عودة يواكيم
مبارك
التاريخ: 23/8/2009
عقل
العويط
المصدر:
الملحق/جريدة
النهار
لم
يكن يواكيم مبارك (1924
ـ 1995) صديقي، ولا
كنت من مجايليه.
فمن أقدار
الأصدقاء أن
يكونوا، على
العموم، من المجايلين،
ومن تقاليدهم
وأعرافهم
والطقوس، أن
يولدوا معاً وينشأوا
معاً ويكبروا
معاً ويشيخوا
معاً الى
أن يقضي الله
أمراً كان
مفعولا.
لكن
صرت في ما بعد
صديقاً ليواكيم،
وقد قبل، هو،
أن يصير
صديقي. فلكل
قاعدة "شواذ"
وهذه كانت
"خروجاً" على
القواعد.
كان
هو خورياً،
وكنت أنا في
البعيد البعيد
جداً، أو
تقريباً. كان
هو من أجيال
سابقة، وكنت
أنا من أجيال
لاحقة. قد
وُلد في
العشرين من تموز
1924، أما أنا
فولدت بعده
بنحو من
ثلاثين عاماً.
حتى هذا
الفارق في
العمر، الذي
يجعل الخوري
يواكيم
في عمر أبي
المستديم، أو
أقل بقليل، لم
يكن وحده
السبب في عدم استلحاق
أسباب
الصداقة
وانعقاد
شروطها بيننا.
ذلك أني لم
أتعرّف إليه
إلا في عام 1984،
تحت سقف "الندوة
اللبنانية"،
وعلى يد باني حجارها
ورافع مداميكها
ومعلّي
سمائها ميشال
أسمر (1914 ـ 1985).
كان
الزمن آنذاك
لا يزال زمن
اقتتال وحرب
وموت. لكنه
أيضاً كان
زمناً لصناعة
أقدار جديدة
للحياة وللصداقة
المتمردتين
على وحش
الموت، وعلى
كل وحش وموت.
وكما لم يعطِ
لي الحظ قبلاً
في أن أتعرف الى يواكيم
مبارك، هكذا
كان أمري ايضاً
مع ميشال
أسمر، على وجه
التقريب.
لكن
أقدار
الصداقة ليست
كلها أعماراً
متزامنة ولا
أقداراً
ومسلمات. هي
أيضاً، وربما
خصوصاً،
صناعة روحية،
قلبية وعقلانية،
فذة، واعية،
وتقدح مثلما
يقدح الحجر
الصوان في
الليل اليائس
الطويل. وما
كان أكثر
ليالينا. وكم
لا تزال هذه الليالي
كثيرة، وقد
تظل.
في
عام 1984 صرت
صديقاً ليواكيم
مبارك، وبقيت
على عهده الى
حين مماته. بل الى الآن
غداً. فهذه
أيضاً، أي
الصداقة،
عندما تكون
على هذا الغرار،
تتواصل الى
منتهى الدهور.
هو "قُتِل"
قهراً، في عام
1995، في منفاه
الفرنسي
"الاختياري"،
الهاشل
إليه يأساً من
بعض كبار
الأهل في
كنيسته المارونية،
بعدما كان قد
نُفي إليه
قسراً، في أزمنة
وحشية سابقة، مهشلاً
بالتهديد
والوعيد، من
أهل الحرب
والسياسة، لأسباب
تتصل بأحوال
الوحش الدموي
الذي أكلنا وأكل
حياتنا
وأحلامنا،
ويكاد، الآن،
يأكل ما تبقى
من بلادنا.
أحببت
يواكيم
مثلما يحبّ أحدنان
شخصاً كان
يحبّه
"بالقوة"،
حتى قبل أن
يعرفه، أو
يتعرف اليه،
فصار يحبّه
"بالفعل".
هو
يواكيم،
الرمح المرهف
الطويل
القامة، الصلب
عودَه، حتى
لأقول الطود
أو السنديانة،
تماسكاً لا
جبروتاً.
الصَموت، حتى
لأقول ينخطف
ونحن نتحادث
أو نحكي.
الرائي، حتى
لأقول العالم المسكوني
العلاّمة.
وحتى لأقول
مغامراً:
الشاعر بدون
ماء الشعر، أو
بالقليل
العطشان منه،
على فعل إرادي.
وإن يكن
الشعر، شعره،
لاهوتياً
فلسفياً
مترهباً،
معنوياً
رمزياً، وأقرب
الى
اختزالية
الشعر في
العقل الإلهي.
المتقشف،
حتى لأقول
قساوة الزاهد
على جسده ونفسه،
وما ينضح الى
الخارج من هذه
القساوة
المتوهمة.
المصلي المتصومع
الشغيل
المترفع،
أباً عن جد.
وهو حقاً
كان كذلك.
فوالده كان خورياً
مارونياً،
على طريقة أهل
النسك الأرضي
في كفرصغاب،
من أعمال جبل
لبنان
الشمالي.
وجدّه لأبيه
كان أيضاً
كذلك.
أنا لا
أتذكره الآن.
أنا لا أتذكر يواكيم،
إنما فقط
أحبه. وأحياه.
وأعيشه.
ولماذا؟ لأنه
صديقي منذ
ولدت، كما
المسيح هو
جاري وصديقي،
منذ تسع وألفين.
ولماذا؟
لأن ثمة في يواكيميته
الانطاكية
المارونية
الكثير من صوت
الروح في
نسائم السنديان،
وخصوصاً حين
تروح الأرض،
أرضنا، تبخل
علينا بالدوح
من السنديان،
وحين يروح
يعزّ علينا
صفو العليل
اللطيف من
كلام الروح في
الهواء.
وهناك
فيه، الصمت
الجليل
وآياته،
مشبّهاً بالصوت
الصارخ في
برية، والذي،
من فرط
الإنصات، يسمع
في الأودية اللازمنية
التي للقب.
وفي البيادي.
على حد سواء.
وثمة
الإبرهيمية
لديه، وهناك
من يسميها "الماسينيونية"
(نسبة الى
لويس ماسينيون،
أستاذ يواكيم
وصديقه رفيق
دربه
اللاهوتي
الفلسفي) أو المسكونية
الخلاقة، التي
على تهيّب لبق
ململم
الأطراف،
خشية اقتراف ما
قد يجعل
انتشار
الجوهر
الإلهي في غير
موضعه ووقته.
وثمة
لديه التفتح
اللاهوتي
الفلسفي الفهيم
في الاسلام،
ولِمَ لا الامحاء
الوجداني
الحواريّ
فيه، حين في
الموازاة وفي
المقابل، وفي
ما بعد، تحول
الحوار الاسلامي
ـ المسيحي الى
كذبة كاذبة
صفراء. وأي
كذبة، واي
حوار.
وثمة
لديه الله،
وهو محبة، لا
على الطريقة
التي تترك
الأرض قاعاً
صفصفاً من أجل
حفنة أتباع وممالك،
وإنما على
غرار الحبق
والبخور،
فائحاً
عطرهما في
متاهات الزمن
والعقل
والرمل
والغبار
والماء، قبل
متاهات الجسم
والقلب
والعيش.
وكم
أحببت
"فظاظة"
جبليته،
المكتومة الملجومة
البائنة والمهرفة
الحد، التي
ليست من الجلافة
في شيء، انما
هي القسوة المتزهدة
منصرفة الى
تربية الطود
الجسماني
ليكون مصوناً
وبيتاً لقربان
العيش في
العالم،
ولتعميم
الرسالة. وكم
أعطتني من
مناعةٍ، هذه
"الفظاظة"،
وكم لا تزال،
وإن جعلته،
هو، الخاسر
الأبدي في
مملكة الله
الأرضية، وفي
كنيسته
المعذبة، وفي
لبنانه الذي
لم تتيسر سبل انوجاده الكينوني
المكين بعد.
وكم
أعطتني هذه
الفظاظة
القدرة على
"الانسحاب"
الرمزي من تعهّر
العالم، وكم أعتطني من
منعة الصناعة
الشعرية
الحرونة، غير
القابلة
للمجاملة، أو
للاحتمال،
وهي
"الفظاظة" نفسها،
متجلية في ما
يعتبره البعض
فظاظة
التعاطي، وهي
الكبرياء اللاتنحني
في فهم البعض
الآخر. فظاظة
لا تزال
تعطيني، أياً
يكن اسمها، في
كل مقام سياسي
أو ديني أو مجتمعي
أو ثقافي، أن
أدرك كم يجب
أن يكون المرء
فظاً، حتى
ليحمل هذا
المرء السوط،
على غرار "المرء
الأثيري"
الذي دخل الى
هيكل نفسه في
أحد الأيام
السحيقة، أي
قبل نحو من
ألفين،
طارداً أولئك
الذين جعلوه
مغارة للصوص.
وما أكثر
أولئك وهؤلاء،
أمس واليوم
غداً، في هيكل
المارونية،
وفي الهيكل
المسيحي الانطاكي،
وفي هذا
الهيكل
اللبناني
المتهدم
عموماً. بل في
هيكل الله
مطلقاً.
ولماذا
هو صديقي؟
لأن
همّه كان إحياء
الروح القنوبيني
الحيّ. فكان
في هذا الهمّ
طائراً
تائهاً يغرّد،
ولا سرب.
ولماذا
هو صديقي؟
لأنه
كان الروح
المجمعيّ
الخلاق،
متجسداً في
المشاريع
والتجليات والاصلاحات
البنيوية
والروحية
المهيبة،
والذي على رأسه
طير يشبه طير
الله، وقد
شاءت له الهمم
والمقامات والنفوس
الصغيرة أن
"يقمع"
و"يكتم"
ويستبعد ويوضع
في الأدراج الغبارية،
فلا يتاح
لروحانيته أن
تشيع في
الهيكل وبنيته,
ولا في الجهلة
من الرعاة،
ولا بين
الناس، فظل
روحاً
مجمعياً
هائماً في
براري التيه، الى أن
يأسه طموحه الاصلاحي اللامحدود
التوقف،
مثلما يأسه
التيه،
فحطّما،
معاً، قدرة
دماغه على
تحمّل القحط الذي
ألمّ
بكنيسته،
وخصوصاً
للعثرات التي
رافقت مناسبة
الذكرى المئتين
والخمسين
للمجمع
اللبناني في
أيلول 1986، وضرورات
التحضير
لمجمع لبنان
جديد،
"لإعادة النظر
في الشؤون
الكنسية".
انتقل
دماغ يواكيم،
أو قتله
دماغه، لا
فرق، ليستريحه
هذا الدماغ
اليائس،
فاراً الى
الله من
الفراغ
الأرضي
الدامس.
أوان
تعرفّت إليه،
"سراني" ميشال
أسمر
المجلدات
السبعة،
"خماسية انطاكية/
أبعاد
مارونية"،
التي "أثبتها
وترجمها الى
الفرنسية
وعلّق عليها الخوري يواكيم
مبارك"، بخمس
ليرات
لبنانية، فقط
لا غير. يوم
كانت الليرات
الخمس لا شيء
في قيمة
العملة الوطنية
المنهارة تحت
سنابك
الانهيار
الوطني العام.
وقد "دفّعني"
صديقي ميشال
أسمر،
الليرات
الخمس،
رمزياً، و"مضّاني"
عليها، لأنه،
على قول هذا "الندويّ"
الوطني
الكبير، سنتذاك،
أي عام 1984،
ينبغي لنا
جميعاً أن نشارك
في حملة
الاكتتاب
التي أطلقها،
بنفسه،
لترويج هذه
المجلدات
التاريخية
الملهمة، الصادرة
في "منشورات
الندوة
اللبنانية".
كله،
سنتذاك،
كان عكس
التيار. حتى
الحياة نفسها.
قبل
ذلك كان يواكيم
قد وضع
خماسيته الاسلامية
ـ المسيحية
الجمّة (1972 ـ 1973)
والكثير غيرها
من التأليف،
لاهوتاً
وفلسفة وسماء.
وسوى ذلك من "يواكيميات".
وإذ
"يعود" يواكيم
مبارك الى
أرضه القنّوبينية،
قامةً مديدة،
طوداً أو سنديانة،
صامتاً، على
عادته في
التقشف
والزهد والرؤيا،
ويهمّني
أن أذكّره
بعهدي مع
صداقتي له،
التي ليست من طينة
هذا الزمان،
ولا من طينة
أهله.
لعل
في التذكير ما
يجعل أهل
المسؤوليات
قاطبة،
يفكّرون في القيامات
الإلهية
واللاهوتية
والكنسية
والوطنية.
بل
لعل في هذا
التذكير ما
ينغّص ـ لمَ
لا ـ "طمأنينة"
الضمائر
والعقول
الميتة في
هؤلاء المسؤولين
ـ الأحياء
الموتى. وما
أكثر هؤلاء!
بعد
غد الثلاثاء،
"يعود" رفات يواكيم
مبارك الى
كفرصغاب،
مسقطه، على
كتف قنّوبيين،
ليكون الى
جوار الخوريين
أبيه وجدّه.
بل في معيّة
التربة
القديسة الفيلسوفة،
متواصلاً مع
جذور السنديانات
التي شاركت في
صناعة فكرة
الله والحرية
والخلق في
لبنان.