كيف أُلحِق حي الأبيض بسلطان "المربع الأمني" في الضاحية (4 - الأخيرة)

الأمن والهرجات الإعلامية وليالي النراجيل ورصاص الابتهاج ما بعد حرب تموز

محمد أبي سمرا

من جريدة النهار 29 حزيران/2008

 

حلقة رابعة أخيرة من شهادة هارب من بيته في حي الأبيض الملحق بـ"المربع الأمني" في ضاحية بيروت الجنوبية. وكانت الحلقات الثلاث السابقة قد روت وقائع ومشاهد من الحياة اليومية، في الحي وفي بناية من بناياته التي شيدت أواخر العقد العاشر من القرن الماضي. فحي الأبيض الذي كان سابقاً جزءاً من حارة حريك وبساتينها القديمة، انتشر فيه العمران الحديث كثيفاً في النصف الثاني من تسعينات القرن العشرين، وبيعت معظم شقق بناياته الجديدة الجاهزة للبنانيين شيعة من فئات يغلب على حياتها وسلوكها قاسم مشترك عام مثاله نمط الحياة المدنية المستقلة للأسر النواتية من الفئات الوسطى وما دونها بقليل في الوسط الشيعي المديني اللبناني. فأقام مشترو هذه الشقق في بنايات الحي الجديدة التي امتلأت بالساكنين في مطالع العقد الأول من الألفية الثانية، شأن صاحب هذه الشهادة التي روت حلقاتها السابقة وقائع الحصار الأمني الذي فرضه "حزب الله" على السكان في السنوات التي تلت جلاء الجيش الاسرائيلي عن الشريط الحدودي الجنوبي المحتل، سنة 2000، وحتى حرب تموز 2006، مما ادى الى تسميم الحياة اليومية والسكنية في بنايات الحي، وتخريبها. وكان الراوي قد وصف في الحلقة الثالثة الحال التي آلت اليها البناية التي يسكن فيها، بعدما أجّر احد الساكنين المهاجرين شقته لأسرة كبيرة العدد من مهجرين سابقين في وادي ابو جميل، فسيطرت هذه الأسرة على نظام الحياة السكنية للبناية وقوضته، لأن ستة من شبانها وفتيانها ينتمون الى "حزب الله". اما الحلقة الاخيرة من هذه الشهادة فتروي الحال التي آلت اليها البناية نفسها بعد حرب تموز 2006، عشية رحيل ساكنيها عنها.

 

ادت حرب تموز آب 2006 الى تغير كبير في وجوه الحياة كلها في حي الابيض وغيره من احياء "المربع الأمني" وجواره، حيث دمر القصف الإسرائيلي مقار لأجهزة "حزب الله" وبنايات سكنية، وأصاب غيرها بتصدع واضرار مختلفة. وفي لحظات الذهول والضياع اللذين اصابا السكان العائدين الى بيوتهم في هذه الأحياء، بعد غيبتهم عنها طوال شهر من هبوب عاصفة الحديد والنار عليها في ذلك الصيف، لم يتعرف كثيرون منهم الى معالم العمران السابقة في أماكن اقاموا فيها وألفوها سنوات طويلة من حياتهم التي تحولت، في بعض نواحي "المربع الأمني"، خلائط من أشلاء الباطون والمعدن والأثاث الذي كان حميماً قبل شهر. وكثيراً ما كان بعض السكان يتحدثون في تلك الأيام عن سنوات حياتهم التي تحولت حطاماً في البيوت المدمرة.

 

كعرس في مقبرة

وكان علينا ان نبعث الحياة، حياتنا، مجدداً، لكن ثقيلة، رمادية وكئيبة ومن بين الركام والأشلاء الحميمة، بعد انحسار العاصفة. والحق ان ما فعله "حزب الله" في تلك الأيام المريرة، تهيأ لنا، نحن المدنيين المستقلين في ضاحيته و"مربعه الأمني"، بهيئة عرس في مقبرة راح يغرس فيها أعلامه الزاهية ولافتاته وشاراته وشعاراته الانتصارية، وصور أمينه العام "سيد المقاومة والتحرير" الذي أعلن، فور انحسار العاصفة، عن برنامج مذل لشراء غضب المنكوبين وخوفهم وآلامهم وتشردهم وضياعهم وقنوطهم بـ"اثاث لائق" يدفع ثمنه من "المال الإيراني النظيف".

لا أزال أذكر من تلك الأيام مشهد جار لنا، مستقل مثلنا، ومقيم في واحدة من بنايات حي الأبيض، حين خرج من بيته الى الشارع، وراح يصرخ ويشتم كمجنون، بعدما أتوه بخبر "استشهاد" ابنه الشاب الذي غاب طوال شهر الحرب عن بيت اهله، من دون ان يعلموا عنه خبرا. ظل الرجل يطلق صراخه وشتائمه وقتا طويلا وسط الشارع، فيما السكان العائدون الى بيوتهم في البنايات القريبة، ينظرون اليه صامتين واجمين على الشرفات، فلم يتجرأ احد على الاقتراب منه لمؤاساته وتعزيته. وفي الأيام اللاحقة ظل الرجل يكلم نفسه ذاهلا عن نفسه واقاربه ومعزيه الذين، لشدة انفصاله وانقطاعه عنهم وعن العالم وانغلاقه على كمده ومصابه وشكواه المستوحدة، لم يجدوا كلاما للتواصل معه، فيما هو يردد كلماته الهاذية عن مأساته بابنه الذي لم يكن احد من عائلته يعلم قط انه منخرط في "حزب الله" وتلقى دورات تدريب في معسكراته قبل اختفائه طوال ايام الحرب، وحتى جاءت مجموعة من رفاقه الحزبيين تبلّغ اهله خبر "استشهاده". وبعدما زار رجال من "حزب الله" الرجل في بيته، شاع في حينا أنهم عرضوا عليه مبلغاً من المال، وانه انتفض واقفاً وقال لهم.: "شو جايين تدفعوا ثمن ابني؟! من قال لكم ان ابناء البشر يشترون ويباعون؟!".

توزيع "المال النظيف" وغرس رايات النصر وأعلامه وصوره وشاراته ولافتاته في الركام، واشتداد قبضة "حزب الله" الأمنية والاعلامية اضعافا مضاعفة بعد حرب تموز، وتفاقم الشعور بالمهانة والضغوط المادية والمعنوية على السكان العائدين محطمين الى بيوتهم - ان هذه العوامل كلها كتمت كل صوت مستقل كان يمكن ان يطلع من ركام المأساة التي اصابت احياء الضاحية.

 

عراضات اعلامية

شبان الأسرة الستة المنتمون الى "حزب الله" والمقيمون وحدهم كمستأجرين في الطبقة الرابعة ممن بنايتنا، استولوا على المبلغ المالي الذي قدمه الحزب لاصلاح أضرار الزجاج الذي تحطم كله في البناية. لذا قام كل من الساكنين باصلاح اضرار بيته على نفقته الخاصة، وجمعنا منا كلفة اصلاح الاضرار المشتركة، من ترميم سطح البناية وطلاء واجهاتها الخارجية، الى تركيب الواح الزجاج في المناور، متمنين فقط ان يكف اولئك الشبان شرهم عنا، علّنا ننقذ القليل المتبقي من نظام حياتنا السكنية الذي كانوا، قبل حرب تموز، قد قوضوا معظمه بدبيب الفوضى التي سلطوها على تنظيم عمل مرافق الخدمات المشتركة واداراتها، منذ حلولهم بيننا. هذا فيما كان ما جرى في حرب تموز يحمل بعض سكان بنايتنا وغيرها في الحي، على اعداد العدة لبيع بيوتهم والرحيل عن الضاحية.

وتزايد في حينا وغيره من الأحياء الشبان والفتيان من راكبي الدراجات النارية. فجعلوا من محل العاب البلياردو فتحه في بنايتنا شبان الطبقة الرابعة قبل سنة من الحرب محطة يومية دائمة لتجمعهم وانطلاقهم بدراجاتهم الزاعقة في اوقات كثيرة من النهار والليل. مجموعات مجموعات أخذوا ينطلقون بها في الشوارع متصايحين في هرجاتهم التي تشبه غارات يقومون بها من حي الى حي، كأن الأحياء ملك لهم وحدهم، فيزرعون فيها صخبهم المدوي، غير آبهين بما تخلّفه افاعيلهم هذه في حياتنا البيتية، نحن الساكنين الذين اطلقنا على هرجاتهم وغاراتهم هذه تسمية "الليليات"، بعد تكاثرها في اوقات الليل. وزادت ظاهرة انتشار "النراجيل الدليفري" في احيائنا السكنية، من استخدام الدراجات لإيصال النراجيل من المحال المتخصصة في تحضيرها، الى بيوت طالبيها. فصرت ترى شابين على دراجة نارية يقودها احدهما ويحمل الآخر نرجيلة وشعّالة يشرقط فيها الجمر متطايرا في الشارع وسط العابرين على اقدامهم او في السيارات. ولا يقتصر بيع النراجيل "الدليفري" على توصيلها الى طالبيها في بيوتهم، بل يشمل امدادهم بالجمر الذي يوصله راكبو الدراجات النارية اليهم، مرة او اثنتين تاليتين. فمدخنو النراجيل المضمخ تبغها بنكهات الفاكهة المختلفة، يتحلقون جماعات جماعات في بيوتهم، او على الارصفة لتدخينها، وخصوصا في الامسيات والسهرات الطويلة.

وهذا ما حمل كل محل للنراجيل وجمرها، على اقتناء عدد من الدراجات النارية لتلبية طلبات الزبائن المتكاثرين، فاذا بالشوارع في احيائنا تغص في الامسيات ولياليها بحاملي الشعالات الملتهبة على الدراجات النارية المسرعة، واذا برائحة التنباك ونكهاته الكثيرة تنتشر كثيفة وحادة في احيائنا وتصل الى البيوت وغرف النوم فيها، كأن سحباً من دخان التنباك تغطي الضاحية في الأماسي والسهرات.

ودخلت الدراجات النارية سلاحاً اعلاميا اساسيا في عراضات "حزب الله" بعد حرب تموز 2006. مئات من راكبيها يمتطونها في جمهرة من الصبية والفتيان الهائجين في الشوارع، ملوحين بالصور والاعلام وصارخين هازجين في مناسبات الحزب الكثيرة والتي تضاعف عددها وأصبحت اشد ضراوة وصخبا منذ نصب الحزب وأتباعه مضاربهم في وسط مدينة بيروت. وكلما حققوا "نصرا" جديدا وما اكثر انتصاراتهم في السنوات الثلاث الاخيرة صارت الدراجات النارية وعراضاتها السبيل الأسرع من تلفزيون "المنار" في إعلامنا المفاجىء والصاخب بهذا "النصر" المبين الذي يستمر الاحتفاء به ليلة او اثنتين من العراضات التي يقضّ صخبها مضاجعنا في بيوتنا. ولا تنتهي حال عراضات "النصر" عند هذا الحد. فبعد انتهائها، لن نعدم اثنين او ثلاثة من عتاة راكبي الدراجات النارية يستمرون في عروضهم البهلوانية الليلية المنفردة بدراجاتهم المميزة في شوارع الحي الخالية، فينطلقون بها في سرعة قصوى مهولة، رافعين عجلتها الأمامية في الهواء، كي تخلّف وراءها في اسماعنا، نحن المنزوين في منازلنا، دوياً او أزيزاً متطاولا ينغرس في اجسامنا كنصال حادة.

من يقوى منا نحن المدنيين المستقلين المنصرفين الى اعمالنا وحياتنا العادية على الاعتراض على هذا كله؟! مرة، بعدما استبد بي أرق ماكر عقب احدى العراضات الليلية، خرجت الى شرفة منزلي ادخن سيجارتي وحيداً. ولشدة ما تآكلني الهوان والمذلة الممزوجان بالغضب، صرخت بواحد من بهلوانيي الدراجات النارية، المتخلّف عن العراضة، فخفف سرعة دراجته، والتفت اليّ صارخا في صوته الخشن البذيء: "روح يا قريع". والعبارة هذه مع مثيلتها "ايش يا قريع" التي يتبادلها كتحية فتيان الشوارع من راكبي الدراجات النارية، صارتا لسان حال زمر هؤلاء الفتيان في ما بينهم، وفي وجه كل معترض من الناس العاديين على افعالهم.

كل اعتراض على مثل هذه السلوكات صاروا يعتبرونه اعتداء عليهم وعلى "قضيتهم". وحين تكلِّم احدهم، وينتبه الى انك تكلمه بمنطق مختلف عن منطقه، يستغرب ما تقول ويعتبرك غريبا ويستريب منك ومن كلامك. لذا أخذ سكان البنايات في حينا يكتفون بالوقوف صامتين واجمين على شرفاتهم أو خلف نوافذ بيوتهم، يتفرجون على الهرجات والعراضات، حتى اذا التقت نظرات بعضهم كأنهم يتبادلون تحيات صامتة. اما في حال اطلاع احدنا مسؤولا من مسؤولي "حزب الله" على ما بلغته حياتنا من هوان، فان هذا المسؤول غالبا ما يقول لمحادثه ان ما يقومون به هو عمل اعلامي واعلاني ضروري في هذه الظروف. وبعض سكان حينا من جمهور الحزب صاروا يقولون للمستائين مما نعيشه: "ليش بتعيشوا هيك؟! وليش ما بتحبوا السيد حسن؟!". حتى ان احدنا قال لامرأة منهم: "من قال لك اننا لا نحب السيد حسن؟ وهل وقف اي منا في الشارع وقال انه لا يحبه؟!".

 

فوضى الماء والكهرباء ومركزية البث التلفزيوني

شبان الطبقة الرابعة في بنايتنا، زرعوا انواعا من الشتول على سطح البناية، وجعلوا يروونها من خزانات مياه السكان التي يشترونها من بائعي الماء في الصهاريج في اوقات شح الماء التي تضخها الشركة العامة، وانقطاعها. وحين يطالب شخص من الساكنين واحدا من هؤلاء الشبان، بعدم استخدام ماء الخزانات لري شتوله على السطح، غالبا ما يتعرض الساكن لاهانة لا يستطيع شيئا ازاءها. ولم يكتفِ سكان الطبقة الرابعة بعدم تسديد نفقات الماء، بل انهم امتنعوا عن المشاركة في نفقات المازوت لتشغيل مولّد الطاقة الكهربائية في البناية. ثم انهم بدأوا بتعليق اسلاك خارجية ووصلها بأسلاك الشركة التي تغذي بيوتنا بالطاقة الكهربائية، فأخذت أجهزة تنظيم الطاقة (العدادات، أو الساعات) في البيوت التي وصلوا اسلاكهم بأسلاكها الرئيسية، لا تتحمل فائض التغذية، فتتوقف عن العمل، ويتوقف ضخ الطاقة الكهربائية الى هذه البيوت. وهكذا دبت الفوضى في البناية في ما يتعلق بشؤون الماء وكهرباء الشركة الرسمية وكهرباء المولد الخاص.

وأخذ شبان الطبقة الرابعة يعترضون على سكان البناية الذين يرغبون في تركيب لاقط فضائي خاص (دش) على سطح البناية، كي يحصلوا في بيوتهم على بث المحطات التلفزيونية التي يريدون. وحجة الشبان في اعتراضهم هذا، هو اصرارهم على ان يشترك سكان البناية بمحطة مركزية للبث التلفزيوني انشأها ويديرها ويشغلها في حيّنا شخص من بطانة "حزب الله"، ويقوم ببرمجة بثها على هواه، فيحذف ما يريد من المحطات ويمتنع عن بث برامجها، لصالح اخرى تبث برامج دينية في معظمها. وبعدما اقام الحزب مخيمه في وسط بيروت، اخذت هذه المحطة المركزية في حيّنا توقف بث بعض البرامج في محطتي "المستقبل" و"LBC" وتستعيض عنهما ببث برامج "المنار" والمحطات الدينية والقرآن الكريم. ثم ان لمحطة البث المركزية المحلية هذه قناة أكثر خصوصية تقوم ببث اشرطة فيديو يكون السكان قد صوّروها في مناسباتهم المختلفة، كالأعراس والموالد، ويرغبون في بثها على المشتركين الراغبين في مشاهدتها.

هكذا سرت حيّنا وغيره من الأحياء مركزية في البث التلفزيوني، في مقابل الفوضى في ضخ الطاقة الكهربائية والحصول على الماء!

 

الهرجات المسلحة

"هذه الليلة قواص"، صرنا نسمع الفتيان والشبان من رواد محل البلياردو في بنايتنا، يقولون، فيما هم مستنقعون في جلساتهم والنراجيل قربهم على الرصيف. حتى اننا صرنا نرى الأسلحة، اسلحتهم، مركونة في ناحية من مدخل البناية كأنها في معرض، استعداداً وانتظاراً لموعد إطلاق النار المرتقب، فنعلم أن "الليلة قواص" في بدايات إلقاء السيد حسن نصرالله خطبه المتلفزة، وفي نهاياتها ايضاً. ويتكاثر شبان الرصيف بدراجاتهم النارية وسياراتهم الـ(BMW) قبيل الموعد، فيشرّعون ابواب السيارات استعداداً للاستماع الى الخطبة من راديوهاتها، فيماتكون اسلحتهم محشوة بالطلقات التي تروح تئز في فضاء الشارع مع بداية الخطبة، بينما يلوذ سكان بنايتنا وغيرها المجاورة بجدران بيوتهم خائفين هلعين. وغالباً ما نسمع شبان الهرجات النارية هذه يتساءلون في ما بينهم بعد انتهاء كل هرجة: "شو كيف كانت، قوية، ما هيك؟".

أما نحن السكان الخائفين في بيوتنا، فنكاية منهم بنا وهزءاً بخوفنا، يروحون يسألوننا، ما أن نطل من على شرفاتنا بعد توقف إطلاق النار: "شو خفتوا؟! لازم ما تخافوا، هذا شي طبيعي. ليش خيفانين، ما دمنا انتصرنا في حرب تموز؟!".

وغالباً ما تعقب هذه الهرجات المسلحة، هرجات اخرى ليلية سيّارة على الدراجات النارية، لكن غير مسلحة. وهذه هرجات إعلانية وإعلامية ترفرف فيها الصور والأعلام وتُطلق الهتافات وزمامير الدراجات والسيارات حتى ساعة متأخرة من الليل. وإذا تذمّر مرة أو مرات بعض السكان، يقول لهم أعضاء في "اللجنة الأمنية" التي تشكلت في الأحياء بعد حرب تموز: "ماشي الحال، تعوّدوا على هذا الوضع... شو فيها؟!". أما من تكثر تذمّراته وتصل الى حد الاعتراض المتكرر، فيجد سيارته في الصباح التالي "مجلوفة" في موضع ما، أو يجد دواليبها فارغة من الهواء. حتى أن شباناً وفتياناً من المستنقعين على رصيف بنايتنا، أخذوا يقولون لبعض المعترضين المتذمرين: "مش عاجبك؟! شوف شو بدك تعمل، روح عيش مع ناس متلك".

 

الغضب والأمن والإعلام

علّق شبان الطبقة الرابعة أعلام "حزب الله" ولافتاته وصوره على جدران مدخل بنايتنا، وأخذوا يضيفون اليها الرايات السود في أيام عاشوراء، قبل أن يقوموا بطلاء جدران موقف السيارات في الطبقة الأرضية بلون أخضر فاقع، ليقول شاب منهم لواحد من سكان البناية وقف ينظر في الجدران مستغرباً لونها الجديد: "شو مش عاجبك الأخضر، شوبو الأخضر؟! هيأتك شيوعي او من تيار المستقبل، ما هيك؟!". ذلك ان الشبان كانوا قد علموا ان هذا الساكن يعمل موظفاً في احدى مؤسسات الرئيس الراحل رفيق الحريري، وقال مرة ان عمله هذا لم يحمل المؤسسة على ان تطلب منه الولاء للسياسة الحريرية، ولم تتدخل في نمط حياته، هو الشيعي اللبناني المؤيد للمقاومة ضد إسرائيل، لكنه يريد ان يعيش حياته في بيته والبناية التي يقيم فيها، من دون أن يجتاحهما "حزب الله".

وأخذ الشبان أنفسهم يسألون هذا الساكن أو ذاك في البناية، قائلين: "شو، عم تسمع موسيقى؟! مش عارف أن اليوم عاشوراء، شو، ما بتحضر مجالس عاشوراء؟!". وفي هذا المناخ الضاغط اصبحت الشتائم للرئيس فؤاد السنيورة "الخائن" و"العميل" والذي "سرق أموال المساعدات"، من الشعارات والشعائر اليومية لهؤلاء الشبان وفي الهرجات والعراضات المتكررة في كل مناسبة. و"اللجنة الأمنية" في الحي، صار كل شاب من شبانها يرى شخصاً لا يعرفه، يسأل هذا أو ذاك من السكان من يكون هذا الشخص "الغريب" وماذا يعلم عنه. وإذا لم يُجب الساكن عن السؤال الموجه إليه، يصير هو نفسه عِرضة لعلامة إستفهام، ولأسئلة عنه تتوجه الى جيرانه، مما ادى بالسكان الى ان يصيروا رقباء على جيرانهم وعلى أنفسهم، وعلى العابرين في الحي، من دون إرادة منهم، وعلى نحو لا شعوري.

ومع تزايد تشددهم في الرقابة الأمنية، صار يشعر من يصل في ساعة متأخرة من الليل الى حيّنا، أن شباناً من "اللجنة الامنية" يتبعونه، ثم يقتربون من سيارته فيما هو يوقفها أمام البناية او في الموقف داخل البناية. وفي العتمة يقف شاب مسلح منهم صامتاً، ويقرّب رأسه من نافذة السيارة وينظر اليك في داخلها، قبل ان يسألك ان كان معك أحد. اما اذا كان زجاج نافذة السيارة مقفلاً، فينقره بأصابعه كي تفتحه، ليقول لك: السلام عليكم، قبل ان يحدّق في داخل السيارة، حتى إذا رأى شخصاً آخر يجلس الى جانبك، يسألك: منين الشاب، من المنطقة؟

بعدما سُرقت مرة آلة التسجيل من سيارة زوج اختي، إتصل هاتفياً في الصباح بالرقم 112، وحين جاوبه رجل الامن الداخلي أخبره بالحادثة، وأين يسكن، فقال له رجل الامن ان عليه ان يشكر الله على عدم سرقة سيارته كلها. أما في حال قيام الساكنين بمراجعة "اللجنة الامنية" بالحوادث التي تحصل في الحي، فيقول شبان اللجنة لمراجعيهم: نحن لا نتدخل في هذه الامور، الدولة هي المسؤولة، اين الدولة؟! راجعوها.

وعزف صاحب المكتبة في حيّنا عن الحصول على صحيفتي "المستقبل" و"النهار" من شركة توزيع الصحف، لكثرة ما قالوا له مستائين: "شو بعدك عم تجيب جرائد السنيورة وجبران تويني؟! لازم تجيب بس الأخبار والديار والسفير". وروى الرجل ايضاً انهم في كل يوم يختارون واحدة من هذه الصحف الثلاث، ويصبون غضبهم على الأخريين. فتارة تغضبهم "السفير" واخرى "الديار" وثالثة "الأخبار". وذلك حسب مزاجهم الذي توجهه محطة تلفزيون "المنار". وحين رآني مرة شاب من اسرة الطبقة الرابعة أحمل صحيفة "النهار" قال لي: "مبين بعدك حامل النهار، مين بعد يقرأها هذه؟!". ورحت اسمع ان المؤسسات الخاصة في الضاحية، وخصوصاً فروع المصارف، صار يُفرض عليها ان تكون نسبة ما من موظفيها الجدد من بطانة "حزب الله". وروت لي شابة ان مديراً في فرع أحد المصارف قال لها ان عليها ان ترتدي الحجاب، وإلا سيقوم بنقلها الى فرع آخر خارج الضاحية.

أعرف شخصاً ميوله يسارية ويعمل في صحيفة لبنانية مرموقة، ويكتب مقالات ينتقد فيها ظاهرة العمران العشوائي الذي هبت موجاته الأخيرة عارمة عقب حرب تموز ولا تزال مستمرة حتى اليوم في أحياء ضاحية الضاحية. وهو يعتبر في مقالاته هذه أن العمران العشوائي وسرقة الكهرباء سببهما إهمال "الدولة" والحكومة لقضايا "المحرومين" والفقراء. هذا مع علمي علم اليقين أن الصحافي نفسه شيد في الليل مسكناً عشوائياً فوق بيت أهله العشوائي، وقام بسرقة الكهرباء من الشبكة الحكومية، بعدما صار على علاقة وطيدة بأحد مقدمي "حزب الله".

وروى لي شاب من أقاربي أنه تقدم بطلب توظيف في محطة تلفزيون "المنار". وحين استدعوه الى مقابلة في مكاتب المحطة، استمرت المقابلة نحو 3 ساعات متواصلة، تداور على إجرائها معه ثلاثة أشخاص في مكتب صغير أشعره فراغه من اي شيء خاص، أنه منعزل تماماً عن العالم الخارجي، وأنه في جلسة تحقيق مضنية. ومن الأسئلة الكثيرة التي وُجهت اليه: هل تستمع الى الموسيقى؟ اي نوع من الموسيقى؟ هل تصلي؟ كيف تصلي واين؟ من تقلّد من المراجع الدينية؟ هل تسهر؟ أين تسهر؟ هل تخرج في صحبة نساء؟ هل تذهب الى الملاهي الليلية؟ من اصدقاؤك؟ اين يسكنون؟ ماذا يعملون؟ وقس على ذلك مع هذا النوع من الاسئلة التي قال قريبي إن العرق جعل يتفصد من جسمه فيما هو يجاوب عنها. وحين انتهت المقابلة، شعر ان الكرسي الذي يجلس عليه وحاول القيام عنه، قد التصق بجلده.

 

من نساء الحجاب والشادور

بعد وقت قصير على حرب تموز 2006، ارتدت ابنة اختي الحجاب في عيد ميلادها الثامن والعشرين. وهي كانت قد بدأت سنتها الجامعية الاولى سافرة ومنطلقة ومحبة للسهر مع أهلها، حينما انتقلوا للاقامة في احدى بنايات حي الأبيض. وزوجة صاحب الدكان التي تساعد زوجها في عمله سافرة، لم تتوقف نسوة من زبائن دكانها في الحي عن انتقاد سفورها حتى تحجبت. هذا بعدما عزف بعض النسوة عن شراء حاجياتهن من الدكان. فالأحاديث النسائية اليومية لا تتجاوز موضوعاتها اسئلة تدور بينهن، من نوع: من تقلّدون من المراجع الدينية؟ فالسيد فضل الله، مثلا، غير مقبول. هل تصومون؟ هل تصلّون في البيت؟ وللحلال والحرام قسط وفير من الأسئلة والتسليات اليومية بين النسوة.

ابنة اختي التي تحجّبت وانعزلت عن أجواء حياة أهلها في البيت الذي صارت تفضل المكوث فيه على الخروج، مداومة على مشاهدة محطة "المنار". لكن اختي قالت لي انها لاحظت ان ابنتها غالباً ما تلوم نفسها على ما صارت عليه، كأنها مرغمة عليه بسبب أجواء المحيط الضاغط عليها في الحي وفي كلية الآداب في الجامعة اللبنانية.

من روايات صديقي الطيب ان رجلاً احضر زوجته المحجّبة الى عيادته في حي الجاموس، وهي مصابة بجرح قطع شريان يدها نتيجة حادثة في منزلها. وحين امسك الطبيب يدها وحاول إسعافها، اقترب منه الرجل قائلا: لا، لا يجوز، قبل ان اقرأ لها دعاء لتصير حلالاً عليك. اسعف الطبيب المرأة وطلب سيارة للصليب الاحمر لنقلها الى المستشفى لعلاج شريانها المقطوع. لكن الزوج غضب قائلاً: بدك نروح بسيارة للصليب الأحمر كمان؟!

امرأة أخرى تلبس الشادور حضرت الى عيادة الطبيب نفسه، وما أن تمددت على سرير الفحص الطبي حتى رفعت الشادور عن نصف جسمها السفلي، فبان عارياً كله. وحين قال لها الطبيب: ماذا تفعلين ما بكِ؟! جاوبته المرأة، فجأة: ولا كلمة أحسن ما أعملك فضيحة، هلق، ولا كلمة. فما كان من الطبيب إلا ان نادى السكرتيرة من مكتب الاستقبال في صوت صارخ دفع المرأة إلى ان تهب واقفة عن السرير، وتخرج مسرعة من العيادة. ومن النافذة شاهد الطبيب والسكرتيرة إمرأة الشادور تسرع في الدخول الى سيارتها المرسيدس السوداء الفخمة ذات الزجاج الدخاني الذي يحجب الرؤية من الخارج.

 

الرحيل

في بنايتنا بحي الأبيض لم يبق اي من مالكي البيوت وساكنيها مقيماً في بيته. الأسر الـ12 كلها باعت بيوتها وانتقلت الى السكن إما في الطيونة وإما بطرف عين الرمانة في محيط مستشفى الحياة. لقد بعنا بيوتنا بأسعار أقل من اسعار شرائها قبل نحو أقل من عقد من السنوات. والأسر التي اشترت بيوتاً في بنايات قيد الانشاء في حينا، صرنا نسمع أفرادها يقولون: ما هذه المصيبة التي وقعنا فيها، وكيف اشترينا بيوتاً في هذه المنطقة؟! ذلك ان اسعار الشقق الجاهزة في حيّنا انخفضت بعد حرب تموز، بدل ان ترتفع.

الناس الذين اشتروا بيوتنا في البناية وغيرها من البنايات المجاورة، كثرة منهم من "عوائل" شهداء "حزب الله" او من جمهوره.

 

 

كيف أُلحِق حي الأبيض بسلطان "المربع الأمني" في الضاحية؟ (3)

أسرة من مهجّري "وادي الذهب" تسمّم حياة سكان البناية الهادئة وتهجّرهم

من جريدة النهار 22 حزيران/2008

محمد أبي سمرا

 

حلقة ثالثة من شهادة هارب من بيته في بناية بحي الابيض. وهي تروي وقائع من حياة ساكنيها وملاّك شققها، بعدما حلّت فيها أسرة كثيرة العدد آتية من "إقامتها" الطويلة مهجّرة في وادي أبو جميل.

 

سنة 2004 بدأ الاضطراب والفوضى يتسللان الى هدوء الحياء السكنية وانتظامها في بنايتنا الجديدة المشيدة سنة 1999 في شارع بحي الابيض الذي شمله "المربع الامني" لـ"حزب الله" في حارة حريك بعدما اخترقها أوتوستراد السيد هادي نصرالله. البناية من 6 طبقات و12 شقة كل واحدة منها تملكها وتسكن فيها أسرة نواتية جديدة، مستقلة ومتوسطة الحال، كمعظم ساكني بنايات حي الابيض التي انتدب سكانها لجاناً منهم تدير شؤون الخدمات المشتركة في كل بناية.

للجنة سكان بنايتنا صندوق مالي تُجمع مبالغه شهرياً بالتساوي من الساكنين لتُصرَفَ على تأمين استمرار الخدمات المشتركة: راتب شهري لناطور البناية، صيانة المصعد والمولد الكهربائي المشترك وشراء المازوت لتشغيله في أوقات انقطاع التيار الكهربائي، كلفة الطاقة الكهربائية المشتركة (إنارة الدرج وتشغيل المصعد) التي تتغذى من شبكة الشركة الحكومية، وكلفة خدمات النظافة وصيانة مضخات الماء وشبكة الصرف الصحي في البناية... إلخ.

 

مهجّرو "وادي الذهب"

بعدما سافر أحد سكان بنايتنا مع أسرته الى الولايات المتحدة الاميركية لمدة طويلة، وأجّر بيته لـ"ناس أوادم مثلنا"، على ما قال عشية سفره، بدأت الفوضى تدب في البناية وتتفاقم مع مرور الوقت على إقامة المستأجر الجديد في بيت جارنا المسافر سنة 2004. فهو كان من سكان وادي أبو جميل في زمن التهجير والاحتلالات الحربية للأحياء وبيوتها التي بدأ إخلاؤها منذ مطالع تسعينات القرن الماضي، لقاء حصول المهجرين إليها ومحتليها، مبالغ مالية كانت أحد عوامل استنزاف المالية العامة لخزينة الدولة.

 

وكان قد تواطأ على هذا الاستنزاف في وادي أبو جميل، كل من "شركة إعمار وسط بيروت" المديني (سوليدير) "الحريرية"، مرغمة على الأرجح، وميليشيات "المستضعفين" المسلحة والمتسلطة، وفي طليعتها حركة "أمل" و"حزب الله" اللذان كانا يحميان مجتمعات المهجرين ومحتلي الاحياء والبنايات والمتاجر والبيوت، ويقوّيان شوكتهم في عمليات ابتزاز الشركة الاعمارية في عمليات الإخلاء. وهذا ما أدى الى أن تُطلَق على وادي أبو جميل تسمية "وادي الذهب"، كاستعارة تهكمية ساخرة لتصوير واقع حال المهجرين اليه ومحتليه الذين حصّلوا، من طريق الاحتيال والابتزاز، إتاوات مالية تعادل القوة والحظوة الميليشيويتين اللتين كان يستظهر بهما المهجّر والمحتل.

 

مهجّر "وادي الذهب" وأسرته الكثيرة العدد، والمؤلفة من ستة أبناء شبان وفتيان كبيرهم في بدايات العقد الثالث (العشرينات) من عمره، ظلوا، بعد حلولهم كمستأجرين في بنايتنا، يسلكون سلوك المهجرين والمحتلين المنتسبين الى حركة "أمل" التي استمروا لمدة قصيرة على انتسابهم اليها، قبل انتقالهم الى "حزب الله" الذي يسيطر على معظم أحياء الضاحية، وخصوصاً على أحياء "المربع الأمني"، ومنها حي الابيض.

 

إحتلال مقنّع

في البداية بدأ أبناء هذه الأسرة يعترضون على النظام الآلي لإقفال بوابة البناية في التاسعة ليلاً، مع أن في وسع العائد منهم الى بيته بعد هذا الوقت، قرع جرس أنترفون البيت، ليفتح له البوابة أحد أفراد أسرته. لكن هذا النظام كان، على ما بدا، غريباً عن الفوضى المعتادة في حياتهم اليومية. فراح بعضهم يقف أمام البوابة المقفلة ويمسك بيديه قضبان حديدها، فيهزها هزاً عنيفاً ويرفسها بقدمه، فيما هو يصرخ ويشتم البناية وساكنيها والناطور الذي أخذوا يهددونه ويتوعدونه بالويل والثبور إذا لم يترك البوابة مفتوحة. أما المولد الكهربائي، الخاص والمشترك، والذي اتفق الساكنون ولجنة البناية على توقيفه في منتصف الليل، فصار كلما عاد أحدهم بعد هذا الوقت، ينادي الناطور كي يشغّل له المولد، لأنه لن يستعمل الدرج، بل المصعد، للوصول الى بيته في الطبقة الرابعة.

 

بعد تكرار احتجاجاتهم هذه، أوقف بكر أسرتهم عضواً في لجنة البناية على الرصيف، وراح يقول له إنه لن يسمح بعد اليوم بإقفال بوابة البناية وتشغيل مولدها وتوقيفه حسب مزاج سكانها ولجنتها التي يفكر في حلها ليكون رئيساً لها، ما دام عددهم، هم الثمانية في الأسرة، يسمح لهم بذلك. ومن أفعالهم أيضاً، عدم التزامهم وضع نفاياتهم البيتية اليومية صباحاً أمام باب بيتهم، كي يجمعها ناطور البناية في وقت محدد من كل يوم، وينقلها الى مستوعبها العمومي. ولأنهم كانوا يضعون أكياس نفاياتهم على سفرة الدرج في الأوقات التي تحلو لهم، فتظل في مكانها، بعدما يكون الناطور قد جمع أكياسها كلها، اخذوا يهددون الناطور ليقوم بنقل أكياسهم وحدها الى المستوعب.

 

ثم استثمر أحد شبان الأسرة متجراً في البناية تركه صاحبه وأخلاه، فجعله الشاب المستثمر صالة لألعاب البلياردو، رغماً عن إرادة لجنة البناية. وسرعان ما بدات زمر من فتيان الأحياء القريبة من راكبي الدراجات النارية، تتجمع في هذه الصالة الصغيرة وعلى الرصيف، من الساعة العاشرة صباحاً حتى منتصف الليل. فأخذ ضجيج هؤلاء الفتيان وتصايحهم يسمّم حياة ساكني بنايات الشارع كلها، وخصوصاً بنايتنا التي راحوا يصفّون النراجيل على رصيفها، ويجلسون على صف من الكراسي يدخنون التبغ المضمخ بنكهات الفاكهة المختلفة. واستقطبت صالة البلياردو هذه، شباناً من أمثال شبان أسرة "وادي الذهب"، أولئك الذين أخذ بعضهم يصل بسيارته الـ(BMW) العتيقة المخلّعة، فيوقفها حذو الرصيف ويفتح أبوابها، ثم يشغّل آلة التسجيل فيها لتبث من شريط كاسيت أغاني "المقاومة" و"حزب الله" التي تنشدها فرقة "الولاية"، فتتخلل هذه الأناشيد الصادحة قوية في الحي، مقاطع من خطب السيد حسن نصرالله النارية.

 

من يتجرأ من سكان بنايتنا وغيرها في حينا على التذمر من هذه الأناشيد والخطب؟! فيما الشبان والفتيان المستنقعون قرب نراجيلهم على الرصيف يتحرشون بخادمات البيوت السريلانكيات والأثيوبيات العابرات واللواتي راحت تتفاقم شكاوى بعضهن من التحرشات المتكررة بهن. ففي ظهيرة أحد النهارات وصلت الفتاة الأثيوبية التي تعمل في بيتنا خائفة مذعورة، وقالت إنها ستتوقف عن العمل عندنا، لأن فتى من فتيان الرصيف حاول أن يمد يده على جسمها في مدخل بنايتنا الذي تحول مرتعاً دائماً لرواد صالة البلياردو في جلسات تدخينهم النراجيل، فيما دراجاتهم النارية تصطف في الشارع قرب الرصيف.

 

بناية الشيوعيين!

لم تكتفِ أسرة الطبقة الرابعة بهذا كله، بل إن شاباً منها اخذ يركن السيارة التي اشتراها حديثاً في موقف سيارة زوج أختي المقيم في البناية، لأن أخاه البكر كان يستعمل الموقف الخاص بأسرته لركن سيارته. وحين تكرر الأمر مرا ت كثيرة، ضاق صهري ذرعاً لما وصل مرة إلى موقف سيارات البناية ولم يجد موقفه شاغراً، فأخذ يصرخ غاضباً، ثم قال للناطور أن ينادي شاب الطبقة الرابعة ليخلي الموقف من سيارته، فما كان من الشاب الا أن قال للناطور عبر ا لأنترفون في صوت غاضب متوعد سمعه صهري: "حل عني، لن أنزل، واللي مش عاجبوا يرحل من البناية... ما بدنا شيوعيين في الحي".

 

كانت نغمة الشيوعيين هذه، قد صارت صفة لسكان بنايتنا كلهم، بعدما أطلقها عليهم فتية النراجيل والأناشيد والدراجات النارية والبلياردو، لأن الساكنين أكثروا من اعتراضاتهم على الفوضى العارمة التي أحدثتها أسرة الطبقة الرابعة، في حياتهم السكنية المستقرة.

 

ثم اخذ شبان هذه الأسرة وفتيانها يسألون الناطور عن كل داخل إلى بنايتنا وخارج منها، ومن زار من سكانها وماذا يعلم عنه: إسمه وطائفته ومكان سكنه، وهل تتكرر زياراته؟

 

وحين علم الشاب الذي تعوّد على استعمال أي موقف فارغ من مواقف السكان، أن صهري من الطائفة السنية، صار يواظب اكثر من ذي قبل على إيقاف سيارته في موقفه، مما حمل صهري على التفكير في بيع شقته والرحيل عن البناية، بعدما قال له شبان في مكتب لـ"حزب الله" زاره متظلماً، أن الحزب لا يتدخل في مثل هذه الأمور، وعليه ان يراجع رجال قوى الأمن الداخلي في المنطقة. اما جارنا في الطبقة الثالثة، فقد خرج مرة الى شرفة منزله في الحادية عشرة ليلاً، صارخاً على شبان البلياردو والنراجيل على الرصيف، بأن يوقفوا صخبهم، لأنه يريد أن ينام، فجاوبه صاحب محل البلياردو من الاسفل: "بدك تنام؟! نزال لهون لفرجيك كيف بتنام".

 

المهانة والذل اللذان اصابا سكان بنايتنا جميعأً وفرداً فردا، حولا تذمرهم العلني تذمراً صامتاً ومكتوماً، فأخذ كل ساكن يفكر بمفرده في سبيل خلاصه. وما هو السبيل الى الخلاص بغير الرحيل عن البناية وحي الابيض كله؟

 

وصار السكان يتبادلون في ما بينهم نظرات الكمد والاشمئزاز من الحال المزرية التي آلت اليها حياتهم اليومية في البناية. نظرات كسيرة صامتة تقول في صمت: "ما هذه المصيبة التي حلت بنا؟ ومن يردّها عنا، وماذا نفعل، ولمن نشتكي ونحتكم، بعدما تحوّلت حياتنا الى جحيم لا تطاق؟".

 

حين اخذ جار من سكان البناية يلتقي بجاره في مدخل البناية، ويلقي عليه التحية قائلا: شو جار، كيف الاحوال؟ صار جاره يجاوبه في صوت محطم: متل ما بتعرف يا اخي، ما عاد ينعاش، انت شو مفكر تعمل؟

 

وكانت الطامة حين وصل مرة شاب من اسرة الطبقة الرابعة الى مدخل البناية في ساعة متأخرة من الليل، وأخذ يصرخ شاتماً لأنه وجد المولد الكهربائي لا يعمل، فنزع منه البطارية التي تشغّله وحملها الى بيته. وفي الصباح راجعه ناطور البناية في الأمر، فقال له الشاب انه حطم البطارية، ولن يسمح بعد اليوم بتشغيل المولد.

حملت هذه الحادثة سكان البناية على التجرؤ، فتنادى بعضهم وقرروا الذهاب كلهم الى مكتب "حزب الله" القريب للاحتجاج لديه على ما حل ببنايتهم. وبعدما عرضوا احوالهم مع اسرة الطبقة الرابعة، وقدم لهم مسؤول المكتب الشاي، فيما هو يستمع لشكواهم، قال لهم هادئاً وبعد قليل من الصمت والحيرة: يا اخوان بدكن تطولوا بالكم عليهم، استوعبوهم، ثم سأل: هل هم حقا من الحزب؟ وحين جاوبه احد سكان البناية بأنهم طبعا من الحزب، قال مسؤول المكتب مجددا: تحملوهم اذاً، فداء لأرواح الشهداء، واعتبروها فتوى شرعية.

 

بعد وقت من الصمت تبادل السكان في اثنائه نظرات مستهجنة، غادروا المكتب صامتين. وبعد ايام قليلة نشبت حرب 12 تموز 2006، فغادر سكان البناية والحي بيوتهم في حال من الخوف والفوضى والهلع.

محمد أبي سمرا

 

 

كيف أُلحِق حي الأبيض بسلطان "المربع الأمني" في الضاحية؟ (2) حين تخشى أن تنادي صديقاً باسمه في الشارع الذي تسكن فيه/ مشهد من عروض عسكرية لـ "حزب الله" في "المربع الأمني".

من جريدة النهار 15 حزيران/2008

محمد أبي سمرا

 

حلقة ثانية من شهادة هارب من بيته في حي الأبيض. وهي تروي مشاهد من "الأيام الخاصة" التي يحييها "حزب الله"، ووقائع عن الهواجس الأمنية التي يزرعها في حياة السكان اليومية.

 

 

في الأيام التي جعلها "حزب الله" مجيدة ومشهودة في تقويمه الجهادي، التعبوي والحربي، كـ"يوم القدس العالمي" لمبتكره قائد الثورة الاسلامية الايرانية وإمامها آية الله الخميني، ويوم "النصر والتحرير" بعد جلاء الجيش الاسرائيلي عن الشريط الحدودي جنوب لبنان سنة 2000، وغيرهما من ايام اطلالات "سيد المقاومة والتحرير" الخطابية الدورية المحمومة والغاضبة في "مجمع سيد الشهداء" وملعب الراية، حيّة كانت هذه الاطلالات او متلفزة في الأيام هذه، يصرّ الحزب الخميني اللبناني على احياء طقوسه وشعائره للطغيان الجماهيري الشمولي. فيسيّر على اوتوستراد السيد هادي نصرالله فرق جيشه الاهلي ويحشد جمهوره لاستعراضها على مثال استعراض الأنظمة العسكرية والشمولية والفاشية جيوشها.

 

تتوقف الحياة العادية، العامة والخاصة، في "المربع الامني" وسائر احياء الضاحية الجنوبية في هذه الايام، التي تنصرف في صباحاتها فِرَق "فنية" الى اقامة منصات ومدرجات على جانبي الاوتوستراد الذي يطلق الحزب فيه وفي غيره من الشوارع القريبة ارصاده الأمنية وعناصر اجهزته التنظيمية والتعبوية، تهيؤا لاستقبال حشود جمهوره الذي أنجز تدريبه على الاستجابة الفورية والآلية للاحتشاد واستعراض القوة والهتاف: "هيهات منا الذلة و"يا الله احفظ نصرالله"، و"زحفا زحفا نحو القدس" و"الصلاة على محمد وآل محمد" و"الله اكبر، الله اكبر"، فيما السواعد والقبضات المشرعة تصفع الهواء الثقيل.

 

"السير ببال مغمض"

نحن سكان حي الابيض في ناحية من "المربع الامني" شاءت مساراتنا ومصائرنا الاجتماعية والاسرية والشخصية المستقلة الا تشملنا التعبئة والتدريب على الاحتشاد الاهلي والجماهيري الفوري والآلي. فعراضات القوة وهتافاتها لم تخاطبنا ولم تتلاءم مع نمط حياتنا الذي ظلت وجوه من الحياة المدنية للفئات الوسطى الشيعية اللبنانية، مثاله ونموذجه، في منأى من نمط الحياة والعلاقات والتواصل الداخلي الذي صنعه الحزب الشمولي، واشاعه يوما بيوم طوال 20 سنة في الضاحية الجنوبية. ذلك ان التقويم الجهادي التعبوي والحربي في ايامه المشهودة، وسطوة الشهداء والاستشهاد المقدس، واستعراضات الجيش الاهلي المتهيء للزحف الى القدس، وسلطان الحشود الجماهيرية المرصوصة في انتظار اطلالات قائدها الواحد الأوحد لتستقبل كلماته الهابطة اليها من ملإٍ اعلى مقدس فتبعث اهتزازات نشوة صوفية في اسماعها وجوارحها وافئدتها واجسامها المتصلة اتصالا عضوياً - ان هذه الاحوال كلها وغيرها من كيتش الثقافة الشمولية الحربية، لم تسطُ على حياتنا، بعدما جعلتها محطة تلفزيون "المنار" وشبكات التواصل والصهر الجماهيريين لـ"حزب الله"، خبز الحياة اليومية في بيوت اهالي الضاحية الجنوبية.

 

في الاوقات التي تسبق مواعيد احتشاد الجموع، عبثا تحاول الوصول في سيارتك الى بيتك في اي من احياء "المربع الامني" والاخرى القريبة منه، حيث تزنر الارصفة ومواقف السيارات شرائط صفراء تعلن توقف دورة الحياة العادية، من دون ان تكون على علم مسبق بالمناسبة، ما دامت حياتك تنتظم على ايقاعات الحياة العامة ومواقيتها في المدينة. حينذاك عليك ان تختار بين العودة الى حيث اتيت، وبين ان تقود سيارتك في شوارع جانبية التفافية وصولا الى تخوم منطقة الحدث لتركن سيارتك هناك وتعود سيرا على قدميك الى بيتك، عابرا في شوارع تغيرت معالمها وخلت الا من مشاة بينهم من يشبهونك، وتبادلهم نظرات صامتة تكتم شعورا بأن قوة الحشد الموعود قد حلت مسبقا في المكان، وأقامت حاجزا من الصمت الثقيل بين الواحد ونفسه، وبينه وبين الآخرين؟ نظرات جوفاء يتبادلها اشخاص شبه افتراضيين وعراة من الارادة والحرية، كأن تلك القوة المرتقبة تثقيل عليهم حركتهم وانفاسهم وتحجز بينهم الهواء وتحجّره، فيشعرون أنهم مجوفون من الداخل كآلات بشرية تسعى، فيما ارصاد وعيون خفية تتسلط عليها من الجهات كلها وتحصي حركاتها في مكان ممغنط.

 

الحاجبات التي احملها سائرا من حيث ركنت سيارتي، تروح تثقل في يدي، فأنقّلها من يد الى يد، ثم اغذ السير لأصل الى بيتي. المسافات والمعالم التي اعرفها وكانت اليفة وعادية، تروح تتباعد او تتقارب، فلا أعود ادرك، الا في صعوبة، اين انا وكم من الوقت يلزمني لأصل، وكم من الوقت مضى عليّ وانا امشي. كأن الاوقات والاماكن والعلامات قد تفككت وصرت غريبا فيها وعنها، وغريبا عن خطواتي وحركاتي ونفسي في متاهة فسيحة بلا حدود ولا معالم. حتى الناس الذين اعرفهم واتخيل وجودهم في اماكن اعرفها، يصيرون متباعدين، ولا اعود قادرا على تخيلهم في اي مكان. فالقوة الخفية التي أخلت الشوارع وأوقفت ايقاع الحياة العادية، هي قوة مغناطيسية طاردة وجاذبة في الآونة نفسها، ومجمدة للزمن والمخيلة.

 

كأنني اسير "ببال مغمض"، على ما كتب الشاعر اليمني نبيل سبيع، ووسم مجموعته الشعرية. اسير سير رجل افتراضي عتيق وخارج الزمن، في طرق لا اعرفها، ولن اصل، او اصل الى بيت لا يعرفني. في مرة من مرات سيري هذا، لم ادر ما الذي نبهني، فجأة الى انني تجاوزت البناية التي فيها بيتي، فوقفت ورفعت رأسي محدّقاً في واجهات البنايات حولي. فاذا بها تدور دورات سريعة مقتربة مني، حتى كادت تنطبق عليّ، وشعرت ان الحاجبات التي احملها تسقط من يديّ من دون ان تصل الى الارض، ثم لمحت شرفة بيتي وسط دوار البنايات المتسارع من حولي.

 

لم اكن وحدي في المكان، لكن وجوه الناس فقدت ملامحها، كأنها معلقة في الفراغ، كالأشياء التي اخليت منها الاماكن في انتظار الحشد الكبير.

 

"يوم خاص"

في ايامهم هذه، على كل ساكن في اي من احياء "المربع الامني" ان يخلي سيارته من موقفه الخاص في البناية، ويمتنع عليه ركنها في اي مكان من المربع الذي يجب ان يخلو تماما من السيارات. انها ايام للمشاة فقط. المشاة الذين يصير حضورهم وعبورهم في الشوارع الخالية واضحا ومنكشفا على نحو يُشعر العابرين ان حركاتهم وسكناتهم مختصرة وضئيلة أو متضخمة في المكان الذي اتسع وصار فائضا عن الحاجة، وصاروا هم ايضا، المرئيين من الجهات كلها، بلا خصائص شخصية او مكتومي هذه الخصائص، وضئيلين في المكان المتسع الذي فقد ابعاده وصار مسطحا، كأنه معرّض لكشافات خفية او غير مرئية. فقط بنايات وشوارع ومشاة في زمن موقوف وامكنة موقوفة.

 

من يرغب في مغادرة بيته في هذه الايام، يقول له امنيّوها ان عليه ان يعطيهم مفتاح بيته، لأن الخطة الامنية تستوجب انتشار الارصاد في البنايات كلها لمراقبة الشوارع من زوايا النظر المختلفة والكثيرة، وخصوصا في مناسبات العروض العسكرية للجيش الحزبي والأهلي الذي تتدلى فرقة منه على الحبال المشدودة الى سطوح البنايات وفوق الشوارع بين البنايات.

 

كيف اعطيكم مفتاح بيتي؟! يسألهم الراغب في مغادرة بيته، فأنا ذاهب الى عملي وسوف أعود، يقول متابعاً. لكن أين ستوقف سيارتك إذا عدت؟ يسألونه مجدداً. مهما كان جوابه يصرّون على الحصول على المفتاح، قائلين: ولو ما بتأمنّا على بيتك؟ّ نحن مسؤولين عن كل شيء في المنطقة، وهل سيجيء الى عندك أحد من خارج المنطقة؟ يتابعون سائلين.

 

ليست المسألة مسألة أمن وتأمين وخوف على المقتنيات البيتية، يقول لهم الرجل، بل مسألة أن يأخذ منك شخص لا تعرفه مفتاح بيتك ويستعمله في أثناء غيابك عنه. فهل يعطيني أحدكم مفتاح بيته إذا طلبته منه؟ يتابع متسائلاً، قبل أن يقول إنه امر يتعلق بالخصوصيات.

 

مثل هذه المناقشة تؤدي الى اعتبار الشخص المناقش غير مستجيب أو غير مطيع، بل خارج على الانتظام العام في "المربع الامني"، لكن من دون أن يفقد رجال الأمن رباطة جأشهم واسلوبهم الملاطف للوصول الى غايتهم.

 

حين يبدأ العرض العسكري، يجب على سكان البنايات ألا يجلسوا أو يقفوا على شرفات بيوتهم، بل يأوون الى داخلها ويغلقون الستائر الخارجية للشرفات، حتى نهاية العرض. وفي مثل هذه الاوقات تضيق دواخل البيوت شبه المحاصرة، وتتحول ما يشبه مآوي أو ملاجئ عميقة لساكنيها الذين يحارون إن كانوا يشعرون بإلفة داخلية مضاعفة أم بشيء من الانقباض الداخلي، فيما شاشة تلفزيون "المنار" تبث وقائع العرض الذي يجري أمام البنايات وشرفاتها. إنه حقاً وتماماً يوم كاليوم "الخاص" الذي صوّر في أحد الافلام الايطالية في زمن الفاشية.

 

زمن البيوت الداخلي منفصل عن زمن الخارج، لكنه مسكون ومتصل به على نحو يرغم الساكنين على عطالة نهارية غير معتادة تجعل الوقت البيتي والعلاقات البيتية الخاصة مشوبة بالفراغ والانتظار. وقت راكد حتى اللزوجة واستعادة تسليات قديمة مملة، كألعاب الداما، والباصرة والطرنيب والليخا ولـ14 بورق الشدة، فيما العالم الخارجي الأبعد من "المربع الأمني" والضاحية الجنوبية، ينقطع وينأى، كأنه في بلاد أخرى بعيدة.

 

استبطان الهاجس الأمني

لم يكن أي من ساكني بنايتنا في حي الابيض يميل الى حزب من الاحزاب، لا الى حركة "امل" ولا الى "حزب الله" ولا الى غيرهما. ويمكنني القول ايضاً إن ساكني الحي في معظمهم كانوا أسراً نواتية منصرفة الى أعمالها وشؤونها وتحصيل معاشها، والى علاقاتها الاجتماعية والشخصية، في منأى من النعرات والعصبيات الاهلية والسياسية الدارجة.

 

لكن الهاجس الامني الدائم لـ"حزب الله"، والذي ناء بثقله على الساكنين المدنيين والمستقلين هؤلاء، وراح يتراكم ويتضاعف مع مرور الوقت وتكاثر "الايام الخاصة" و"المسح الأمني"، سرعان ما بدأ يتسلل الى حياتهم وعلاقاتهم، ليتحول هاجساً يتبادلونه في صمت، رغماً عن إرادتهم، وعلى نحو لاشعوري، ما دام كل شخص منهم صار يستبطن شعوراً فردياً بأنه مراقب ومرصود، وهدف غير معلن للاستطلاع الخفي والمساءلة العلنية التي تتضاعف على كل من لا يبدي ترحيباً وقبولاً بديهياً بها، فيصير هذا الشخص معرضاً للشك والريبة والحذر. وهذه لا بد أن تتسلل الى نفسه وتسكنها، كأنه أصيب بعدوى لا سبيل ا لى تجنبها وردها، فيفقد حسه العادي السليم، ويتحول بدوره شخصاً أمنياً مستريباً وحذراً، بعد شعوره بأن شيئاً ما ينقصه ليصير على الصورة التي يرغبون أن يكون عليها.

 

ينزع استبطان الريبة والحذر هذين الى تخريب العلاقة بين الشخص ونفسه وبينه وبين الآخرين. فأنا من لم أنتبه الى انتماءات جيراني ومعارفي في الحي، ولم أتساءل في نفسي ولا سألتهم مرة عنها، رحت استبطن هذه الاسئلة. ولكثرة ما سُئلت عن الاشخاص الذين يزورونني في بيتي، وهم من اصدقائي، صرت أحسب ألف حساب لزياراتهم وأشعر بشيء من الضيق اللاإرادي في حضورهم ومجالستي إياهم، كأنني أروح أفكر مسبقاً بالمعلومات التي عليّ أن أقدمها عنهم لسائليّ المرتقبين. ذلك لأن من لا يستجيب لما يُسأل عنه، يروح السائلون يستطلعون من جيرانه أو من أولاد في الحي ما يريدونه من معلومات عن أحواله وأحوال زائريه. وليس ضرباً من الخيال أن يبدأ أولاد من الحي بالتقرب من "حزب الله"، بعدما يُسالون عن أخبار ساكنيه وزائريهم، فيروحون يزورون مكتب الحزب ويقدمون من تلقاء أنفسهم ما يحلو لهم من المعلومات عن الناس. وعليك أن تتخيل في هذه الحال اي نوع من السموم تداخل حياة البشر وعلاقاتهم.

 

من هذه السموم أنني صرت أحذر أن أنادي في الشارع شخصاً من معارفي باسمه الذي ينم عن دلالة طائفية محددة. أحذر وأضطرب وأخاف كأنني ارتكب فعلة شائنة. فأي حياة هي هذه، حينما تخشى أن تنادي شخصاً صديقاً باسمه في شارع الحي الذي تسكن فيه؟!

 

 

كيف أُلحِق حي الأبيض بسلطان "المربع الامني" في الضاحية؟" (1)

الحزب الشمولي يحاصر بقايا الفئات الوسطى الشيعيَّة فتهجُرُ أحياءَها السكنية

كتابة محمد أبي سمرا شهادة هارب من بيته في حي الأبيض

النهار 8/6/2008

 

تروي هذه الشهادة بعضا من محطات السيرة السكانية لحي الابيض على تخوم "المربع الامني" في الضاحية الجنوبية. وهي ترسم بعضاً من احوال فئات وسطى شيعية مدنية ومستقلة خنقتها "دولة حزب الله" الأمنية.

 

سنة 2000، بعد مدة قصيرة على جلاء الجيش الاسرائيلي عن الشريط الحدودي المحتل جنوب لبنان، انتقلت وزوجتي وطفليّ الى بيتنا الجديد الذي اشتريناه في بناية جديدة بحي الابيض الناشئ حديثاً في ناحية من حارة حريك، والمستمد اسمه من احدى عائلات ملاّكها المسيحيين الذين أُرغموا على بيع املاكهم فيها والرحيل عنها في سنوات الحرب، وما تلاها من سيطرة "حزب الله" عليها وجعلها "مربعاً امنيا" لقياداته واجهزته ومؤسساته.

 

 

أوتوستراد السيد هادي

مطالع التسعينات من القرن الماضي، وبعد نهاية الحرب، تكاثر العمران الجديد في حي الابيض على مساحات من بقايا بساتين حارة حريك، قبل ان يخترقها الاوتوستراد الجديد الذي سمي أوتوستراد السيد هادي نصرالله، النجل الشهيد للسيد حسن نصرالله الامين العام لـ"حزب الله". في النصف الثاني من التسعينات، ازدهر تشييد البنايات الجاهزة في الحي، فأقبلت فئات شيعية جديدة من الموظفين والمهنيين المتوسطي الحال، على شراء شققها المتوسطة الجودة والاسعار، وغير الشعبية، بمعايير العمران في الضاحية الجنوبية. وقد يكون شق الاوتوستراد الجديد الذي صار يتفرع من جهته اليمنى في جنوب حارة حريك، الشارع المؤدي الى حي الابيض، من الاسباب التي عجّلت في تبدل نمط الحياة الخاص في الحي وسيرورته نحو التجانس مع النمط العام السائد في ضاحية "حزب الله" وعاصمة دولته في "المربع الامني" بعدما شكل أوتوستراد السيد هادي نصرالله الساحة العامة الجديدة لاحتفالات الحزب ومناسباته الكثيرة التي يحشد فيها جمهوره العريض المدرب تدريبا آليا على الاحتشاد والتعبئة في الايام المشهودة.

 

أسر نواتية فتيّة

كانت شقق بنايتنا السكنية قد امتلأت بملاكها نهايات سنة 2001. الساكنون كانوا مثلنا في معظمهم تقريبا: اسر نواتية شيعية فتية وجنوبية المنبت. لكن هذا الانتساب الموروث الذي يشمل معظم سكان بنايات الحي الجديد، لم يكن ليتجاوز التسمية والتعريف العاديين للسكان، فلا يشكل هوية اهلية وعضوية، حية ويومية وجامعة، لا في العلانية العامة للحي، ولا في الحياة الخاصة لسكانه الذين لم يجعلوا شيعيتهم وجنوبيتهم حدّا في تعارفهم ومبادلاتهم وعلاقاتهم التي لم تكن لتقتصر على الحي والمنطقة، بل تمتد الى خارجهما، فتتوزع شبكاتها وتتنوع في المدينة، ولو على نحو متفاوت.

ثم ان بنايتنا وبعض البنايات الاخرى في الحي لم تكن تخلو من بعض ملاك وساكنين من طوائف ومنابت غير شيعية، ومن زواجات مختلطة بين شيعة وسنة ودروز. وهذا حال اختي المتزوجة من سني والمقيمة واسرتها في بنايتنا، وحال قريب لي متزوج من درزية ومقيم في بناية قريبة. لكن قلة الاختلاط الطائفي في السكن والزواج في حينا، ما كانت لتحمل سكانه على الشعور بأنهم متجانسون طائفيا، او ان شيعيتهم تشكل حدّا جامعاً مانعاً في سلوكهم ونمط حياتهم اليومية اللذين كان يغلب عليهما قاسم مشترك عام مثاله نمط الحياة المدنية للأسر النواتية من الفئات الوسطى وما دونها بقليل في الوسط الشيعي المديني اللبناني في بعض احياء الضاحية الجنوبية.

 

قد يكون الوسط الاجتماعي الشيعي هذا، هو الذي عمل "حزب الله" في بدايات ظهوره اواسط ثمانينات القرن الماضي، على تطهير الطائفة الشيعية منه، فشن عليه حملات الحصار والترويع، وقام بتصفية ناشطيه من القوميين واليساريين واغتيالهم في الضاحية الجنوبية وبيروت والجنوب. هذا قبل ان يعمل لاحقا على خنق بقايا فئات هذا الوسط الشيعي واستتباعها وتحطيمها، طوال تسعينات القرن الماضي وبعد اعراسه التحريرية سنة 2000. والارجح ان حي الابيض بسكانه واجتماعه على تخوم مربع "حزب الله" الامني، كان من ضحايا سعي الحزب المحموم الى احتلال الطائفة الشيعية امنياً وجغرافياً وسياسياً، وتحويلها حزباً شمولياً وجمهورية عسكرية شمولية للخوف والتخويف.

 

بعد مضي سنة او سنتين فقط على امتلاء بنايتنا المؤلفة من 6 طبقات و12 شقة، بملاّكها وساكنيها، شأن غيرها من بنايات حي الابيض، بدأ ينهار سريعاً نمط الحياة في حينا. أي النمط الذي كان مثاله انشاء علاقات مدنية عادية، تنطوي على الاحترام المتبادل ووئام التجاور بين الساكنين، وعلى تشاركهم في تدبير شؤون الخدمات في البناية الواحدة، بعيدا من الانقياد الى تشنجات العصبيات الاهلية والحزبية التي لم يكن يركب مركبها سكان الحي الجديد المنصرفين الى حياتهم واعمالهم وعلاقاتهم المختلطة، والمنفتحة في امتداد شبكاتها الخاصة للزيارات البيتية واللقاءات غير البيتية، خارج الحي السكني، من دون تجاوز الحدود المتعارفة بين الخاص والعام.

 

مهانة المسح الأمني

في بدايات اقامة كل اسرة في شقتها من بنايتنا الجديدة، لم تكن تتصور ان وجودها وحياتها اليومية العادية في بيتها وفي الحي، سوف يكونان مصدر ريبة لأجهزة "المربع الامني" التي تقوم بين كل خمسة اشهر او سبعة، بحملة "مسح امني" شاملة للسكان. لكن قبل ان نتعوّد على هذا المسح الدوري العام المهين، كان شبانه يأتون الى بنايتنا وغيرها من البنايات الجديدة في الحي، كلما نزلت فيها اسرة جديدة.

 

اتذكر نهار طرق احدهم باب بيتي وفتحته، بعد مضي ايام، وربما اكثر من اسبوع على انتقالنا واقامتنا في البناية. حين بادرني الشاب بتحية "السلام عليكم" ورأيت لحيته النابتة قليلا، علمت من يكون وماذا يريد، قبل ان يقول انه يرغب في الحصول على بعض المعلومات عني وعن اسرتي. ليس للتأكد مما فكرت فيه، بل انسجاماً مع نفسي ومع المنطق العادي الذي ينظّم العلاقات السوية بين الناس، سألته عن السبب ومن يكون، فجاوبني بأنه من المنطقة، ثم امسك استمارة وقلما وتهيأ لتدوين ما يطلبه من معلومات، وراح يسألني اسئلته الاولى عن اسمي واسم ابي، كأن ما قاله عن غايته ومن يكون يكفي لتجاوبي مع ما يريد.

 

كغيري من سكان البناية الذين اخبروني بأنهم سبقوني في هذا الاختبار، كنت ادرك انني سأستجيب رغبته اخيرا، لكن كمن يؤجل هنيهات سقوطه مرغما وصاغراً في تجربة ممضّة ومهينة واستحضاراً مني لبقية منطق الحياة العادية، سألته ان كان يكفي ان يكون من المنطقة لأجاوبه عن اسئلته، فقال انه من الحزب، معتبرا ان ال التعريف تعوّض عن ذكر كلمة الله التي تعرف بحزبه وتخصصه. "حزب الله" جاوبني، بعدما سألته اي حزب يقصد. "لكن ما ادراني انك من "حزب الله"؟ قلت، فتابع بأن "كلنا اخوان، ومقاومة" وان ما يطلبه مني غايته "حماية المقاومة من اسرائيل".

 

بعد قليل من الصمت الحائر والمختنق، سألته عن المطلوب، فجلس على سفرة الدرج متهيئاً لتدوين أجوبتي في استمارة معلومات "المسح الأمني" التي شعرت، فيما هو يدوّن عليها ما أقوله، أن كل شاردة وواردة من حياتي لم تعد ملكاً لي: أسماء أبي وأمي وزوجتي وأولادي، ومن أي منطقة وقرية أنا، وأين كنت أسكن من قبل ومنذ متى أسكن هنا، وماذا أعمل وتعمل زوجتي وأين، وفي أي سنة ولدت وأرقام سيارتي وهاتفي وسجل قيد نفوسي، وأن كنت انتمي الى حزب ما، وهل عندي أصدقاء من طائفة أخرى، ومن يأتي من خارج الحي والمنطقة الى زيارتي في بيتي، وإن كنت أدخن وأشرب الخمرة؟... الخ.

 

فيما هو يغادر ملقياً عليّ تحية "السلام عليكم"، وفيما أنا أتراجع عن باب بيتي وأغلقه خلفي، لم أشعر بأي سلام، بل بالتعب والإنهاك والضيق والانتهاك، لكن بالخلاص والراحة المشوبة بالخور والاستسلام أيضاً، كأنني أنهيت محاكمة اتهامية أويت بعدها الى بيتي الجديد الذي بدأ شيء من الغموض والريبة يخالط صناعتي لإلفتي معه وفيه. فالوقت الذي تركته خلفي، حينما كنت واقفا في الباب مستجيباً لأسئلة شاب "المسح الأمني"، أفقدني ذلك الشعور الحقيقي أو العادي بالوقت. كأنه كان وقتاً خارج الزمن، ومسكوناً بواقع افتراضي حوّلني رغماً عني شخصاً انتُزعت منه إرادتُه وخصائصه، من دون ان يقوى على الرفض او الإعتراض، مما خلّف لديّ شعوراً بالذنب والهوان وبقلة الثقة بالنفس.

 

أطفال الحشد السلطاني

"المسح الأمني" الأول لبيتي الجديد، كان بداية غيثهم في مسلسل القهر الشمولي الذي ستتكرر محطاته ومواقيته ومناسباته في مسوح اخرى جزئية للسكان الجدد، وشاملة غايتها تذكيرية وتدريبية إلى جانب الأمنية، بين كل خمسة أشهر أو سبعة، لئلا ينسى السكان أين يقيمون وفي عهدة من يقيمون، فيتحررون من رقابة الجهاز الامني وولايته عليهم وعلى حياتهم، وقد يشتطون وتسوّل لهم أنفسهم إتيان المعاصي والخروج في سلوكهم وعلاقاتهم على جادة السراط المستقيم، فلا يقيم كل منهم من نفسه وفي دخيلتها رقيباً ذاتياً عليها.

 

أما العراضات والهرجات والتظاهرات والاحتفالات فكثيرة على أوتوستراد المربع الأمني. وهي ايضاً مناسبات في مسلسل القهر الشمولي الذي يتحول البشر في حشوده المرصوصة أطفالا لاهين وممتلئين فرحاً طفلياً بلهوهم الجامع تحت أنظار القائد وغضب كلماته الطوطمية التي تمتدح طفولتهم اللاهية وتزهو بها، فيتشنجون لها طرباً ملوحين بالأيدي والقبضات. وفي حال لم ياخذ اللهو الطفولي البائس هذا شخصاً ما من سكان المربع الأمني وجواره، فأبدى سلوكاً ينمُّ عن أنه شخص عام ومسؤول عن نفسه وأفعاله، وأن شؤون حياته الخاصة والبيتية وشواغله العامة ومواقيتها، تتصل بإيقاع الحياة العامة ونظامها في المدينة، سرعان ما يقول له نظّار مهرجان اللهو الطفلي، معاتبين: "ولو نحن كلنا إخوان وأولاد منطقة واحدة، ومقاومة".

 

لكن وراء دماثة قولهم الإخواني المعاتب هذا، هناك تلك الإرادة السلطانية الجامحة والجامعة والممتلئة بصلافة خفيّة هدفها تحويل هذا الشخص طفلا، أو شخصاً مغفلا وبلا خصائص وإرادة خاصة وحياة خاصة، وتذويبه في قوة الجمع السلطاني الهادر.

 

كتابة محمد أبي سمرا شهادة هارب من بيته في حي الأبيض

الاحد المقبل حلقة ثانية من هذه الشهادة

 

عن جريدة النهار/عدد الأحد 8 حزيران 2008