العدل. لسنا مع اكثرية او اقلية". ووفق حسون، " عون لم يتنازل عن حبه للبنان، وسوريا في خندق واحد مع كل وطني"، وتوجه اليه: "انا أشعر بأنك تتكلم بوطنيتك. انت ل