ورقة التيار الوطني الحر وحزب الله وكل ما كتب حولها حتى الآن من تقارير وأراء وتحاليل مع وضد بما في ذلك الموقف الأميركي الرسمي

كل ما نشر ما بين 8 شباط و2 أذار 2006

 

قراءة في النتائج: تفاهم عون و<<حزب الله>>

ينتج تقارباً في المواقف السياسية العامة

ونسبة تأييد العماد عون للرآسة زادت من 37,3 الى 46,6 %

عبدو سعد - السفير 2 آذار 2006

أظهرت نتائج الاستطلاع الذي أجراه مركز بيروت أن ظاهرة الاصطفاف الطوائفي حول العناوين السياسية المطروحة في لبنان اليوم هي ظاهرة ثابتة، وذلك نظرا لتحرك مزاج الشوارع الطائفية تبعا لمواقف قادته، وإذا كان هناك من متغير لافت للانتباه، فانه متصل بالتقارب الذي حصل بين <<حزب الله>> و<<التيار الوطني الحر>> والورقة التي تم إقرارها بين الجانبين وانعكست في الأرقام التي أظهرها الاستطلاع شيعيا ومسيحيا، فيما كان الثبات في المواقف واضحا في الشارعين السني والدرزي تبعا لمواقف الزعامتين الجنبلاطية والحريرية.

من الواضح ان نسبة التاييد لاقالة الرئيس اميل لحود تراجعت نسبيا في ضوء المواقف التي اطلقها العماد ميشال عون، بإصراره على الربط بين الإقالة او الاستقالة وبين التوافق المسبق على البديل من دون وضع أي <<فيتو>> على أي مرشح رئاسي.

ففي استطلاع اجراه المركز ونشرته <<السفير>> في نهاية شهر كانون الثاني 2006، تبين ان حوالي خمسة وسبعين بالمئة من المسيحيين يؤيدون تقليص ولاية لحود، بينما ايدت حاليا نسبة ستين بالمئة تقريبا الدعوة لاسقاط لحود من قبل قوى الرابع عشر من شباط. كذلك تراجعت النسبة شيعيا من 15 بالمئة قبل شهر الى اقل من خمسة بالمئة حاليا. اما عند السنة فقد بقيت النسبة ذاتها تقريبا. وعند الدروز ارتفعت النسبة من 86 بالمئة الى حوالي التسعين بالمئة.

واللافت للانتباه ان المستطلعين الذين اختاروا ميشال عون رئيسا للجمهورية في العينة المسيحية هم أنفسهم تقريبا الذين رفضوا إقالة لحود من قبل قوى الرابع عشر من شباط.

وبدا واضحا وجود تماسك في موقف الكتلة الشيعية المستطلعة في المواضيع المطروحة كافة سواء الموقف من رفض إقالة إميل لحود أو تأييد ميشال عون رئاسيا وكذلك الموقف من الانتخابات المبكرة، كذلك كانت الحال على مستوى الكتلة المسيحية التي تتأثر بميشال عون وموقفها من العناوين نفسها تقريبا.

وكان لافتا للانتباه أن العينة الارمنية التي شملها الاستطلاع بدت أيضا متماسكة مثل الشيعة تحديدا في الأرقام العالية الرافضة لإقالة لحود والمؤيدة لميشال عون والمطالبة بالانتخابات المبكرة، مما يعبر نسبيا عن الاستياء الذي تشهده القواعد الحزبية الارمنية نتيجة التهميش السياسي الذي أصابها في الانتخابات النيابية الأخيرة، فضلا عن بروز حضور قوي للتيار الوطني الحر في الوسط الارمني نتيجة تحالفه معها في المتن وزحلة.

ولوحظ تقدم أرقام العماد ميشال عون كمرشح رئاسي بديل للحود إذا استقال، على الصعيد الوطني عموما والشيعي خصوصا، وذلك بالمقارنة مع الاستطلاعات السابقة ولا سيما في نهاية كانون الثاني 2006.

فقد زادت نسبة التأييد للعماد عون لبنانيا من 37,3 الى 46,6 % وعند المسيحيين من 42,3 بالمئة الى 46,4 بالمئة وعند الشيعة من 57 الى 80 بالمئة وعند السنة من 18,2 الى 21,6 بالمئة، وذلك على حساب تراجع ارقام النائب السابق نسيب لحود (المرتبة الثانية) والنائب بطرس حرب (المرتبة الثالثة). وللمرة الاولى ظهر اسم المحامي شبلي الملاط مرشحا رئاسيا ونال النسبة نفسها التي نالها سليمان فرنجية من كل الطوائف باستثناء الشيعة. وسجل تقدم طفيف للدكتور سمير جعجع عند كل الطوائف من 3,2 الى 4,4 بالمئة. وحل رياض سلامة في المرتبة السابعة.

ولوحظ وجود اهتمام اكبر بالموضوع الرئاسي بنسبة أربعين بالمئة قياسا للاستطلاع السابق في ك2 الماضي (من 20 إلى 12 بالمئة الأشخاص الذين لم يقدموا جوابا).

أما النسبة المؤيدة للانتخابات النيابية المبكرة، فقد تراجعت من 78 بالمئة إلى 73 بالمئة.

ولوحظ أن الأكثرية الساحقة شيعيا ومسيحيا مع الانتخابات النيابية المبكرة، ويمكن تفسير لذلك متصل بموقف الناخبين الشيعة الاحتجاجي على موقف بعض قادة الاكثرية من المقاومة وفي المقابل، التفاف مسيحي متزايد حول مطالبة العماد عون بالانتخابات المبكرة، فيما سجل تراجع عند السنة والدروز وذلك مرده الخشية من ان تأتي الانتخابات المبكرة بنتائج مخالفة للنتائج الحالية.

وفي موضوع توصيف الاكثرية ل<<حزب الله>> بانه مقاومة وليس ميليشيا، كان من الطبيعي ان تنال المقاومة هذه النسبة العالية أي اكثر من 75 بالمئة كونها لم تمارس منذ نشاتها أي عمل ميليشيوي وربما كانت حصلت على ارقام اكبر لولا الحملة التي تعرضت اليها من بعض قوى الاكثرية بدليل تراجع الارقام سنيا ولكن بصورة لافتة للانتباه عند الدروز (49 بالمئة من الدروز اعتبروها ميليشيا بنتيجة موقف وليد جنبلاط).

ورفضت الاكثرية من المشاركين في الاستطلاع وتحديدا بنسبة 58 بالمئة نزع سلاح المقاومة بالرغم من كل الحملات التي تتعرض اليها. وبالعودة الى استطلاع اجري منذ سنتين اعطت نسبة 67 بالمئة موقفا رافضا لنزع سلاح المقاومة بينها نسبة 88 بالمئة من السنة والدروز ونحو 35 بالمئة من المسيحيين. اما الان فقد نزلت النسبة درزيا الى 26 بالمئة وسنيا الى 55 بالمئة فيما زادت مسيحيا بفضل التقارب الأخير بين عون و<<حزب الله>>.

وأيدت نسبة أكثر من 68 بالمئة استمرار المقاومة حتى تحرير المزارع ووضعنا في الخانة السلبية كل من اشترط تأكيد لبنانيتها قبل تأكيد حق المقاومة ولولا ذلك لكانت النسبة الإجمالية اكبر.

واللافت في هذا السياق هو ما أظهرته العينة بان مئة بالمئة من المستطلعين الشيعة أيدوا استمرار المقاومة حتى تحرير المزارع وإذا كان لا يوجد شيء في علم الاستطلاع اسمه مئة بالمئة (216 شخصا شملهم الاستطلاع شيعيا)، فان هناك حاجة في المرحلة المقبلة إلى تكبير العينة من اجل كسر النتائج المئوية. وفي موضوع تأييد المقاومة بأسر جنود إسرائيليين لمبادلتهم بالأسير سمير القنطار ورفاقه، قالت الأكثرية الساحقة نعم وخاصة، عند الدروز بخلاف موقفهم من المقاومة ونزع سلاحها، إذ أيدت نسبة ستين بالمئة منهم تقريبا أنها تؤيد اسر جنود إسرائيليين وذلك مرده إلى الصورة التي تركها <<حزب الله>> في أذهان اللبنانيين عموما حول قدرته على المبادلة الناجحة في المرحلة السابقة وكون سمير القنطار ينتمي الى الطائفة الدرزية.

مدير مركز بيروت للابحاث والمعلومات

 

تفاهم "حزب العقيدة" و"حزب "الرجل"

بقلم حكمة ابو زيد

النهار 28/2/2006: لم أُفاجأ بنتيجة الاستفتاء على ورقة تفاهم "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" ولا بنسبة التأييد لها من قبل اللبنانيين وهي، على كل حال، نسبة عالية في ظل التباينات الصارخة في الواقع اللبناني.

قد يكون جميع الذين شملهم الاستفتاء من الشيعة، او اكثريتهم الساحقة، أيّدوا ورقة التفاهم لان احد طرفيها هو "حزب الله". وما يقرره الحزب صحيح وسليم، عند هؤلاء، ولا بد من تأييده والموافقة عليه. فالتزام قرار القيادة هي "تكليف شرعي" عند جماهير الحزب حتى لو لم يكن هناك "تكليف" رسمي صادر عمن له سلطة اصداره يعطيه حصانة عدم الخضوع للمناقشة ويمنع عنه الاعتراض.

وقد يكون معظم المؤيدين المسيحيين متعاطفين مع العماد ميشال عون وموافقين على طروحاته السياسية، ولكنهم ليسوا معه بالمطلق ومع مواقفه وتصرفاتهم كلها. انهم يخضعونه لمحاسبة يومية قاسية، ودقيقة، ويشرحون ما يقوم به ويشرحونه اذا اقتنعوا، وينتقدونه اذا لم يقتنعوا. من هنا في رأيي مع كل احترامي لانضباطية محازبي "حزب الله" وانصاره تبرز اهمية موافقة 54 في المئة من المسيحيين الذين سئلوا رأيهم في ورقة التفاهم بين "حزب الله" والعماد ميشال عون. وهنا لا يجوز القفز فوق واقعين مختلفين للحزب و"التيار الوطني الحر". فـ"حزب الله" كيان مؤسسي له عقيدته الدينية، ومرجعيته الطائفية، وله قاعدته الشعبية ذات اللون المذهبي الواحد، وله هرميته التنظيمية التي تنبثق منها قيادته المنوط بها ادارته واصدار القرارات باسمه.

اما "التيار الوطني الحر" فمختلف تماما. انه يمثل شريحة مهمة من المسيحيين الذين ينتمون الى جميع الطوائف المسيحية وليس الى طائفة بعينها، ويشاطرهم هذا التمثيل مواطنون آخرون ينتمون الى طوائف غير مسيحية وان بنسب اقل من المسيحيين، وجميع هؤلاء يتحلقون حول شخص واحد هو العماد ميشال عون، يؤيدون مواقفه ويتبنون طروحاته ويلتزمون ما يلتزم به وينفذونه. انهم "حزب الرجل" حتى اشعار آخر، بينما "حزب الله" هو حزب العقيدة والطائفة وليس حزب رجل من الرجال او حزب تنوع طائفي.

الى اين بعد هذا كله؟ الى القول ان اتفاق "حزب العقيدة" بقاعدته العريضة الملتزمة، مع "حزب الرجل" بقاعدته المتنوعة والمسيسة، اراح اللبنانيين واثبت لهم ان التفاهم بين المختلفين ممكن ومفيد، وان الشرط الاساس لنجاحه هو اعتراف كل واحد بالآخر المختلف عنه ومعه، وتسليمه بحقه في ان يكون مختلفا عنه ومعه. هذا في الاساس والمطلق، اما في واقعة التفاهم بين "حزب الله" والعماد عون فقد طمأنت اللبنانيين القلقين الى ان اقوى قوة شيعية واكبر قوة مسيحية قالتا علنا وصراحة، وبصدق، لا للحرب لا للاقتتال الداخلي، لا عودة للذبح على الهوية. وقد كانت اجوبة المواطنين واضحة وحاسمة على هذه المسألة في الاستفتاء. يبقى الامل ان يتحول هذا التفاهم الى مدخل لقيام احزاب او تحالفات او كتل مختلطة، تضم قوى سياسية ومواطنين من غير لون طائفي واحد، تعيد لبنان الى ما يشبه ثنائية القيسية واليمنية، ثم الكتلة الوطنية والكتلة الدستورية، حيث كان الخط السياسي هو الجامع وليس العصب الطائفي او الديني!

لقد كانت الثنائيتان ناجحتين في زمانيهما، وحققنا انجازات وطنية مهمة. ويبدو الزمن الراهن، بما فيه من اخطار واحداث وتطورات، هو الوقت الملائم للعودة الى مناهل هذه الثنائية واعتماد اسسها علها تطهر لبنان من دنس العهر الطائفي.

 

ليست تحالفاً وإنما ورقة تفاهم جديرة بالاهتمام..

وليد قاطرجي 24/2/2006

عندما يتلاقى اللبنانيون يصبح كل شيء ممكناً، هذا ما ظهر خلال اللقاء الأول الذي جمع العماد ميشال عون والسيد حسن نصرالله في كنيسة مار مخايل. ورغم الاختلاف بينهما، إلا إنهم توافقوا على عدة نقاط أساسية تهم الرأي العام الذي سئم من الاتفاقات الثنائية التي تعقد ومن ثم ُتنقض دون معرفة تفاصيلها. إلا من خلال الاجتهادات التي تطلق مباشرة عند كل لقاء من قبل وسائل الأعلام التي كانت تعمل بالمقابل على أطلاق التأويلات التي تتسبب في انتشار الشائعات بين اللبنانيين.

إن أهم ما ميّز هذه الورقة هي أنها اشتملت على تحديد وتوضيح النقاط الخلافية بين اللبنانيين، وأبرزت العناوين الأساسية المطروحة على الساحة اللبنانية، التي ينتظر مناقشتها من قبل الفرقاء الفاعلين على الأرض، خاصة أولئك الذين يمتلكون القواعد الشعبية. فان ما تم إعلانه من قبل الطرفين كان موضع احترام من قبل الرأي العام الذي استطلعت آرائه مباشرة بعد إعلانها، وظهرت النتائج لتعزز أهميتها في هذه الظروف من اجل التخلص من حالة الاحتقان والاصطفاف الفئوي والطائفي، كما واعتبر المستطلعون توقيتها بالجيد لوقف الحملات المتبادلة والحد من الشائعات التي انعكست توترا في الشارع خلال الفترة الماضية.

واعتبرت أيضاً بأنها من أهم الخطوات العملية لصد الأطماع ووقف مسلسل التخريب والاغتيالات، ومحاصرة المفسدين الذين ما يزالون يعبثون بمصالح البلاد.

كما أنها أتت في الوقت المناسب من اجل إعادة الحوار بين اللبنانيين بعيدا عن التدخلات الخارجية. وإن حدوث هذا اللقاء يثبت من جديد بان الحوار هو السبيل الوحيد لحل جميع الخلافات العالقة، كما انه يأتي لدحض المقولة الكاذبة التي تصور اللبنانيين بأنهم عاجزين عن حل مشاكلهم بأنفسهم وفرصة من اجل تفعيل العمل الوطني وتنظيمه للنهوض بالوطن والحفاظ على مكتسباته، التي تحققت بفضل التضحيات الكبيرة من قبل هذا الشعب العظيم على مختلف انتماءاته. وما يميّزها أيضا إنها صدرت نتيجة للقاء الأول للطرفين اللذين ينتظران توسيع الحوار ليشمل جميع القوى وعلى رأسهم رئيسي تيار المستقبل واللقاء الديمقراطي.

إن النقاط المذكورة في ورقة التفاهم تمكن الفرقاء على الساحة اللبنانية من الالتقاء حول طاولة مستديرة لمناقشتها للحد من المخاطر المحدقة في البلاد والعمل سوياً لتعزيز الوحدة الوطنية. كما إنها ورغم إطلاق النار على بعض بنودها من قبل بعض المشككين الذين يعملون من خلال المشاريع المشبوهة، إلا أنها ما تزال خاضعة للنقاش والحوار من قبل جميع القوى، وذلك من اجل إيجاد آلية صالحة لحل المشاكل العالقة خاصة بما يتعلق بالقضايا الخلافية كالديمقراطية التوافقية وقانون الانتخاب، وموضوع بناء الدولة والمؤسسات، ووقف الهدر ومحاربة الفساد وتطهير العمل العام من المفسدين، وإنهاء مأساة الأسرى واللاجئين اللبنانيين الموجودين في إسرائيل، ومعالجة المسائل الأمنية المختلفة بما فيها ملف الاغتيالات السياسية والعمل بجدية لمعرفة حقيقة من خطط ونفذ جرائم الاغتيال بدءا بالشهيد الرئيس رفيق الحريري ووصولا إلى الشهيد جبران تويني.

إلى جانب معالجة ملف العلاقات اللبنانية السورية بجميع نقاطه خاصة بما يتعلق بترسيم الحدود بما فيها مزارع شبعا، وإطلاق جميع المخطوفين والمعتقلين من السجون السورية، وإقامة علاقات دبلوماسية، ومعالجة ملف العلاقات اللبنانية الفلسطينية، والتوافق على حماية لبنان وصيانة استقلاله وسيادته.

من الخطأ أن يعتقد أي فريق بأنه يستطيع فرض سياسة الأمر الواقع على القوى والتيارات الأخرى أو من يخالفه في الرأي. من هنا فإن ورقة التفاهم المعلنة بين التيار الوطني الحر وحزب الله ستظل ورقة تفاهم لا أكثر مطروحة للنقاش من قبل الفرقاء السياسيين بعيدا عن التفسيرات والتأويلات المختلفة التي يطلقها بعض الأفلاطونيين الجدد، وستبقى خطوة مهمة جديرة بالاهتمام، ومحاولة جدية تؤسس لمرحلة جديدة في العمل السياسي بين الفرقاء تستوجب النقاش بعيدا عن المصالح الشخصية والمشاريع المشبوهة التي أوصلت البلاد إلى هذه المرحلة الخطيرة والحرجة.

 

 

 

عون ونصرالله على "اللائحة السوداء"!

ادمون صعب النهار 24/2/2006

"لا يشعر بالعار من لا يعرف العار. ولا يعرف العار من لا يعرف الشرف. ويا لذل قوم لا يعرفون ما هو الشرف وما هو العار". انطون سعاده

هل بدأ السباق الى بعبدا من واشنطن حيث أعطت وزيرة الخارجية الاميركية كوندوليزا رايس أمس اشارة الانطلاق بزيارتها بيروت واستثناء العماد ميشال عون، الزعيم المسيحي الماروني الاقوى، من جدول أعمالها؟ بل هل خدمت مقاطعة رايس عون ومنحته حظوظا أكبر للرئاسة؟

الجوابان عن هذين السؤالين ليسا بالبساطة التي يتصورها البعض، سواء أكانوا من أنصار عون، أم من أخصامه. ذلك ان العماد ميشال عون كان يعرف سلفا ان تفاهمه و"حزب الله"، وإن منحه عمقا وطنيا، سيجر عليه مجموعة من "الويلات" السياسية والطائفية الخارجية والداخلية.

وعندما قال في الاسبوع الماضي ديبلوماسي صديق في الطائرة التي أقلتنا من برشلونة الى بيروت، بطريق أمستردام، ان عون بات على "اللائحة السوداء" في واشنطن، استنادا الى أقوال سمعها من الخارجية الاميركية ومن أوساط قريبة من رايس، لم نستغرب "معاقبة" الاخيرة زعيم "التيار الوطني الحر" علنا امس بامتناعها عن لقائه على غرار ما فعلت سابقا وجاراها في ذلك معظم المبعوثين الاميركيين الى لبنان.

لا بل كان مدهشا في السابق ومثار تساؤلات كثيرة حرص مبعوثي واشنطن على لقاء عون دون سائر القادة السياسيين، وكأنها كانت تبلغ من يعنيهم الامر انها تعتبر ان عون هو الزعيم المسيحي الاقوى، والبطريرك الماروني الكاردينال مار نصرالله بطرس صفير هو الزعيم الروحي الأوحد.

فهل تقصّد عون وهو الحاسوب الدقيق تفاهمه مع "حزب الله"، وخصوصا انه أحد المشاركين الرئيسيين في صوغ القرار 1559 الذي اعتبر في أحد بنوده قاتلا للحزب، أخذ مسافة من السياسة الاميركية التي غرقت في المستنقع الدموي العراقي، ولم تتقدم قيد أنملة في موضوع إخضاع سوريا لمشيئة واشنطن في الموضوع العراقي، وللمجتمع الدولي في موضوع جريمة العصر الهمجية المتمثلة في اغتيال الرئيس رفيق الحريري؟ كذلك هنا الجواب مزدوج. أي أنه تقصّد وغامر في الوقت نفسه. والبعض يرى انه قامر أكثر مما غامر. إذ لم يكن سهلا لعون، وكذلك لـ"حزب الله"، التوافق على ما أنجزاه في ورقة التفاهم من أمور كان تأمين توافق عليها من رابع المستحيلات. وقد سبقا فيها أي حوار، نظرا الى ان البنود الخلافية التي اتفقا عليها هي التي كانت تؤخّر الحوار وتستبعده، مثل ترسيم الحدود والتمثيل الديبلوماسي مع سوريا، والعلاقات بين بيروت ودمشق، وتسليم سوريا باستقلال لبنان وسيادته الكاملة على أرضه، وتمتعه بحرية القرار في الداخل والخارج، اضافة الى القبول بعودة اللبنانيين الذين لجأوا الى اسرائيل، ومتابعة ملف المعتقلين في السجون السورية. وهي أمور لم تكن تخطر في البال، لا أثناء وجود القوات السورية في لبنان، ولا بعد خروجها منه في 26 نيسان الماضي. كذلك لم يكن سهلا اقناع جمهوريهما بما حوته ورقة التفاهم التي وقعت داخل كنيسة مارونية على خط تماس سابق، بين سيد شيعي معمم يتمتع بهالة شبه مقدسة لأنه والد شهيد وشيخ الشهداء في مواجهة العدو الاسرائيلي، وبين جنرال سابق في الجيش نشر رجاله (اللواء الثامن) حول الضاحية الجنوبية خلال مجزرة صبرا وشاتيلا وأعطاهم أوامر بانقاذ أي فلسطيني يهرب من المخيمين وتوفير الحماية له، الامر الذي أغضب المخافر الميليشياوية المتقدمة التي استحضرها الاسرائيليون لمعاونتهم في المجزرة داخل المخيمين وخارجهما.

كذلك هو وفّر الحماية للضاحية وأهلها في تلك المجزرة التي كان يمكن ان تمتد الى داخل الأحياء الشيعية.

تضاف الى ذلك معرفة الجنرال بوضع المقاومة، وبسلاحها، وبما يمكن ان ينجم من أحداث وعدم استقرار للبنان، في حال حصل تدخّل عسكري خارجي لاجبار "حزب الله" على تسليم سلاحه، أو جرت محاصرة للمخيمات الفلسطينية من أجل تجريدها من السلاح تنفيذا للقرار 1559، الامر الذي تحاشته الحكومة بذريعة انه يجب ان يخضع لحوار داخلي بين اللبنانيين، ثم بين اللبنانيين والفلسطينيين. وثمة من يرى انه لم يكن هناك بد من تفاهم "حزب الله" وزعيم "التيار"، وإن أغضب ذلك واشنطن، نظرا الى انه يستحيل شطب سوريا من المعادلة الرئاسية، والاكتفاء بالصوت الاميركي الذي قد يعتبر غضبه على عون "نعمة" له تكسبه استقلالية عن الخارج، كما تكسبه مسحة "وطنية" لا بد منها لأي مرشح طامح الى الرئاسة الاولى، وتفتح امامه طريق الشام، اذا كان لا بد من التفاهم مع سوريا على رئيس لا يكون ضدها، ويرفض ان تُحكم بلاده من دمشق.

وثمة أوساط لا تستبعد ان تكون ورقة التفاهم بين عون و"حزب الله" والتي تتضمن بنودا تعني سوريا مباشرة، قد عبرت مسودتها الحدود ونالت مراجعة دقيقة ممن يعنيهم الامر هناك بحيث لم يجدوا فيها بنودا ليسوا مستعدين للقبول بها، وخصوصا ان "حزب الله" حليف كبير لسوريا في لبنان، وقد جعلته الغالبية المناهضة لها فيه يدفع ثمن هذا التحالف "نبذاً وعزلاً وشطباً" على ما قال في "يوم القدس" الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله. إذ ليس معقولا ان يقبل الحزب بترسيم الحدود والتمثيل الديبلوماسي، وعلاقة الند للند بين دولتين مستقلتين، حرتين، وسيدتين، دون موافقة احداهما، وهي الاقوى، أي سوريا.

من هنا يمكن اعتبار ورقة التفاهم برنامجا رئاسيا مبدئيا لأي مرشح للحلول مكان الرئيس اميل لحود، سواء استقال أو أطيح بأي وسيلة كانت. واذا كان من غير الضروري ان يكون المرشح للرئاسة العماد عون نفسه، فان مندرجات الورقة قد جسدت معنى الاستقلال والسيادة والقرار الحر الامر الذي عجزت عن التعبير عنه وتجسيده حركة 14 آذار. ومن هنا أيضاً نفهم، ربما، أسباب استثناء رايس لعون من لقاءاتها في بيروت ومساواته بـ"حزب الله"! ان الوضع دقيق، وخصوصا بعد التفجير الكبير للمزار الشيعي في سامراء العراق، وتعطيل جلسة مجلس الوزراء، والاجواء التي تسيطر على "الشوارع" المختلفة، ويغلب عليها طابع التشنج الطائفي والمذهبي. لذلك يجب تفادي الدعسات الناقصة، من الآن حتى 14 آذار، وسلوك طريق الحوار والتوافق، سواء في انزال لحود عن "عرشه" وهو أسوأ رئيس عرفه لبنان، او في التعامل مع طاولة الحوار التي دعا اليها الرئيس نبيه بري في 2 آذار المقبل وتلقّى حيالها تحفظات غير مبررة. علما ان اللبنانيين انتظروا مثل هذه الفرصة للتلاقي والتصالح والتحاور، عقدا ونصف عقد. ولا بد ان يخرج الدخان الابيض من ساحة النجمة وليس من أي ساحة أخرى. فهل تتحقق أمنية اللبنانيين بعد طول انتظار؟

 

ما تعامى عنه الياس الزغبي

المحامي/انطوان فؤاد الحاج

النهار 23/2/2006: ليس بتكليف من احد، ولا دفاعاً عن السيد حسن نصر الله ودولة الرئيس العماد ميشال عون، فكلاهما بغنى عن ذلك، نبدي الملاحظات التالية، احقاقا للحق وانصافا للواقع والتاريخ:

- إن التفاهم بين القطبين الكبيرين هو اتفاق اطار وليس معاهدة، فما كان من داع لأن يثور الاستاذ الياس الزغبي ويتهم احد الفريقين (يصفه بالمتمرس) بتفخيخ العبارات وتلغيم الكلمات وتصويره كأنه يعتمد الغش والتدليس في تعاطيه مع الفريق الآخر (يصفه بالمتمرن). علماً ان تاريخ الفريقين الناصع يشهد لهما بالشفافية والصدق في التعاطي مع الآخرين ايا كانوا.

- وضع هذا الاتفاق القطار على سكة تقارب قد يتوّج بوثيقة وطنية تاريخية وشرّع الباب امام افرقاء آخرين للانضمام اليه لبناء لبنان الغد، الذي يحلم به كل مواطن: لبنان الدولة الديموقراطية التوافقية القادرة والعادلة والمتحررة من اية وصاية.

- ابرز هذا الاتفاق ضرورة حل مشكلة المعتقلين في السجون السورية. وقد ابدى السيد حسن نصر الله كل استعداد لتسهيل البت بهذه المعضلة التي تراوح مكانها منذ سنوات، في حين لم يرغب احد او لم يجرؤ على التعاطي معها بجدية لا على المستوى الرسمي ولا على الصعيد الحزبي.

- نزع هذا الاتفاق صفة العملاء عن افراد جيش لحد الذين اضطرتهم الظروف الاجتماعية الى التعاطي مع الدولة المحتلة بحكم الامر الواقع، بعدما تخلت عنهم الدولة اللبنانية. وافسح في المجال امام العائلات، من كل الطوائف لقيد اولادهم في دوائر النفوس وفي المدارس اللبنانية. وقد يثمر الحوار لاحقا عفوا عاما مع تطور الاوضاع والظروف.

- اظهر التفاهم اهتماماً كبيراً بالمغتربين، وهم الجناح الآخر للوطن وهذا الموضوع لم توليه الحكومة الحالية ولا سابقاتها اي اهتمام.

فكم من مراسيم وقرارات لاعادة الجنسية للمتحدرين من اصل لبناني ولاشراكهم في الحياة السياسية بقيت نائمة في الادراج ومجرّد وهموسراب؟

- ان مجرد قبول "حزب الله" بمباشرة حوار حول السلاح الفلسطيني وسلاحه بالذات يعتبر تنازلا مهما من قبله ذلك انه ابدى نية طيبة لايجاد حل ما. وسواء أطال هذا الحوار أم قصر فانه بالنتيجة لن يبقي الوضع على حاله. فلا سبيل لايجاد حلول الا بالحوار وأي طارق بن زياد جديد مستعد لنزعه بالقوة سيغرق البلاد في حرب اهلية جديدة لن ينجو منها احد.

- ان المطالبة بترسيم الحدود وبالتبادل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا كان حلما بالنسبة الى فئة من اللبنانيين وبموجب هذا التفاهم اضفى "حزب الله" اجماعا لبنانيا حول هذين المطلبين وترسيم حدود مزارع شبعا قد يشكل مدخلا لحل مسألة سلاح "حزب الله" وبالتالي يمكّن الجيش من الاضطلاع بمسؤولياته كافة على الحدود.

- طالب فريقا التفاهم بقانون انتخاب عادل يعكس ارادة الشعب الصحيحة في التمثيل النيابي وتركا الغوص في التفاصيل لحين اعداد مشروع قانون جديد ليتسنى لهما مناقشته في العمق.

- أظهر السيد حسن نصر الله محبة فائقة ورغبة صادقة في التعايش الاخوي مع المسيحيين بحضوره الى كنيسة مار مخايل لدفن احقاد الحرب التي انطلقت من جوارها عام 1975 حين لم يكن الحزب والتيار قد ابصرا النور بعد.

- لقد تعامى الاستاذ الياس الزغبي عن كل ما تضمنه الاتفاق التفاهم من ايجابيات وأثار بركان غضبه على ما ورد من عبارات ومفردات فغرق في السفسطة الكلامية وعبثية الانتقاد لمجرد الانتقاد الذي لا طائل منه ولا نتيجة.

محام

 

قراءة حرفية في ورقة التفاهم بين حزب الله والتيار الوطني والبيان الوزاري

ومقارنة من النصوص حول عناوين اساسية بينها سلاح المقاومة

جيزيل رزوق - الأنوار 22 شباط 2006

اذا كان الجدل السياسي القائم في لبنان اليوم يتركز على نقاط رئيسية كسلاح المقاومة، العلاقة اللبنانية - السورية، العلاقة اللبنانية - الفلسطينية وقانون الانتخاب... فقد شكلت هذه النقاط عناوين محورية في كل من البيان الوزاري، وورقة التفاهم المشترك بين حزب الله والتيار الوطني الحر والبرنامج السياسي لـ(التيار)، جاعلة قيام اي حوار سياسي بعيداً عن هذه النقاط ناقصاً وغير متلمّس لجوهر التناقضات الحاصلة بين الأطراف السياسية. وثيقة التفاهم المشترك بين حزب الله و(التيار) فتحت، من خلال تطرقها الى هذه المواضيع، السجال واسعاً امام قراءات اختلفت وفقاً للاصطفافات السياسية الحاصلة على الساحة اللبنانية...

فهل عدّل (التيار) بمواقف تعتبر مبدئية بالنسبة اليه? هل صحيح ان حزب الله حقق انتصاراً بجعل (التيار) اكثر ليونة، لا سيما لجهة موقفه من سلاح المقاومة? ام ان (التيار) هو الذي دفع حزب الله الى البحث في نقاط يعتبرها من المسلمات كالعلاقة اللبنانية - السورية?

لكن هذا (التفهم المستجد) - كما يعتبر البعض - لمواضيع كسلاح المقاومة والعلاقة اللبنانية - السورية، كانت قد سبقته مرونة اكبر عبّر عنها نص البيان الوزاري...

كيف وردت هذه العناوين: سلاح المقاومة. العلاقات اللبنانية - السورية، العلاقات اللبنانية - الفلسطينية وقانون الانتخاب في كل من وثيقة التفاهم، البرنامج السياسي لـ(التيار) والبيان الوزاري?

العلاقة اللبنانية - السورية

اوردت ورقة التفاهم المشترك بين التيار وحزب الله العلاقة اللبنانية السورية كالتالي:

ان اقامة علاقات لبنانية - سورية سوية وصحيحة تقتضي مراجعة التجربة السابقة واستخلاص ما يلزم من العبر والدروس ولتلافي ما علق بها من أخطاء وشوائب وثغرات، وبما يمهّد الطريق للنهوض بهذه العلاقات على اسس واضحة من التكافؤ والاحترام الكامل والمتبادل لسيادة الدولتين واستقلالهما على قاعدة رفض العودة الى اي شكل من اشكال الوصاية الخارجية. لذا يجب:

أ - اتخاذ الحكومة اللبنانية كافة الخطوات والإجراءات القانونية المتعلقة بتثبيت لبنانية مزارع شبعا وتقديمها الى الأمم المتحدة وذلك بعدما اعلنت الدولة السورية لبنانيتها الكاملة.

ب - ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا بعيداً عن التشنجات التي تؤدي الى تعطيل العملية التي طالما احتاج لبنان وسوريا الى انهائها ضمن اتفاق البلدين.

ج - مطالبة الدولة السورية بالتعاون الكامل مع الدولة اللبنانية من اجل كشف مصير المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية في اجواء بعيدة عن الاستفزاز والتوتر والسلبية التي من شأنها إعاقة البت في هذا الملف على نحو ايجابي.

د - اقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين وتوفير الظروف الملائمة لها بما ينقل العلاقة من الأفراد والمجموعات الى علاقة بين المؤسسات بحيث تؤمن استمرارها وثباتها).

اما البرنامج السياسي للتيار فقد ذكر تحت عنوان السياسة الخارجية مقطعاً يتحدث فيه عن العلاقة مع سوريا على الشكل التالي (انطلاقاً من دعمنا للقانون الدولي، يأتي دعمنا لسوريا في مقاومتها لاسرائيل. وبعيداً عن الماضي الأليم نرغب في اقامة علاقات حسن جوار مع سوريا، على قاعدة الحفاظ على الاستقلال والسيادة لكل من البلدين. وهذا ما يجب ان يترجم من خلال إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين وفقاً للقواعد الدولية. علاقاتنا الثقافية، والتكامل الجيوستراتيجي بيننا وبينها يقتضي بلا شك اكثر من عقد شراكة.

يجب ان يعاد النظر بالاتفاقات الثنائية التي وقّعت خلال الخمسة عشر عاماً الماضية والتي اتسمت بالإذعان وعدم المساواة. وذلك على قاعدة المصالح الاستراتيجية للبلدين.

لقد انتفت الحدود بين الدول نتيجة العولمة، ولكن هذه العولمة ادّت الى انتصار الحقوق غير القابلة للتصرف الخاصة بالفرد).

كما في القسم الخاص بالإصلاحات، يُذكر تحت عنوان استعادة المبادرة في حقل السياسة الخارجية ان احد الأهداف تقضي بأن تكون (العلاقة مع سوريا على قاعدة المصالح المشتركة. حل لقضية المفقودين والمعتقلين في السجون السورية. تبادل العلاقات الدبلوماسية. رسم نهائي للحدود. إعادة النظر في مجمل الاتفاقات الثنائية المعقودة بين البلدين).

البيان الوزاري

اما نص البيان الوزاري فقد حدد العلاقة اللبنانية - السورية في الفقرة الثنائية في العلاقات العربية والدولية. فورد ما يلي: (انطلاقاً مما نص عليه اتفاق الطائف تؤكد الحكومة حرصها على إقامة علاقات صحية وجدية ومميزة وراسخة مع سوريا مرتكزة في ذلك على روابط الأخوة والتاريخ والجغرافيا والمصالح المشتركة.

وتؤكد الحكومة التزامها بأن لبنان لن يكون ممراً او مستقراً لأي تنظيم او قوة او دولة تستهدف المساس بأمنه او امن سوريا تأكيداً لمبدأ ان امن لبنان من امن سوريا وبالعكس.

كما تجدد الحكومة تأكيدها على التضامن والتعاون مع الشقيقة سوريا وعلى أهمية تنسيق الموقف من الصراع العربي الاسرائيلي. وستبادر الحكومة فور نيلها الثقة الى معالجة ازمة الحدود الطارئة بما يعيد الأوضاع الى مسارها الطبيعي والى ما ينبغي ان تكون عليه العلاقات بين بلدين جارين وشقيقين، وان تعمد الى معالجة السلبيات الاخرى التي تضرّ بمصالح البلدين، والتطلع الى مستقبل مشرق وتعاون كامل في مختلف المجالات، وذلك في اطار السيادة والاستقلال لكل منهما لدرء المخاطر والتحديات الناجمة عن الضغوطات والتحولات الاقليمية والدولية.

وتؤكد الحكومة على التزامها بمتابعة قضية المفقودين والمعتقلين في السجون السورية وذلك من خلال اللجنة المشتركة اللبنانية - السورية التي تم الاتفاق عليها بين البلدين).

العلاقات اللبنانية - الفلسطينية

جاء في ورقة التفاهم بين التيار الوطني الحر وحزب الله ما يلي:

(ان معالجة الملف الفلسطيني يتطلب مقاربة شاملة تؤكد من جهة على احترام الفلسطينيين لسلطة الدولة اللبنانية والتزامهم بقوانينها، وتجدد من جهة اخرى التضامن مع قضيتهم واستعادتهم لحقوقهم وذلك حسب القواعد التالية:

أ - ان الوضع الاجتماعي للفلسطينيين يستدعي الاهتمام الشديد لناحية تحسين الظروف المعيشية وتأمين المستوى اللائق لأسس الحياة الانسانية الكريمة وفق ما يقتضيه التعاون الثنائي وشرعة حقوق الانسان، اضافة الى اعطائهم التسهيلات اللازمة للانتقال داخل وخارج الأراضي اللبنانية.

ب - ان حق العودة للفلسطينيين هو امر اساسي ثابت، ورفض التوطين هو امر يجمع عليه اللبنانيون ولا يمكن التراجع عنه بأي شكل من الأشكال.

ج - تحديد العلاقة بين الدولة اللبنانية والفلسطينيين في اطار مؤسساتي فلسطيني واحد يكون ممثلاً شرعياً للشعب الفلسطيني في لبنان بما يؤمن حسن التنسيق والتعاون.

د - معالجة ملف انهاء السلاح خارج المخيمات وترتيب الوضع الأمني داخلها يجب ان يتم في اطار الحوار الجاد والمسؤول والحثيث بين الحكومة اللبنانية والفلسطينيين بما يؤدي الى بسط سلطة الدولة وقوانينها على كافة الأراضي اللبنانية).

برنامج (التيار)

اما في برنامج (التيار) السياسي فقد ورد ايضاً تحت عنوان السياسة الخارجية ما يلي (لا يمكن ان يتجاهل سلام عادل حق الشعب الفلسطيني في اقامة دولة سيدة وهوية فلسطينية، ولقد آلت الانتخابات الفلسطينية الى تسلّم محمود عباس مقاليد السلطة، وهو ما شكل خطوة هامة على طريق استعادة الشعب الفلسطيني حقه في تقرير مصيره.(...) لم تعد قضية اللاجئين الفلسطينيين مثار خلاف طالما ان سائر القوى السياسية قد اجمعت على مناهضة توطينهم على الأراضي اللبنانية، فلبنان، البلد ذو الكثافة الديموغرافية وهي الأعلى في العالم، لا يمكنه تحمل توطين شريحة تشكل عشر عدد سكانه لكي لا يتسبب ذلك بإحلال التوازن الديموغرافي وبتعريض التوازن الطائفي الذي يشكل نسيجاً يتميز به مجتمعه للخطر.

مع ذلك تشكل هزالة مقومات العيش للاجئين الفلسطينيين في المخيمات مشكلة على الصعيد الانساني. وعليه من الضروري تنظيم اوضاعهم اسوة بباقي الأجانب، مع اعطائهم حق التنقل بحرية وخروجهم من وضعهم الحالي).

كما ورد في الإصلاحات المقترحة في اطار (استعادة المبادرة في حقل السياسة الخارجية) ان من بين الأهداف (رفض توطين الفلسطينيين على قاعدة المعيار الديموغرافي ومن اجل المحافظة على تنوع المجتمع اللبناني الثقافي والحضاري. هذا اضافة الى حق الفلسطينيين في دولة وفي هوية).

اما البيان الوزاري فقد توقف عند القضية الفلسطينية كالتالي: (تعتبر الحكومة ان اساس عدم الاستقرار في المنطقة يعود الى استمرار الاحتلال الاسرائيلي للأراضي العربية واغتصاب حقوق الشعب الفلسطيني ومنعه من اقامة دولته المستقلة على ارضه. وهي تعتقد ان السلام لا يمكن ان يتحقق مع استمرار الاحتلال للأرض وعدم اعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه الوطنية الكاملة والمشروعة، بما فيها حق العودة المنصوص عليه في قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194).

المقاومة وسلاحها

جاء في ورقة التفاهم المشتركة تحت عنوان (حماية لبنان وصيانة استقلاله وسيادته) ما يلي:

(ان حماية لبنان وصون استقلاله وسيادته هما مسؤولية وواجب وطني عام تكفلها المواثيق الدولية وشرعة حقوق الانسان، لا سيما في مواجهة اي تهديدات او أخطار يمكن ان تنال منهما اي جهة أتت. من هنا، فإن حمل السلاح ليس هدفاً بذاته وانما وسيلة شريفة مقدسة تمارسها اي جماعة تحتل ارضها تماماً كما هي اساليب المقاومة السياسية.

وفي هذا السياق، فإن سلاح حزب الله يجب ان يأتي من ضمن مقاربة شاملة تقع بين حدّين: الحد الأول هو الاستناد الى المبررات التي تلقى الإجماع الوطني والتي تشكل مكامن القوة للبنان واللبنانيين في الإبقاء على السلاح، والحد الآخر هو تحديد الظروف الموضوعية التي تؤدي الى انتفاء اسباب ومبررات حمله.

وبما ان اسرائيل تحتل مزارع شبعا وتأسر المقاومين اللبنانيين وتهدد لبنان فان على اللبنانيين تحمل مسؤولياتهم وتقاسم اعباء حماية لبنان وصيانة كيانه وامنه والحفاظ على استقلاله وسيادته من خلال:

1 - تحرير مزارع شبعا من الاحتلال الاسرائيلي.

2 - تحرير الأسرى اللبنانيين من السجون الاسرائيلية.

3 - حماية لبنان من الأخطار الاسرائيلية من خلال حوار وطني يؤدي الى صياغة استراتيجية دفاع وطني يتوافق عليها اللبنانيون وينخرطون فيها عبر تحمل اعبائها والإفادة من نتائجها.

البرنامج السياسي للتيار الوطني توقف عند موضوع المقاومة وبسلاحها في ملحق خاص حمل عنوان (ملحق رقم 1: مسألة حزب الله) ونص على التالي:

ينص كل من القرار 1559 واتفاق الطائف على تجريد كافة الميليشيات من اسلحتها. مما يطرح اشكالية الوجود المسلح لحزب الله.

بغض النظر عن رأي هذا الطرف او ذاك من خيارات حزب الله الايديولوجية وعلاقاته مع سوريا المشكوك في حسن نواياها تجاه لبنان. فإن عمله العسكري حتى انسحاب القوات الاسرائيلية من جنوب لبنان كان يندرج في اطار مقاومة الاحتلال، وفقاً لما تنص عليه قرارات الأمم المتحدة.

بعد الانسحاب الاسرائيلي تلاشت مشروعية العمل المسلح لحزب الله، فخلق ازمة على الصعيدين الوطني والدولي، فهو يضع لبنان في مواجهة القانون الدولي من جهة ويهدد الوحدة الوطنية من جهة اخرى بوصفه ينم عن احتكار للقرار الوطني من قبل طرف واحد.

وليس من شأن علاقة حزب الله المعلنة مع ايران المتشددة وتحالفه مع حركتي الجهاد الاسلامي وحماس، اللتين يصنفهما الغرب في خانة الحركات المعادية للسلام، ان يبدد الشكوك المحيطة بأهداف حزب الله الحقيقية وبالمخاطر المتصلة باستراتيجيته.

وليست ذريعة مزارع شبعا بالبرهان المقنع في هذا الإطار، فهي لم تنجح بإخفاء النوايا السورية الكامنة خلفها، وهي غير مقبولة من الأمم المتحدة على حد ما قاله موفد الأمين العام للأمم المتحدة لدى زيارته دمشق في آذار (مارس) .2005 فأراضي شبعا هي سورية من وجهة نظر القانون الدولي، واذا ما ارادت سوريا التنازل عنها فعليها ابلاغ الحكومة اللبنانية رسمياً بذلك، لكي تبادر هذه الأخيرة الى إعادة ترسيم الحدود لدى الأمم المتحدة.

ان الحرص على السيادة الوطنية ليس حكراً على طائفة واحدة، ولا يجوز ان يكون كذلك. على العكس تماماً، ان المحافظة على انجازات المقاومة واجب وطني، ولا ضمانة للمقاومة الا التفاف اللبنانيين حولها. ومسألة السيادة الوطنية هي اهم الثوابت الوطنية على الاطلاق، وتبديد مخاوف حزب الله بشأنها، يعيده الى العائلة اللبنانية كغيرها من الأطراف ولا تجوز مناقشة مصير حزب الله داخل العائلة اللبنانية، على اساس الوحدة الوطنية وفي اطار المؤسسات اللبنانية.

اما نص البيان الوزاري فقد توقف عند موضوع المقاومة كالتالي: (تعتبر الحكومة ان المقاومة اللبنانية هي تعبير صادق وطبيعي عن الحق الوطني للشعب اللبناني في تحرير ارضه والدفاع عن كرامته في مواجهة الاعتداءات والتهديدات والأطماع الاسرائيلية والعمل على استكمال تحرير الأرض اللبنانية، والاستمرار في رفض التوطين الذي يخل بالحق العربي الفلسطيني. ويتناقض مع وثيقة الوفاق الوطني. وتعلن الحكومة عن اهتمامها بمتابعة قضية الأسرى والمعتقلين في السجون الاسرائيلية ومطالبة المجتمع الدولي بالضغط على اسرائيل للإفراج عنهم).

قانون الانتخاب

توقفت ورقة التفاهم عند موضوع قانون الانتخاب كالتالي:

ان اصلاح وانتظام الحياة السياسية في لبنان تستوجبان الاعتماد على قانون انتخاب عصري (قد تكون بالنسبية احد اشكاله الفعالة) بما يضمن صحة وعدالة التمثيل الشعبي ويسهم في تحقيق الأمور التالية:

1 - تفعيل عمل الأحزاب وتطويرها وصولاً الى تحقيق المجتمع المدني.

2 - الحد من تأثير المال السياسي والعصبيات الطائفية.

3 - توفر فرص متكافئة لاستخدام وسائل الإعلام المختلفة.

4 - تأمين الوسائل اللازمة لتمكين اللبنانيين المقيمين في الخارج من ممارسة حقهم الانتخابي.

ان الحكومة والمجلس النيابي مطالبان بالتزام اقصر المهل الزمنية الممكنة لإقرار القانون الانتخابي المطلوب.

اما برنامج (التيار) السياسي فقد قارب الموضوع تحت عنوان احياء المؤسسات الدستورية، معتبراً ان الوضع القائم يتمثل بغياب تمثيل حقيقي للشعب بفعل قانون انتخابي مجحف. وبالتالي فان الخطوات العملية تتمثل بوضع قانون انتخابي جديد: اي دائرة انتخابية فردية، نظام اكثري. ام دائرة موسعة ونظام نسبي وحق الاقتراع والترشيح للمغتربين.

كما جاء تحت عنوان (احتضان الانتشار) بأن الوضع القائم يتمثل بتهميش حقوق المغترب الأساسية (حق الاقتراع وحق الترشح) وان الخطوات العملية تقضي بوضع قانون انتخاب جديد يكرّس حق المغتربين في الاقتراع والترشح.

من جهته توقف البيان الوزاري عند موضوع (اصلاح النظام الانتخابي) وذكر ما يلي:((...) تعتبر الحكومة ان اصلاح نظام الانتخابات يتصل اتصالاً وثيقاً بما نصت عليه وثيقة الوفاق الوطني لجهة إلغاء الطائفية السياسية(...) وعلى هذا الأساس ستقوم الحكومة بعد نيلها الثقة بتأليف هيئة وطنية خاصة لوضع قانون الانتخاب الذي يؤمن ضمن الأسس والمعايير التي نصت عليها وثيقة الوفاق الوطني التمثيل الصحيح للشعب اللبناني في الإطار الديمقراطي البرلماني وبما يؤمن مشاركة الشباب بفعالية من خلال تخفيض سن الاقتراع(...)).

 

العماد عون... حساب الأرباح والخسائر

بقلم المحامي عبد الحميد الأحدب النهار 22/2/2006

كل عمل عظيم كان في الاساس مغامرة: النبوءة، الثورة، الحرب، اكتشاف اميركا، وهبوط الانسان على سطح القمر. من هنا فإن ما سمي ورقة التفاهم المشتركة بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"، حتى ولو كانت مغامرة الا انها عمل عظيم، وهي ليست المغامرة الاولى في تاريخ لبنان! ففي سنة 1943 كان الاستقلال مغامرة عند المسيحيين الذين تخلوا عن الحماية الفرنسية ومغامرة عند المسلمين الذين تخلوا عن مطلب الوحدة مع سوريا. وسنة 1958 كان انتهاء الحرب الاهلية مغامرة عند المسيحيين الذين سلموا بتسوية كانت ترضية لعبد الناصر، في الوقت الذي كان المد الناصري كابوسا لهم! ولكن الملاحظ في مغامرة ورقة التفاهم فارق... ذلك ان مغامرة الاستقلال سنة 1943 كانت بين الموارنة ممثلين بالشيخ بشارة الخوري والسنة ممثلين برياض الصلح، ومغامرة انهاء الحوادث الاهلية سنة 1958 كان فيها الموارنة ممثلين بريمون اده وبيار الجميل والسنة ممثلين برشيد كرامي وصائب سلام، بينما مغامرة ورقة التفاهم سنة 2006 يتمثل فيها الموارنة بالعماد ميشال عون ويتمثل فيها المسلمون بالشيعة هذه المرة وليس بالسنة ويتمثل الشيعة بـ"حزب الله".

وتبقى ورقة التفاهم متراجعة كثيرا عن موقف النائبة بهية الحريري في 14 آذار 2005 حين قالت لسوريا: "الى اللقاء يا سوريا" دون ان تفرق بين النظام والشعب في سوريا! وان كانت تظاهرة 14 شباط 2006 في ذكرى اغتيال الرئيس الحريري التي جاوزت المليون قد سجلت موقفا عظيما هو الآخر من النظام السوري وقلبت هي ايضا الطاولة من جديد! حتى صار في الامكان القول ما قبل 14 شباط 2006 لا يصلح لما بعده!

وليست هذه هي المرة الاولى في التاريخ التي يتغير فيها مجرى التاريخ على يد من يغامرون في مراجعة المألوف والمعروف. فاغتيال الحريري غيّر مجرى التاريخ وغيّر المألوف والمعروف. فماذا عن مغامرة ورقة التفاهم التي تبدو سائرة في الاتجاه المعاكس! nفي فرنسا جاء الجنرال ديغول الى السلطة سنة 1958 نتيجة عصيان العسكريين في الجزائر الذين طالبوا بديغول ليحقق لهم معادلة "الجزائر فرنسية" فاذا بديغول هو الذي يقلب المعادلة الى "الجزائر جزائرية". وقد ادرك ديغول بحسه التاريخي واقع الازمة وتغلب على عواطفه وانانيته ليغلب مصلحة فرنسا العليا فتعرض لحملة تخوين وصلت الى حد محاولة اغتياله ولكنه نجا وانقذ فرنسا. في لبنان كان الجيش سنة 1958 هو سند المسيحيين ودوره اساسي في حماية سياستهم، ومع ذلك فقد عرف الرئيس فؤاد شهاب كيف يحيّده في حوادث 1958 الاهلية، التي كان فيها عبد الناصر واحلاف واميركا وانكلترا و... و... واذ حيّد فؤاد شهاب الجيش فانه حماه من الانقسام. ولما وقعت ثورة 14 تموز في العراق وجلس بعدها السفير الاميركي في القاهرة مع عبد الناصر اتفقا بسهولة على ان فؤاد شهاب هو رجل الساعة الذي يحل مشكلة الانقسام والحرب الاهلية في لبنان! وهكذا انتهت احداث 1958 بتفاهم "اللاغالب واللامغلوب" وتوافق الموارنة مع السنة! وطبق فؤاد شهاب اي الشهابية سياسة سماها العروبيون وقتها "قليل من العروبة خير لدفع الكثير منها" وهي سياسة لم تكن حائزة كل رضى المسيحيين، ولكنها بتفاهمها مع عبد الناصر على ان تكون سياسة لبنان الخارجية ناصرية وسياسته الداخلية لبنانية، حولت لبنان جزيرة فيها امن وامان وذلك طوال خمسة عشر عاما، في حين كانت عواصف الناصرية تهز العروش والجيوش في المنطقة العربية بأسرها، وصار لبنان جزيرة السلام وسط كل هذه العواصف. وتعرض فؤاد شهاب لحملة مسيحية من التخوين ونجحت بواسطة الحلف الثلاثي في اغتياله سياسيا، ولكن الايام ولاسيما ما حصل بعد الـ75 اثبت ان فؤاد شهاب كان مصيبا وكان يبحث عن سلام وامان لبلده دون ان يعرض سيادة لبنان واستقلاله لأي مساس!

هل يبحث الجنرال ميشال عون عن مثل هذا الدور في مغامرة ورقة التفاهم مع "حزب الله"؟

لعل العماد عون معذور، اذ ان قوى 14 آذار ناصبته العداء منذ وطأت قدماه ارض لبنان، ان كان في الانتخابات النيابية، ام في تأليف الحكومة، التي اعطي فيها اميل لحود اربع وزراء ولم يعط ميشال عون في الوزارة لا المكان ولا المكانة التي تناسب مجموعته النيابية! لهذا قال سعد الحريري منذ ايام "كلنا غلطنا".

يبقى ان ورقة التفاهم فيها خطوات لبنانية لـ"حزب الله":

1 سلاح "حزب الله" لم يعد مرتبطا بتحرير فلسطين بل صار مرتبطا بتحرير لبنان من خلال تحرير مزارع شبعا. وهذه خطوة لبنانية تتخلى عما طبخه جميل السيد مع النظام السوري ايام الوصاية.

2 بعد ذلك اي بعد شبعا، فان استقلال لبنان وسيادته وحمايته من الاخطار الاسرائيلية يكون من خلال حوار وطني يؤدي الى صوغ استراتيجية دفاع وطني يتوافق عليها اللبنانيون.

3 ترسيم الحدود مع سوريا الذي كان عند النظام السوري مطلبا اسرائيليا صار في ورقة التفاهم مطلبا وطنيا لبنانيا. وهذه خطوة لبنانية عظيمة.

لقد كانت مشكلة فرنسا في الخمسينات مع الجزائر وحلها ديغول رغم الفرنسيين، وكانت مشكلة لبنان سنة 1958 هي المد الناصري وحلها فؤاد شهاب رغم السياسة المسيحية المحافظة.

ومشكلة لبنان الحقيقية اليوم بعد انسحاب الجيش السوري من لبنان وانتهاء الوصاية السورية هي سلاح "حزب الله" والتغطية السياسية التي ما زال الحزب يعطيها للسياسة السورية في لبنان.

فاذا نجح العماد ميشال عون في تغليب الشق اللبناني على الشقين الايراني والسوري عند "حزب الله" فيكون قد نجح في مغامرته وحوّل ورقة التفاهم الى ميثاق وطني. وليد جنبلاط قال منذ ايام للعماد عون فليجرب، انا جربت وما طلع بايدي. ولكن العماد عون يحتاج لكي ينجح الى دعم جنبلاط وتيار المستقبل!

هناك استحقاقان هما تحديان عظيمان في المستقبل القريب تتقرر في ضوئهما كل نتائج المغامرة:

الاول هو تقرير لجنة التحقيق الدولية في اغتيال المغفور له الرئيس الحريري والتي قد يكون للنظام السوري مسؤولية كثيرة او قليلة فيها! ماذا ستكون ردة فعل "حزب الله" اللبنانية على ذلك؟

والثانية والاهم ان ضرب المفاعلات النووية الايرانية يكاد يصبح امرا حتميا لان ايران لم تعد قادرة على التراجع كما حصل حين تورط العرب سنة 1967 واميركا واوروبا لم تعودا قادرتين ايضا على التراجع خصوصا ان ايران هي جارة آبار النفط العربية كلها! فهل يرد "حزب الله" اذا ضربت ايران باستعمال الاسلحة التي لديه لضرب اسرائيل؟ وماذا ستكون ردة الفعل الاسرائيلية حينئذ حيال لبنان، لبنان الاقتصاد والخدمات والمصارف والاتصالات والكهرباء والماء والجسور ولبنان المجتمع المدني؟

اذا استطاع التفاهم بين "حزب الله" والعماد عون ان يرجح الجانب اللبناني على الجانب الايراني عند "حزب الله" فان لبنان سيكون قد نجا من قطوع رهيب! واذذاك تصبح لورقة التفاهم قوة ومعنى كبيرين. واضافة الى كل ذلك وباهمية كل ذلك، فان العماد عون طرح خلال خمسة عشر عاما من سنوات النفي شعار الاستقلال، والى جانبه شعار "المحاسبة" ووعد بان تكون حربه للتحرير وضد الفساد. والفساد اصبح في العالم الثالث مثل الاستبداد، لان الانظمة المستبدة اذا كانت تحرم شعوبها من الحرية فان الانظمة الفاسدة تحرم شعوبها من الرغيف، والشعوب التي تعاني الاستبداد تفقد حريتها وكرامتها الانسانية، والشعوب التي تعاني الفساد تفقد خبزها وتعاني الفقر والجوع. لعله اذا استطاع العماد عون ان ينجح في مغامرة تجنيب لبنان القطوع الرهيب اذا ضربت المفاعلات النووية الايرانية، اذذاك يستطيع ان يتابع مسيرة فؤاد شهاب الذي خطط لبناء دولة المحاسبة التي تعثرت ثم انهارت سنة 1970.

لقد نجح الشيخ بشارة الخوري في مغامرة الاستقلال سنة 1943 ولكنه سقط في امتحان الفساد، وهو الذي اسقطه. ونجح الرئيس فؤاد شهاب في بناء دولة مجلس الخدمة المدنية والتفتيش المركزي والقضاء العادل، ولكنها دولة اسقطت سنة 1970. فهل جاء وقت اقتران السيادة والحرية بدولة نظافة الكف؟

لقد انتشر الفساد في لبنان بعد الطائف حتى اصبح يضاهي الاستبداد والمخابرات ثم اختلط الفساد بالمخابرات، فلا نعالجن واحداً دون الآخر!

الرئيس سليم الحص ادراكا منه لمشكلة ما بعد السيادة والاستقلال اعلن ولادة مؤسسة محاربة الفساد منذ ايام.

دولة الاستقلال والسيادة لا تحلق الا بجناحي الحرية ونظافة الكف، ولا تستطيع ان تحلق بجناح واحد، لان الحرية بلا نظافة كف ضعيفة غير محصنة وتبقى في مهب الرياح ونظافة الكف بلا حرية تبقى عرضة لاول نسمة استبدادية!

 

لقاء عون نصر الله: ما له وما عليه

وجيه قانصو - السفير 20/2/2006

لم يكن اختيار كنيسة مار مخايل، كموقع للقاء بين الجنرال عون والسيد حسن نصر الله، وكما فسر البعض، تحريكاً لذكرى الحرب القابعة في لا وعي اللبنانيين، أو ترسيماً رمزياً للحدود الفاصلة بين مناطق نفوذ كل من حزب الله والتيار الوطني الحر، بل كان احتضان فناء الكنيسة وأروقتها لهذا اللقاء بمثابة صدمة إيجابية مضادة للغة القتل والقطيعة، قادرة على محو ذاكرة الرصاص والقذائف التي استوطنت في جدران الكنيسة لسنوات طويلة، وحولت الرمزية السلبية حول الكنيسة التي خلقتها الحرب في أذهان اللبنانيين من كونها نقطة انقطاع بين منطقة ومنطقة وبين مجتمع ومجتمع آخر، لتأخذ رمزية إيجابية في كونها نقطة إتصال وتواصل واندماج، وتنتقل من كونها علامة عبور من حد إلى حد آخر لتصبح نقطة ارتكاز في صناعة وتوليد رؤى مشتركة لحياة مشتركة في لبنان.

من الخطأ قراءة الاتفاق الذي تم بين التيار الحر وحزب الله من زاوية تسجيل الأهداف المتبادلة بينهما، ضمن لعبة من انتزاع تنازلات أو تحقيق مكاسب على حساب الآخر. بل لعل ما يعتبر تنازلاً من طرف يسجل لصالح ذلك الطرف لا ضده، إذ فيه رغبة من ذلك الطرف في تصويب أدائه وقدرة على التكيف مع المتغيرات والتحولات التي قد تتطلب تقديم تنازلات أو إجراء تصحيح في الرؤية أو النهج. عدّ المكاسب والتنازلات بين الطرفين، يغيب روح الاتفاق ومغزاه، ويضيع الرسالة التي أطلقها الاتفاق، والتي يبدو أنها ذات طبيعة شاملة، يؤهل الوثيقة أن تكون مسودة قابلة للنقاش بين كل اللبنانيين وليس فقط بين طرفي الوثيقة. لذلك فإن جزئيات الاتفاق لا ترى إلا من خلال بنائه الكلي وعبر الوجهة التي يرغب كلا الطرفين التموضع في ساحتها.

ويمكن التقاط أربعة مشتركات كلية تحكم منطق الاتفاق: أولها بناء دولة عصرية ذات سيادة تحظى بثقة مواطنيها وقادرة على مواكبة احتياجاتهم وتطلعاتهم. ثانيها: أن الحوار الوطني الداخلي عبر مشاركة كل الأطراف ذات الحيثية السياسية والشعبية، هو السبيل الوحيد لإيجاد الحلول للأزمات والقضايا ذات الطابع الوطني والتي تقتضي التوافق العام. ثالثها: الرغبة في تطوير حياة سياسية تنطلق في مراحلها الأولى من الديموقراطية التوافقية، وتنتهي في مراحل نموها إلى مستوى المجتمع المدني. رابعها: معالجة بعض المسائل الحساسة في بعدها الإنساني والاجتماعي لا من وجهتها السياسية والمبدئية التي تفتح الباب على المزايدات والتشنج.

هذه المبادئ الأربعة، قد رفعت اللبس بشكل نهائي وبنحو موثق ومكتوب، حول سلاح المقاومة، حيث أن ضرورة الحوار تعني أن الحديث عن هذا السلاح لم يعد من المحرمات أو من الثوابت التي لا تقبل النقض. بل اقترن مصيره ووضعه النهائي بحسب نص الوثيقة، باستراتيجية الدفاع الوطني التي يتوافق عليها اللبنانيون ويتحملون أعباءها. وهذا يعني أن حزب الله يكون قد تخلى طوعاً عن كل امتداد إقليمي (على فرض وجوده) لهذا السلاح، ورفع الشكوك عن أية وظيفة له خارج الوظيفة المحلية التي تبقى رهناً بإجماع اللبنانيين. مع هذه الوثيقة، تم إعادة إنتاج المقاومة على الشرط الوطني الذي قوامه الدولة والوفاق العام، ولم يعد هنالك معنى لأحلاف دولية يكون سلاح المقاومة جزءاً منها.

لعل مطالبة الوثيقة سوريا بترسيم الحدود مع لبنان والإفراج عن المساجين اللبنانيين في سوريا والدعوة إلى إقامة علاقات دبلوماسية، علامات بارزة على بداية بروز تمايز واضح بين الموقف السوري وبين التزامات حزب الله الداخلية. أي ما كان يبدو تحالفاً سياسياً قد انتقل إلى نوع من التعاطف أو التضامن المتبادل بينهما، وما كان يبدو تطابقاً في المواقف، تحول إلى توافق في جانب واختلاف في جانب آخر، واتصال في موقع وانقطاع في آخر. بل لعل حزب الله يحاول استعادة حقه في التصدي للشأن العام الذي حرم منه بحكم التوزريع السوري السابق للأدوار السياسية في لبنان، وهذا سيمنحه مرونة وتحرراً كافيين في حراكه الداخلي وفي تحديد خياراته السياسية، ويمكنه من نسج علاقاته الداخلية بحسب المنطق الطبيعي لا المدبر لتفاعلات الواقع السياسي في لبنان.

لم تأت عبارة <<مجتمع مدني>> سهواً في الوثيقة، بل أعتقد أن كامل دلالاتها السوسيولوجية والسياسية المستقرة في قاموس علم الاجتماع السياسي مقصودة فيها. وفكرة المجتمع المدني تقوم على الفصل بين الدَّولة والمجتمع بمعنى استقلالية المؤسسات المجتمعية عن مؤسسات الدولة (أي استقلال الفرد والكيانات الاجتماعية عن تحكم الدولة)، وعلى اعتبار الفرد كمواطن أي ككائن حقوقيّ قائم بذاته في الدَّولة لا مجرد عضو في مجتمع (أي أن الفرد شريك كامل في صناعة كل مستويات ومراتب الحدث السياسي)، وعلى الفرق بين التَّنظيمات المجتمعيّة المؤلفة من مواطنين أحرار تآلفوا بشكلٍ طوعي وحر وبين البنى الجمعيّة العضويّة الّتي يولد فيها الإنسان من دون أن يملك خيار الانتماء إليها (أي حماية الفرد من ضغط وإكراه الخصوصيات الطائفية ووجود مدى نشاط فاعل خارجها). بحيث يكون المجتمع المدني كما يقول هيغل، عبارة عن ذلك الحيِّز الّذي يتصرَّف فيه البشر كأفراد أحرار لا كأعضاء مباشرين في العائلة أو منعكسين في الدَّولة. بالمجتمع المدني يتجلى الفرق بين الحرية السياسية التي هي ساحة إبداع وفعل التزام تجاه الآخر وشعور بالمسؤولية، وبين حرية البدوي التي لا تعرف سوى التنقل والارتحال، ويتجلى الفرق أيضا بين المجتمع الطبيعي الذي يوفر الانتماء على أساس قرابة الدم، وبين المجتمع الذي يوفر الانتماء على أساس المواطنة التي تعني مشاركة الفرد وفعاليته السياسيتين.

الدلالة السياسية والاجتماعية للمجتمع المدني، تعني أن حزب الله كما التيار الوطني الحر منذ الآن، منخرط أو مطالب بالانخراط بإعادة إنتاج تكوينه السياسي على أساس مقتضيات المجتمع المدني، التي تفرض إيجاد مستويات تضامن سياسي طوعية تكون عابرة للطوائف وقائمة على برامج متعددة الأبعاد تكون منطلقاً للاستقطاب والتعبئة، والتقليل من الاعتبار العقائدي أو المذهبي الذي رغم خصوبته الاستقطابية والتعبوية، إلا أنه يعزز السلوك الطائفي ويغيب الوعي بالمواطنة، ويقوي الركون إلى عصبيات المولد والدم كبديل عن حس المجتمعية الطوعية.

ويمكن القول، ان الوثيقة قد أخرجت حزب الله من تنظيم البعد الواحد، تنظيم المقاومة، إلى تنظيم الأبعاد المتعددة، حيث تم نسج فكرة المقاومة في الوثيقة داخل حبكة سياسية أكثر تعقيداً وأكثر شمولية لتأخذ موضعها الطبيعي والمنطقي داخل المشروع الوطني العام، وتلتحم مع مكونات الحياة المطلوبة لصناعة واقع يوفر الرفاه والأمن معاً.

بهذه الاعتبارات مجتمعة، لم يكن حزب الله هو الذي جذب عون إلى ملعبه كما تصور بعض التحليلات الصحافية، بل أرى أن عون نجح في جعل حزب الله يضيف إلى نفسه التزامات داخلية جديدة، وفي أن يجعل من المقاومة شأناً أبعد من خصوصية حزب الله وفي مساعدة حزب الله أيضا على أن يصبح أوسع من المقاومة. وبالاعتبارات ذاتها، نجح حزب الله في أن يجعل من التيار الحر شريكاً متضامناً مع المقاومة ومتفهماً لمخاوف اللبنانيين على الحدود مع إسرائيل من العواقب المؤلمة التي سيتعرضون لها إذا تم نزع سلاح المقاومة قبل أن تتبلور استراتيجية دفاع واضحة ومضمونة، أي انتقل التيار الحر أيضا من مستوى التعبير عن هواجس وطموحات خاصة إلى التعبير عن هواجس جميع اللبنانيين. استطاع عون أن يجعل حزب الله ينقل قواعده إلى الداخل، واستطاع حزب الله أن يجعل التيار الحر يتمدد فوق رقعة الوطن ليطل على آلام وهواجس اللبنانيين على الحدود مع إسرائيل.

ما لم يذكره الاتفاق، ربما كان مسكوتاً عنه لدواع مرحلية أو ظرفية، ولكننا، وفي سياق الاقتناع بأن الوثيقة ليست مجرد اتفاق بين طرفين، بل هي وثيقة تصلح أن تكون مسودة للتفاهم بين اللبنانيين، مع قابليتها للنقد والحذف والإضافة، نود أن نسجل النقاط التالية:

أولا: بما أن الوثيقة تناولت عناوين وطنية عامة لا تختص بحزب الله ولا بالتيار الوطني الحر، فإن المطلوب مشاركة الجميع من قوى وفعاليات في إبداء الرأي حول العناوين المذكورة ضمن إطار الحوار الوطني الواسع الذي دعت إليه الوثيقة. أي لا نريد للوثيقة أن تكون عبارة عن شكل تحالف سياسي بين قوتين في لبنان تحركها اعتبارات المصالح الآنية والمشتركة بينهما، بقدر ما نطمح إلى أن تكون مشروعاً وطنياً عاماً قابلاً لأن يضع مرتكزات جديدة للحياة السياسية والاجتماعية والثقافية في لبنان.

ثانيا: مجانبة الوثيقة لإشكالية الطائفية بشكل واضح ورئيسي، والتي هي أصل الإشكالات، يخلق في داخلي خوفاً، من أن تكون الوثيقة قد انطلقت من مسلمة ميشال شيحا، بأن الطوائف هي البوابة الطبيعية والنهائية لعبور المواطن إلى وطنه، وأن التضامنات الطائفية هي التعبير الأوحد عن التعددية الطوائفية في لبنان. فنحن حتى الساعة ما نزال نعيش فيدرالية طائفية مبطنة بحيث يكاد يكون هنالك عنوان وطن وهمي جامع لأوطان متعددة، وتعدد مجتمعات مستقر وغير معلن اسمه مجتمع الطوائف على حساب المجتمع الواحد، وتمايزات ثقافية قائمة على القطع والفصل في أكثر مشاهدها وصورها. لنقل بصراحة، بأن الطائفية في لبنان ما تزال سمة كل الكيانات السياسية تقريباً، والتي قد يخلو خطابها منها صراحة ولكنها المقوم الأساسي لتضامناتها وتحالفاتها. وإذا كانت شكوى باقي الشعوب من السلطات الشمولية التي تسحق الخصوصيات الثقافية والدينية وتدمر الانتماءات الاجتماعية، فإن أزمة الحياة في لبنان تكمن في غياب المجال العام الجامع، وفي ضعف الوعي بالدولة كشخص قانوني ومعنوي متميز عن الأشخاص الطبيعيين الذين يمثلونه، وفي فقدان الحد الأدنى من المعتقدات المشتركة والتمثلات العامة التي تبني الثقافة الوطنية الجامعة المطلوبة لاستمرار المجتمع السياسي.

والسؤال هو: إذا كان بالإمكان، وهو كذلك، تفكيك الملازمة بين التعددية الطوائفية والطائفية السياسية، وأن أسس المجتمع المدني لا تقوم إلا بتضامنات سياسية ومجتمعية عابرة للحدود والفواصل الطائفية، مع حفظ الخصوصية التي لا تملك حق أو قدرة ممارسة الإكراه والحصار على الفرد، فما هي قدرة كل من حزب الله والتيار الحر على تلبية الرهان المستحق في الدخول الطوعي في رحلة التحول الذاتية لخلق نواة المجتمع المدني، الذي يوفر أرضية تضامنات جديدة تزاحم عصبيات المولد والدم وتولد هوية وطنية تتقوم بالمشترك العام وتنتج خطاباً على أساس البرنامج لا الهواجس وعلى المشاركة لا التمايز.

لعل حل المشكلة في لبنان لا يكمن في وضع قواعد للعبة السياسية فقط، ولكن يكمن بنحو مسبق تحديد مواصفات الملعب وتحديد ماهية وطبيعة اللاعبين أيضا. بعبارة أخرى، البحث في حقيقة هذا الوطن حول المسألة الطائفية وفي طبيعة القوى الممثلة والمعبرة في داخله، يسبق ويحدد منطقياً البحث في القواعد التي تشرط الأداء والسلوك السياسي.

ثالثا: لم تتعرض الوثيقة لتلك الثنائية المربكة بين المقاومة والدولة، رغم انتهاء مبرراتها. فالإقرار بحق المقاومة في تحرير المزارع وتحرير الأسرى، لا يعطي حزب الله حيزاً مستقلاً عن الدولة ومنفصلاً عن اعتباراتها الدبلوماسية والتزاماتها الدولية في إدارة مسألة التحرير. بل أعتقد أن استراتيجية الدفاع الوطني التي نص عليها الاتفاق، لا توضع بعد تحرير المزارع والاسرى، بل لا بد أن يتم وضعها في أقرب وقت ممكن، لرسم إطار واستراتيجية أداء وقواعد تنسيق واضحة في عملية التحرير أيضا. هذا الأمر يضع الجميع أمام مسؤولياتهم، ويحل بعض الالتباسات حول مسألة المقاومة الدولة. فكما أن الدفاع عن لبنان يتطلب استراتيجية موحدة، كذلك فإن التحرير أيضا يتطلب استراتيجة موحدة، ليعفي حزب الله من تبعات التفرد بشأن ذي طابع عام، ويلغي أي التباس أو تعارض بين سيادة الدولة وضرورة المقاومة.

رابعا: مسألة مطروحة للتفكير على حزب الله، رغم تعقد آلياتها ومراحلها، وهي التفكيك بين المقاومة التي هي مشروع ومسؤولية وطنية عامة ولا تحتمل بطبيعتها أن تكون من مختصات قوة خاصة في لبنان، وبين حزب الله كقوة سياسية تطابق مشروعها في فترة سابقة مع المقاومة، ولكنها مؤهلة أن تطل على الواقع اللبناني بكل تفاصيله، وأن تقدم برنامجها الإصلاحي أو التنموي أو حتى الإيديولوجي. هذا التفكيك يوسع حيز كلا الطرفين ويوسع مداهما، إذ ان التلازم والتطابق بين المقاومة وحزب الله، فرض لاعتبارات إقليمية سابقة، انكفاء حزب الله عن أكثر العناوين العامة الداخلية كي لا يساء إلى قدسية وحيادية المقاومة، وفرض خصوصية إيديولوجية ومذهبية للمقاومة، منعها وأعاقها من أن تكون مشروعاً عاماً يتطوع للتصدي له كل اللبنانيين.

قد لا يتطابق الاتفاق مع الصورة الطامحة حول لبنان الذي هو حتى إشعار آخر، وطن نهائي لجميع اللبنانيين. إلا أن هذا الاتفاق خرق حالة التعبئة الطائفية التي تتحكم بالمشهد السياسي منذ فترة طويلة، وحرك خيال المحبين لأوطانهم وأيقظ فيهم الأمل بإمكان المستحيل.

() استاذ جامعي

 

لقاء عون - نصراللـه في خضم المزاج الشعبي المضطرب

اتفاق الليل لن يمحوه النهار و"فيتامين" سي ضد التطرف

النهار 18 شباط 2006

تعددت الاوصاف التي اطلقت على اللقاء الذي جمع امين عام "حزب الله" السيد حسن نصرالله والنائب العماد ميشال عون بصفته زعيما لـ "التيار الوطني الحر". تنوعت التشبيهات فكان "الزلزال"، و" لقاء الجبابرة"، و"لقاء القمة"، و"الانقلاب"... الوصف سياسي، ويختلف وقعه ومغزاه بإختلاف الجهة التي تطلقه، وخصوصا ان الانطباعات الاولية عن هذا اللقاء راوحت ما بين تأييد شديد لم يصل حد اطلاق الرصاص ابتهاجا، ومعارضة مطلقة تسببت ببعض حالات اغماء في تجسيد كاريكاتوري لمن اساءه حصول هذا الاجتماع.

"فيتامين سي"، هكذا وصف احد الظرفاء اللقاء الذي جمع نصرالله وعون في كنيسة مار مخايل في الشياح في 6 شباط الفائت. ويكتسب تحديد التاريخ هنا، استطرادا، اهمية قصوى بعدما اصبح المواطنون مقسمين ومنقسمين وفق الروزنامة التي كانت تستخدم في السابق لتحديد الاعياد والمناسبات الرسمية، فإذا بها تتحول اليوم ميزانا لقياس منسوب الوطنية، او سلكا شائكا يفصل ما بين اللبنانيين ويحدد مواقعهم ومواقفهم وانتماءاتهم، وربما تاريخ ميلادهم الجديد وفق التقويم اللبناني.

واذا كان لا بد لخروج لقاء نصرالله عون عن هذه القاعدة، فإن" فيتامين سي" يصلح لأن يكون بديلا للتعريف عن هوية المنضوين تحت هذا اللقاء. والتشبيه مستوحى من اللونين الأصفرالذي يرمز الى الحزب و البرتقالي الذي اعتمده "التيار" شعارا له، ليس بسبب انعدام الخيارات بعدما حجزت الاحزاب والطوائف الاخرى كل الألوان ، بل لأن التيار اراد ان يتماهى مع الثورة البرتقالية التي انطلقت قبل اعوام في أوكرانيا، واحدثت انقلابا في السلطات.

الاصفر ايضا، هو لون الحامض الغني بالفيتامين"سي"، والبرتقالي، لون البرتقال الذي يعتبر عصيره مفيدا جدا في تنشيط الجسم. فكيف اذا اجتمع اللونان ، او بالاحرى مُزج عصير الحامض مع الليمون؟ النتيجة، ستكون من دون شك ايجابية!

يختصر هذا التشبيه التوقعات والامال التي علقتها الأوساط الشعبية والمسيحية والشيعية وبعض العلمانيين - على لقاء نصرالله عون ، وخصوصا أن البلاد في حاجة الى منشط حيوي لا ينطوي تناوله على أي مضاعفات جانبية في ظل اجواء التشنج والقلق التي ارخت بثقلها على البلاد وتكاد تخنق العباد. فكل طرف يشد الحبل السياسي صوبه ، والحبل ملفوف حول اعناق اللبنانيين الذين بإسمهم تخاض حاليا معارك تتجاوز داحس والغبراء في شراستها، على امل الا تتفوق على حرب البسوس في طول مدتها.

لم ينجُ هذا اللقاء من تعليقات المواطنين وتندراتهم واطلاق النكات التي تعبر عن وجهة نظر مؤيدة او معارضة. ونشطت الرسائل الهاتفية بصفتها وسيلة لترويج هذه الطرائف تماشيا مع موضة العصر، ولم يوفر الانترنت ايضا لبث الصور المركبة المستوحاة من اللقاء الحدث. وهكذا، أصبح عون "سماحة العماد"، وصار نصرالله "جنرالا"، ومزجت شعارات الطرفين وهتافاتهما لتنتج شعارات جديدة مستوحاة من المناسبة ، مثل "يا الله ويا الله احفظ لنا عون الله"، و"عونك راجع من نصرالله" بدلا من الشعار القديم "عونك جايي من الله "... اما اطلاق ابواق السيارات وفق نغمة خاصة بأنصار التيار: " ترتتتتاه جنرال"، فأصبحت " ترتتتتاه نصرُالله"!

خلاف واختلاف

لا يعكس الانطباع الايجابي ازاء لقاء عون- نصرالله رأي كل اللبنانيين بطبيعة الحال، انطلاقا من حق الاختلاف اولا، وخلاف المرجعيات السياسية التي تمثل فئات متنوعة من المجتمع، وهذا الأهم، مع إحدى هاتين الزعامتين او مع كلتيهما. لذا، ثمة من يعتبر ان تأييد هذا اللقاء ينحصر بين انصار التيار والحزب، وعددهم ليس بقليل، ولا يتعدى هذه الدائرة في ظل الانقسامات السياسية والمذهبية الحادة التي يشهدها المجتمع اللبناني. فحين يكون رأي الفئات الشعبية نسخة مكررة عن رأي زعاماتها، تنتفي الحاجة الى معاينة المزاج العام واستطلاع الرأي لأن النتيجة غالبا ما تكون معروفة سلفا ربطا بالمنطقة والطائفة والمذهب. لذا، فإن رد انصار القوات اللبنانية مثلا على هذا اللقاء كان واضحا في عدائه. فالعماد عون بالنسبة اليهم "خائن"، كما يصفه احد القواتيين المنفعلين، " وها هو اليوم يتحالف مع انصار السوريين والايرانيين، اي حزب الله ، طمعا في الوصول الى رئاسة الجمهورية". وتتشعب موجبات الادانة الى حد اعتبار ان العماد عون" قدّم تنازلات بالجملة لحساب نصرالله وجاءه من موقع ضعف، فلم يكن لقاء ند للند، بل لقاءً بين قوي وضعيف".

من الصعب بمكان الوقوع على اي مناصر للقوات اللبنانية قادر على قراءة هذا اللقاء خارج اطار هذه المقاربة. وهذا ليس ناتجا عن تبن حرفي لخط الحزب ومواقفه فحسب، بل عن اقتناع شخصي مرتبط بالنشأة التي ترى في الآخر عدواً . فيقول قواتي آخر " انا حزب الله بيخوفوني". يبدو هذا الشاب عاجزا عن تقديم اي تفسير علمي وسياسي لهذا الخوف، فهو تارة يربطه بامتلاك حزب الله للسلاح، وطورا بمشروع الدولة الاسلامية التي تندرج في رأيه في صلب اهداف الحزب. ولكن خوفه هو، في الواقع، من موروثات الحرب التي لا تزال آثارها حاضرة في النفوس وخصوصا عند الجيل الجديد الذي سمع عن هذه الحرب ونشأ على تداعياتها. فحتى بين انصار" التيار الوطني الحر" تجد بعض الذين يساورهم القلق من الاتفاق مع" حزب الله". انه قلق وليس خوفا وتشنجا. وهو مرتبط بالدرجة الاولى بموضوع حيازة هذا الحزب السلاح. ولعل هذا ما يضاعف صعوبة المهمة الملقاة على عاتق "حزب الله" و"التيار الوطني الحر"المطالبين بتفسير الاتفاق ومناقشته مع القاعدة الشعبية، ليس بهدف ترويجه ولكن عملا بمقتضيات الحوار الناجح الذي لا يُفترض ان ينحصر في رأسي الهرمين والنخب المحيطة بهما. اذ يشكو شاب جامعي مثلا في سنته الأولى انه يجد نفسه عاجزا عن مواجهة المنطق الذي يتهمه بانه اصبح عضوا في الحلف الإيراني. وتعبّر فتاة ناشطة في التيار عن حماستها للقاء عون- نصرالله وتتحدث بإعجاب كبير عن "حزب الله" الذي يتميز، في رأيها، بالانتظام والرصانة. ولكنها لا تتردد في ان تختم حديثها بإبداء بعض القلق وإن بتحفظ كبير.

لا يختلف منطلق القلق عندها عن منطلق الخوف عند الشاب القواتي رغم الفارق الكبير ما بين الاثنين في التعبير عن هواجسهما والفارق الأكبر في القدرة على خوض نقاش او حتى ابداء الرغبة في ذلك. انها مجددا تركة الحرب التي أفرزت البلاد ما بين مسلم ومسيحي لأكثر من 15 عاما. ولم يأت السلم ليبدد هذا الانقسام والتقسيم ويعالج اسبابه، بل غلّفه بغشاء شفاف نسج على مقولة "عفا الله عما مضى" وطرز بشعار التعايش الذي سرعان ما تقطعت خيطانه عند اول ازمة او منعطف سياسي. والمشهد السياسي اليوم يروي فصولا كاملة و بالتفاصيل المملة في شأن هذه الحقيقة التي يحاول البعض التغاضي عنها او استغلالها حتى الرمق الاخير. والمفاضلة بين هذين الحالين اشبه بالمقارنة بين السيئ والأسوأ.

تفاؤل شعبي

ولكن يبدو، في المقابل، ان هذا الواقع نفسه ساهم في تعزيز مناخ التفاؤل الذي شاع في الاوساط الشعبية عقب لقاء عون نصرالله قبل نحو اسبوعين. ولا حاجة هنا للخوض في لعبة الارقام التي اصبحت عملة رائجة تُبنى على مقتاضاها سياسات البلاد ومستقبلها، بل يكفي رصد بعض من جوانب مزاج الفئات الشعبية التي تُخاض بإسمهم المعارك وتقدم على قربانها "التضحيات" ، لتبيان منسوب التفاؤل الذي خلفه لقاء امتص كثيرا من الهواجس والمخاوف التي عبقت بها الاجواء في الآونة الاخيرة، وبدت وطأتها مضاعفة على كل من يعتبر انه خارج حدود جغرافيا السياسة المستحدثة.

في هذا المعنى، فإن نسبة لا بأس بها من المواطنين، وخصوصا اولئك الذين يرفضون ان يُصنفوا انفسهم في اي خانة حزبية او سياسية أو -- بنسبة أقل -- طائفية ومذهبية، ارتاحت الى هذا اللقاء، ورأت فيه انطلاقة جديدة بالبلاد نحو استقرار سياسي وأمني لا يزالان مفقودين منذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري قبل عام.

ومصدر التفاؤل يعود في الدرجة الأولى الى الثقة بالرجلين، فصراحة عون وصدق نصرالله يولدان شعورا بان" اتفاق الليل لن يمحوه النهار". هكذا علّق شاب مسيحي في العقد الثالث على اجتماع هذين الرجلين معتبرا ان "البلاد بحاجة الى من تثق به، لا الى اشخاص يبدلون آراءهم ومواقفهم اسرع مما يبدلون ربطات عنقهم". ويضيف هذا الشاب ان"التحضير لهذا الاتفاق استغرق وقتا طويلا وانضج على نار هادئة، مما يعني ان الامور لم تفرضها مصلحة آنية أو شروط ظرفية تنتهي مفاعيلها مع انقضاء الظروف التي اوجبتها". انها المرة الأولى التي تخرج فيها عبارة الحوار من الاستهلاك اليومي وتتحول حقيقة ملموسة. لقد استعادت هذه الكلمة -- الاكثر استخداما في القاموس اللبناني والاقل ممارسة في الاداء اليومي -- معناها الأصلي في اجتماع الرجلين، بعدما أصبح للحوار منطقه الخاص على الساحة اللبنانية حيث تحول الى مرادف للتراشق الكلامي، وتبادل الشتائم والاتهامات والمنازلات، وعرض العضلات.

تعاطف ضمني

قلة هم في الواقع الذين اطلعوا على ورقة التفاهم وتبحروا في تفاصيلها، ولكن اجتماع شخصين يمثلان قاعدتين شعبيتين كبيرتين ومن طائفتين مختلفتين كان اكثر من كافٍ لأن يشيع اجواء التفاؤل بأن البلاد وضعت على سكة المنطق اخيرا. ومن هذا المنطلق يعتقد يساري عتيق ان" لبنان لم يشهد ورقة تفاهم بأهمية تلك التي انجزها عون نصرالله منذ تأسيس البرنامج المرحلي للحركة الوطنية". في حين يذهب مناضل يساري مخضرم ابعد من ذلك فيقول ان" هذه الورقة هي اهم من البرنامج المرحلي الذي كان يعكس اراء وتطلعات فئة سياسية من لون واحد هي اليسار اللبناني، في وقت تعكس هذه الورقة قواسم تفاهم بين قوتين سياسيتين مختلفتين في التركيبة الطائفية".

ورغم ان القراءة الشعبية اكثر بساطة وعفوية في انتقاء توصيفاتها وتقويمها لهذا الحدث، فإنها لا تخرج عن اطار التعبير عن الشعور بالراحة والاحساس بالامان، بعدما كان الخوف من التطرف وعودة الحرب يقلقان الكثيرين. هكذا ترى فتاة مسيحية تحرص مرارا وتكرارا على التأكيد انها ليست من انصار "التيار" ولا من انصار "القوات اللبنانية"، تفاهم عون- نصرالله. وتضيف انها تكن احتراما كبيرا لشخص نصرالله في معزل عن موقفها من "حزب الله". ورغم انها لا تتفق مع كثير مع المواقف التي يطلقها نصرالله، فهي لا تستطيع ان تمنع نفسها من الاستماع الى اقواله، لأن الرجل، كما تقول، صادق ومنطقي وعقلاني.

وفي المقلب الآخر، يتوج شاب شيعي دفاعه عن العماد عون بعد نقاش صعب وطويل مع زملاء له في العمل ينتمون الى "القوات اللبنانية" ويكنون عداءً كبيرا للعماد عون بالقول "اذا نجح (العماد) ميشال عون الماروني، في استقطابي وامثالي من الشيعة، فهذا انجاز كبير يُسجل في خانته".

لا يعود قبول الشيعة للعماد عون والدفاع عنه الى المرحلة التي بدأ فيها الاعداد لهذا اللقاء، بل تمتد جذورالغزل أبعد من ذلك بقليل، لتستقر عند البدء بالتحضير للمعركة الانتخابية النيابية في أيار الفائت. فرغم ان الحزب كان متحالفا آنذاك مع "القوات اللبنانية" و"الحزب الاشتراكي" و"تيار المستقبل"، ورغم اصدار نصرالله تكليفا شرعيا بانتخاب اللائحة التي تمثل هذا التحالف الرباعي في قضاء بعبدا -- عاليه، فإن الشيعة عموما كانوا متعاطفين ضمنا مع التيار الذي كان يدرك هذه الحقيقة في العمق.

يقول شاب شيعي، يقطن في الضاحية الجنوبية ولكنه ينتخب في الجنوب، انه قرر ان يدهن جدران منزله باللون البرتقالي، وان يقدم طلب انتساب الى "التيار" تعبيرا عن اعجابه بمواقف العماد عون الذي لم يكن معجبا به في السابق. ولكن الرجل تغيّر، كما يقول، وأصبح اكثر عقلانية ومنطقا في زمن أصبحت فيه الموضوعية مطلبا ملحا بعدما تحول رفع السقف السياسي نهجا يكاد يلامس الغيوم، ولكن من دون وجود اساسات صلبة في اغلب الاحيان.

رفعت صور الجنرال في الضاحية الجنوبية، وهذا طبيعي فهو ابن هذه المنطقة وله مناصرين فيها وسبق ان خاض معركة انتخابية فيها منذ بضعة اشهر ، ويستعد لخوض معركة جديدة بعد بضعة اسابيع. ولكن السؤال هل ستُرفع صور نصرالله في الضواحي الشرقية لبيروت، او بالاحرى في المناطق التي يتمتع فيها التيار بثقل شعبي كبير؟

في كل حال، فان ثمة من يعتبر انه من المبكر الحكم على هذا التفاهم، ولا بد من منحه بعض الوقت ليثبت نجاحه أو فشله. وقد يحتاج اللونين الاصفر والبرتقالي الى لون أزرق يقيه من "صيبة العين"!

فهل تنجح الدعوة الى الحوار في استقطاب مزيد من الألوان المؤمنة بالحوار لغة للتوصل الى تفاهم؟

 

باريس مرتاحة لوثيقة "التيار" و"حزب الله" ولعودة الحريري... ومتريثة بشأن الرئاسة

18 فبراير, 2006 البلد- اعتبرت أوساط رسمية فرنسية في حديث الى "صدى البلد" ان الوثيقة المشتركة التي أعلنها "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" في السادس من شباط "تنم عن تحليهما بروح المسؤولية العالية والحوار البناء". وتنظر هذه الأوساط "باهتمام" الى البنود الواردة فيها لا سيما ما يتعلق منها بالاتفاق حول ترسيم الحدود بين لبنان وسورية وإقامة علاقات دبلوماسية بينهما وحل موضوع الموقوفين والأسرى اللبنانيين في سورية وبعض العناصر التي كانت منتمية الى "جيش لبنان الجنوبي" في اسرائيل.

في المقابل ان التقارب الحاصل بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" في نظر هذه الأوساط الرسمية "يعطي مؤشراً جديداً على عملية الاستقطاب الجديدة الجارية على الساحة اللبنانية". وأضافت المصادر المسؤولة "ان ما يهمنا في الدرجة الأولى الفقرة المتعلقة بنزع سلاح حزب الله في هذه الوثيقة المرتبطة في الواقع بالحوار الوطني اللبناني الذي ننادي به منذ أكثر من سنة والذي تأخر".

وتلاحظ "انه في غياب الحوار الوطني الشامل فبالطبع نرحب بأي وثيقة تكون خطوة في هذا الاتجاه".

وتشير المصادر الفرنسية الى ان "روح المسؤولية لا تتجلى فقط بإصدار الوثيقة بعد حوار طويل بين الجانبين ولكن أيضاً بعملية ضبط الحشود في أثناء ذكرى عاشوراء".

وتبدي هذه الأوساط ارتياحها أيضاً للنتائج المباشرة لعودة رئيس تكتل "المستقبل" النيابي الشيخ سعد الحريري الى بيروت "واستعادة امساكه من الناحية الرمزية بالوسط السني بعد أعمال الشغب التي رافقت التظاهرة التي نظمت ضد نشر رسوم الكاريكاتور المسيئة للنبي محمد وتوجهت الى القنصلية الدنماركية في الأشرفية".وتستعيد هذه الأوساط "المكانة التي كان يتمتع بها رئيس الحكومة الأسبق رفيق الحريري كصلة وصل وجسر بين كل الأفرقاء اللبنانيين".أما بخصوص المطالبة بإقالة الرئيس اميل لحود، فتتريث باريس "وتراقب عن قرب مواقف كل الأطراف، ونحن نلاحظ تنوعاً كبيراً فهناك من يدعو الى آلية قانونية وآخر الى تحرك شعبي فيما يعارض العماد ميشال عون ويتحفظ الكاردينال الماروني البطريرك نصرالله صفير".

وتضيف هذه المصادر "ان التمديد للرئيس لحود كان وراء القرار 1559، وتذكرون الاعلان الرئاسي الصادر في 25 كانون الثاني عن مجلس الأمن الذي ركز على التدخل الخارجي في عملية الانتخاب".وتتابع هذه المصادر: "ان الفقرتين العمليتين في القرار 1559 هما نزع أسلحة الميليشيات واخراج الجيش السوري. أما في ما يتعلق بالتمديد للحود فلم يكن الأمر انقلاباً على النظام. ولهذا ليس من الواضح استشراف ما يمكن أن يقوم به هذا الطرف أو ذاك على الصعيد الدولي".

 

من 1559 إلى 1958

سليم نصار النهار 18/2/2006

استبعدت توقعات الصحف اللبنانية ان يصل عدد المشاركين في الذكرى السنوية الاولى لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري، الى أكثر من مئة الف نسمة. وقد استندت تلك التوقعات الى معطيات ومتغيرات محلية رأى فيها المعلقون مصدراً كافياً لإضعاف الحماسة الشعبية التي ميّزت مناسبة 14 شباط الماضي. ومن المؤكد انهم استبعدوا أنصار "التيار الوطني الحر" الذين طلب منهم العماد ميشال عون الوقوف على الحياد بعد توقيعه ورقة التفاهم المشتركة مع "حزب الله". السبب الثاني الذي عزز هذا الاستنتاج تمثل في تخلي المفوض الالماني ديتليف ميليس عن متابعة التحقيق في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وتسليمها الى نائب المدعي العام في محكمة الجزاء الدولية البلجيكي سيرج براميريتز. وكان من الطبيعي ان يترك قرار انسحاب ميليس أثراً سيئاً في نفوس الذين راهنوا على شهرته وخبرته في اكتشاف الحقيقة، خصوصاً ان خلفه بدّل اتجاهات التحقيق، وباشر في ملاحقة جهات أصولية مرتبطة بالانتحاري أحمد أبو عدس.

السبب الثالث الذي ألقى بظله على توقعات انحسار أعداد المشاركين في تظاهرة الثلثاء الماضي، فرضته أصداء أحداث "الأحد الاسود" في الاشرفية، ذلك ان التظاهرة التي قام بها أكثر من ثلاثين ألف شاب سني وقاطعها "حزب الله" انحرفت عن أهدافها بعدما نجحت عناصر مدسوسة في نقل السخط والهياج من القنصلية الدانمركية الى كنيسة مار مارون. وقد زعزعت ذيول هذه الواقعة ثقة الجمهور المسيحي بالشراكة التي فرضتها موجة الاغتيالات مع الفريق السني، الامر الذي دفع بعض النواب المسيحيين الى تسويق دعوة الاقتداء بالعماد ميشال عون، وحجتهم ان الفريق السني مستعد لفسخ شراكة الميثاق الوطني مع حليفه الماروني عند أول منعطف، تماماً كما فعل في الخمسينات والستينات خلال العهد الناصري، او في السبعينات يوم انقلب على شريكه لمصلحة المقاومة الفلسطينية.

ومع ان تدخل دار الفتوى والقيادات المسيحية حال دون الوقوع في فخ الفتنة، الا ان ملابسات هذه الحادثة المفتعلة ظلت تهدد بنجاح تظاهرة 14شباط، خصوصاً بعد موجة التشويش التي رافقت عودة سعد الحريري الذي غاب عن لبنان مدة ستة أشهر، ثم عاد فجأة على متن طائرة تجارية خاصة بقصد التمويه والتضليل. ويبدو ان عبارات التخويف والتحذير التي سمعها من أصدقاء وزعماء التقاهم في القاهرة والرياض وباريس وواشنطن، قد أثرت على نفسيته بدليل انه وافق على مخاطبة الحشود من خلف زجاج الوقاية ضد رصاص القناصين. علماً أن قرار عودته الى بيروت قوبل بالممانعة والتحفظ من قبل بعض أفراد العائلة والاصدقاء الذين تخوفوا ان يصيبه ما أصاب الشهيد جبران تويني. ولكنه تسلح بالقدر وقرر المشاركة، معتبراً ان تغيبه ولو لأسباب أمنية، سيصدم الجماهير المحتشدة لإحياء الذكرى الاولى لاستشهاد والده.

تكرار تظاهرة المليون نسمة أثار الكثير من الاسئلة حول معانيها السياسية، وما اذا كانت دوافعها العميقة ما زالت مرتبطة بشعارات 14 شباط أم لا؟

المراقبون الديبلوماسيون في بيروت، قدموا تفسيرات مختلفة حول الاسباب الكامنة وراء الحشود التي تدفقت من أحياء العاصمة والقرى النائية متجاوزة كل الصعاب والعراقيل واساليب التهديد. وكان من شدة حرصها على إظهار حضورها ان رفعت نصف مليون علم لبناني، اضافة الى مئة شعار انحصرت كلماتها المعبرة بطلب الاستقلال الناجز والسيادة الوطنية الحرة. ويرى هؤلاء المراقبون ان تلبية النداء الذي أطلقه قبل سنة تقريباً الشهيد جبران تويني، تأتي بمثابة تكرار لتأكيد مطلب الاستقلال عن الوصاية السورية من قبل السنّة والدروز والموارنة. وربما تصور خطباء ساحة الشهداء ان استقالة الرئيس اميل لحود قد تحرك الوضع المجمد وتفتح ثغرة في جدار الأزمة السياسية الاقتصادية الخانقة.

وكما ان التظاهرة الحاشدة دلت على تجانس القوى المعارضة في مواجهة التيارات الاخرى، الا ان تجربتها السلمية قد يتم تفعيلها في الصيف المقبل بهدف اسقاط الرئيس، كما حدث مع الرئيس بشارة الخوري عام 1952، خصوصاً بعدما تحدى العماد ميشال عون هذا التكتل في حديث أجراه مع مجلة "الافكار"، ووصف زعماءه بأنهم عاجزون عن اسقاط الرئيس لحود لأنهم لا يملكون الارضية. وأوحى في حديثه أنه وحده قادر على تنفيذ هذه العملية، لأن من يريد اسقاط الرئيس حسب كلامه يجب أن يكون قادراً على اقفال العاصمة، وعلى تجميع نصف عدد الذين استقبلوه لدى عودته من المنفى في ساحة الشهداء.

ويستدل من هذا التفسير أن العماد عون لن يشارك في عملية اسقاط الرئيس لحود، إن كان بواسطة الضغط الشعبي أم بواسطة الاكثرية البرلمانية. في حين يرى الوزير المعارض مروان حماده أن موقف عون لا ينبع من حرصه على مقام الرئاسة، وإنما من حرصه على تنفيذ اتفاق سري مع اميل لحود بأن موعد استقالته يتزامن مع التحضير لانتخاب عون خلفاً له. ومثل هذا الخيار زكّاه السيد حسن نصرالله عقب إعلان ورقة الحوار الوطني في كنيسة مار مخايل، حين قال إن حزب الله يرى في العماد عون مرشحاً حقيقياً لرئاسة الجمهورية لكونه يملك الاهلية الذاتية والشعبية لهذا الموقع.

واللافت في هذا المجال، ان نائب الرئيس الاميركي ديك تشيني كان قد أبلغ سعد الحريري بأن العماد عون هو المرشح المفضل لدى إدارة بوش، لأنه يملك مواصفات القيادة والكفاية. ولكن وزيرة الخارجية كوندوليزا رايس تحاشت تحديد الاسم في حديثها مع "المؤسسة اللبنانية للارسال"، وقالت إن الرئيس المقبل يجب أن يمثل التطلعات الى بناء لبنان مستقل للمستقبل. وذكرت أن هذا الوصف يدخل في إطار تحرير المؤسسات السياسية من التدخلات الاجنبية التي مورست في الماضي. ويستخلص من كلامها أن واشنطن لم تعد ترى في العماد عون الرئيس الذي يعبّر عن طموحات اللبنانيين في الاستقلال عن سوريا، بدليل انه قيّد الرئاسة بموقف "حزب الله" الموالي لدمشق وطهران (...)

يجزم نواب "اللقاء النيابي الديموقراطي" ان العماد ميشال عون تسلح بالتأييد الاميركي كي يعود الى لبنان عبر البوابة السورية. وكلفت دمشق وسيطا لبنانيا يعيش في باريس، باجراء حوار مع عون انتهى بالموافقة على الرجوع من المنفى من دون المرور في مكتب المدعي العام عدنان عضوم. وتزعم جماعة جنبلاط ان الزعيم الدرزي اظهر كل ليونة اثناء التشاور حول مرشحي الجبل وعاليه، ولكن تنازلاته قوبلت بالرفض القاطع، والسبب كما يقول جنبلاط ان اتفاق عون مع المير طلال ارسلان كان جزءا من صفقة متكاملة بكفالة اميل لحود الذي يقسم انه لن يخرج من قصر بعبدا الا لمصلحة ميشال عون.

ومن اجل تحقيق هذا السيناريو يصار حاليا الى انشاء تجمع نيابي واسع تكون نواته كتلة حزب الله امل التيار الوطني الحر، اضافة الى عشرة نواب يمكن استمالتهم بالوعود المغرية. وفي حال وصل العسكري الثالث الى قصر بعبدا، فان تعاونه مع سليم الحص او عمر كرامي يكون مضمونا. ويحتمل ان يتعهد في خطاب القسم ان يكرر ما اتفق عليه في ورقة التفاهم مع "حزب الله" الذي سيبادر الى اعلان انخراط قوته المقاومة في صفوف الجيش اللبناني المنتشر حتى الحدود الدولية. وقد قادت المخاوف من احتمال تطبيق هذا السيناريو الى اعلان خطب نارية طالبت باستقالة اميل لحود على ألسنة سعد الحريري ووليد جنبلاط وسمير جعجع. كما وصفت حدتها في وسائل الاعلام، بأنها كانت مصحوبة بانسداد آفاق التسوية مع "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" ورئيس الجمهورية، اي انها استعادت مأزق "عبور الروبيكون" عندما تصبح المواجهة امرا لا مفر منه.

والسبب ان كل المبادرات المطروحة تدعو الى احياء الاتفاقات اللبنانية السورية، الامر الذي يعتبره جنبلاط التفافا على القرار 1559، بحيث ينسى الناس صراخ الشهداء الذين ملأوا القبور. لذلك قام بنسف جسور المصالحة الوطنية، ولو ادى ذلك الى انهيار كل ما رممه رفيق الحريري في جمهورية الظلام. وقرأ المراقبون في خطابه ايضا صورة الانسحاب الكامل من قضية الحوار مع "حزب الله" لأنه يريد بناء علاقات خارج اطار التبعية لدمشق (...) عقب الزيارة التي قام بها وزير خارجية ايران منوشهر متقي لدمشق وبيروت، اعلنت الوزيرة الاميركية كوندوليزا رايس انها ستطلق تحركا ديبلوماسيا لدرس الازمة النووية الايرانية مع دول المنطقة. وقد اختصر السيد حسن نصرالله في خطابه الخميس الماضي، موقفه من المشروعين باعلان خياره للمشروع الايراني السوري في مواجهة المشروع الاميركي الاسرائيلي. والبعض يذكر ان خيارا مماثلا طرح على اللبنانيين عام 1956 ولما قررت حكومة كميل شمعون الانحياز الى المشروع الاميركي، انفجرت ثورة 1958.

والمؤسف ان التاريخ يكرر نفسه وانما بواسطة اشخاص آخرين!

 

حساب الحقلة وحساب البيدر

بقلم مهى عون النهار 18/2/2006

إذا لم يأت اليوم، حساب الحقلة على حساب البيدر، فهل يعني ذلك أنه لن يأتي غداً أو بعد غد؟ الجواب مرتبط بمدى ذكاء بل دهاء المخطط، وبسعة درايته وعلمه بالمواد التي يتعامل معها. ولكن الظاهر اليوم، خصوصاً بعد تظاهرة "الأحد الأسود" في الأشرفية، أنه أخطأ في الحسابات، من ناحية عدم تقديره الصائب للوعي الشعبي ولا سيما المسيحي، والذي فوت عليه فرصة، كانت مؤاتية لإشعال فتنة طائفية من جديد. وفي مجال تقييم نسبة نجاح أو فشل هذه الأهداف "الحميدة" لا بد من التوقف عند المعطيات والحيثيات الآتية:

أولاً - ليست هذه التظاهرة كمثيلاتها التي عمت العالم العربي والإسلامي مثلما ادعت بعض المراجع الدينية. وهي بغض النظر عن كونها مشروعة ومحقة، من ناحية الدوافع والمبررات، ليست مجرد تظاهرة فلتت من عقالها، الأمر الذي أدى إلى تفاقم واستشراء العنف، بل هي في الحقيقة تختلف عن التظاهرات الأخرى وتتباين، من ناحية اضمارها المسبق نيات تخريبية إن لم نقل إرهابية، والتي تمثلت بالتعبئة المعنوية المستشرسة، والمادية (حجارة وفؤوس وعدة للحرق والتفجير) والتي كانت بحوزة هذه الحشود المندفعة. وهي تعبئة تفسر أيضاً عدم تراجع هذه الجماعات رغم الخمسة آلاف عيار ناري، والتي حسب وزير الداخلية بالوكالة، أطلقتها قوى الأمن، مشكورة، في الفضاء، تداركاً لمجزرة أكيدة.

ثانياً - وقد يكون من الأهداف المبيتة أيضاً لهذه التظاهرة، إحداث جو غضب وتأفف في صفوف المسيحيين خصوصاً مسيحيي 14 آذار، يؤسس لفك ارتباط قائم بينهم، وبين الأكثرية الحاكمة. وقد يكون ذلك، عن طريق إظهار عجز الحكومة عن حماية أرزاقهم ومنازلهم، اليوم، عطفاً على فشلها البارحة، في حماية حياة قادتهم وزعمائهم ومفكريهم، غداة تعرضهم للتهديد الأكيد بالاغتيال. وهنا لا بد من الاعتراف بان هذا المسعى نجح نسبياً، أما وقد تمثل باندفاع بعض المسيحيين إلى مهاجمة الحكومة، عن طريق تحميلها المسؤولية عن عدم الاحتراز، والتقصير في التوقع والتحضير الكافي والضروري، من أجل مواكبة تظاهرة محض سنية، كان مخطط لها أن تخترق منطقة محض مسيحية.

ثالثا - ليس من المستبعد تأمين أو استكمال هكذا تباعد في المستقبل، وصولاً إلى الطلاق الكامل، فتفكك تجمع 14 آذار، عن طريق افتعال أحداث قد لا تكون مشابهة بالشكل ولكن مشابهة في النيات والأهداف، أي تلك المروجة دائماً لمقولة عجز الحكومة وتقصيرها في الحفاظ على أمن المواطنين وسلامتهم.

رابعاً -لا بد من التأكيد أيضاً، أنه لو حصلت مواجهة فعلية بين قوى الأمن والمتظاهرين، لكان أدى ذلك حتماً إلى قيام موجة من الغضب العارم والاحتجاج، تتهم الحكومة بارتكاب المنكر والمحرّم، في حق متظاهرين إسلاميين يدافعون عن حقوق نبيهم، المهدورة والمنتهكة في عالم الغرب. ولكان الشارع الإسلامي اتهم الأكثرية بالتواطؤ مع هذا الغرب، وصولاً إلى المطالبة باستقالة الحكومة. ولكان شكل ذلك ربما سبباً كافياً لاستقالتها، ولكانت فعلت ذلك طوعاً، نسبة الى حجم هذا الاتهام وخطورته. وغني عن التذكير بأن مطلب الاستقالة هذا، عزيز على قلوب بعض الأطراف السياسيين المعروفي الميول والأهواء، ناهيك عن الانتماء. في السياق ذاته يندرج الانزعاج من حصر الاستقالة بالوزير السبع، في حين المطلوب والمرتجى، كان استقالة الحكومة بكامل طاقمها. أما الأهداف الأبعد فهي في أن تكر السبحة، أي أن تأتي حكومة جديدة تتشكل بأكثرية المعارضة الحالية، والتي ليست في الواقع سوى مجموعة لرموز المرحلة السابقة، تقرر انتخابات مبكرة، تأتي بأكثرية الثلثين الموالية لها في مجلس النواب، تطرح بعدها موضوع تقصير مدة الرئاسة الأولى، يليها انتخاب رئيس يتماشى مع هذه المنظومة الجديدة ويلبي رغباتها.

خامساً - وفي هذا المجال لا بد من كلمة حق تقال بالنسبة الى تجمع 14 آذار، الذي رغم تسرع بعضه في إعلان معلومات أمنية متأخرة، ناهيك عن كونها غير أكيدة، لأنها غير مقرونة بالبراهين والوقائع، فهو من دون شك، أصاب عندما سمى هذا الهجوم المدبر والمبرمج "محاولة انقلابية".

سادساً - أما السؤال الذي يطرح نفسه، فهو يتناول التزامن الذي حصل بين هذه التظاهرة ولقاء كنيسة مار مخايل. فهل في هذا التزامن نية لحض المسيحيين الحائرين من مواقف العماد عون الأخيرة، إلى الالتفاف من جديد حوله، وحول هذا اللقاء المريح المطمئن والواعد بينه وبين شريحة إسلامية واعية ورصينة ورافضة للانجرار بتظاهرة التكسير والإرهاب؟ وهل يندرج هذا التزامن في مجال لفتهم إلى الأخطار المحدقة، كل الأخطار التي من الممكن أن تستهدفهم كطائفة مسيحية، نتيجة تنامي الحركات الأصولية السنية في لبنان، والتي تعمل جهات معلومة على الترويج لها في المرحلة الراهنة، ولا سيما تلك المتعلقة بتنظيم القاعدة؟ وكأن هذه الجهات تدلهم على الخيار الصحيح، والضامن لحمايتهم وأمنهم، بعيداً عن المناخات السنية غير المنضبطة، والتي قد تصل إلى الإنعتاق من عقالها، وصولاً إلى الخروج عن إرادة دار الإفتاء وتوصياتها، مثلما ظهر ذلك بوضوح خلال تظاهرة "الأحد الأسود".

يبقى أن عالم السياسة شيء والواقع الحياتي شيء آخر. وما يخطط ويبرمج على الورق وضمن غرف مغلقة لا يصح دائما، وربما يصح فقط ضمن عمليات إرهابية محدودة الأطر.

 

لقاء من افتراق طائفي آخر

أحمد جابر السفير 16/2/2006

أحاطت المبالغة بوصف اللقاء الذي جمع أمين عام حزب الله، السيد حسن نصرالله، ورئيس التيار الوطني الحر، العماد ميشال عون. رفع بعض الوصف <<حصول اللقاء>> الى مرتبة الحدث التاريخي، وأعطاه بعض آخر، سمة الزمن التأسيسي، ولم يفت كثيرين الاستبشار بتعاظم موجة اللقاء حتى تكسر شيئاً من حدة الحالة الطائفية المستشرية، على اطراد، بين صفوف اللبنانيين.

تنحسر المبالغة المشحونة بالآمال، إذا ما عرضت على تواضع الوقائع الثقيلة، وتتراجع الاستخلاصات <<الوردية>> إذا ما احتكم التحليل الى مقدمات <<كوابيس>> البنية اللبنانية، خاصة في هجعتها الراهنة. كمقدمة أولية ضرورية، يلح سؤال: من التقى من كتعريف سياسي، وكموقع اجتماعي؟ هل كان اللقاء بين تيارين، أم بين <<موضعين>> سياسيين، لهما ثقلهما المادي والمعنوي والسياسي، المحلي، ويعيشان حالة من القصور، تمنعهما من التمتع فعلاً وواقعاً بمواصفات <<التيار>> القادر على الانتقال، بفعل حركيته، من <<محيط طائفي>> إلى آخر؟! واقع الحال يقترع في مصلحة نفي <<صفة التيار>> القادر على الاختراق، حتى ولو كان ذلك هو اسم أحد فريقي اللقاء. مثلما يدل على تراجع الفريق الآخر الى داخل منطقته <<الاجتماعية>> الأصلية، حتى ولو كان عنوانه الدفاع عن الوطن. استنتاج أول: لم يكن لقاء كنيسة مار مخايل، جمعاً لتيارين عامين بل كان عملية استقواء بين موقعين، <<متطلبين>> والى حد ما، ضعيفين، ودائماً بمقاييس القدرة على العبور من أحكام المصلحة الخاصة المباشرة ونظراتها، الى ما هو أرحب منها وطنياً، مصلحة ورؤى، تتناول الراهن المباشر، وتخاطب المستقبل البعيد... قلل الموقع <<الخاص>> من وعود اللقاء، وكان من شأن المناخ الطوائفي العام، (وسيكون له) أن يستكمل الإجهاز على ما تبقى من وعود!!

على خلفية ذلك، لا يقوم النص، الذي أعلن خلاصات اللقاء، مقام الوضعية السياسية التي انطلق منها حزب الله والتيار الوطني الحر. بل ان الانتباه يذهب مباشرة، الى استقراء مناخات النص ودوافعه، ولو لم يهمل منطوق الكلمات المباشرة التي تليت أمام وسائل الإعلام.

في خلفيات النص، ثمة استفهام عن المقصود باللقاء، ما بين القوتين السياسيتين؟! اي عن الدوافع التي جعلت الاجتماع ممكناً، توقيتاً ومكاناً.

في حالة التيار الوطني الحر، يجهد القيمون على شؤونه للحفاظ على صفة <<الاختراق>> والشمولية التي ينسبونها الى حركتهم، لذلك يصير قيد القاعدة الاجتماعية الطائفية للتيار، ثقيلا ومعرقلا، على صعيد الوجهة، وان كان متعذرا تجاوزه والتحرر منه على صعيد الواقع الملموس. تلامس <<وطنية>> التيار الشعارية دائماً، فيما تخاض معركته اليومية فوق مسرح امتلاك حصة <<التمثيل المسيحي>> الوازن، ليصار الى توظيفها في ادارة <<معركة التمثيل>> السياسي الطوائفي العام. في هذا المجال جاء العماد ميشال عون الى اللقاء وفي جعبته <<طروحات استقلالية>> ووزن تمثيلي، وشعار إصلاح وشفافية، و<<خطاب وضوح>> لا يحبذ حديث الكواليس، وأسبقية <<قرار حر>> يريد من الجميع النزول عند ضرورات الاعتراف بريادته الاستشرافية والاستباقية... الخ. ما ورد، يشكّل اوراق اعتماد تقرأ في سطورها <<الخلفية>> غاية العماد عون المقدمة على سواها من الغايات، وهي مسألة الوصول الى كرسي رئاسة الجمهورية. لا يغيب في هذا المجال التكامل بين التمسك <<بصفة التيار الاختراقية الجامعة>> وبين مواصفات قائد التيار، التي تؤهله لأن يكون رجل الدولة المشترك والجامع، والممثل لأوسع <<ائتلاف سياسي>> لبناني!! بالمضمون الذي صار لصيقاً بكل ائتلاف:

في سبيل <<الغاية الرئاسية>> سجل خطاب التيار الوطني الحر تراجعاً أساسياً عن مفصله الاستقلالي. مرة اخرى لا يشكل النص مادة <<القول الفعلية>>، بل ما يحيط بالنص، وما يمكن ان يحوله الى مادة ممارسة، تنقله الى الواقع المحسوس الذي يضيف الى <<البند الاستقلالي>> حقاً، بما يتلاءم وبما يتوافق، مع <<النضج الاستقلالي>> الذي بات متاحاً للوطن، لكن دون التراجع عنه. لقد أعطى التيار الوطني الحر موقفا نكوصيا متراجعا عن نبرته الاستقلالية، وأخذ عناوين متداولة، لم يحتدم الخلاف يوما حولها، بقدر ما كان العراك ناشبا دائما حول تفسيراتها. للدلالة، لا بأس من إيراد عينة مما تضمنه البيان الذي صدر عن اللقاء بين <<العماد والسيد>>: تطلب الشفافية والمصلحة الوطنية... في الحوار، دون السؤال عن إمكانية ذلك، وعن السياسة التي تعيق حصول الأمر، وعن العامل الطائفي الرابض خلف كل إعاقة ينسحب الامر على الدولة وبنائها، حيث تقدم الوقائع الطوائفية نقضاً لفكرتها منذ البداية، وينطبق التوصيف، على العلاقة بسوريا والسياسة الأصلية التي حكمت سياستها في لبنان ومطارح المراجعة، فيما بعض أركان هذه السياسة ما زال قيد الفعل والتأثير في الحياة السياسية اللبنانية...!! لقد أعطى <<العماد>> في المواضيع <<السيادية>> وكرر غيره في مواضيع <<الفساد والاصلاح والتوطين وحتى الفارين الى اسرائيل...>>، وأخذ <<السيد>> بالمقابل، ما يتيح له متنفسا، ولو آنيا، في الممرات الداخلية اللبنانية، دون ان يقدم بالمقابل ما ليس من خطابه، ودون ان يذهب الى حدّ التحديد القاطع والحاسم، في المواضيع التي تشكل خطوطاً حمراء لديه، خاصة: مسألة سلاح المقاومة، وكل التداعيات السياسية المترتبة على عنوان حماية لبنان وصون استقلاله.

التدقيق في العناوين الآنفة يؤكد بوضوح ان <<حزب الله>> اخذ فعلا، والتوقف امام العناوين الفرعية الاخرى <<حول احترام السيادة اللبنانية، واستقلال لبنان، وضد اي وصاية...>> يشير بوضوح ايضاً الى ان <<الحزب>> ناور وأعطى <<مجاملة>>، وفي ذهنه، أنه عندما تتواجه قوة <<وقائع المقاومة وحماية لبنان وقدسية وشرف السلاح، وظروف القتال وانتفاء مبرراته...>> عندما يتواجه كل ذلك، مع <<متانة>> نص الإعلان، فإن المحصلة المعروفة ستكون إطاحة النص من قبل طوفان الوقائع.

على صعيد الترجمة العملية، لما ورد في بيان اللقاء، يتمتع <<حزب الله>> بقدرة فورية على نقل ثمرات السياسة المقطوفة من البيان، إلى رصيد <<غلته المحلية>>، إذ بإمكان الحزب القول إنه ما زال <<اللاعب الأساسي>> طرداً وجذباً في محفل السياسة اللبنانية العامة، وأنه الرقم الأصعب، الذي لا يمكن تجاوزه، وان استراتيجيته التي تشكل رافعة وضعه لقيت <<تفهماً من محاور>> إضافي، وان خياراته المحلية والاقليمية قلّلت من عدد <<المستهجنين>>... من شأن ذلك، ان يزيد من رصيد الثقة لدى جمهور حزب الله، وان يعزز مكانة الحزب ايضاً لدى <<الشيعية السياسية>> التي يقتطع حزب الله <<النص الأوفر>> من نطقها السياسي حاليا... خارج ذلك لن يصير <<الحزب>> مادة في اليوميات السياسية للتيار الوطني الحر، ولن يفوز بالانتقال الى محافل خارج محافله، فذلك دون قدره <<التيار>> وهو، قد لا يكون من ضمن حسابات حزب الله المباشرة ايضاً... من البديهي الاستطراد هنا للقول، إن <<التيار الوطني الحر>> لن يكون على جدول <<الشيعية السياسية>> بمبادرة من <<حزب الله>>؛ لأن ذلك ليس مدرجا على جدول أعماله، ولا على جدول اهتمامات البيئة الاجتماعية الحاضنة <<للحزب>>. القدرة <<التثميرية>> المنوّه عنها لدى الحزب، والمدرجة في جدول أرباحه، يبدو التيار الوطني الحر محروماً منها، وتسجل في رصيد خسارته. إذا ماذا يستطيع <<التيار>> أن يقدم لمحيطه الأهلي، من مطالب انتزعها من <<حزب الله>> وألزمه بالعمل على متابعتها، وكيف يفسر تنازله الفعلي عن أطروحاته الخاصة (بغض النظر عن صحتها او عدم صحتها)، خاصة في المجالات <<السيادية>> التي ظل نصها مبهماً، والمرشحة للمزيد من الإبهام في ظل ارتفاع النبرة الطائفية من كل الجهات؟! لا يستطيع <<التيار>> الإفصاح تماما عن <<رئاسياته>>، لذلك، فإن الهروب الى المعميات البيانية، مرشح لزيادة إرباكه، يساعد على ذلك، وضوح الخطب الطوائفية المتبادلة، التي لم تترك مجالاً للمجاملات المعروفة، مثلما تعمل على تضييق فسح <<التسويات السياسية>> المعقولة والمقبولة من ضمن منطق النظام الطائفي اللبناني وليس بالخروج على أحكامه.

حصل اللقاء، نعم، لم يكن تأسيسياً ولا تاريخياً، فللصفتين قواهما ومناخهما وموضوعاتهما وحركيتهما، غير المتوافرة.. لذلك، كانت الظرفية شديدة الوطأة على الطرفين، فكان لا بد من صورة ونص... حتى افتراق طائفي آخر.

() كاتب لبناني

 

كيف يقرأ "عوني" سابق ورقة حزب الـله التيار الوطني الحر؟

الياس الزغبي النهار 16/2/2006

أثارت الورقة المشتركة التي اعلنتها قيادتا "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" بتاريخ 6/2/2006 تعليقات وردودا سياسية متنوعة اقتصرت على بعض الجوانب والبنود، بدون ان تغوص على الاساس، ولم ترقَ الى موقف نقدي علمي تستحقه مضامين هذه الورقة، خلافا لما ذهب اليه بعض السياسيين (الرئيس سليم الحص وسواه...) في اعتبارها نصاً إنشائياً تضمن عموميات وثوابت يلتقي حولها جميع اللبنانيين، مقللين بذلك من دقة مراميها ومؤدّياتها، وخلافا للقول بأن مجرد اللقاء بين السيد حسن نصرالله والعماد ميشال عون هو أهم من الورقة في حد ذاتها.

صحيح ان اللقاء بين قيادتين لبنانيتين من هذا المستوى مهم وضروري وواعد، ولكن الاصح، بل الأهم، بل الأخطر، هو ما تضمنته الورقة "الوثيقة"، أي جوهر اللقاء، وليس فقط شكله ومستوى أطرافه وشخوصه. والصحيح ايضا ان ظاهر النص انشائي تقليدي، بل ربما مدرسي، لكن معظم تفاصيله وفقراته تضمر اكثر مما تظهر، وتنصب افخاخا سياسية وسيادية وامنية و"مفاهيمية" كثيرة، وقع فيها، ربما عن غير قصد، بسبب قصور ما، أو قد يكون أرادها عمدا وعن سابق تصور وتصميم (وهنا الطامة الكبرى)، الفريق المفاوض باسم العماد عون (وهو في أي حال فريق متمرن في مواجهة فريق متمرس)، بحيث جاء النص، في شكل ساحق، مطابقا مئة في المئة للخطاب السياسي والاستراتيجي لـ"حزب الله"، برغم بعض التعابير التجميلية "الحداثية" التي، هي نفسها ايضا، تحمل التباسا، سواء لجهة مفهومها السياسي كعبارات: "المجتمع المدني" و"المال السياسي" و"العصبيات الطائفية"، او لجهة موقعها الشرطي التعقيدي في النص مثل عبارات: "التوظيف السياسي" و"بعيدا من التشنجات"، وحتى عبارات "السيادة والاستقلال والتكافؤ...".

وسنشرح، في سياق هذه القراءة، الالتباسات المقصودة والغموض "غير البنّاء" في بعض المفردات، اضافة الى معالم الالتحاق الكامل بمنطق "حزب الله" في السياسة الداخلية والخارجية ودلائله. وسنبيّن كيف حصلت سابقة، للمرة الاولى، في التاريخ السياسي الحديث، ينتهي التفاوض فيها بين طرفين الى التزام تام من أحدهما مواقف الآخر تحت شعار التنازلات المتبادلة وفرائض التسوية؟! فالورقة لا تتضمن اي تنازل من "حزب الله"، ولم تكن تسوية بين موقفين بل مجرد التحاق موقف بآخر، ولا يجوز تبرير ذلك بانها مجرد ورقة بين طرفين مطروحة للنقاش مع الاطراف الاخرى وانها غير ملزمة، فهي على الأقل تلزم طرفيها ومن يمثلان، حتى شعار آخر.

وسنوضح كل هذه الالتزامات والمرامي في هذا النقاش الذي نقدمه، عبر اعتماد المنهج نفسه الذي اعتمدته الورقة، اي المنهج التدريجي الطولي المنطلق من السهل الى الصعب الى الأصعب، ومن البسيط الى الأكثر تعقيدا بين البند الأول (الحوار) والبند العاشر (حماية لبنان سلاح "حزب الله")، على اساس دمج بعض البنود المترابطة واهمال بعض العموميات التي لا تشكل مثارا للجدل، وذلك اختصارا للبحث:

اولا في الحوار والديموقراطية التوافقية

ان الدعوة الى اعتبار الحوار الوطني "السبيل الوحيد لحل الازمات" امر محمود يريده جميع اللبنانيين، الا ان الورقة تربطه بشرط "مشاركة الاطراف ذات الحيثية السياسية والشعبية والوطنية". لا شك في ان "حزب الله" يرمي من وراء ذلك الى اشراك حلفاء "الخط السوري" من خارج مجلس النواب، وقد يكون العماد عون يريد الأمر نفسه، ولكن هل يستطيع أن يحول اذ ذاك دون اشراك أطراف "14 آذار" (وبينهم نواب سابقون وشخصيات "قرنة شهوان" وحزبان مسيحيان غير ممثلين في المجلس...)؟ وما هو، في أي حال، معيار "الحيثية السياسية والشعبية والوطنية"؟ ان هذا المعيار يتطلب وحده حلقات حوار، ويدخلنا في متاهة الحوار على الحوار، وينقل الخلاف من الجوهر الى الشكل، فنغرق في التحديدات والتوصيفات ومن هم أصحاب هذه "الحيثية". لعل من وضع هذا الشرط يضمر كل ذلك لنسف الحوار قبل ان يبدأ.

اما ان تكون الديموقراطية التوافقية هي "القاعدة الأساس للحكم" فهذه مسألة يلتقي حولها الجميع، ولكن السؤال هو: واذا لم يحصل توافق فكيف تتم ادارة الدولة وصنع القرار؟ هذا السؤال لم يجب عليه طرفا الورقة، بل تعمدا اغفال ما ينص عليه اتفاق الطائف والدستور لجهة اكثرية الثلثين، ولا نعتقد أنهما سيتورعان عن التمسك بالمبدأ الدستوري في احتساب هذه الاكثرية في حال توصلا ذات يوم الى امتلاكها في وجه الاكثرية الراهنة (تجمّع 14 آذار) التي قد تصبح اقلية. والا، كيف نفسر رفضهما لأكثرية الثلثين في مجلس الوزراء وتشبثهما بها في مجلس النواب منعا لانهاء حالة تمديد فرضتها الوصاية السورية؟

ثانيا في قانون الانتخاب وبناء الدولة

يقدم نص الورقة شكلا جذّابا ومضمونا ملتبساً: لم يحسم موقف الطرفين من النظام الانتخابي (نسبي او اكثري، وهذه الـ"قد" تزيد الامر غموضاً)، كما لم يحسم حجم الدوائر. اذاً، ليس من جديد تطرحه الورقة في هذا المجال وقد اغفلت كليا اعتماد سن الـ18 للاقتراع. ولكن، هناك في هذا البند عبارتان تستوقفان القارىء: "قيام المجتمع المدني" و"الحد من تأثير المال السياسي والعصبيات الطائفية".

- هناك، لا شك، التباس مفهومي في ورود عبارة "المجتمع المدني"، فالمفهوم العلمي يعني باختصار مجتمعا قائما على اساس المواطنة وليس على اساس الملة، مجتمعا ديموقراطيا غير طائفي وغير عسكري، يؤدي الى العلمانية. اذا كان "التيار الوطني الحر" يعتمد، فعلا، هذا المفهوم، فهل هذه هي حال "حزب الله"؟ وما هي المنفعة من تعبير جذاب لا يحمل مضمونه؟

- و"الحد من تأثير المال السياسي" أمر ضروري وملح، ولكن يجب توحيد الموقف من هذا المال وطرق استخدامه: فهناك مال يستخدمه مرشحون ورؤساء لوائح اثرياء ويغدقونه على ناخبين ومجموعات ناخبة، وهناك مال يغدقه مرشّحون وشخصيات على رؤساء لوائح. وجهان لعملة واحدة فاسدة. في الحالة الاولى يشتري المال ضمير الناخب وفي الحالة الثانية يشتري ارادة النائب. ولعل الاولى اقل شرّا بسبب الفقر والقهر. وتندرج ايضا تحت المال السياسي كل المساعدات الهائلة تحت عناوين اجتماعية ومعيشية وصحية وتربوية وزراعية تقوم بها احزاب وقوى من خارج الدولة. ولا يستطيع اي طرف ادعاء الطهارة والعفة في بؤرة المال السياسي.

اما "الحد من العصبيات الطائفية" فيتطلب عدم لجوء الداعين اليه الى استخدام هذه العصبيات، ولو من باب رد الفعل، وعدم توظيف غبن طائفة ما وتوقيته على عتبة اي استحقاق، كما يتطلب الكف عن فتاوى التحريم والتكليف الشرعي.

ان بناء الدولة ومكافحة الفساد يبدأان من الذات وليسا مجرد قفازات شعارية نقذفها امام الخصوم في بازار تحقيق المكاسب الآنية. وتبدو "معايير الجدارة والنزاهة ونظافة الكف" في تعيينات الادارة مجوّفة من معناها الصحيح طالما ان طرفي الورقة، مثل سائر القوى السياسية، اخفيا التزامهما "المعايير" الطائفية تحت عباءة عبارة "العدالة والتكافؤ". ويلفت في بند بناء الدولة كلام صحيح على تعطيل المجلس الدستوري بفعل "التجاذبات السياسية"، مقابل اغفال أي اشارة الى تعطيل مجلس القضاء الاعلى، وكأن النظر بعين واحدة يؤدي الى مشهد اصلاحي كامل!

ثالثا مفقودو الحرب واللبنانيون في اسرائيل

ان فتح ملف المفقودين في الحرب مسألة بالغة الاهمية على الصعيد الانساني، ولكنها تعيد نكء العداء على الصعيدين السياسي والوطني، خصوصا انها تفتح مرحلة ما قبل الطائف وقانون العفو الاول (1991)، ومن المستحيل ان يكون كشف مصير المفقودين عادلا وكاملا بالعودة الى أكثر من ثلاثين سنة تغيّرت خلالها موازين وزالت قوى ورحلت قيادات وتشوّهت معالم ووقائع وتعاقبت مسؤوليات. وتصبح المسألة اكثر تعقيدا حين تطالب الورقة بـ"كشف اماكن المقابر الجماعية"، وكأن المقصود فقط تسجيل نقاط في الاشتباك السياسي الداخلي بدون الالتفات الى مسؤوليات خطيرة ومعقدة لقوى خارجية ابرزها النظام السوري والمنظمات الفلسطينية وكل روافدها. ثم ماذا عن المقابر الجماعية فوق الارض على مدى الحرب من قانا الجنوب الى كل "قانات" لبنان، فهل الضحايا المكشوفون في الساحات والشوارع اقل قيمة من المدفونين تحت الثرى، لا نظن أن احدا من اهل الحرب لا تلاحقه مقبرة ما، تحت الارض او فوقها. والمطلوب هو الخروج من الكيدية وتطهير الذاكرة لا فتح جروحها.

أما في مسألة اللبنانيين في اسرائيل فلم يحصل "التيار" على أي تراجع من "حزب الله" الذي "يسمح" بما قاله السيد حسن نصرالله بعد تحرير الجنوب. صحيح ان كلمة "عملاء" لم ترد في نص الاتفاق، لكن نصرالله كان حريصا على قولها بقوة خلال حفل اعلان الاتفاق على مرأى ومسمع الشريك المتدثر بحكمة الصمت. ومن تراه يضمن سلامة المبعيدن الموصوفين عملاء درجة اولى؟ لقد صدر قانون عفو عام عن جرائم الحرب سنة 1991 بعد عام واحد من انتهاء الحرب، فهل كثير على القائلين بعودة اللبنانيين من اسرائيل السعي الى قانون عفو عنهم بعد مرور قرابة ست سنوات على انتهاء حرب الجنوب؟

رابعاً - في الاغتيال السياسي والاصلاح الأمني

ان ادانة الاغتيال السياسي، وتحديداً اغتيال الرئيس الحريري، تشكّل قاسماً مشتركاً بين اللبنانيين. وورقة "حزب الله" "التيار" لم تشذّ عن القاعدة، لكنها شدّدت "على أهمية استمرار التحقيق وفق الآليات المقرّرة رسمياً" بدون أي ذكر للقرارات الدولية المؤسسة والراعية لهذا التحقيق، وبدون أي اشارة الى تقريري لجنة التحقيق الدولي، وقد تحاشى النص حتى لفظة "التحقيق الدولي". لم يحصل هذا النقص سهواً بالطبع، على الاقل من جانب "حزب الله"، اذا سلمنا بأن "التيار" سلّم بهذه الصيغة عن غير قصد. هذا النقص المقصود يعود الى العقيدة الاستراتيجية لدى "الحزب"، فهو لا يقيم وزناً للقرارات الدولية، ولا نعثر في أدبياته السياسية على المطالبة بتطبيق أي قرار دولي باستثناء القرار 194 (حق العودة للفلسطينيين)، حتى ان القرار 425 يرى "الحزب" انه هو الذي نفذه بالقوة وليس الامم المتحدة. أما عدم الاشارة الى تقريري لجنة التحقيق الدولية فمردّه الى أنهما يتضمنان تحميل النظام السوري مسؤولية واضحة والاشتباه بأسماء مسؤولين سوريين كبار، بينما طرفا الورقة لا يريدان التزام هذا التوجّه قبل انتهاء التحقيق... وبعده المحاكمة.

ولكن ما يثير الانتباه هو مسارعة واضعي الورقة الى المطالبة بـ"ابعاد هذه القضايا (القتل والتفجير) عن محاولات التوظيف السياسي". لا يتطلب الامر مشقة في التفكير لاكتشاف ان هذا الشرط هو لتغطية الموقف غير الحاسم في ادانة عمليات الاغتيال والتفجير، ولتبرير عدم توجيه أي اصبع اتهام، ولو خجول، الى الجهة المرتكبة. وفي الاساس، التوظيف السياسي لأي حدث أمر مشروع، وكل القوى السياسية توظف أحداثها شرط أن تكون الوسائل والاهداف سليمة. ألم يوظف "حزب الله" تضحياته في السياسة وشعبية الانتخابات، ومثله فعل العماد عون، فتحولت الدماء والدموع وليالي القهر والصبر والنفي وحرارة الخطاب الى مداميك صرح سياسي والى صناديق الاقتراع؟ وهكذا تفعل كل القوى السياسية، ولا عيب.

وفي الاصلاح الامني تلفت الدعوة الى "تحديد واضح للعدو من الصديق". العدو واضح: اسرائيل. ماذا عن الصديق؟ كان على ثنائي الورقة أن ينتبه الى انقلاب الصديق الذي يصبح "أدرى بالمضرّة"، على قول الشاعر العربي، ما يوجب تطوير العقيدة الامنية بما يتناسب مع "مكامن التهديد الامني والثغر الامنية" التي لم تجرؤ الورقة على تسميتها لئلا تغضب المعابر السائبة والمواقع الفلسطينية المنيعة و... "مسألة الارهاب"!

خامساً - في العلاقات اللبنانية السورية

المثير للدهشة (والصدمة) هو موافقة تيار العماد عون على نص يقول بمراجعة "التجربة السابقة" (هكذا بالحرف) للعلاقات اللبنانية السورية، "لتلافي ما علق بها من أخطاء وشوائب وثغر" (هكذا ايضاً بالحرف)، وحين يشير بخجل الى الوصاية يصفها بـ"الخارجية". اذا، ما كنا نسميه احتلالاً سورياً، او في ألطف التعابير وصاية وهيمنة، اصبح في ورقة "حزب الله" مجرد "تجربة" يمكن اعادة تجريبها في أي وقت بعد تنظيفها من الاخطاء والشوائب... والثغر!

أيها الموقعون، أسرعوا وعالجوا هذه الثغر كي تكتمل "التجربة" الجديدة الموعودة وتأتي هذه المرة بأحلى حلّة!

وكي تكتمل "التجربة" يجب أن تغسل "الوثيقة" يديّ النظام السوري من دم مزارع شبعا "بعد أن أعلنت الدولة السورية لبنانيتها الكاملة" (هكذا بالحرف)، والطابة الآن في ملعب الحكومة اللبنانية، أما الحكومة السورية فذمتها بريئة، وليس عليها تقديم أي وثيقة او خريطة او اقرار خطي. واذا شاءت أن تفعل فتهدي لبنان خريطة مزوّرة كما فعلت عام 2001.

ولا جديد في موافقة "حزب الله" على العلاقات الديبلوماسية مع سوريا، فهذه دخلت حواشي أدبياته قبل التوقيع باسابيع. أما ترسيم الحدود وكشف مصير "المعتقلين" (وليس المفقودين) في سوريا فمشروطان بوقف "التشنجات وأجواء الاستفزاز والتوتر والسلبية"، تماماً كاشتراط الحوار بأصحاب "الحيثية"، والتحقيق في الاغتيالات بعدم "التوظيف السياسي".

سادساً - في العلاقات اللبنانية الفلسطينية

لا يختلف لبنانيان على ضرورة "تحسين الظروف المعيشية ومستوى الحياة الانسانية" للفلسطينيين، واعطائهم "التسهيلات اللازمة للانتقال"، وكذلك لا خلاف على حق العودة ورفض التوطين. لكن "المطب" في هذا البند يكمن في "تحديد العلاقة بين الدولة اللبنانية والفلسطينيين في اطار مؤسساتي فلسطيني واحد". واضعو الورقة يعرفون ان توحيد فلسطينيي لبنان أمر صعب، بل ربما مستحيل، وحتى الآن لم يشكّلوا وفداً موحداً للحوار مع الحكومة اللبنانية، وسيظل هناك منظمة او أكثر تتلقى أوامرها من الحكم السوري وتقيم مواقع محصنّة كما في الناعمة والبقاع وترفض تسليم السلاح، فيكون الربط الذي تضعه ورقة نصرالله عون بين معالجة البؤر الفلسطينية المسلحة وانتظار تشكيل مرجعية واحدة للفلسطينيين بمثابة تأجيل المعالجة الى أمد غير منظور، وهذا يصب في الاستراتيجية العامة لـ"حزب الله". ثم ان الورقة لا تشير، لا من قريب ولا من بعيد، الى البدائل، اذا دأبت المنظمات على التذرّع بخلافاتها تهرّباً من الحل، وما اذا كان من واجب الدولة اذذاك فرض القانون وموجبات السيادة اللبنانية. فليس عند طرفي الورقة أي تصوّر للحل الا الحوار "الموحّد" الذي لن يأتي، واذا أتى يدور على نفسه بسبب عدم وجود بديل منه.

سابعاً - حماية لبنان سلاح "حزب الله"

هنا يتمثل الانجاز الابرز الذي حققه فريق "حزب الله" في كل مفاصل النص، فبعد مقدمة عامة عن صون الاستقلال والسيادة "كمسؤولية وواجب وطني عام تكفلهما المواثيق الدولية وشرعة حقوق الانسان"، يصف حمل السلاح بأنه "وسيلة مقدسة". فهل في وسع المؤمن أن يتخلى عن مقدساته الاّ اذا كفر؟ ولن يكفر. اذاً، سلاح "حزب الله" في رتبة المقدّس، وقد اعترف له العماد عون بقدسيته، والمسألة باتت بين أيدي الالهة.

ويمضي النص الى وضع سلاح "حزب الله" (لا يقول المقاومة، عمداً) بين حدّين كلاهما يضمن مبررات حمله: الاول هو ان الابقاء على السلاح يشكّل مكامن القوة للبنان واللبنانيين، والثاني هو "الظروف الموضوعية" لانتفاء اسباب حمله، فمن يقدّر هذه الظروف وكيف واين ومتى، طالما ان المبرّر فكرة مطلقة مفتوحة وتجريدية، هي حماية لبنان؟!

والأشد غرابة هو تغييب كلي لدور الجيش اللبناني فلا يأتي واضعو النص على ذكره حتى حين يتحدثون عن "صوغ استراتيجية دفاع وطني". كان عليهم، على الاقل، الاشارة الى موقع متقدّم للجيش او اشرافه على هذه الاستراتيجية، خصوصاً ان أحد طرفي الاتفاق كان قائداً للجيش.

وقد تم اهمال كامل لمسألة ارسال الجيش الى الجنوب واغفال كل القرارات الدولية، بما فيها قرارات التمديد لقوات الطوارئ، وصمت مطبق حول أهم قرار دولي خاص بلبنان (1559). كما ان الطرفين قفزا بخفة مريبة فوق ما يحكم الوضع بين لبنان واسرائيل، أي اتفاق الهدنة (عام 1949)، وقرّرا ان اطار العلاقة هو فقط سلاح "حزب الله" واستراتيجية دفاع" تحت عنوان حماية لبنان. فهل هناك أخطر من هذا الانزلاق؟

ولا يتردد الجانبان في حضّ اللبنانيين على "تحمّل مسؤولياتهم وتقاسم أعباء حماية لبنان"! ولكن، أليس الجيش هو الذي يشكّل بامتياز حالة المشاركة هذه؟ أليس جميع اللبنانيين، بكل مناطقهم وطوائفهم، ومن بينهم "حزب الله"، ممثلين فيه، ويتقاسمون من خلاله "أعباء حماية لبنان"، فما معنى كل الزوائد والاضافات؟

من حق العماد عون الشخصي أن يلتزم السياسة التي يريد، أن يؤيد كلياً خطاب "حزب الله" ووسائله وأهدافه، وأن يتخذ مواقف يقتنع بها، ولكن، ليس من حقه الشعبي إلزام الذين فوّضوه بخيارات مغايرة لتلك التي كان التفويض على اساسها، فالوكالة ليست مطلقة، وفي المنطق الحقوقي والقانوني يحق للموكل فسخ العقد مع الوكيل او عزله اذا خرج عن منطوق العقد وأضرّ بمصلحة صاحب الوكالة. خصوصاً ان ما كان العماد عون بقوله عن خطورة سلاح "حزب الله" في اطلاق الآلة التدميرية الاسرائيلية ضد لبنان لا يزال طرياً في الذاكرة. وعلى سبيل النموذج فقط، هنا مقطع حرفي تحت عنوان "مسألة حزب الله" من البرنامج الرسمي لـ"التيار الوطني الحر" الطريق الآخر الذي أطلقه في ايار 2005 قبل بضعة ايام من الانتخابات النيابية:

"بعد الانسحاب الاسرائيلي تلاشت مشروعية العمل المسلح لحزب الله، فخلق ازمة على الصعيدين الوطني والدولي. فهو يضع لبنان في مواجهة القانون الدولي من جهة ويهدّد الوحدة الوطنية من جهة أخرى... وليس من شأن علاقة حزب الله المعلنة مع ايران وتحالفه مع حركتي الجهاد الاسلامي وحماس أن يبدّد الشكوك المحيطة بأهداف حزب الله الحقيقية وبالمخاطر المتصلة باستراتيجيته وليست مزارع شبعا بالبرهان المقنع في هذا الاطار، فهي لم تنجح في اخفاء النوايا السورية الكامنة خلفها... فأراضي شبعا هي سورية من وجهة نظر القانون الدولي، واذا أرادت سوريا التنازل عنها فعليها ابلاغ الحكومة اللبنانية رسمياً بذلك، لكي تبادر هذه الاخيرة الى اعادة ترسيم الحدود لدى الامم المتحدة".

مقارنة بسيطة بين هذا المقطع وما جاء في "وثيقة" نصرالله عون تقطع الشك باليقين، ولم يعد الصباح في حاجة الى الكلام المباح.

كاتب سياسي

 

وثيقة تفاهم عون نصرالله شكّلت الحدث وما زالت اصداؤها تتردّد..

أوساط سياسية : عون جلب الاستقلال وليس هو من يعيد سوريا

دوللي بشعلاني الديار 13 شباط 2006

التفاهم مفتوح لأطراف ذات صفة تمثيلية وسيحصل هذا قريباً

ما زالت اصداء تفاهم عون - نصرالله الذي حصل يوم الاثنين الماضي في 6 شباط الجاري والذي شكل الحدث بعد يوم واحد على الاحد الاسود الذي طال منطقة الاشرفية بأعمال العنف والشغب بحجة الاستنكار امام القنصلية الدنماركية التي يقع مكتبها في احدى بنايات حيّ مار ‏نقولا في الاشرفية - تتردّد على الساحة اللبنانية في الصالونات السياسية كما في منازل اصحاب الرأي العام.

هذا التفاهم الذي عقده كلٌّ من النائب الجنرال ميشال عون والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله حول وثيقة تفاهم ضمّت عشرة بنود تمّ التوصل اخيراً الى التوافق عليها بعد فترة من وضع هذه البنود ودراستها ومناقشتها من قبل الزعيمين، وصفه البعض بأنه لقاء الجبابرة ويؤسس لصفحة مشرقة من تاريخ لبنان، في حين تجهّم وجه البعض الاخر لدى حصوله لعدم فهمه ما حصل، ووضعه في خانة التفاهم غير المنطقي نظراً لبعد كلّ من سياسة الرجلين ‏عن بعضها البعض - بحسب رأي هذا البعض الاخر - ووجد فيه بعض ثالث نقلة نوعية او شيئاً ‏جديداً يحدث على الساحة اللبنانية الداخلية ولم يستطع وصفه او تفسيره منتظرا ما قد يتأتى عنه من نتائج مستقبلا.

وهذه الآراء لا تختصر كل آراء المسؤولين اللبنانيين ولا آراء الشعب اللبناني المتنوعة، لا سيما وانّ كلاً من هؤلاء يفهم هذا التفاهم او هذا اللقاء من وجهة نظره السياسية الخاصة به ومن خلال رؤيته للبنان الذي يريده.

اوساط سياسية بارزة قريبة من التيار الوطني الحر قيّمت هذا التفاهم وقرأته من وجهة نظرها بعد ان تعمّقت في مضمون الوثيقة فرأت اولا انه ثمة نجاح لهذا اللقاء على مستوى الشكل اولا، لا سيما من خلال الندية التي كانت ظاهرة ليست فقط بهالة وهامة الزعيمين اللذين التقيا، انما ظهرت ايضا في المكان الذي تمّ فيه اللقاء اي في صالون كنيسة مار مخايل ‏الذي يقع جغرافيا على حدود الضاحية الجنوبية لبيروت، ودينيا على اعتبار ان مار مخايل ‏هو شفيع العماد ميشال عون... وما يحمله هذا الرمز الديني من التقاء شعب واحد في منطقة تعايش حقيقي بين أبنائه. الى جانب ان هذا اللقاء جاء تتويجا لتفاهم وتأسيسا لمرحلة لاحقة ‏جدية، وليس حادثا عابرا في الزمن السياسي المتقلّب - كما يحلو للبعض اعتباره.

واضافت الاوساط: وعلى صعيد المضمون ثمة ورقة تفاهم هي بحدّ ذاتها ناطقة، الاّ ان غالبية من سمعناهم يعلّقون عليها بدوا اما سيئي النية واما من هواة السياسة، لا سيما ان اي شخص يتعاطى السياسة بجدية وموضوعية يبدأ عادة بقراءة وثيقة التفاهم قبل التعليق ‏عليها - وهذا من البديهيات - ولكن مع الاسف، فإن غالبية من علّق عليها بدا وكأنه لم ‏يقرأها، وهذا نقص وعيب في تعاطي السياسة، فعندما يكون هناك نصّ مكتوب لا يجوز الاجتهاد ولا التفتيش عن النص بل يجب البدء بالنص وفهمه ثم ننتقل الى ما وراء النص وليس العكس.

ورأت ان البنود العشرة لهذه الوثيقة لا سيما الديموقراطية التوافقية واقتراع المغتربين ‏والتلاقي حول النظام النسبي، الى معاهدة مكافحة الفساد وعودة اللبنانيين من اسرائيل، وتحرير الاسرى المعتقلين في السجون الاسرائيلية، وصولا الى بند سلاح المقاومة وترسيم الحدود والعلاقات الديبلوماسية وتحرير مزارع شبعا وملف المفقودين خلال الحرب وغيرها.

كلها مواضيع كان يعجز الآخرون عن اثارتها في الرأي العام وفي اطار العلاقة مع حزب الله، وقد جرى التفاهم حول هذه المواضيع باصرح العبارات واوضحها. وبالتأكيد لن يفهمها من لا يفهم اللغة العربية، لا الآن ولا بعد مئة عام.

امّا كيف قرأت هذه الاوساط، التهمة التي تُلصق بالجنرال عون بعد هذا التفاهم بأنه يتفاهم ‏او يتحالف مع ابرز حلفاء سوريا في لبنان، فتقول: لنفترض ان تهمة العلاقة مع سوريا ‏صحيحة - وهي عكس ذلك - علينا ان نسأل: هل تضمنت الوثيقة مصلحة سورية ام مصلحة لبنان، وفي اي اطار يمكن وضع ترسيم الحدود والعلاقات الديبلوماسية مع سوريا وموضوع عودة ‏اللبنانيين من اسرائيل اضافة الى ذلك، فقد كان الكلام واضحاً خلال المؤتمر الصحافي الذي ‏اعقب توقيع التفاهم، بان العماد عون هو بعد لبناني في كل العالم ولا يجوز لاحد ان يتهمه بانه بُعدٌ خارجي في لبنان... وهو الذي جلب الاستقلال الى لبنان وليس - هو العماد عون الذي يوقع تفاهما يعيد سوريا الى لبنان.. وتلفت الى انه اذا كانت هذه التهمة صادرة عن بعض الاشخاص فهي صادرة عن اناس يتهمون سواهم. بما فيهم اصلاً.

اما ما هو الاسخف - بحسب رأي الاوساط نفسها - فهو ما نسمعه من ان هذا التفاهم هو لقاء عابر او تحالف استثنائي، ويبدو انّ الذين يتكلّمون على هذا النحو انما يقيسون كلامهم ‏على التحالف الرباعي او يقيسونه ربما على ما كان من تحالفات ضد العماد عون قبل ‏الانتخابات واثناءها وبعدها، لا سيما وانها كانت تحالفات ظرفية وآنية وعابرة... اما ‏العماد عون فمعروف بصفة الثبات والصدقية والالتزام، ولكن يبدو ان هذه المفاهيم لم يتعرّف بعد عليها الوسط اللبناني السياسي كفاية.

وشدّدت الاوساط اخيراً على انّ هذا التفاهم ليس حصرياً - ولن يكون ثنائياً فقط - بل هو ‏مفتوح لانضمام افرقاء آخرين اليه، ولكن بالتأكيد، فالاطراف المدعوة هي التي تتمتع بصفة تمثيلية، وليس الاطراف الطفيلية في السياسة اللبنانية... فالمدعوون للانضمام الى هذا ‏التفاهم هي الاطراف التي لها حيثية شعبية وهي تعرف نفسها. وتُشدد الاوساط على انضمام بعض ‏هذه الاطراف الى هذا التفاهم قريباً - على ما تؤكد - وقريباً جداً..

 

المسكوت عنه أكثر من المعلن

فارس إشتي النهار 13/2/2006

ترتدي ورقة التفاهم المشتركة أهمية خاصة في الحياة السياسية في لبنان لأسباب عدة:

أولها، أنها نص مكتوب ومعلن لا قول شفهي ولا تفاهم سري، الأمر الذي يجعلها معياراً يحتكم إليه الطرفان ويحكم عليه الآخرون.

ثانيها، أنها تمثل قوى وازنة في الحياة السياسية يمكن معها أن تكون ورقة حكم أو ورقة معارضة.

ثالثها، تميزها بالنص البرنامجي بما يعنيه من شمولية ككل لغالبية القضايا الراهنة وبما تحوي نقاطه من تنازلات متبادلة بين الموقعين عليه وبما تتغافل عنه من نقاط خلافية.

رابعها، توقيتها في مرحلة تشهد استقطابات طائفية حادة، قيادية وقاعدية، تخرج معها الأقوال والأفعال والتوجسات عن حدود أي ضبط للاجتماع السياسي في لبنان وتدفع الناس إلى قلق على مصيرهم وأمنهم واجتماعهم.

وتدفع هذه الأهمية إلى التمعن فيها مساهمةً في إغنائها وفي دفع النقاش الدائر في لبنان نحو السياسة بدلاً من التعميات الإيديولوجية والشخصانية التي تحكمه.

I- بيئة إنتاج الورقة وظروفها

لقد جاء إعلان الورقة في ظروف تميزت بـ:

1- توتر إقليمي- دولي حول قضايا إقليمية: العراق، المفاعل النووي الإيراني، مشروع وصول "حماس" إلى السلطة، التحقيق الدولي في اغتيال الحريري، وما يختبىء خلفها من مصالح اقتصادية. وهذه القضايا مرتبطة أشد الارتباط بالوضع اللبناني وبقوى لبنانية، ومفتوحة على احتمالي التسوية والتفجير.

2- توتر داخلي حاد بين الطوائف وقواها وضمن كل طائفة حول الموقف من القرار 1559 وملحقاته واستتباعاته، وحول حصص كلّ منها، كطائفة وكقوة ضمن الطائفة، في التوازن الذي اختل بعد استشهاد الرئيس الحريري ولم يرسُ على توازن جديد.

وقد عبّرت هذه القوى وغيرها عن ذلك بالتحذير من أجواء اقتتالية داخلية، وإن اتخذ أحياناً طابع التطمين، كما شهد توترات عملية في أكثر من منطقة، كان طرفا الوثيقة مشاركين فيها، الأمر الذي يدفع إلى خروج الصراع عن حدوده وسقفه المشترك.

3- حوادث التباريس (الأحد 5/2/2006) وما شهدته من إخلال بالأمن أولاً ومن صبغة طائفية ثانياً ومن توجس مقلق أدين، قيادياً، واعتمل شعبياً.

4- أزمة اعتكاف وزراء "حركة أمل" و"حزب الله" (التمثيل الشيعي في الحكومة) وما أثارته من نقاشات دستورية وسياسية حادة.

5- انتخابات بعبدا عاليه الفرعية وما مثلت في الانتخابات السابقة وما تمثله، راهناً، من دلالات للتحالفات السياسية وللانتخابات الرئاسية المقبلة.

II- بنية الورقة

إن ورقة التفاهم تعلن موقفاً من عشر قضايا وتسكت عن قضايا فماذا عن القضايا المعلنة وماذا عن القضايا المسكوت عنها؟

أ- في القضايا المعلن عنها:

1- إقرار بالحوار سبيلاً وحيداً لإيجاد الحلول وهو أمر ايجابي جداً لكنه أمر مجمع عليه من كل القوى بالإعلان على الأقل. إلا أن اللافت في شروطه ثلاث ملاحظات:

- القول بمشاركة "الأطراف ذات الحيثية السياسية والشعبية والوطنية". فهل واو العطف تعود على الحيثية أو السياسية؟ أي هل القول بثلاث حيثيات سياسية وشعبية ووطنية أم بحيثية واحدة توصف بالسياسية والشعبية والوطنية؟ وما هي حدود هذه الحيثية؟ هل هي الوصول إلى حد التمثل في البرلمان أم حد بناء قوة سياسية؟ أم الترشح إلى الانتخابات؟ ومن يحدد هذه الحدود؟ البحث السوسيولوجي أم إرادة الأقوياء؟ أم ماذا؟

- "شمول كل القضايا ذات الطابع الوطني والتي تقتضي التوافق العام" فهل يعني هذا الشمول مراجعة المتفق عليه في الطائف أم يعني البقاء تحت سقف الطائف؟

- غياب لحظ المؤسسات الدستورية، البرلمان والحكومة، في هذا الحوار. فهل يعني هذا أنه حوار يشكل مقدمة لحوار داخل هذه المؤسسات؟ وهذا ما لم يقله النص أم أنه حوار يتجاوزها؟

2- إقرار بالديموقراطية التوافقية كأساس للحكم في لبنان، وهو أمر قام عليه النظام اللبناني منذ الاستقلال وتحمله القوى الطائفية في حالات احتمال استبعادها، وفيه في الإيجابية الكثير إن في مراعاة البيئة المجتمعية أو تعزيز روح الاعتدال أو في وقتية العمل به إلى أن تتحقق "الشروط التاريخية والاجتماعية"... وهنا ملاحظات عدة حول هذا الإقرار:

- ما هي حدود التوافق؟ هل كل القضايا أم قضايا محددة؟ وما هي؟

- هل القضايا التي حددها الدستور في تعديله بعد الطائف هي حدود التوافق أم أن التوافق يتجاوزها؟ وما هي أطراف التوافق؟ هل الطوائف كافة؟ أم الطوائف الكبرى؟ وهل القوى السياسية، بما فيها الأحزاب والقوى غير الطائفية/ كافة أم بعضها؟

- ما هو مصير البند الرابع (بناء دولة عصرية وقادرة) ببنوده كافة والبند السابع (المسألة الأمنية) في شقه الثاني؟

- وهل التوافق محصور بين الطوائف في "الطابق العلوي" أم ممتد الى داخل كل طائفة وداخل كل مؤسسة من مؤسسات الدولة؟

3- الإقرار بقانون انتخاب عصري "قد تكون النسبية أحد أشكاله" وهو إقرار إيجابي جداً رغم "قد" التقليلية وقد طالبت به حركات شبابية وقوى سياسية وشخصيات غير طائفية في الزمن الراهن وفي ما مضى. ملاحظات عدة حوله:

- لماذا "قد التقليلية" وهناك إجماع عالمي على أحد نظامين: النسبية أو الدائرة الفردية لصحة التمثيل الشعبي؟

- والا تتناقض المطالبة بالحدّ من تأثير المال السياسي والعصبيات الطائفية مع البنية الإجتماعية لكلا الطرفين ولكل الأطراف الفاعلة التي تطالبها الوثيقة بذلك.

4- الإقرار ببناء دولة عصرية حائزة على ثقة المواطنين وقادرة على مواكبة حاجاته وموفرة للأمن عبر معايير العدالة والكفاية والجدارة والنزاهة والقضاء العادل ومعالجة الفساد. وهذا الإقرار مطلب مهم وأساسي وهو مطلب دائم منذ الاستقلال لم تخرج قوة من القوى المتعاقبة عن القول به.

ويمكن طرح الملاحظات الآتية حوله:

- هل تشكل الأمور المطروحة: معايير العدالة، القضاء العادل ومعالجة الفساد شروطاً كافية لبناء هذه الدولة؟ ألم يشهد تاريخ لبنان الحديث، وبخاصة التجربة الشهابية، جهداً مميزاً وملموساً لتحقيق هذه الدولة وربما بأكثر مما تقوله الوثيقة وقد حال دون إكمالها عاملان لم تلحظهما الوثيقة: الطائفية والعامل الخارجي.

- كيف تتحقق استقلالية القضاء؟ وما هو رأي موقعي الوثيقة بذلك، وفي التداول أكثر من رأي ومن بينها مشروع للرئيس حسين الحسيني؟ وكيف يحترم عمل المؤسسات الدستورية (المجلس العدلي والدستوري) وتبعد عن التجاذبات السياسية وهي في أصل تكوينها خاضعة للتجاذبات؟ وما هي الآلية المقترحة لإنتاج هذه الاستقلالية؟ وهل تشكيل المجلس الأعلى للقضاء والمجلس الدستوري والعدلي ضمن شرط التوافق الذي هو تسوية للتجاذبات؟

- كيف تتحقق معالجة الفساد وما هي آليتها؟ وهل معالجة الفساد مقتصرة على الخاضعين لمؤسسات الرقابة في الدولة أي الموظفين؟ وماذا عن فساد السياسيين؟ وهل الفساد محصور بمؤسسات الدولة؟ وألا يوجد فساد في القطاع الخاص وفي مؤسسات المجتمع المدني؟

5- وفي "المفقودون خلال الحرب" و"اللبنانيون في إسرائيل" و"المعتقلون في سوريا" التفاتة انسانية مطلوبة بإلحاح، إلا أنها بحاجة لتوضيحات.

الأول: إن مسؤولية الكشف عن مصير المفقودين غير محصورة بالقوى والأحزاب اللبنانية فهناك قوى فاعلة خلال الحرب غيرها وأبرزها: أجهزة الدولة نفسها، والقوات السورية العاملة في لبنان، والمنظمات الفلسطينية.

الثاني: إن مراعاة الظروف السياسية والأمنية والمعيشية لعودة اللبنانيين في إسرائيل أو ما تسميهم المقاومة وجمهورها العملاء ضرورية إلا أن شروط بناء الدولة احترام قانونها الذي يعتبر إسرائيل عدوا، توجب تطبيق المراعاة ضمن القانون لا خارجه.

6- إدانة الاغتيالات والتشديد على استمرار التحقيق الرسمي من دون مساومات، هذا متوافق مع الإجماع اللبناني والعربي والدولي حوله، إلا أن الملاحظة حول التوظيف السياسي؛ فإذا كان المقصود بذلك الكلام السياسي من دون تقديم البيّنة فهذا مطلب محق في هذه القضية وفي كل قضية. أما إذا كان المقصود بذلك عدم استخدام التحليل السياسي والوقائع السياسية فهذا مناقض لطبيعة الاغتيال السياسي ولطبيعة السياسة نفسها.

7- المطالبة بالإصلاح الأمني، أجهزة وخطة وسلوكاً ومراقبة، من دون المساس بالحريات العامة، وهذا المطلب مجمع عليه قولاً ومطلوب شعبياً. إلا أن ذلك يتطلب موقفاً من الطائفية والمحسوبية المتحكمة بهذه المؤسسات كما في غيرها، في تخصيص مناصب ومواقع لفئات معينة يُلزم الدستور التوافق عليها (تعيين موظفي الفئة الأولى) أي يضعها الدستور في الموقع السياسي وتحت رحمة المحسوبيات السياسية وتصبح تالياً الدعوة للتحييد متعذرة التحقيق.

8- إقامة علاقات لبنانية- سورية صحيحة وهذا مطلب مجمع عليه، وإن شابه توتر مزدوج: سلبي وإيجابي خلال المرحلة السابقة. وما يشوب النص حول العلاقات ثلاثة أمور:

- عدم تحديد "العبر والدروس لتلافي الأخطاء والشوائب والثُغر".

- عدم التطرق إلى العلاقات الاقتصادية بين البلدين وهي علاقات فيها من التكامل الشيء الكثير وفيها التنسيق المؤسسي وما نصت عليه الاتفاقات ولم يصر إلى تنفيذه.

- عدم اتخاذ موقف من مطالبة البعض سوريا بالتعاون الكامل مع التحقيق.

9- معالجة العلاقات اللبنانية الفلسطينية معالجة شمولية، بتحسين الظروف المعيشية مع التمسك بحق العودة ورفض التوطين والعلاقة المؤسسية بين الدولة والفلسطينيين ومعالجة ملف إنهاء السلاح خارج المخيمات والأمن داخله. وهذه المعالجة مجمع عليها إلا أن ما لم يقله النص صراحة يدور حول مضمون تحسين الظروف والحياة الكريمة. فهل تتضمن حق ملكية مسكن، مثلاً، وحق العمل؟

- طبيعة الإطار المؤسسي الواحد. فهل هو منظمة التحرير أم مؤسسات جديدة؟

- وحول طبيعة معالجة ملف إنهاء السلاح والوضع الأمني فهل بنزعه أو بتنظيمه وكيف؟

10- حماية لبنان وصون استقلاله وسيادته، وهو نص حمال أوجه بفقراته الثلاث. ففي حين تعلن الفقرة الاولى حق "أي جماعة تُحتل أرضها" باستخدام السلاح، وهو بديهي، فإن الفقرة الثانية المتعلقة بسلاح "حزب الله" فتحمل التباساً في حدها الأول وعدم حسم الموقف منه في المقاربة الشاملة والحدين معاً، وهو موقف دون موقف الحكومة في بيانها الوزاري ودون موقف رئيسها في المجلس النيابي.

أما الفقرة الثالثة فقد حصرت المهمات الثلاث التي هي مبررات الحد الأدنى لبقاء سلاح المقاومة باللبنانيين، والتي قد تعني السلطة وأجهزتها كما قد تعني اللبنانيين كلهم إلا أنها بالتأكيد لا تحصرها بـ"حزب الله" وحده.

ب - المسكوت عنه في النص

لم يتعرض النص لكل القضايا المطروحة في الحياة السياسية اللبنانية وهذا واضح مما قاله طرفا الوثيقة بإعلان ما اتفق عليه. إلا أن تحديد المسكوت عنه في النص، وبعضه ذو دلالات كبيرة، قد يغني نقاش الوثيقة.

والمسكوت عنه يقع في اربعة محاور:

الأول: اتفاق الطائف الذي لم يرد ذكره في الوثيقة، لا بل يظهر في بنودها كما ذكر في نقاشها التفصيلي تفلت من نصوصه في بندين رئيسيين: الحوار والديموقراطية التوافقية. فهل تدعو الوثيقة لاتفاق جديد يعدل الطائف؟ أم أن "استعجال" إعلان الوثيقة اسقط تدقيقاً وتفصيلاً في بنودها أم أنه أصبح بحكم البديهية لا تحتاج إلى ذكر؟

الثاني: القضايا الاقتصادية والاجتماعية التي لم يرد ذكرها في أي بند من بنود الوثيقة وهي في هذا شبيهة بكل نصوص القوى الفاعلة وبخاصة التحالفية منها. فهل هذه القضايا والسياسة العامة التي تحكمها موضوع خلاف في الرؤية بين الطرفين؟ أم أنها موضوع لا يستحق الاهتمام، وبخاصة أن الأزمة الاقتصادية خانقة والمديونية مرتفعة؟

الثالث: ما أورده النقاش عن التباسات وغموض وتناسٍ في كل بند من البنود، فهل هذا التحاشي متعمد لخلاف في الرأي بين الطرفين أم أنه وقع سهواً بفعل الاستعجال؟

الرابع: قضايا الصراع الاقليمي التي لم تلحظها الورقة، رغم التأزم الداخلي حولها، فهل السكوت تجنبا للخلاف حولها ام لتحييد نسبي عنها، وقد يكون هذا المطلوب، وكيف؟

والسؤال الذي يطرح، بعد نقاش المعلن والمسكوت عنه، مزدوج:

أيهما الأكثر أهمية: المعلن أم المسكوت عنه؟ أو بكلام آخر: المتفق عليه أم المختلف حوله؟ وبخاصة أن المعلن مبادئ عامة تلقى إجماعاً أو شبه إجماع، وغالبية المسكوت عنه، تفصيل في المبادئ. والسياسة عمل في التفاصيل والخلافات تقع فيها.

وماذا إذا اتخذ أحد طرفي الوثيقة موقفاً من المسكوت عنه مخالفاً للمتفق حوله، وبخاصة أن بعض المسكوت عنه قد يكون الموقف منه ملحاً. وما هي آلية تفسير الالتباس في النص وآلية حل الخلافات في المختلف عليه؟

III- وظيفة الورقة

بعد هذا العرض لبيئة الورقة وبنيتها، تظهر استثنائية البيئة وعادية البنية، الأمر الذي يدفع للسؤال: لماذا الورقة إذن؟ وما هي وظيفتها؟ وأظن أن طرفي الورقة، بما يمثلان وبما يقولان، أهم من الورقة. ووظيفة الورقة هي:

1- ضبط حالة التوتر الطائفي الذي أعقب حوادث التباريس (الأحد 5/2/2006) وما رافقها من هواجس شعبية مقلقة. فالموقع الوازن لكل منهما في طائفته وعلى مستوى الوطن من جهة، وإعلان تعاونهما، وهما المتباعدان أصلاً، من جهة ثانية، وتضمن إعلانهما التمسك بالحوار من جهة ثالثة، ساهمت في تطمين الناس إلى بقاء الصراع في لبنان ضمن الحدود المضبوطة والسلمية.

2- الإعلان الضمني للتحالف في معركة بعبدا عاليه الفرعية، وتعديل مزاج الناس عشية يوم الأحد المائل في اتجاه دعم "قوى 14 آذار" بشد الانتباه إلى قضية أخرى من جهة وبتعزيز موقع مرشح العماد عون في حال الانتخاب، وحصته في مرشح التوافق في حال التسوية، وما ترمز اليه المعركة من دلالات على الاحداث اللاحقة والمتلاحقة وصولا الى انتخابات الرئاسة واستقرار توازن جديد.

إن آنية الوظيفة لا تقلل من أهميتها فالسياسة أو هذا ما يفترض ليست خطاباً إيديولوجياً، على أهمية الإيديولوجيا في التعبئة السياسية وعلى خطورتها في حجب الواقع، بل تدبير آني لقضايا مطروحة، غير منفصل عن التاريخ ولا عن المستقبل.

وطرفا الوثيقة المقران بالحوار والتوافق مدعوان لحوار وتوافق سياسي اقتصادي اجتماعي لقضايا الوطن والناس فيه الى أن يصبحوا مواطنين مع كل القوى.

استاذ في الجامعة اللبنانية

 

 

لا إشارة إلى القرارات الدولية ولا إلى إنتشار الجيش جنوباً

نوفل ضو النهار 13/2/2006

يستحيل على من يتابع الوضع اللبناني أن يتجاهل حجم التأثير الذي أحدثه اللقاء بين الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله والعماد ميشال عون على موازين القوى التي تتحكم باللعبة السياسية اللبنانية. فمجرد انعقاد اللقاء حدث بذاته كرس الطلاق السياسي بين "تحالف قوى 14 آذار" من جهة، والعماد ميشال عون من جهة مقابلة، وبالتالي كرس التقارب بين عون و"تحالف قوى 8 آذار".

وعلى الرغم من أن العماد عون والسيد نصرالله حرصا على عدم إدراج اللقاء في إطار متاريس الإصطفاف السياسي والحزبي، مشددين على أن لقاءهما لا يحول دون استمرار حوار كل منهما مع الأطراف السياسيين الآخرين على الساحة اللبنانية، فإن الثابت أن العماد عون أعطى قوة مضافة الى "تحالف 8 آذار" زادت من إرباك "تحالف قوى 14 آذار" في لحظة سياسية مثقلة بتداعيات حوادث الشغب التي شهدتها منطقة الأشرفية اخيراً.

وفي معزل عن القراءة السياسية للقاء بحد ذاته، فإن "ورقة التفاهم" التي توجته تستحق قراءة متأنية لمضمونها الحرفي لما له من دلالات سياسية على طبيعة المواقف التي اجتمع عليها كل من نصرالله وميشال عون.

وإذا كان توصيف الرئيس سليم الحص لمضمون الورقة بأنه "إنشائي"، يقارب بواقعية مضمون بعض من البنود العشرة لا سيما تلك التي تعتبر من باب المسلمات والعموميات التي يمكن قراءتها في معظم الأوراق الصادرة عن "تفاهمات" مماثلة، فإن الدخول في التفاصيل، والتعمق في التعابير يسمح باستنتاجات أكثر دلالة على التوجهات السياسية و"التنازلات" التي قدمها الطرفان وصولا الى صياغة مشتركة للموقف من ملفات ومواضيع أساسية تعتبر جوهر الأزمة ولب السجالات الدائرة منذ أكثر من سنة.

أولا: جاء في ورقة التفاهم تحت عنوان الحوار بند يشير الى هوية أطراف الحوار على الشكل الآتي: "مشاركة الاطراف ذات الحيثية السياسية والشعبية والوطنية، وذلك من خلال طاولة مستديرة".

إن تعبير "ذات الحيثية السياسية والشعبية والوطنية"، هو محور أساسي من المحاور الخلافية على الساحة اللبنانية. ففي حين يعتبر "تحالف قوى 14 آذار" أن الحوار يجب أن يتم داخل مجلس النواب، وبالتالي بين القوى السياسية المنضوية تحت لواء "14 آذار" من جهة وكل من حركة "أمل" و"حزب الله" فقط من بين تحالف القوى الذي كان يعرف بلقاء "عين التينة"، كتكريس سياسي لنتائج انتفاضة الاستقلال والخروج العسكري السوري من لبنان، جاء الموقف المشترك لـ"التيار الوطني الحر" و"حزب الله" نقطة التقاء تترجم تحالف "حزب الله" و"أمل" مع الأحزاب والقوى والشخصيات السياسية التي كانت منضوية في لقاء عين التينة في مواجهة لقاء قرنة شهوان من جهة، وتحالف العماد عون مع الشخصيات ذاتها في الانتخابات النيابية الأخيرة.

بكلام آخر فإن عبارة:" مشاركة الاطراف ذات الحيثية السياسية والشعبية والوطنية" تحيي الدورالسياسي لمواقع خسرت الانتخابات النيابية، أو تراجع حجم تمثيلها، ابرزها: الامير طلال ارسلان، النائب السابق سليمان فرنجية، الرئيس عمر كرامي، حزب البعث، الحزب السوري القومي الاجتماعي الخ... وهذا ما يعني عمليا تجاوزا لنتائج الانتخابات النيابية وتعطيلا لورقة "الأكثرية" التي يمسك بها "تحالف قوى 14 آذار".

ثانيا: خلا البند الثالث الذي يحمل عنوان قانون الانتخاب من أي إشارة الى لب المشكلة المتمثل في تقسيم الدوائر الانتخابية، ما يعني أن الجانبين لم يتمكنا من صياغة موقف مشترك عملي لهذه الناحية في حين ان الإشارة الوحيدة الى تفصيلات قانون الانتخاب جاءت من خلال صيغة النسبية وفقا للنص الآتي :"إن إصلاح وانتظام الحياة السياسية في لبنان يستوجبان الاعتماد على قانون انتخاب عصري، قد تكون النسبية أحد اشكاله الفعالة، بما يضمن صحة وعدالة التمثيل الشعبي"...

إن هذه الصياغة تثبت أن الجانبين لم يحسما موضوع "النسبية"، لا سيما أن مراجعة للواقع الانتخابي تثبت أن الانتشار الجغرافي لانصار العماد عون يجعله مستفيدا من قانون النسبية في حين أن اعتماد النسبية من شأنه أن يفقد "حزب الله" وحركة "أمل" الكثير من المواقع النيابية التي عادة ما يحصلان عليها بفضل صيغة "الأكثرية".

أما الإشارة الى ضرورة "تأمين الوسائل اللازمة لتمكين اللبنانيين المقيمين في الخارج من ممارسة حقهم الانتخابي"، فهي نقطة تمكن العماد عون من انتزاعها على الرغم من الموقف الشيعي التقليدي الذي سبق للرئيس نبيه بري ان عبر عنه مرارا لناحية التحذير من أن "مطالبة البعض بمنح المغتربين حق الاقتراع قد تقابلها طلبات بتطبيق الغاء الطائفية السياسية".

ثالثا: تحت عنوان "اللبنانيون في اسرائيل" جاء ما حرفيته:" انطلاقا من قناعتنا، إن وجود اي لبناني على ارضه هو افضل من رؤيته على ارض العدو، فإن حل مشكلة اللبنانيين الموجودين لدى إسرائيل تتطلب عملا حثيثا من اجل عودتهم الى وطنهم، آخذين بعين الاعتبار كل الظروف السياسية والامنية والمعيشية المحيطة بالموضوع. لذلك، نوجه نداء لهم بالعودة السريعة الى وطنهم استرشادا بنداء سماحة السيد حسن نصر الله بعد الانسحاب "الاسرائيلي" من جنوب لبنان، واستلهاما بكلمة العماد عون في اول جلسة لمجلس النواب".

وفي حين خيل لبعض المعنيين بهذا الملف أن المقاربة المذكورة ربما تكون بداية "تنازل" قدمه "حزب الله" للعماد ميشال عون من أجل حل معضلة انسانية واجتماعية بما من شأنه تدعيم الموقع الشعبي المسيحي لـ"التيار الوطني الحر"، جاء "توضيح" السيد حسن نصرالله في إطار إجابته على أسئلة الإعلاميين خلال المؤتمر الصحافي المشترك مع العماد عون ليقضي على هذه الآمال لا سيما من خلال قوله: "... وعلى الشباب الذين تورطوا بالعمالة ان يسلموا انفسهم الى القضاء اللبناني، والقضاء اللبناني رأينا كيف تعاطى مع الذي سبق". من هنا يمكن القول بأن هذه الصيغة لم تأتِ بجديد على هذا الملف، ولكنها كرست صيغة سبق للسلطات اللبنانية أن تعاطت بها منذ العام 2000.

رابعا: في البند المتعلق بالاغتيال السياسي تحت عنوان "المسألة الأمنية"، جاء ما حرفيته: "... بقدر ما ندين عملية اغتيال دولة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وما سبقها وما تلاها من عمليات اغتيال ومحاولات اغتيال وصولا الى اغتيال النائب جبران التويني، نشدد على اهمية استمرار التحقيق وفق الآليات المقررة رسميا وصولا الى معرفة الحقيقة فيها، التي هي امر لا يمكن إخضاعه لاي مساومة، باعتباره الشرط الضروري لإحقاق العدالة وإنزالها بحق المجرمين، ولوقف مسلسل القتل والتفجير. لذا، من الواجب إبعاد هذه القضايا عن محاولات التوظيف السياسي التي تسيء لجوهرها، وجوهر العدالة التي يجب ان تبقى فوق اي نزاعات او خلافات سياسية".

والواضح في هذا النص غياب الإشارة الواضحة الى قرارات مجلس الأمن الدولي الخاصة بالاغتيالات السياسية في لبنان، وإن كانت عبارة "وفقا للآليات الرسمية المعتمدة" يمكن أن تفسر على أنها إشارة ضمنية الى التحقيق الدولي والمحكمة ذات الطابع الدولي التي أقرت المطالبة بها الحكومة اللبنانية.

والنص يعكس موقفا واضحا لـ"حزب الله" منذ البداية برفض اتهام سوريا بما شهده لبنان من اغتيالات ومحاولات اغتيال، وللعماد عون بضرورة الأخذ في الاعتبار كل الاحتمالات وعدم استباق نتائج التحقيق في توجيه الاتهام.

خامسا: يعتبر العنوان الثامن من "ورقة التفاهم" الخاص بالعلاقات اللبنانية - السورية العنوان الأبرز والأهم بالنظر الى ما تضمنه من مواقف.

فقد جاء في الفقرة "أ" ما حرفيته: "إتخاذ الحكومة اللبنانية كافة الخطوات والإجراءات القانونية المتعلقة بتثبيت لبنانية مزارع شبعا وتقديمها الى الامم المتحدة، وذلك بعد ان اعلنت الدولة السورية لبنانيتها الكاملة".

وبذلك يكون كل من "التيار الوطني الحر" و"حزب الله" قد تبنيا علنا وجهة نظر الحكومة السورية التي عبر عنها الرئيس السوري بشار الأسد أمام المحامين العرب بقوله عن مطالبة الحكومة اللبنانية سوريا بتقديم الوثائق التي تثبت لبنانية مزارع شبعا الى الأمم المتحدة إن على من يطالب بالشيء أن يثبت ملكيته له. علما أنه سبق للحكومة اللبنانية أن رفعت الى الأمم المتحدة الوثائق التي تثبت ملكية لبنانيين لمزارع شبعا، فكان رد المنظمة الدولية بأن الملكية شيء وحق السيادة شيء آخر. وبالتالي فقد طالبت الأمم المتحدة صراحة بوثائق سورية رسمية وخطية تقر فيها الحكومة السورية بلبنانية المزارع ليصار في ضوء الإقرار السوري الى تعديل القرارات الدولية الخاصة بالوضع في تلك المنطقة من طريق مجلس الأمن الدولي، السلطة الدولية الوحيدة المخولة بذلك.

وجاء في الفقرة "ب": "ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، بعيدا عن التشنجات التي تؤدي الى تعطيل العملية التي طالما احتاج لبنان وسوريا الى إنهائها ضمن إتفاق البلدين".

ويظهر جليا من خلال هذه الصيغة ان كلا من العماد عون والسيد حسن نصرالله يعتبران الوضع السياسي الراهن غير ملائم لترسيم الحدود، ويعتبران ازالة التشنجات شرطاً من شروط الترسيم خلافا لرأي الأكثرية القائل بأن الترسيم هو عامل من العوامل المؤدية الى إزالة التشنجات في العلاقة بين لبنان وسوريا.

في المقابل، نجح العماد عون من خلال الفقرتين "ج" و"د" في انتزاع اعتراف من "حزب الله" بوجود معتقلين لبنانيين في السجون السورية خلافا للنفي السوري المتكرر، وبضرورة إقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين ولو بعد " توفير الظروف الملائمة لها بما ينقل العلاقة من الافراد والمجموعات الى علاقة بين المؤسسات بحيث تؤمن استمرارها وثباتها"، وفقا لنص الفقرة "د".

سادسا: نصت الفقرة "ج" من البند التاسع تحت عنوان العلاقات اللبنانية - الفلسطينية على ما يأتي: "تحديد العلاقة بين الدولة اللبنانية والفلسطينيين في إطار مؤسساتي فلسطيني واحد يكون ممثلا شرعيا للشعب الفلسطيني في لبنان بما يؤمن حسن التنسيق والتعاون".

لقد كان "الاطار المؤسساتي الفلسطيني الواحد الممثل للفلسطينيين في لبنان" مسألة بالغة التعقيد في المرحلة التي سبقت فوز حركة "حماس" في الانتخابات الفلسطينية التشريعية الأخيرة في ظل تعدد المرجعيات لدى التنظيمات الفلسطينية الموجودة على الأراضي اللبنانية. أما اليوم وفي ظل فوز "حماس"، والخلافات المتصاعدة على الساحة الفلسطينية حيال السياسات الواجب اعتمادها على المستويين الداخلي والخارجي فإن ربط مصير السلاح الفلسطيني بوحدة المرجعية الفلسطينية من شأنه أن يشكل لغما معطلا لتنفيذ قرار مجلس الوزراء اللبناني في هذا المجال لا سيما في ظل رئاسة فلسطينية تمسك بها حركة "فتح"، وسلطة تنفيذية تمسك بها حركة "حماس" وتنظيمات أخرى تقيم في دمشق وتحتفظ لنفسها بهامش من المناورة بعيدا عن كل من "فتح" و"حماس".

سابعا: جاء في البند السابع تحت عنوان حماية لبنان وصيانة استقلاله وسيادته: "إن حمل السلاح ليس هدفا بذاته وإنما وسيلة شريفة مقدسة تمارسها اي جماعة تحتل ارضها تماما كما هي اساليب المقاومة السياسية".

لقد نجح العماد عون من خلال هذا البند في تصنيف حركته السياسية في اطار المقاومة اللبنانية، وانتزع من "حزب الله" اعترافا بشرعية المقاومة السياسية وأهميتها من خلال اعتبار حمل السلاح وسيلة شريفة مقدسة تماما كما هي اساليب المقاومة السياسية.

ولكن "حزب الله" في المقابل، انتزع من العماد عون الورقة الأهم في صراعه مع المطالبين بتنفيذ القرار 1559، وهي ورقة حق المقاومة في الاحتفاظ بسلاحها حتى بعد تحرير مزارع شبعا واطلاق الأسرى اللبنانيين في السجون الاسرائيلية. وجاء النص الوارد في البند العاشر ليترجم المعادلة الجديدة كالآتي: "وبما أن إسرائيل تحتل مزارع شبعا وتأسر المقاومين اللبنانيين وتهدد لبنان فإن على اللبنانيين تحمل مسؤولياتهم وتقاسم أعباء حماية لبنان وصيانة كيانه وامنه والحفاظ على استقلاله وسيادته من خلال:

1- تحرير مزارع شبعا من الاحتلال الاسرائيلي.

2- تحرير الاسرى اللبنانيين من السجون الاسرائيلية.

3- حماية لبنان من الاخطار الاسرائيلية من خلال حوار وطني يؤدي الى صياغة استراتيجية دفاع وطني يتوافق عليها اللبنانيون، وينخرطون فيها عبر تحمل أعبائها والإفادة من نتائجها".

ثامنا: إن قراءة استنتاجية لمضمون ورقة التفاهم بين "حزب الله" والعماد عون تظهر أن النص:

1- خالٍ من أي إشارة الى أي من القرارات الدولية والبيانات الرئاسية الصادرة عن مجلس الأمن الدولي في خصوص معالجة الوضع اللبناني، مما يعني عمليا تفاهما بين العماد عون و"حزب الله" على التخلي عما تصفه الأكثرية النيابية بمظلة الشرعية الدولية، لمصلحة توازنات وتفاهمات داخلية جديدة كما يقول "التيار الوطني الحر" و"حزب الله"، ولمصلحة التحالف الاقليمي السوري - الايراني كما يقول أطراف "تحالف 14 آذار".

2- خالٍ من أي دعوة لنشر الجيش اللبناني على كامل التراب اللبناني ولا سيما في المناطق الجنوبية والقرى الحدودية تحديدا.

3- خال من أي إشارة الى ملف المهجرين المسيحيين من الضاحية الجنوبية الذين لا يزالون بعيدا عن منازلهم لاعتبارات أمنية على علاقة بخضوع مناطقهم المعروفة بـ"المربع الأمني" للتدابير الأمنية التي ينفذها "حزب الله" لحماية قياداته.

أما في ميزان القراءة الاستراتيجية للقاء بين نصرالله وعون فيمكن القول إن عون اعترف للمقاومة بحق البحث في الاحتفاظ بالسلاح حتى بعد انسحاب اسرائيل من مزارع شبعا وتحرير الأسرى، في مقابل دعم نصرالله لعون في انتخابات بعبدا - عاليه والاعتراف به مرشحا جديا للانتخابات بقوله: " نحن نرى في العماد عون مرشحا حقيقيا وجديا لرئاسة الجمهورية ويملك الاهلية الذاتية والشعبية لهذا الموقع".

صحافي

 

العلاقة المتعرجة بين "حزب الله" و"التيار الوطني"

م 1990 حتى تفاهم الشياح

كتب بيار عطاالله: النهار 13/2/2006

اللقاء بين الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله ورئيس "كتلة التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون، يخرج العلاقة بين "حزب الله" و"التيار الوطني الحر" الى مستوى متقدم لم تبلغه يوما بين الطرفين المتنافرين في الشكل والمضمون والمتوافقين تكتيكيا على مواجهة جملة امور. ايجابيات هذا اللقاء واضحة لجهة بناء علاقة ثقة بين طرفين رئيسين في لبنان وتبريد الاجواء المحتقنة في البلاد واطلاق مبدأ الحوار في ظل تردد الحكومة اللبنانية ومجلس النواب امام هذه المهمة. لكن السؤال هو عن مدى قدرة "التيار" على تحمل وزر هذه العلاقة والنتائج التي ستترتب عليها لدى الرأي العام المسيحي اللبناني.

يمتلك كل من الحزب والتيار تاريخا مختلفا عن الآخر وايديولوجيا متناقضة تماما ومنطلقات مغايرة، ربما كان من ابرز تجلياتها عدم عودة اي من المهجرين المسيحيين الى حارة حريك التي تهجرت قديما منذ ايام الحركة الوطنية اليسارية والتنظيمات الفلسطينية المسلحة. وكان يفترض بالقوة الشيعية المسيطرة حاليا على تلك الانحاء ان تبادر الى تصحيح هذا الوضع التزاما منها بما اعلن من تحالف مع التيار، وخصوصا في بلدة حارة حريك مسقط العماد عون وملعب طفولته، والتي كثيرا ما يعود زعيم التيار بالذاكرة الى احيائها الجميلة التي كانت قائمة في الضاحية الجنوبية لبيروت.

بين المعابر والانتخابات

العلاقة بين التيار والحزب قديمة بدأت مع التظاهرات التي سيرها "المكتب المركزي للتنسيق الوطني" المؤيد للعماد ميشال عون الى المعابر المقفلة عام 1990، احتجاجا على الحصار الذي فرضته القوات السورية على المناطق التي كانت مؤيدة للحكومة الانتقالية بقيادة العماد عون. في تلك الحقبة نزلت تظاهرة ضخمة من بلدة الحدت في اتجاه معبر الكفاءات ووقف مناصرو العماد قرب تحصينات الحزب المواجهة للمناطق الشرقية، وهم يلوحون بالاعلام اللبنانية ويهتفون من اجل فتح المعابر وفك الحصار والحرية والسيادة والاستقلال. لكن تلك المحاولة اليتيمة انتهت بعد فترة وجيزة عندما اجتاحت القوات السورية المناطق الشرقية في 13 تشرين الاول 1990.

انقطع الحوار الى ان استعيد بحكم "الجيرة"، بعدما اخذ "التيار العوني" ينتظم تدريجا ضمن الحد الادنى المسموح به للعمل السياسي للتيار الذي رفع شعار "الحرية والسيادة والاستقلال" ومواجهة "الاحتلال السوري". بدايات اللقاءات كانت مطلع التسعينات بين مسؤول العلاقات العامة في الحزب نواف الموسوي من جهة والدكتور ابرهيم حتي ونعمان ابي انطون عن التيار. واستمرت اللقاءات طويلا وخصوصا عندما كان الحديث يدور عن الاعداد من اجل "السينودس من اجل لبنان"، وتناولت غالبية المواضيع التي كانت في جدول اعمال المجمع الكنسي، وهي امور تعني كل اللبنانيين لا المسيحيين وحدهم. ويذكر ناشطون في تلك الفترة ان الجانبين اتفقا على امور اساسية مثل التعددية والمواقف من اسرائيل وانسحاب جيش احتلالها من جنوب لبنان، واختلفا ايضا على امور اساسية مثل العلاقة بسوريا وانسحاب الجيش السوري من لبنان. ولكن سرعان ما انتكس الحوار بين الجانبين عندما اعلن العماد عون خلال عملية "عناقيد الغضب" سنة 1996، ان "حزب الله هو شكل من اشكال الاحتلال". ورغم هذا الكلام الذي اوحى ان الحوار بين الجانبين "طبخة بحص" لن تؤدي الى نتيجة، عادت الامور وانتظمت بين الجانبين على خلفية انخراط "الجناح اليساري" في التيار في هذا الحوار وانسحاب المحاورين السابقين الذين اعتبروا من "يمين التيار". ومع هذا التطور نسج الحزب والتيار تحالفا انتخابيا في مواجهة لوائح "تيار المستقبل" وحلفائه خلال انتخابات نقابتي المعلمين والمهندسين سنة 1996، ولكن حسابات التيار لم تتفق مع حسابات الحزب الذي بدل تحالفاته في منتصف الطريق، وانتهى الامر بهزيمة قاسية للتيار ومرشحيه وفي مقدمهم المهندس حكمت ديب.

الالتباس والتعارض

اثر ذلك لم تمر الامور بسلام، اذ "انتفضت" مجموعة من "التيار" على ما جرى وكانت تدعى "ندوة الاربعاء"، ووجهت في حينه رسالة الى العماد ميشال عون في باريس عرضت فيه لموقفها من الحوار والتحالف مع الحزب. ومما جاء في المذكرة: "ان مسيحيي لبنان وهم 45 في المئة من سكانه لا ينساقون وراء ما يرونه مهددا لبقائهم وحريتهم، وان التحالف مع حزب الله كنصرة الدكتور سمير جعجع للطائف. لا ربح فيه. فإن نجح التحالف خسرنا وان خسر التحالف خسرنا، ثم انه ليس صحيحا ان عدو عدوك صديقك، عدو عدوك ربما اضمر لك عداء اشد(...)".

رد العماد ميشال عون كان قاسيا اذ طلب من ممثله الشخصي آنذاك، اللواء المتقاعد نديم لطيف توجيه اللوم والتأنيب الشديد الى واضعي الوثيقة وطلب من شخصيات اخرى مستقلة كانت تنشط الى جانب التيار ان "لا تتدخل في ما لا يعنيها". ورغم امتعاض معظم قواعد "التيار" وكوادره مما جرى، تولى اليساريون في "التيار" ومعظمهم قريب من النائب السابق نجاح واكيم، الحوار مع الحزب.

واستنادا الى قيادي في التيار عايش تلك المرحلة، كان واضحا انه كلما صعد العونيون من نشاطهم الداعم لشعار "السيادة والحرية والاستقلال وجلاء الجيش السوري عن لبنان" كانت العلاقة بالحزب تتراجع، واصبح واضحا ان "اليساريين" في التيار لم ينجحوا في تجاوز ما فرقته الثوابت والايديولوجيا وخصوصا في مواجهة قضايا مهمة مثل الانتخابات النيابية التي تشبث "التيار العوني" بمقاطعتها، وذهب "حزب الله" الى اوسع مشاركة فيها وتاليا الى الانخراط في مسيرة الدولة.

سبب آخر لتراجع العلاقة بين الجانبين كان انتخاب الرئيس اميل لحود اذ وصلت العلاقة بعده الى ادنى مستوى لها. وعندما كان العماد ميشال عون يعلن منفردا من باريس معارضته هذا الانتخاب كان الحزب يندفع قدما في مبايعة الرئيس، الذي وفر سندا قويا للمقاومة وغطاء لها في معركتها لاخراج جيش الاحتلال الاسرائيلي من جنوب لبنان. وهكذا افترق الجانبان كل الى خياراته. ومع انتخاب الرئيس اميل لحود وصل زخم انشطة "التيار العوني" من اجل تحقيق جلاء الجيش السوري عن لبنان الى اقصى مستوى وخصوصا بعد احداث 7 آب. وانتشر ناشطو التيار من باريس الى لندن والولايات المتحدة الاميركية لحشد الدعم لهذه القضية. وبلغت هذه الانشطة ذروتها باصدار "قانون محاسبة سوريا وتحرير لبنان". ومع ارتفاع عدد النواب الاميركيين الذين وقعوا على مشروع القانون، كان عدد الدول المؤيدة لانسحاب الجيش السوري من لبنان يرتفع تدريجا وصولا الى القرار 1559 الذي ولد من رحم قانون الكونغرس الاميركي. وتاليا كان التيار العوني هو ابو القرار وراعيه وحاميه.

دعم القرار 1559 والتحالف مع "حزب الله" مسألة تثير دون ريب علامات استفهام كبيرة، فهل يجد التيار تبريرا لهذا التناقض وكيف يمكن ان يتعامل مع دوائر القرار، وخصوصا في واشنطن حيث امتلك اللوبي اللبناني وبعد طول معاناة، مدخلا الى الادارة الاميركية وموطئ قدم فيها يمكنه من اسماع صوت اللبنانيين جميعا وصوت المسيحيين تحديدا؟

 

6 شباط 2006... تاريخ مفترق

بقلـم الدكتـور ناصيـف قـزّي

13/2/2006: مخطئ من يحاول حصر لقاء الجنرال عون والسيد حسن نصر الله، والذي تخلله الإعلان عن ورقة تفاهم مشتركة بين التيار الوطني الحر وحزب الله، في سياق اللقاءات العاديَّة التي جرت وتجري على الساحتين المحلية والدولية، على أنها لقاءاتٌ لأجل لبنان.

مخطئ من يحاول أن يخفِّف وهج لقاء، أقل ما يقال فيه أنه وطني بامتياز، وتاريخي بامتياز، لما يحمل في طيّاته من مضامين ودلالات. والمؤسف المؤسف أن يكون قد انبرى لتك المهمة التفكيكية، كالعادة، وللأسف، جوق من "السفسطائيين القدامى والجدد"، الحاضرين دوماً لكشف ما يوكَلُ إليهم أن يوهِموا الناس به على أنه الصواب. والمؤسف أيضاً، أن يكون قد انضم إلى ذلك الجوق، من انتَدَب نفسه، من بعض رموز السياسة الدولية الأحدية التي تزيَّنَت ب"وسام الحقيقة"، لحماية الديمقراطية في العالم وحق الشعوب بالسيادة والحرية والإستقلال... وأي سيادة... وأي حرية... وأي استقلال...!؟

كلنا يعي أن للكبار في هذا العالم مصالح، قد تتوافق مع مصالح الصغار حيناً، وتتناقض معها أحياناً؛ وما يحدِّد ذلك، ليس بالضرورة الوضوح والتميُّز، ولا هو الحق والصوابية، بل مقتضيات السياسة الدولية العامة. لكن ما لم يعد بمقدورنا أن نفهمه، هو أن يتنطّح البعض، من السياسيين المحليين، على عادته، وكما في كل مرة تسير فيها الأمور باتجاه ايجابي، لجهة تلاقي اللبنانيين من منطلق وطني جامع؛ أن يتنطَّح هذا البعض إلى الإعتراض، ولو على لون الورق وأرقام الفقرات والفواصل والنقاط، أو أن يدخل في الهرج والمزاح وتقديم افتراضات لا أساس لها، أو يقول بأن ما جرى لم يأت بجديد. ومن ثم يصار إلى مكننة تلك الإعتراضات وتعميمها.

ألا يدل ذلك إلى خلل ما، وفي مكان ما، في عربة من شُبِّه لنا أنهم بُناة دولة وحراس وطن؟

واهِمٌ من يدّعي أنه يؤسس للبنان جديد وميثاق جديد، معولاً بذلك، وبصورة حصريَّة، على ما يمليه قناصل الدول من نصائح وإرشادات. وواهم أيضاً من يظن أنه يختصر الوطن بأكثريَّة مزعومة، غير آبه بطليعة من هم، على الأقل، أسياد أنفسهم وبيدهم القدرة على استنباط الحلول.

6 شباط 2006... تاريخ مفترق...!؟

إن ما جرى عصر السادس من شباط عام ستة وألفين، الموافق للسابع من محرم عام سبعة وعشرين واربعماية وألف، إنما هو انطلاقة عظيمة ومباركة لحالة ميثاقية متجدِّدة وبنّاءة. وخير دليل على ما نقول، هو أن تلك الحالة قد تكرَّست بين فريقين، على الرغم من أنّهما شكَّلا لفترة طويلة وفي ظروف مغايرة، كلٌّ من جانبه، حالة متطرفة باتجاه ما، بدا أنهما أكثر واقعية وشفافية وإعتدالاً وتعقلاً وشجاعة، وقد قدّما المصلحة الوطنية، بالقول والفعل، على كل اعتبار.

فإذا كنا حقا نريد مصلحة لبنان، فعلينا أن نعترف، واضعين جانباً كل انانيّاتنا والخلافات، بأنّ ما انبلج من كنيسة مار مخايل في السادس من شباط، إنما هو نمط جديد في التعاطي بين اللبنانيين، ينبء بفجر جديد. وقد خرجت معه الكنيسة التي علقت في ذاكرتنا كخط تماس بين اللبنانيين، لتصبح منطلقا لحوار تأسيسي صادق وعميق فيما بينهم؛ خرجت، ليخرج معها الوطن من البراويز الجامدة التي ظن البعض أنها أُعِدَّت لنتأبَّد بها.

إن ما جرى، والذي قد يكون بداية النهاية للحرب اللبنانيَّة الباردة، هو قبل كل شيء نهاية سياسات التكاذب والجدالات المسدودة الأفق. ناهيك عن أنه يستبدل الإصطفافات الطائفية والمذهبية والنفعية السائدة، بنمط جديد من العلاقات التي تستلهم المصلحة الوطنية العليا، لتعكس، ليس فقط الحالة اللبنانية الحقيقية، بل حقيقة لبنان التاريخية التي طالما حورّتها سياسات خاطئة عن مسارها الصحيح، والذي هو فعل تلاق بناء بين الجماعات اللبنانية كافة.

وبعد، هل يعقل أن يختلف اثنان على ضرورة "مشاركة الأطراف ذات الحيثية السياسية والشعبية والوطنية" في عملية الحوار الوطني؟

هل يختلف اثنان على ضرورة أن تكون الديمقراطية التوافقية "قاعدة للحكم في لبنان"، في ظل واقعه الحالي؟

هل من معترض على وجوب الإعتماد على "قانون انتخاب عصري، قد تكون النسبيَّة أحد أشكاله الفعالة"، ليحقق "تفعيل عمل الأحزاب وتطويرها وصولا إلى تحقيق المجتمع المدني"، و"يؤمن الوسائل اللازمة لتمكين اللبنانيين المقيمين في الخارج من ممارسة حقهم الإنتخابي"؟

ألا يجب "اعتماد معايير العدالة والمساواة والتكافؤ والجدارة والنزاهة في بناء الدولة"، وبالتالي "معالجة الفساد من جذوره"، و"العمل على إصلاح إداري شامل"؟

من منا لا يرغب في عودة الأسرى والمبعدين؟

من منا لا يريد كشف حقيقة الإغتيالات المروعة وتحقيق العدالة، وبالتالي "وضع خطة أمنيَّة متكاملة تقوم على مركزيَّة القرار الأمني"؟

والعلاقات اللبنانيَّة السوريَّة، ألا نريد جميعنا أن ننهض بها "على أسس واضحة من التكافؤ والإحترام الكامل والمتبادل لسيادة الدولتين واستقلالهما على قاعدة رفض العودة إلى أي شكل من أشكال الوصاية الخارجيَّة"، وبالتالي "تثبيت لبنانيَّة مزارع شبعا"، و"ترسيم الحدود"، و"كشف مصير المعتقلين"، وإقامة علاقات دبلوماسيَّة بين البلدين"؟

ألسنا جميعنا مع "حق العودة للفلسطينيين" و"رفض التوطين"، ومعالجة ملف السلاح الفلسطيني "بما يؤدي إلى بسط سلطة الدولة على كافة الأراضي اللبنانيَّة"؟

ألسنا جميعنا معنيين "بحماية لبنان وصيانة استقلاله وسيادته"، وبالتالي "صياغة إستراتيجية دفاع وطني يتوافق عليها اللبنانيون" لحل مسألة سلاح المقاومة؟

هذا هو ابرز ما في ورقة التفاهم. فعلى ماذا نحن مختلفون؟

أما آن الأوان كي تعلو أصوات المخلصين، انطلاقاً من لقاء مار مخايل التاريخي بين الزعيمين الوطنيين، الجنرال ميشال عون والسيد حسن نصرالله، مطالبة بإعادة ترسيم العلاقات بين الأطراف اللبنانيين كافة على أسس ميثاقية سليمة كتلك التي اعتمدتها الورقة، على طريق ترسيم حدود الوطن واستكمال بناء الدولة السيدة، الحرة، والمستقلة... دولة المواطن والمؤسسات؟

فيا بعض الساسة... لو تُحَمِّلوا عنا، رأفة بالوطن وبنا، زعاماتكم البائدة وحساباتكم العائلية والشخصيَّة الضيقة، فتأتوننا بأوراقكم المُحْكَمَة، لنصوغ وأياكم مستقبل لبنان.

أمكتوب أن تبقى احلامُنا مسكونة بالعفاريت؟

أيجوز أن تبقى بعض المنابر الإعلاميَّة، وخاصة منبر الكرسي البطريركي في بكركي، وحتى بعض البرامج التلفزيونية السياسية، منصات إعلانية ووسائل ترويج لمن يتوسل نفعا لنفسه على حساب ما يجب أن يكون... والوطن في مهب الريح؟

الحق الحق أيها السادة أن ما حدث في السادس من شباط لم يُثلج قلوب اللبنانيين، مسيحيين ومسلمين، فحسب، ولا سيما بعد انتكاسة الأشرفية المستهجنة والمستنكرة من الجميع، بل أكد لهم، مرة جديدة، أنهم قادرون على حل خلافاتهم بأنفسهم مهما استفحَلَت، وأنهم قادرون على استنباط الحلول، وبالتالي دفع المسارات كافة باتجاهها الصحيح.

فاستلهاماً بورقة التفاهم التاريخية تلك، وانسجاماً مع اعتبار الوطن فوق الجميع، حيّوا على الوفاق أيها الساسة... حيّوا على خير العمل.

 

النائب السابق اعتبر لقاء عون. نصرالله نقطة بداية لحوار كل الفرقاء اللبنانيين

صلاح حنين لـ "السياسة": اللبنانيون يتطلعون لبناء دولة عصرية تزيل مخاوفهم من فشل حكم تحملوا أوزاره 30 عاما

13/2/2006: بيروت - من صبحي الدبيسي:اكد النائب السابق المحامي صلاح حنين انه لم يحسم امر ترشحه للمقعد النيابي في دائرة بعبدا-عاليه بعد, ولم يطرح نفسه مرشح تسوية في هذه الدائرة, معتبرا ان التسوية تطرحها قوى معينة لها تأثيرها في الانتخابات النيابية وانه ينطلق من مبدأ حواري تحاوري يهدف الى خدمة الناس والدفاع عن حقوقهم وقضاياهم وهو مستمر على قراره سواء في النيابة او خارجها. كلام حنين جاء خلال حوار ل السياسة تناول فيه احداث الاشرفية حيث اتهم الحكومة بالتقصير وسوء التنظيم من قبل المتظاهرين, وطالب باجراء تحقيق جدي لمعرفة خلفيات الحدث ودوافعه ومن يقف وراءه, مشيدا بحكمة اهالي الاشرفية الذين فوتوا فرصة الاخلال بالسلم الاهلي.

السياسة التقت حنين في هذا الحوار:

* كيف قرأت ما جرى في تظاهرة الاحد الفائت وما نتج عنها من أعمال تخريبية بهدف اشعال فتنة طائفية في البلاد?

- السبب الذي قامت من اجله التظاهرة مشروع وتقبلناه من وجهة الحرص على معتقدات الناس الدينية وكرامة الانبياء والرسل. وهذا الامر نابع من قناعتنا وتراثنا واحترامنا لمشاعر الاخرين. ولكن ما حدث لا يستوجب ما حصل في تظاهرة الاحد... اذا كان هناك اساءة ما, فعلى المستائين التقدم من الدولة بطلب ترخيص التظاهرة بطريقة سلمية وهذا حق لكل لبناني ان يعبر ديمقراطيا عن رايه ولم يكن ضروريا ان تفلت بالطريقة التي حصلت.واعتقد ان ما حصل مرده برأيي لسببين:

أ سوء التنظيم من قبل المتظاهرين: وهنا يجب ان يحصل تحقيق دقيق لمعرفة من يقف وراء الفلتان.

ب السبب الثاني: وجود ثغرة كبيرة لدى الحكم والحكومة والاجهزة الامنية التي لم تقم ابدا بواجبها بالحصول على المعلومات اللازمة واخذ الاجراءات اللازمة للمحافظة على امن المواطنين... صحيح ان ما حصل كان نتيجة تصرف مجموعة استغلت التظاهرة لتنفيذ مآرب خاصة وهذه مسؤولية المنظمين ومسؤولية الحكومة على السواء... من حق الناس التظاهر بطريقة سلمية ومن واجب الدولة المحافظة على التظاهرة كي لا يحصل اي فلتان... وهنا لا بد من الاشادة بدور الاهالي والمواطنين الذين شاهدوا باعينهم حجم التعديات على املاكهم وارزاقهم وكانوا على درجة عالية من الحكمة وعدم الانجرار في ردات فعل كادت تسيء لمسيرة العيش المشترك لو قيض لها ان تحصل...

وحكمة اهالي منطقة الاشرفية العالية حالت دون تفاقم الامور وفوتت الفرصة على المصطادين بالمياه العكرة... وهنا نعتبر ان سكان هذه المنطقة كانوا حكماء اكثر من الدولة وكانوا على درجة عالية من الوعي اكثر من المنظمين للتظاهرة الذين لم يكن عندهم اي حكمة لتنظيم اوضاعهم, حتى فلتت الامور من ايديهم وحصل ما حصل... نحن نطالب بتحقيق كامل وشامل مع الموقوفين ومعرفة لماذا حصل ذلك سواء كان المنفذون لبنانيين او سوريين او فلسطينيين. ولماذا تصرفوا بهذه الهمجية والبربرية ومن طلب منهم ذلك.. المهم متابعة التحقيق حتى النهاية لتحديد المسؤوليات واتخاذ الاجراءات اللازمة. وان لا تمر القضية وتعالج بسطحية كما تعودنا على معالجة ما سبق من قضايا نسمع بها حين حدوثها وبعدها لا نعد نعرف شيئا. ولا يتم تحديد المسؤوليات. برايي ان الحكومة وقعت بخطا كبير قبل وخلال التظاهرة, وبالتالي عليها التعويض الفوري على المتضررين ليس فقط تعويضا بل ايضا تعويضا معنويا وفي السياسة والامن, ويجب ان تتم محاسبة منفذي الاعتداءات حتى لا تتكرر مثل هذه المسائل في المستقبل.

نوايا سيئة

* لماذا انحرفت التظاهرة عن مسارها? وهل هناك نية لتخريب السلم الاهلي في لبنان?

- هذا الامر يجب ان يظهره التحقيق, وبرايي هناك نوايا سيئة تقف وراء بعض المشاركين في التظاهرة وما حصل في الشام قبل يوم واحد كان يجب ان يلفت نظر المسؤولين كي لا يحصل تكرارا له في لبنان, طبعا الامور تجاوزت الحدود وهناك مجموعات مرتبطة ربما بمنظمات او باجهزة, من الممكن ان يكون لها مصلحة بما حصل. وهذا من واجب التحقيق ان يكشفه لتحديد المسؤوليات.. لانه يوجد بعض من لديهم مصلحة بربط ما حدث في الشام قبل يوم واحدمع ما حدث في بيروت اليوم التالي على اعتبار المعتقد السائد ان اللبنانيين لا يستطيعون العيش الا بوجود وصاية عليهم والا سيعود الى لغة التقاتل فيما بينهم.. لهذا السبب اعود واكرر القول ان سكان منطقة الاشرفية-التباريس كانوا على قدر عالٍ من الوعي وضبط النفس, ما يؤكد بان اللبنانيين ليسوا على استعداد للعودة الى التقاتل فيما بينهم على عكس بعض المنظمات والاجهزة التي يجري تحريكها للوصول الى نتائج سلبية. من هنا يجب التاكيد على وعي المواطنين الذي تجسد وتبلور لدى سكان منطقة الاشرفية... نعم هناك نوايا خفية للعودة الى الوراء لكن الناس ترفض ذلك لهذا فشل مخطط المتامرين على امن اللبنانيين. وعلى الحكومة ان تحسم امرها وتتعاطى مع موضوع الامن بجدية كي لا يتكرر ما حصل, لاننا لا نستطيع ان نتكل في كل مرة على حكمة المواطنين.. المواطنون يريدون السلام يريدون حوارا جديا في هذا الوطن.. ولهذا اصبح المواطن ينظر الى هذه المسائل بجدية اكثر من حكومته التي عليها ان تحافظ على سلامته وتصون ممتلكاته..

* هل تعتقد ان استقالة الوزير السبع كافية لتحمل المسؤولية?

- طبيعي اذا كان هناك فشلا في موضوع معين على المسؤول ان يستقيل.. هذا جيد على الاقل يوجد مسؤول اعترف بمسؤوليته واستقال. انما هل الاستقالة تمنع تكرار مثل هذه الامور? الاستقالة برايي محطة اتت مقابل فشل موضوع معين وهذا شيء جيد. لكن هذه الاستقالة لا تؤكد حصول التحقيق كما هو مطلوب, فالتحقيق الجدي اهم من الاستقالة. نحن نريد نظاما يحكم بجدارة ويزيل القلق من نفوس المواطنين الذين تحملوا فشل الدولة ثلاثين سنة وهذه كافية جدا ولولا وجود مواطن لبناني قادر وحكيم وجريء لكانت الدولة انهارت منذ زمن. اين دور الحكومة اليوم??.. لا في الموقف السياسي موجود ولا في الموقف الامني له اثر.. الحكومة يجب ان يكون عندها قرار سياسي وامني واضحين.

* بيان فريق 14 اذار اعطى اشارات لافتة عن تدريبات وسلاح مهرب من سورية الى لبنان, ما مهمة هذا السلاح وهل انت على علم به?

- اذا كانت المعلومات مؤكدة على الحكومة ان تعرف كيف تتحقق من هذا الموضوع وتعالجه باقصى سرعة.. اليوم يوجد كلام كثير من كل الاتجاهات.. ما دور الاجهزة والحكم? وهل دور الحكم التنصت على الناس في الامور البسيطة ام دور الامن والاجهزة حماية المواطن?? اذا كانت الاخبار صحيحة, فعلى الدولة ان تتحرك. ما يهمني معرفته اين دور الدولة.. اين دور الحكم.. يجب ان يصار الى تحقيق في هذا الموضوع, هناك اشخاص اعترفوا بامور قاموا بتنفيذها. ولم نعد نسمع عنهم شيئا... الاساس في التدقيق بالكلام الذي نسمعه واعود واقول هذه مسؤولية الحكومة..

مقعد المواطنين

* في موضوع انتخابات بعبدا-عاليه انت من الاشخاص الذين لديهم ارث سياسي في هذه المنطقة, فهل حسمت خيارك للترشح خلفا للنائب الراحل الدكتور ادمون نعيم?

- هذه الامور لا علاقة لها بالارث, السياسة للمستقبل. والمقعد النيابي ملك الناس, فمن يتولاه يشغله في خدمة الناس وبقرار منهم وبارادتهم ايضا. حتى ولو استمر النائب في المقعد مئة سنة يكون ذلك بقرار من الناس ولخدمتهم. انا يهمني فصل هذا الموضوع عن الارث علما ان كل واحد منا يرث اعمال اسلافه وهذا مدعاة فخر واعتزاز ان يرث كل منا ما قدمه اسلافه من اعمال جيدة, انما هذا موضوع معنوي وليس موضوعا سياسيا فانا ارفض الارث السياسي.. انا رجل ديمقراطي ولا اعتبر ان المقعد النيابي ملكا خاصا بالنائب.. انه مقعد ناخبي بعبدا-عاليه, الناس في هذه المنطقة تختار من تريد وتعيد اختياره اذا كان وجوده ملبيا لطموحاتهم, الارث المعنوي جزء من الشخصية وليس له علاقة لا بالسياسة ولا بالمقاعد النيابية, هذا المقعد للناس ولناخبي بعبدا-عاليه وعليهم ان يقرروا من يرونه مناسبا لخدمة منطقتهم...

* الناخبون يختارون من يمثلهم في الندوة النيابية فهل قررت الترشح وهل هناك اشارات لتكون مرشحا توافقيا في هذه الدائرة?

- انا اليوم في فترة مراقبة ولم احسم امر ترشحي بعد.. ولكن لا يستطيع احد ان يطرح نفسه مرشح تسوية.. ولا يوجد مرشح باب اول ومرشح باب ثاني.. اذا كان هناك تسوية فان القوى السياسة تتفق وتسمي مرشحها. اما التسوية عندما تاتي من القوى السياسية عندما تتفق على شخص ما, وبهذا المعنى لا وجود لمرشح تسوية.. انا منذ العام 1992 بدات بتجهيز نفسي لخدمة الناس في الموقع النيابي اذا ارادوا انتخابي لهذا الموقع. بدات حملتي الانتخابية سنة 1992 وفي ال2000 وصلت الى الندوة النيابية واشتغلت في المجلس وخارجه وبقيت على تواصل مع الناس وفي خدمتهم.. وفي 2005 خرجت من المجلس النيابي وما زلت مستمرا في خدمة الناس وعندما يريدون اختياري مجددا لتمثيلهم فانا سامثلهم بشرف. هذا المركز مقدس ويجب الوصول اليه في الاطار السليم كي يتم العمل به في نفس الاطار, وهذه المسالة مهمة جدا بالنسبة لي.

* هل ان اسباب المفاضلة بينك وبين النائب عبد الله فرحات على لائحة عاليه-بعبدا في الانتخابات الماضية كانت بسبب استقلاليتك عن قرار الكتلة التي كنت تنتمي اليها?

- هذا غير صحيح, اولا: لان النائب فرحات كان في الموقع الذي هو فيه... ما حصل كان تحالفا جديدا طرا على الساحة وتم السير به ولم يبقَ مكانا كافيا, فجرى الاستبدال, واذا كان ذلك بسبب قراري الحر المستقل, فهذا جيد لاني متمسك بقراري المستقل وبالناس وثقتهم بي... وهذا الجسر اهم شيء وهو قاعدة ثابتة. اما ان يكون قراري تابعا للاخرين ممكن ان يوصلني الى النيابة, انما بشكل غير لائق بحيث لا يكون القرار مستقلا بما هو مرتبط بمستقبل البلد.. والا يكون الوصول الى النيابة نوعا من الوصولية..

نقطة بداية

* كيف قرات لقاء نصر الله-عون?

- حتى الان لم ادخل في تفاصيل الموضوع, لكن في المبدا للقاء جيد وايجابي.. والمقصود ان تلتقي القوى السياسية مع بعضها. وكل حوار يجب ان يكون فيه ورقة عمل.. ودائما في ورقة العمل امور متفق عليها واخرى قيد المعالجة يجري درسها لتحقيقها وتقاطعها في وقت او في اخر.. اللقاء نقطة بداية على ان يضم مستقبلا كل الفرقاء. هذا الحوار يجب ان يكون جديا ومركزا ويكون له متابعة جدية... وامكانية الوصول لحلول سياسية تخدم البلد والمواطنين, بما ينعكس ايجابا عليهم وكل حوار لا يؤدي الى هذه النتيجة يدخل في خانة الفشل لا في خانة النجاح. فالنجاح لا يقاس في الحوار, بل بنتائجه على الناس.

* كيف ترى مستقبل لبنان في ظل الاوضاع الضبابية التي تسود البلاد . وهل انت متفائل بعودة الحياة الطبيعية للبنان?

- لا احب استعمال كلمة تفاؤل, بل استعمل كلمة ايجابية وسلبية. فانا انسان ايجابي دائما وعندما اطرح نفسي لتمثيل الناس اكون ايجابيا بشكل كلي, لان لبنان كان وسيبقى خلفنا ستة الاف سنة ولا يحق لنا ان نشكك بهذا الماضي, واذا كنا نمر اليوم بمرحلة ضبابية وبرايي انها مرحلة عابرة اذا كان المسؤولون على قدر المسؤولية, فالضباب لن يزول لوحده, قناعتي ان المواطنين اللبنانيين سبقوا سياسييهم عندما نزلوا الى ساحة الحرية وهم الذين قرروا مستقبل البلد.. على السياسي ان يلحق بالناس بالحد الادنى.. اللبنانيون مؤمنون ببلدهم ويريدون العيش مع بعضهم.. وعلى المسوؤلين مواكبة هذا الطموح. لبنان سيبقى والشعب اللبناني سيبقى على الرغم من كل الماسي التي مر بها لبنان منذ الف سنة الى اليوم.. ما يهمنا اليوم ان يبقى لبنان ويكون راس حربة في هذه المنطقة في كافة مجالات الفكر والاقتصاد والسياسة والكرامة وفي صدارة الديمقراطية وان يترسخ مفهوم حكم جدي ومعارضة جدية, مطلوب حكم يتحمل المسؤولية ومعارضة تعارض وتتحمل مسؤوليتها تجاه الشعب الذي برهن اكثر من مرة تمسكه بهذا البلد.

انتقد مواقف (المستقبل) و(القوات) وتصريحات بيار الجميّل

النائب نبيل نقولا عن المشاركة في 14 شباط: نحضر بصفة رسمية إذا دُعينا

الأنوار 13 شباط 2006

أجرى الحوار: أنطوان فرح ـ أنطوانيت قاعي

لأسباب تقنية، جاء لقاء الأسبوع هذه المرة آحاديا، وتحوّل الحوار المفترض بين كتلة الاصلاح والتغيير وكتلة المستقبل، الى حوار بين (الأنوار) والنائب نبيل نقولا، عضو الاصلاح والتغيير. الحوار، وان افتقد الى الثنائية، انما جا