اتفاق الدوحة أرسى التوازن نسبياً وبدء استعدادات المواجهة الانتخابية

2008 لبنانياً عام هجوم "8 آذار" على "ثورة الأرز" وصمود"14 آذار"

بيروت - علي أحمد: السياسة

29/12/2008

الصمود في مواجهة الهجوم المضاد لقوى 8 آذار والنظام السوري على "ثورة الأرز" ومنجزاتها. هذا هو العنوان العريض للعام 2008 في لبنان. في العام 2005 نجحت "ثورة الأرز" في انهاء عهد الوصاية السورية, الذي دام نحو ثلاثة عقود, وفرضت على الجيش السوري الانسحاب الكامل من الأراضي اللبنانية, وأسقطت حكومة حلفاء دمشق. وعزلت آخر رموز الحكم السوري, أميل لحود في سنوات ولايته الممددة قسراً, وفازت قوى 14 آذار بالأكثرية النيابية, وشكلت حكومة الاستقلال الثاني برئاسة الرئيس فؤاد السنيورة. وكان من أبرز انجازاتها, اعادة القرار السياسي اللبناني الى بيروت, ان كان على مستوى الحكم الداخلي, أو في السياسة الخارجية. وجاء انجاز المحكمة الدولية في قلب هذه السياسة. بعد نحو العامين, ومع نهاية العام 2006, بدأ هجوم النظام السوري المضاد لاسقاط هذه المنجزات, ولالغاء القوى السيادية, أولاً من خلال اسقاط الحكومة, في نوفمبر, عبر تظاهرات "حزب الله" وحلفائه, ثم مع احتلال وسط العاصمة, واطلاق سلسلة من العمليات الأمنية التخريبية, في مختلف أنحاء لبنان. وثانياً عبر تعطيل مؤسسات الدولة, الواحدة تلو الأخرى. فأقفل المجلس النيابي, ثم عطل الاستحقاق الرئاسي, واحتل الفراغ سدة الرئاسة اللبنانية, ناهيك عن تعطيل مختلف مرافق الحياة في البلد, وقد دام هذا الوضع طوال العام 2007. وهكذا بدأ العام 2008 ولبنان في حالة فراغ مطلق: الحكومة عاجزة عن الحكم, الأكثرية النيابية غير قادرة على تأدية واجبها قصر رئاسة الجمهورية في بعبدا شاغر ولا وجود لرأس الدولة. الميليشيات الحزبية تحتل الشوارع بشكل مقنع, القواعد العسكرية الفلسطينية المنتشرة قرب الحدود اللبنانية-السورية, وفي الداخل اللبناني, تشكل حصان طروادة سوري, عمليات الاغتيال مستمرة, وآخرها قبل نهاية 2007 بقليل, استهداف مدير العمليات في الجيش اللبناني اللواء الشهيد فرنسوا الحاج, الحوادث الأمنية تتنقل من منطقة الى أخرى, يغذيها خطاب اعلامي-سياسي, ذو نفس مذهبي تحريضي. بدأ العام 2008, تحت وطأة خمسة عشر شهراً من تداعيات حرب يوليو 2006, والكل يذكر أنه فور توقف تلك الحرب, وتحديداً في 15 أغسطس 2006 (اليوم التالي لوقف العمليات الحربية) خرج الرئيس السوري بشار الأسد, ليعلن "النصر" في لبنان, وليطالب بحكومة وحدة وطنية, المقصود منها, أن تمتلك قوى 8 آذار فيها حق النقض. وبعده بأيام قليلة, تبنى الأمين العام ل"حزب الله" السيد حسن نصر الله هذا الشعار. وصار الثلث المعطل هو قضية القضايا, وفي سبيله تم تعطيل البلد. واذا كان من خلاصة لأحداث 2006-2007, فهي نجاح قوى 8 آذار بقيادة "حزب الله", في الغاء الحياة السياسية, باستخدام ورقة السلاح, اذ تحت ذريعة "الانتصار" على اسرائيل في حرب 2006, جرى ما جرى في الداخل اللبناني. كان استخداماً للسلاح بصورة غير مباشرة, وهذه كانت المرة الأولى, ولما لم ينجح ذلك, جرى استخدام السلاح صراحة مباشرة في أحداث مايو 2008, كما سيظهر لاحقاً.

في المقابل استمرت قوى 14 آذار على نهجها في العمل السياسي, والممارسة الديمقراطية. ف"ثورة الأرز" في الأساس هي تظاهرة شعبية في 14 آذار العام 2005, رداً على تظاهرة 8 آذار التي أطلقها نصر الله تحت شعار "شكراً سوريةً". واسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي تم في البرلمان تحت وطأة خطابات سياسية وليس أعمالاً حربية. والأكثرية التي نالتها قوى 14 آذار كانت بالانتخاب, وكذلك تشكيل حكومة الاستقلال الأولى, تم وفقاً للآليات الدستورية اللبنانية, وبعد ذلك الأداء الحكومي والسياسي, الذي تميز بسلميته وديمقراطيته. ولم تلجأ الحكومة الى العنف الا في حالة واحدة, عندما أصدرت الأمر للجيش للتصدي للارهاب واستئصاله في مخيم نهر البارد, أو حين كلفت القوى الأمنية الأخرى, بتفكيك شبكات الارهاب في سائر المناطق, وكشف حقيقة الجرائم التي ارتكبتها, وأبرزها: جريمة "عين علق". استمر هذا الأداء مدعوماً من حالة شعبية واسعة لخيارات قوى 14 آذار, وفي مقدمها ترسيخ أسس الدولة القوية والقادرة والعادلة, الى أن أصبح الصدام مع الخيار الآخر حتمياً, فكان قرارا الحكومة في الخامس من مايو, بالتصدي لهيمنة "حزب الله" على أمن مطار رفيق الحريري الدولي, والتصدي لشبكة الاتصالات الثابتة الخاصة للحزب, وحدثت المواجهة سياسية من ناحية الحكومة, وعسكرية من ناحية "حزب الله" وحلفائه, وكان انقلاب مايو الأسود. في هذا التقرير نعرض لأبرز المحطات السياسية والعسكرية والاقتصادية للعام 2008, الذي تشكل أحداثه, حلقة وسط, بين "ثورة الأرز" وما تلاها, وبين الانتخابات النيابية المقبلة, التي ستجري العام المقبل. وأبرز عناوين العام المنصرم:

- الفراغ الرئاسي الذي أحدثته قوى 8 آذار, والخروج منه بانتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية بمبادرة من قوى 14 آذار, وبدعم عربي ودولي غير مسبوق.

- "حزب الله" وسلاحه: من استثماره في مواجهة اسرائيل, الى استخدامه في الداخل, وصولاً الى طرحه على طاولة الحوار مجدداً.

- انقلاب مايو مقدماته ومسبباته واستهدافاته.

- اتفاق الدوحة, منطلقاته وآفاقه.

- تشكيل الحكومة الثانية للرئيس فؤاد السنيورة, وحكومة العهد الأولى.

- مسلسل الاغتيالات المستمر, واستهداف هيبة الدولة في مناسبات عدة.

- المواجهة مع اسرائيل والقرار 1701.

- التحول الكامل للعماد ميشال عون الى المحور الايراني-السوري.

يناير: المبادرة العربية

استكمالاً لدوره في تعطيل الانتخابات الرئاسية اذ لم توصله شخصياً الى سدة الرئاسة, استهل العماد ميشال عون العام الجديد في يومه الأول بهجوم حاد على بكركي (مقر البطريركية المارونية" وعلى القوى المسيحية في قوى 14 آذار, بعد أن أصبح خيار المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان أمراً واقعاً لبنانياً. وقبل أسابيع من تحوله الى أمر واقع عربي. واستكمالاً للعبة توزيع الأدوار, كان عون قد تحول في نهاية العام 2007 الى "رأس حربة" قوى 8 آذار, فخرج السيد نصر الله في الثاني من يناير 2008, في خطاب هادئ يدعو الى الشراكة الوطنية, على مقربة من انعقاد اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة. في وقت واصل النائب وليد جنبلاط هجومه على النظام السوري.

اقليمياً مع فشل المبادرة الفرنسية في اقناع الأطراف اللبنانية بتسهيل الانتخابات الرئاسية, انتقل الجهد الفرنسي في يناير 2008, الى دمشق لاقناعها بذلك, من دون جدوى.

في الخامس من يناير اتفق وزراء الخارجية العرب على مبادرة عربية لحل الأزمة اللبنانية, بعد أن وزعت قوى 14 آذار مذكرة على الدول العربية, عرضت فيها مسلسل التدخل السوري في لبنان.

وهذا نص المبادرة العربية: أولاً: الترحيب بتوافق مختلف الأفرقاء اللبنانيين على ترشيح العماد ميشال سليمان لمنصب رئاسة الجمهورية, والدعوة الى انتخابه فوراً وفقاً للأصول الدستورية.

ثانياً: الدعوة الى الاتفاق الفوري على تشكيل حكومة وحدة وطنية, تجري المشاورات لتأليفها طبقاً للأصول الدستورية, على ألا يتيح التشكيل ترجيح قرار أو اسقاطه بواسطة أي طرف. وتكون لرئيس الجمهورية كفة الترجيح.

ثالثاً: الدعوة الى بدء العمل على صياغة قانون جديد للانتخابات فور انتخاب رئيس الجمهورية وتشكيل الحكومة.

رابعاً: تكليف الأمين العام للجامعة اجراء اتصالات فورية مع جميع الأطراف اللبنانية والعربية والاقليمية والدولية في ضوء هذا القرار وله أن يستعين بأي مسؤول عربي للمساعدة في هذا الشأن.

خامساً: يعقد وزراء الخارجية العرب اجتماعاً مستأنفاً لدورتهم غير العادية لاستعراض نتائج جهود الأمين العام في 27 يناير.

مع استعداد عمرو موسى للحضور الى بيروت, اكتشف الجيش صواريخ كاتيوشا في الجنوب وجرى استهداف آلية لل"يونيفيل" في منطقة الرميلة في اليوم نفسه (8 يناير), وصل موسى الى بيروت في 9 يناير ليبدأ مهمته المستحيلة: اقناع قوى 8 آذار بأن الحل العربي لا يمكن أن يفسر على أنه منح الثلث المعطل لما يُسمى "المعارضة".

استمرت مساعي موسى على مراحل, طوال شهر يناير, وحتى أواخر فبراير, قبل أسابيع قليلة من موعد انعقاد القمة العربية الدورية في دمشق. وقد حاول خلالها اقناع عون ومن خلفه قوى 8 آذار, بتنفيذ المبادرة العربية التي تراعي الأصول الدستورية اللبنانية, فيتم انتخاب رئيس الجمهورية أولاً, ثم تشكل حكومة الوحدة الوطنية, ثم يوضع قانون الانتخاب. وأصر عون وحلفاؤه في اللقاءات الرباعية التي جمعته مع موسى والنائب سعد الحريري والرئيس أمين الجميل, على وضع شرطي الحكومة وقانون الانتخاب قبل الرئاسة. ولطالما كرر أن قبوله بانتخاب سليمان هو تنازل عن حق يملكه, وان تراجعه عن مطلب الانتخاب لعامين فقط, هو أيضاً تنازل.

لم يغب التوتير الأمني عن الساحة, بل وقع تفجير آخر في 15 يناير مستهدفاً سيارة تابعة للسفارة الأميركية على طريق نهر بيروت, وفي 25 من الشهر ذاته, اغتيل الرائد في قوى الأمن الداخلي اللبناني وسام عيد بتفجير ارهابي مماثل لسلسلة التفجيرات والاغتيالات السابقة. وكان عيد أبرز المحققين التقنيين في تلك الجرائم, من خلال موقعه كخبير في الاتصالات, وقد عمل مع لجنة التحقيق الدولية منذ انطلاقتها.

وفي السياق الأمني نفسه, ولكن في سياق سياسي آخر, فجرت قوى 8 آذار أحداث مار مخايل في 27 يناير, تحت ذريعة "انقطاع التيار الكهربائي", وورطت الجيش في مواجهة الشوارع, فخرج منها ضعيفاً في هيبته وسطوته. وحاولت في الوقت نفسه الايقاع بينه وبين الحكومة. وفي المحصلة هدر دم أبرياء في الضاحية الجنوبية, وأحيل ضباط وجنود إلى التحقيق, فقط, لأن بعض القوى حاولت اسقاط الحل العربي, والتوافق على شخصية قائد الجيش, كمرشح توافقي.

فبراير: محطات متزاحمة

ازدحم شهر فبراير بمحطات كثيرة. انتهت أحداث مار مخايل الى تحقيق ميداني قضائي وعسكري أجراه الجيش, واستطاع بنتيجته, مدعوماً من الحكومة وقوى 14 آذار, من تجاوز القطوع, أو بالأحرى الفخ الذي نصب لقائده. وخرج سليمان في 4 فبراير مخاطباً العسكريين في اجتماع في اليرزة قائلاً: "أنا لم أعلن ترشيحي لرئاسة الجمهورية. وقد افترضت أن قبول الجميع بترشيحي توافقياً, هو خيار لمصلحة جميع اللبنانيين, وأنا قلت منذ اليوم الأول, أنني سأكون جاهزاً لتحمل المسؤولية, لكن اذا برز اسم آخر أو مرشح آخر يستطيع أن يأتي بالحل للبنانيين, فسأكون أول الداعمين له, ولن أقف حجر عثرة في طريقه, بل سأسهل مهمته من موقعي في قيادة الجيش". كان هذا التحذير الأول من العماد سليمان للسياسيين.

المحطة الثانية في 13 فبراير ومكانها دمشق حيث جرى اغتيال القائد العسكري ل"حزب الله" عماد مغنية بعد عقود من التخفي مطارداً من أجهزة استخبارات شتى. في يوم تشييعه (14 فبراير) أعلن السيد نصر الله أن الحزب سيختار الزمان والمكان المناسبين للرد, معلناً الاستعداد لحرب مفتوحة ضد اسرائيل على امتداد الدنيا. ولكنه تراجع في خطاب ذكرى الأسبوع (22 فبراير) عن التهديد, مكرراً التعهد بالانتقام لمغنية ولو بعد حين.

المحطة الثالثة في 14 فبراير الذكرى الثالثة لاستشهاد الرئيس رفيق الحريري, وقد أثبتت قوى 14 آذار في تلك المناسبة, استمرار حيويتها وقوتها الشعبية رغم مرور أربعة عشر شهراً على "مصادرة" قوى 8 آذار للشارع (بدءاً من نوفمبر 2006), ووقوف قوى "ثورة الأرز" والحكومة في موقف الدفاع, وشكل الحشد المتجدد في ساحة الشهداء احياء للمناسبة, تذكيراً للنظام السوري ولحلفائه, بالمحكمة, وبصمود لبنان في مواجهة محاولات اعادة الوصاية السورية باشكال مختلفة.

المحطة الرابعة: تصاعد التوتر السياسي, وارتفاع منسوب التهديدات السورية المبطنة لقوى 14 آذار, وصولاً الى حد تهديد البعثات الديبلوماسية العربية, ما استدعى قراراً من وزارة الخارجية السعودية في 18 فبراير, بنصيحة السعوديين بعدم السفر الى لبنان, مع تخفيض عدد أفراد طاقم السفارة في بيروت. وتزامن ذلك مع معلومات عن تخفيض مماثل في السفارة الكويتية.

وعلى المستوى المحلي, وعلى وقع التوترات الأمنية المتنقلة, كان الحريري يحاول التواصل مع القيادة الفعلية "للمعارضة", أي "حزب الله", وعدم تضييع الوقت مع العماد عون في اللقاءات الرباعية في مجلس النواب. الا أن مسعاه فشل, ورفض نصر الله الاجتماع به أربع مرات, خلال شهر فبراير, وكذلك فعل بري. ورغم ذلك فان خطاب الحريري في ذكرى اغتيال والده, والذي حمل فيه بعنف على النظام السوري, مد اليد للشركاء في الوطن من دون استثناء, وأعلن أنها ستظل ممدودة مهما بلغت الصعوبات والمؤامرات.

وفي 18 فبراير صدرت مطالعة المدعي العام القاضي سعيد ميرزا بشأن جريمة "عين علق" وحدد الجهة الفاعلة وهي تنظيم "فتح الاسلام" الارهابي. وأشارت الى الدور المميز الذي اداه الضابط الشهيد في فرع المعلومات وسام عيد في كشف حقيقة هذه الجريمة.

المحطة الخامسة والأخيرة في فبراير كانت في توقف مساعي عمرو موسى لتنفيذ مبادرة الحل العربي, بعد أن فشل خلال مفاوضاته مع عون ممثلاً قوى 8 آذار, في تليين موقفه الرافض لتسهيل اجراء انتخابات الرئاسة. وقد استخلص موسى من هذه المفاوضات أن قرار التعطيل ليس في لبنان بل في دمشق. وقد أعلن قبيل مغادرته بيروت في 17 فبراير, أنه سيزور العاصمة السورية بعد أسبوع للقاء الرئيس الأسد في سياق التحضير للقمة العربية, وللتشاور في ما يمكن القيام به من جهود في الموضوع اللبناني. ولفت الى أن النوايا اللبنانية طيبة ولكن النفوذ الخارجي بات ضاغطاً في الموضوع اللبناني بدرجة غير مسبوقة من قبل.

سبق ذلك التحذير الثاني للعماد ميشال سليمان وتحديداً في 20 فبراير, عندما صدرت مواقف عربية ودولية مختلفة, تقاطعت في التحذير من أن استمرار الفراغ الرئاسي قد يؤدي الى حرب أهلية, فقال سليمان: "إن الأمن في لبنان سياسي بالدرجة الأولى وعلى جميع القيادات التنبه الى حجم المخاطر المحدقة بالبلاد".

مارس: قرار تاريخي

الحدث الأبرز في شهر مارس كان القمة العربية الدورية في دمشق, والتي لم تكن مناسبة عربية هذه المرة, بل لبنانية بامتياز. كانت البداية في اجتماع وزراء الخارجية العرب في 5 مارس, الذي جدد التمسك بالمبادرة العربية, ولكنه أضاف اليها بنداً مهماً, لامس جوهر حقيقة المشكلة في لبنان, أي الدور السوري. وينص البند: "العمل على وضع العلاقات السورية-اللبنانية على المسار الصحيح وبما يحقق مصالح البلدين الشقيقين وتكليف الأمين العام عمرو موسى البدء بالعمل على تحقيق ذلك". هذه الاضافة وصفها موسى بالنوعية, وهذه النتيجة جاءت بفعل حركة قوى 14 آذار باتجاه العرب, شرطاً لابعاد الدور السوري التعطيلي في لبنان.

هذه المبادرة العربية لقيت دعماً في القمة الاسلامية في دكار يومي 11 و12 مارس, رغم "محاولة سورية لافتعال مشكلة مع لبنان عبر التدخل في صياغة الفقرة المتعلقة بلبنان في البيان الختامي", والكلام للمكتب الاعلامي لرئاسة الحكومة اللبنانية.

وفي 13 فبراير اضطرت الحكومة السورية الى الاعتراف بحكومة الرئيس فؤاد السنيورة لدعوته رسمياً الى حضور القمة العربية, وعلى وقع الدعوات العربية لدمشق لتسهيل انتخاب رئيس للجمهورية في لبنان كشرط لحضور القمة في العاصمة السورية, خرج السيد نصر الله في خطاب ذكرى الأربعين لمغنية في 24 فبراير, ليحذر الحكومة وفريق 14 آذار من مخاطر مقاطعة لبنان لهذه القمة.

في 24 فبراير أعلنت الحكومة مقاطعة قمة دمشق في قرار تاريخي هو الأول من نوعه في تاريخ القمم العربية, وقد علل مجلس الوزراء قراره بأنه تأكيد لسيادة لبنان ورفض التدخل في شؤونه الداخلية.

صمتت دمشق رسمياً على الصفعة اللبنانية, لكن مصادر مطلعة كشفت ل"السياسة" أن قرار انقلاب مايو, الذي جرى لاحقاً, اتخذ في اجتماع القيادة السورية, السياسية والعسكرية, أثناء وجود بعض القادة والمسؤولين العرب في دمشق لحضور القمة. وهذا ما ستؤكده الوقائع.

في 29 فبراير عقدت القمة العربية في دمشق بغياب لبنان رسمياً, ولكنها كانت قمة لبنان بامتياز, اذ عبر غياب 11 قائداً عربياً, عن السخط العربي على دور سورية التعطيلي في لبنان, وقد أعلن ذلك وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل, في مؤتمر صحافي متزامن مع افتتاح القمة قائلاً: أن المملكة تدعو دمشق الى أن تكون الأساس في حل المشكلة اللبنانية, ولا تزال تنتظر تحركاً ايجابياً منها, مشدداً على أنه لا يمكن للبنان أن يبقى من دون حل في حال انتهت القمة من دون حل لأزمته.

ومن قلب العاصمة السورية, ومن داخل القمة أعلن صاحب السمو أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح "أننا نتطلع الى دور سوري فاعل يساعد على تحقيق وفاق وطني لبناني يستند الى بنود المبادرة العربية".

وهذا ما انتهت اليه أعمال القمة بتحديد التمسك بهذه المبادرة, ودعوة الأفرقاء اللبنانيين الى تنفيذها فوراً, بدءاً من انتخاب رئيس للجمهورية.

أبريل: هدوء ما قبل العاصفة

استمرت المراوحة في شهر أبريل, واستمر فريق 8 آذار يعرقل الانتخابات الرئاسية. واقتصرت تطورات هذا الشهر على خمسة.

في 2 مارس أطلق العماد سليمان تحذيره الثالث, والأقوى, عندما أعلن "أنه سئم من التجاذب المستمر حول اسمه كمرشح توافقي للرئاسة, وأنه بدأ يستشعر نوعاً من المس بكرامته نتيجة تعليق هذا الأمر على توافق داخلي يزداد صعوبة يوماً بعد يوم وتوافق عربي يقارب المستحيل". وأكد أنه "لن ينتظر حتى اليوم الأخير من خدمته العسكرية واحالته من ثم الى التقاعد في 21 نوفمبر 2008, بل قرر الانسحاب مستفيداً من مأذونياته في موعد أقصاه الحادي والعشرين من أغسطس 2008".

في اليوم نفسه أعلن الاتحاد العمالي العام الذي يرأسه القومي غسان غصن عن اضراب عام سينفذ في 7 مايو (المقبل) احتجاجاً على السياسة الاقتصادية والاجتماعية للحكومة.

في 7 مارس زار رئيس مجلس النواب نبيه بري دمشق, والتقى الرئيس الأسد, وأعلن أن مبادرته للحوار قائمة رغم رفض قوى 14 آذار, والواقع أن هذه القوى أيدت الحوار ولكن بعد انتخاب الرئيس التوافقي, على أن يكون هذا الحوار في بعبدا وبرئاسة رئيس الجمهورية.

في 22 مارس عقد اجتماع ل"أصدقاء لبنان" في الكويت على هامش الاجتماع الموسع الثالث لدول جوار العراق. وصدر عن المجتمعين بيان دعا الى "الانتخاب الفوري للمرشح التوافقي العماد ميشال سليمان رئيساً من دون شروط مسبقة", ولم تشارك سورية في هذا اللقاء.

في 28 مارس عقدت قوى 14 آذار اجتماعاً قيادياً في قريطم فوضت خلاله النائب الحريري التحاور باسمها مع بري ممثلاً قوى 8 آذار, لبحث السبل الآيلة الى ضمان انتخاب رئيس للجمهورية في جلسة الثالث عشر من مايو (التي كان بري قد حدد موعدها).

وقد جاء هذا الموقف لينهي "مهزلة" التفاوض مع عون, وليوجه رسالة تحذير أخيرة لقوى 8 آذار, من خلال التأكيد ان "لا يجوز ربط انتخاب رئيس الجمهورية بأي شرط من الشروط, أو بأي اتفاق مسبق".

على خط آخر, كانت حرب غير معلنة, وتدور رحاها اعلامياً بين "حزب الله" واسرائيل. في أول أبريل أكد وزير الدفاع الاسرائيلي ايهود باراك أن "حزب الله" يواصل التزود بأسلحة ايرانية وسورية, ويزيد من قوته العسكرية في خرق واضح للقرار 1701. وفي 6 أبريل نفذت اسرائيل أضخم مناورة طوارئ في تاريخها, شاركت فيها الحكومة والجمهور الاسرائيلي لتحسين أداء ما يُسمى "الجبهة الداخلية". وفي 16 أبريل وجهت اسرائيل تحذيراً مزدوجاً الى لبنان وقوات "اليونيفيل" بسبب نشر "حزب الله" لترسانته الصاروخية والعسكرية في منطقة جنوب الليطاني. وقد أكدت قيادة "اليونيفيل" آنذاك وجود "خروقات محدودة" لعناصر "حزب الله", في مناطق عملها, مع نشاط لافت للحزب شمالي الليطاني. وردت قيادة الحزب على كل ذلك بالتذكير باستمرار الخروقات الاسرائيلية المتكررة للقرار 1701.

وفي 23 أبريل شن "حزب الله" هجوماً عنيفاً, عبر احدى الصحف اللبنانية, المقربة منه على دور "اليونيفيل" في الجنوب, طارحاً تساؤلات عن تعاونها مع الجانب الاسرائيلي, وعن دورها المزعوم في تقديم معلومات لاسرائيل.

واختتمت قوى 8 آذار الشهر بجريمة نفذها اثنان من مرافقي النائب الياس سكاف في مدينة زحلة, ضد تجمع "كتائبي" سلمي, فراح ضحية الاعتداء المسؤولين "الكتائبيين" نصري ماروني وسليم عاصي. وذكرت معلومات أن القاتلين فرا الى منطقة نفوذ "حزب الله" في البقاع, ثم نقلا الى سورية, وما زالت الجريمة حتى اليوم من دون حل.

مايو: الانقلاب والتسوية

كان مايو شهر كل الأحداث: فيه بلغ انقلاب 8 آذار على الدولة ذروته, من خلال احتلال بيروت, والهجوم على بعض الجبل, في محاولة لاسقاط الحكومة, وتكريس الفراغ المطلق في مؤسسات الدولة, اذ أن مجلس الوزراء برئاسة السنيورة كان المؤسسة الوحيدة الصامدة, والفاعلة, بعد أشهر طويلة من الفراغ الرئاسي, ومن اقفال مجلس النواب.

منذ انتهاء مهمة عمرو موسى الى الفشل في فبراير, بات معلوماً أن قوى 8 آذار والنظام السوري, لا يحبذان عودة الأمين العام الى بيروت. وفي الأول من مايو عاد موسى للمشاركة في افتتاح المنتدى الاقتصادي العربي, واستغل المناسبة ليستطلع الأجواء فالتقى معظم القيادات السياسية, وخلص الى التحذير مجدداً من استمرار الفراغ الرئاسي, ومؤكداً أن اللبنانيين مسؤولون عن الأزمة وليس الوضع الاقليمي فقط.

وفي 2 مايو كشف النائب جنبلاط عن عملية مراقبة دائمة يجريها "حزب الله" للمدرج رقم 17 في مطار رفيق الحريري, وهو المدرج الذي تحط فيه طائرات كبار الشخصيات والزوار. كما كشف عن استمرار الحزب في مد شبكة اتصالاته الخاصة, حيث باتت تشمل معظم المناطق اللبنانية. وبادر وزير الاتصالات مروان حمادة الى عرض الموضوع على مجلس الوزراء. وفي اليوم التالي 3 مايو, تولى القضاء موضوع المدرج وشبكة الاتصالات, بناء على معلومات موثقة من وزارتي الدفاع والداخلية وفي 5 مايو أكد النائب الحريري أن موضوع المدرج يمس أمن لبنان, ويجب على القضاء أن يأخذ مجراه.

يوم 5 مايو كان حاسماً: الحكومة تقرر اعادة رئيس جهاز أمن المطار العميد وفيق شقير الى ملاك الجيش, من حيث أتى, وملاحقة المتورطين في شبكة اتصالات "حزب الله".

وفي الجهة المقابلة, كانت قوى 8 آذار تنجز الاستعدادات للاضراب "العمالي" المقرر في 7 مايو, رغم اقرار الحكومة زيادة الأجور في القطاعين العام والخاص. وقد وضعت هذه القوى خططاً لقطع الطرقات باشعال الاطارات, لمنع المواطنين من التوجه الى أعمالهم, في تكرار لتجربة اضراب ديسمبر 2006 الفاشل. ولم ينفِ عون أهداف هذا التحرك عندما دعا العمال الى المشاركة بهدف "اخراج الحكومة من السرايا وهي سبب نكبة لبنان".

في 7 مايو فشل الاضراب فشلاً ذريعاً منذ الصباح, واضطر "الاتحاد العمالي" الى الغاء التظاهرة المقررة. ولكن "حزب الله" وسائر قوى 8 آذار أخرجت مسلحيها الى الشوارع, فقطعوا الطرقات, ولا سيما طريق المطار, بسواتر ترابية واطارات مشتعلة. وكان أبلغ تعبير عما جرى ذلك اليوم, ما أعلنه مفتي الجمهورية الشيخ محمد رشيد قباني: "كنا نعتقد أن "حزب الله" معني بمقاومة الاحتلال الاسرائيلي, فاذا به يتحول الى قوة مسلحة لاحتلال بيروت". وتوجه الى العالمين العربي والاسلامي "لوضع حد للانتهاكات المفجعة في لبنان", مشيراً الى أن "البلد يتعرض لمحاولة هيمنة "حزب الله" بدعم خارجي تحت غطاء المقاومة". ومن جهته أعلن الرئيس السنيورة أن "ما يجري في بيروت لم تتجرأ اسرائيل على القيام به". وأعلنت قوى 14 آذار في بيان أن "خطوة "حزب الله" هي محاولة انقلابية خطيرة في سعيه الى تقويض ركائز الدولة اللبنانية".

في 8 مايو استمر مسلسل الاعتداءات على أهالي العاصمة, في ما صار يعرف ب"غزوة بيروت". وعلى وقع هذه الاعتداءات عقد نصر الله مؤتمراً صحافياً اعتبر فيه أن قراري الحكومة بمثابة اعلان حرب, و"حزب الله" سيخوضها, مطالباً بالتراجع عن القرارين, ومحذراً من أن اليد التي ستمتد الى سلاحه ستقطع.

وفي اليوم نفسه اقترح الحريري وضع القرارين موضوع الخلاف في عهدة الجيش, الا أن "حزب الله" وحلفاءه رفضوا, واستمرت أعمال القتل والتخريب في العاصمة.

9 مايو أصدرت 14 آذار بياناً أكدت فيه أن "ما جرى انقلاب مسلح نفذه "حزب الله" بواسطة القذائف المرسلة من طهران عبر بوابة دمشق. وهذا أسقط نهائياً شرعية سلاح "حزب الله" ونزع عنه صفة السلاح المقاوم". وفي اليوم نفسه امتدت المعارك الى مناطق عدة في الجبل. وفي بيروت أقفل "حزب الله" كل وسائل اعلام "تيار المستقبل".

وفي اليوم التالي (10 مايو) امتدت الاشتباكات الى بعض مناطق الشمال والبقاع. وأعلن الرئيس السنيورة في كلمة الى اللبنانيين أن "الدولة لن تسقط تحت سيطرة الانقلابيين", مقترحاً في الوقت نفسه مخرجاً للأزمة, على اعتبار أن القرارين المذكورين لم يصدرا رسمياً بعد, ويمكن تجميدهما, في حين أعلنت قيادة الجيش في بيان أنها قررت ابقاء العميد شقير في مركزه بانتظار انتهاء التحقيقات, وأنها ستتابع موضوع شبكة الاتصالات بما لا يضر بالمصلحة العامة.

في 11 مايو عنفت المعارك في مناطق الجبل, وبدأت في بيروت تحركات سلمية مناهضة لاحتلال العاصمة, كانت أولها تظاهرة تضامنية مع اعلام "المستقبل". وفي اليوم نفسه انعقد مجلس جامعة الدولة العربية وقرر ارسال لجنة وزارية برئاسة قطر لمعالجة الأزمة.

وجاء في بيان المجلس أن "الدول العربية ترفض ما آلت اليه التطورات في الأيام الأخيرة في لبنان, وخصوصاً استخدام السلاح واللجوء الى العنف المسلح لتحقيق أهداف سياسية خارج اطار الشرعية الدستورية".

في 12 مايو أعلن الجيش أنه سيلجأ الى استخدام القوة اعتباراً من يوم 13 مايو اذا لم ينسحب المسلحون من الشوارع. وأعلن بري الارجاء التاسع عشر لجلسة انتخاب الرئيس الى 10 يونيو.

في 14 مايو اجتمع مجلس الوزراء وألغى القرارين الشهيرين, وفي اليوم نفسه وصلت اللجنة الوزارية العربية وبدأت لقاءاتها مع القيادات المختلفة.

في 15 مايو أعلنت اللجنة الوزارية العربية صيغة الحل وتضمنت عودة الأمور الى ما كانت عليه قبل 5 مايو, والانهاء الفوري للمظاهر المسلحة, وعودة الحياة الى طبيعتها, والموافقة على استئناف الحوار الوطني على مستوى القيادات والعمل على بناء الثقة بين الفرقاء وفق جدول الأعمال الآتي: حكومة الوحدة الوطنية, قانون الانتخابات الجديد, على أن يتوج الاتفاق بانهاء الاعتصام في وسط بيروت عشية انتخاب المرشح التوافقي العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية (تحفظ عون على هذا البند).

كما شمل الاتفاق تعهد الأطراف بالامتناع عن العودة الى استخدام السلاح والعنف بهدف تحقيق مكاسب سياسية. واطلاق الحوار بشأن تعزيز سلطة الدولة اللبنانية على كل أراضيها وعلاقتها مع مختلف التنظيمات على الساحة اللبنانية. وتقرر أن يبدأ الحوار فوراً في العاصمة القطرية الدوحة.

تسوية الدوحة

اجتمع أقطاب طاولة الحوار ال14 في العاصمة القطرية برعاية أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني, في 26 مايو, وكان يفترض أن تستمر جلسات الحوار الجماعية مفتوحة الى حين التوصل الى حل, ولكن سلوك ممثلي 8 آذار, عطل الحوار منذ بدايته, فلم تعقد سوى جلستان, الأولى افتتاحية قصيرة, والثانية كانت جلسة المناقشات اليتيمة. فاستعاض الجانب القطري عن ذلك بعقد لقاءات ثنائية, ليلاً نهاراً, مع الأطراف, على مدى خمسة أيام, الى أن تم التوصل الى اتفاق الدوحة.

كان مسعى 8 آذار واضحاً منذ البداية: ترجمة الاجتياح العسكري لبيروت وبعض المناطق بفرض هزيمة سياسية وانتخابية على قوى 14 آذار تحت عناوين ثلاثة: اعتماد تقسيم انتخابي في بيروت يضمن سقوط قوى 14 آذار في انتخابات 2009, والحصول على الثلث المعطل في الحكومة, وانعدام أي اشارة لموضوع السلاح في ختام مؤتمر الحوار.

من جهتها, تصدت قوى 14 آذار لهذا المسعى, وتجاوبت أكثر من مرة, خلال الأيام الخمسة مع اقتراحات وسطية تقدم بها الجانب القطري, مدعوماً من الجانب العربي الذي مثله عمرو موسى, وأبدت قوى الأكثرية النيابية رغبتها بالتوصل الى حل يبلسم الجراح اذا كان الطرف الآخر جاهزاً. لذلك, وقد أعلن الحريري في الدوحة "أن لا عودة الى بيروت قبل التوصل الى حل".

وفي اليوم الخامس (21 مايو) ولد اتفاق الدوحة فجراً, ووقعه الأقطاب ال14 بعد ساعات من انجازه, فشكل نهاية لأزمة دامت 18 شهراً, وأعاد لبنان الى المؤسسات من خلال تأكيده حظر استخدام السلاح, ضماناً لعدم الخروج على عقد الشراكة الوطنية, وتأكيده انتخاب رئيس للجمهورية فوراً وتشكيل حكومة وحدة وطنية والتوافق على قانون انتخاب يعتمد القضاء كدائرة انتخابية, أي باعادته الأمور الخلافية الى المؤسسات الدستورية, كما تجلى في تأكيده حصر السلطة الأمنية والعسكرية بالدولة واستئناف الحوار بشأن مشكلة السلاح برئاسة رئيس الجمهورية لكن بمشاركة عربية.

رغم حصول المعارضة على الثلث المعطل في الحكومة, فان النتيجة الأهم لاتفاق الدوحة, كانت في الغاء مفاعيل انقلاب مايو سياسياً, بحيث اضطرت قوى 8 آذار للعودة الى داخل المؤسسات الدستورية, وخصوصاً بعد انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية في 25 مايو. وكانت أولى ثمار هذه العودة افشال محاولة 8 آذار ابعاد الرئيس فؤاد السنيورة من رئاسة الحكومة الجديدة, فحسمت الأكثرية النيابية الموقف, وسمت السنيورة لهذه المهمة في الاستشارات النيابية الملزمة التي أجراها الرئيس المنتخب, في 28 مايو.

يونيو: تعطيل وتفجير

كان يونيو شهر التعطيل بامتياز, عدا عن عودة الأمن الى الواجهة من خلال الحوادث المتفرقة, في مناطق شتى, وصولاً الى انفجار الوضع في طرابلس بين منطقتي جبل محسن وباب التبانة.

في الموضوع الحكومي جاهد عون للحصول على حصة وزارية دسمة, من خلال تولي احدى الحقائب الوزارية الأساسية (الخارجية, المالية, الداخلية والدفاع). كما حاول تصفية بعض الحسابات مع آل المر من خلال ابعاد الوزير الياس المر من موقع نائب رئيس الحكومة وزير الدفاع, وتسببت هذه السياسة في استعداء كثيرين, في صفوف 8 و14 آذار على حد سواء, باستثناء "حزب الله", الذي دعم عون في مساعيه حتى اللحظة الأخيرة, انطلاقاً من أن التأخير في تشكيل الحكومة يصب في مصلحة استمرار الفراغ في الحكم, والفلتان الأمني في الشارع, وهما ظرفان ملائمان تماماً لاستمرار دويلته داخل الدولة.

وشهد هذا الشهر أحداث أمنية متنقلة من "عين الحلوة" الى العبدة في الشمال, حيث استهدف مركز للجيش (1 يونيو), الى الطريق الجديدة وبشامون (5 يونيو), وصولاً الى انفجار الوضع الأمني في طرابلس في 22 يونيو بين الحزب الديمقراطي العربي (العلوي) من اتباع النظام السوري, وبين أهالي المدينة من مختلف الاتجاهات السياسية.

يوليو: ولادة قيصرية

شهد يوليو ثلاث محطات بارزة: تشكيل الحكومة, صفقة تبادل الأسرى والجثامين, واستمرار "حرب طرابلس".

في 11 يوليو, وبعد 53 يوماً على "صلح الدوحة", تشكلت الحكومة الأولى في عهد الرئيس سليمان, وحدد لها رئيسها فؤاد السنيورة مهمتين: اعادة الثقة بالنظام السياسي اللبناني والمؤسسات الديمقراطية, وتأمين اجراء الانتخابات النيابية بشفافية.

في 17 يونيو عاش لبنان أجواء وطنية احتفالية بمناسبة عودة الأسرى المحررين ورفات الشهداء (من جنسيات عربية مختلفة) الى أرض الوطن, انفاذاً لصفقة التبادل بين "حزب الله" واسرائيل التي جاءت تتويجاً لمفاوضات غير مباشرة عبر وسيط الأمم المتحدة بموجب القرار الدولي 1701.

أغسطس: مرجعية الدولة

في الأول من أغسطس أنجزت اللجنة الوزارية المختصة صياغة مسودة البيان الوزاري, بعد أربع عشرة جلسة عقدتها, ناقشت مختلف القضايا الاشكالية وأهمها موضوع سلاح "حزب الله". وقد توصلت اللجنة الى صياغة ألغت حصرية المقاومة بطرف واحد, وجعلتها حقاً لكل الشعب اللبناني على أن تكون الدولة هي المرجعية. كما أكد البيان الوزاري على مقررات طاولة الحوار الوطني الأولى, لجهة العلاقات الديبلوماسية مع سورية, وترسيم الحدود, ومعالجة موضوع السلاح الفلسطيني.

في 12 أغسطس نالت الحكومة ثقة المجلس النيابي (100 صوت). وفي وقت كان يستعد الرئيس سليمان لزيارة دمشق (13 أغسطس), ضرب الارهاب مجدداً الجيش, بتفجير في طرابلس أوقع 14 شهيداً.

وفي 14 أغسطس, واستباقاً لانعقاد طاولة الحوار لمناقشة مصير سلاح "حزب الله", تحت عنوان الستراتيجية الدفاعية أطلق نصر الله دعوة الى مناقشة "ستراتيجيات الدفاع والدولة والاقتصاد".

سبتمبر: خلط أوراق

في الوقت الذي أنجز فيه النائب سعد الحريري مصالحة طرابلس, ساحباً من النظام السوري ورقة ابتزاز أمني, حاول تقديمها للأوروبيين, مستدرجاً عرض تدخل جديد في لبنان, كان أتباع هذا النظام يفتشون عن أماكن تفجير جديدة.

في 7 سبتمبر حقق الحريري انجاز المصالحة ورعى توقيع الاتفاق, الرئيس السنيورة, وبعد يومين (9 سبتمبر) أقرت الحكومة زيادة الأجور تماماً كما فعلت الحكومة السابقة عشية أحداث 7 مايو, والتي انطلقت تحت ذريعة "اضراب عمالي". وفي اليوم نفسه حدد رئيس الجمهورية موعداً لانعقاد طاولة الحوار لمناقشة مصير السلاح في 16 سبتمبر.

جاء اغتيال صالح العريضي في 10 سبتمبر, وهو أحد رموز التقارب بين الوزير أرسلان والنائب جنبلاط, ليخلط الأوراق مجدداً, في محاولة لوقف مسيرة المصالحات التي أطلقها الحريري, ولكن على عكس المتوقع مضى جنبلاط في خيار المصالحة وعقدت سلسلة لقاءات بين الحزب التقدمي الاشتراكي و"حزب الله" برعاية أرسلان بدءاً من 15 سبتمبر.

في 16 سبتمبر التأمت طاولة الحوار في جلستها الأولى, وحاول "حزب الله" وحلفاؤه توسيع جدول الأعمال, وزيادة الحوار المشاركين دون جدوى, وبقي موضوع السلاح هو الوحيد المطروح للنقاش.

أكتوبر: الحشد السوري

مطلع أكتوبر حشد الجيش السوري نحو 30 ألف جندي على الحدود مع لبنان, وبررت دمشق الخطوة بأنها التزام بتنفيذ القرار 1701, ولاحقاً أكدت تقارير الأمم المتحدة أن هذا الانشاء لم يحل من دون استمرار تهريب السلاح من سورية الى لبنان.

وفي الوقت الذي تولى حلفاء سورية تمييع موضوع المصالحة المسيحية عاد الأسد في 16 أكتوبر للتهديد زاعماً أن سورية مستهدفة من المتطرفين في شمال لبنان.

وما كاد اللبنانيون يتجاوزون كلام الأسد حتى وقع انفجار ارهابي في منطقة البوكمال في دمشق (26 سبتمبر) وأشارت الرواية السورية الى احتمال قدوم الارهابيين من لبنان.

وتميز الشهر بحدثين سياسيين الأول زيارة عون الى طهران, في 13 سبتمبر, تأكيداً لانخراطه التام في المحور الايراني-السوري, والثاني كان لقاء الحريري-نصر الله في 27 سبتمبر, والذي أكد الالتزام التام باتفاق الطائف وبتسوية الدوحة.

نوفمبر: مسرحية سورية

حدثان بارزان سجلهما شهر نوفمبر على المستوى السياسي, الأول انعقاد الجلسة الثانية من طاولة الحوار وقدم عون في 5 نوفمبر تصوراً للستراتيجية الدفاعية ومفاده أن يتم تعميم تجربة "حزب الله" على كل الأراضي اللبنانية. من خلال نظرية الشعب المسلح والمقاوم. والثاني بث التلفزيون السوري في 6 نوفمبر, شريطاً لاعترافات أشخاص زعموا أنهم من تنظيم "فتح الاسلام", واستخلصوا أن "تيار المستقبل" مول هذا التنظيم في فترة من الفترات. وقد جرت هذه "المسرحية المتلفزة" ردود فعل سياسية شاجبة لبنانياً, بالاضافة الى حملة اعتقالات في صفوف بقايا "فتح الاسلام". ما بين أن المخابرات السورية قدمت للسلطات اللبنانية أسماء من تريد التخلص منهم.

ديسمبر: عون بطريرك سوري

تقدم التحقيق في قضية الاغتيالات في لبنان وأعلن المحقق الدولي القاضي دانيال بيلمار في 2 ديسمبر, في تقرير جديد, أن الشبكة التي اغتالت رفيق الحريري مرتبطة بهجمات ارهابية أخرى, وبقضية اضافية لم يفصح عنها, أما الحدث السياسي الأبرز فكان زيارة عون الى سورية لخمسة أيام.

كان العام 2008 قد بدأ على تصريح لوزير الخارجية السوري وليد المعلم يوكل فيه أمر الحوار اللبناني الى عون, واختتم الجنرال العام, بتقديم فروض الشكر والطاعة الى النظام السوري, ناسفاً بذلك كل محطات النضال اللبناني ضد الوصاية السورية وضد انتهاك سيادة لبنان واستقلاله. وقد استغل عون المناسبة خير استغلال فكشف عن طموحه: تعديل الطائف, من دون أن يغيب عن باله الطموح الرئاسي, ولكنه مع عودته خالي الوفاض من دمشق, صرح ومن دون خجل, واصفاً معركته بالمستحيلة ومؤكداً أنه اعتاد على ربح هكذا معارك.