نديـم شحـاده، سيمـون كـرم، سليـم عـون، فـارس سعيـد:

قـراءات لـلـداخلـي علـى خلفـيـة الإقلـيـمـي

تجاذب مسيحي بين انكفاء الشيعة عن الدولة والحيوية السنية

كتبت هيام القصيفي: النهار 9/5/2006

حفلت الساحة المسيحية في الاسابيع الاخيرة بسلسلة لقاءات لمعاينة واقع الحال المسيحي في ظل تقاطع العوامل الداخلية والاقليمية، ودرس مدى تأثيرها على الاوضاع اللبنانية في حالتها الراهنة. تتوزع اللقاءات، على مستويات عدة، منها ما يجمع قادة بارزين، ومنها ما تجمع مفكرين وسياسيين على السواء، فان ثمة معضلة حقيقية يبحث فيها هؤلاء، تتعلق بمدى تفعيل العلاقة الثنائية مع الفريقين السني والشيعي في البلاد، وهي علاقة باتت بعد الانسحاب السوري والتطورات الاقليمية، وعودة الدور الغربي الفاعل والعربي المحدود، تأخذ ابعادا مختلفة.

لا تخلو قراءات عدد من الباحثين اللبنانيين والذين يتابعون الواقع السياسي عن كثب ووفق منظور اشمل من " الحرتقات" الداخلية، من دعوة حثيثة الى عدم عزل الواقع اللبناني، والمسيحييين خصوصا عن الواقع العربي العام، وما يشهده من احداث . ولم يكن من المستغرب ان يكون الوضع المسيحي في العراق، في صلب هذه القراءات، في ضوء معلومات موثقة عن هجرتهم المستجدة والمكثفة. ولم يكن تفصيلا ايضا ان تستدعي الحوادث في الاسكندرية معاينة دقيقة، لاستكشاف مدى خطورتها وتأثيرات ما يحدث على وضع المسيحيين في لبنان.

والوضع المسيحي العربي، لم يكن معزولا عن عرض دقيق للوضع العربي العام في هذه اللقاءات، التي ترى ان هشاشة الوضع بلغت حدا جعل من المتعذر على العرب انتاج أي عمل مشترك فاعل بما في ذلك انجاح مبادرة مصرية سعودية في لبنان. فالدول العربية المتخبطة في همومها ومشاكلها والاخطار المحدقة بها، من العراق الى ايران، واحتمالات انعكاس هذه الاخطار على حقولها النفطية واوضاعها الداخلية، باتت تعيش بين نارين: الاصولية المسلحة الممتدة حتى الان من فلسطين الى الاردن ومصر، وتطور المواجهة الاميركية الايرانية، التي عادت "للتقدم على غيرها من ملفات المنطقة" كما يقول الباحث نديم شحاده، وخصوصا بعد الحديث عن وصول المفاوضات السرية بينهما في اوروبا الى حائط مسدود، ورمي كل طرف المسؤولية على الآخر بعرقلة هذه المفاوضات التي لم يعرف مضمونها الحقيقي ما خلا الوضع العراقي. وتحمل هذه المتابعة للوضع العربي، هاجسا من انعكاس هذه العناصر "التفجيرية" على الوضع اللبناني الداخلي، الفاقد حاليا مكوناته الثابتة، وخصوصا ان ابرز المتابعات اليومية الاميركية للوضع اللبناني تحمل هاجسا وحيدا، هو احتمالات دور "حزب الله" في أي تطور اقليمي.

من هنا كان السؤال البديهي، كيف يمكن المسيحيين ان ينجحوا في امرار المتغيرات مع الحد الادنى من الخسائر، في ظل ارتفاع الوتيرة المتحدثة عن تفجر المنطقة الذي قد يؤدي الى اخطر ما يمكن ان تعانيه منذ عقود وهو انفجار الصراع السني ـ - الشيعي ، وانعكاس العلاقة الدولية مع ايران وسوريا على لبنان؟ وكيف يمكن المسيحيين ان يتغلبوا على 15 عاما من التهميش من اجل الحفاظ على ديمومتهم، سواء اتجهت رياح المنطقة نحو التفجير او تطبيع الوضع خلال سنة على الاقل، وهي المهلة التي طلبها لبنان للتجديد للجنة التحقيق الدولية، بما يعني ضمنا اعطاء واشنطن فترة سنة لامرار الاستحقاقات الاقليمية، والاستحقاقات الاميركية الداخلية وفرصة مماثلة للاستحقاقات الفرنسية. وهذا يعني في تفسير قادة لبنانيين ان لبنان سيبقى في هذه الفترة، على الاقل، تحت الرعاية الدولية، او المحاولة الحثيثة لتحييده عما يجري اقليميا، ومما يجعل احد اللاعبين الاساسيين في البلاد، أي " حزب الله"، يتفرد بهامش المناورة السياسية داخل الحكومة وخارجها لكسب الوقت في انتظار جلاء الوضع الاقليمي.

 

يتعامل المسيحيون مع الواقعين السني والشيعي على خلفية اعترافهم بمدى الخسائر التي افرزها تفرد السلطة المسيحية منذ عام 1943 حتى اليوم . ولانهم اكثر من خبروا تداعيات هذا" الاستئثار " وانعكاسه على اوضاع الطوائف الاخرى، تأتي العلاقة مع القوى الشيعية والسنية الموجودة في السلطة اليوم، محور النقاشات التي تدور في الصالونات السياسية المسيحية.

وقد جاءت اشارة مجلس المطارنة الموارنة الاخيرة عن "سعي احدى الطوائف الى الاستئثار بوظائف الدولة من دون اشراك سواهم من ابناء الطوائف الاخرى" مكملة للبحث في كثير من اللقاءات المذكورة، وترفع معلومات عنها باستمرار الى بكركي. وفي اللقاء الاخير الذي عقد في الارز بين مجموعة من القادة المسيحيين، جرى البحث المعمق، من ضمن المواضيع الداخلية، في مسألة التوازن والشراكة المسيحية الاسلامية في الحكم، المفقودة في الوقت الراهن.

وكان لافتا في هذا المعنى ان يستخدم مشاركون في "لقاء الارز" على سبيل المثال كالنائب السابق فارس سعيد عبارة " الشهوة السنية" الى الحكم، مع العلم ان الشخصيات المسيحية من "قوى 14 آذار" المشاركة في "لقاء الارز"، هي الاقرب الى التحالف مع الفريق السني الحاكم. وبهذا المعنى فان مجرد فتحها لهذا الملف يترجم عمق الخلل البنيوي الحالي الذي يتعدى ما سماه النائب سعد الحريري "مجرد اخطاء وليس سياسة". وهذا الخلل يجعل افرقاء 14 آذار اكثر المتضررين منه نتيجة وقوعهم تحت ضغط الشارع المسيحي الذي يرفع العماد ميشال عون في وجهه باستمرار لائحة بمكامن الخلل في السلطة والتي يعد بمعالجتها معارضا ومرشحا للرئاسة. ولعل اخطر ما يواجهه فريق 14 آذار في علاقته مع الفريق السني هو انه لم يستطع حتى الان النفاذ باي مبادرة حقيقية تعكس روحية التفاهم الذي انعكس في 14 آذار، ما خلا تفرده بالمواجهة ضد الفريق الشيعي، في وقت يجلس السيد حسن نصرالله والحريري لساعات، وما خلا تحوله طرفا مسيحيا للهجوم على الرئيس المسيحي، فيما يقود النائب وليد جنبلاط المواجهة مع ما يسميه " فارس والشام". ولعل افضل وصف يعطيه سعيد المشارك بقوة في 14 آذار لواقع الحال مع الفريق السني، هو "ان المسيحيين حينها لم يتمكنوا من الاستمرار وحدهم في المعركة ضد السوريين، والسنة تعبوا من مهادنة السوريين وقبولهم بدفع ثمن باهظ لهذه المهادنة، فكانت لحظة 14آذار. الا ان استحالة مهادنتين لا تحقق شراكة كاملة ومتوازنة".

بدأت اولى شرارات العلاقة الجدلية بين المسيحيين والسنة من تداعيات يوم الاحد في الاشرفية، ولا سيما بعد اطلاق كثير من الموقوفين في الحادثة، ناهيك بعدم دفع التعويضات للمتضررين. واذا كانت خطورة هذا اليوم لا تزال ماثلة في اذهان المسيحيين،كما يقول النائب سليم عون، فان مشهدا ينقله احد المشاركين في هذه اللقاءات عن فريق من سكان الاحياء في طرابلس يتابعون باهتمام محاكمة الرئيس العراقي صدام حسين عبر التلفزيون وتضامنهم الانفعالي معه، يوازي في اهميته حوادث الاشرفية.

تتعدى القضية "الاحد الاسود"، لتتحول أسلوبا في تعامل القوى الحاكمة مع حلفائها. فاذا كانت قضية وجود وزيرين للداخلية، مع دفع راتبين وتعويضاتهما، في ظل سياسة الاصلاحات، باتت من الامور التي لا يجد الفريق المسيحي أي عذر لتبريرها امام قواعده، فكيف الحال مع المعلومات التي تتداول يوميا عن اوضاع وزارة الداخلية والاجهزة الملحقة بها وتغييب المسيحيين عن كثير من الملفات الحساسة، وعن اوضاع مجلس الانماء والاعمار وعدد من المؤسسات العامة؟ وكيف الحال وهو الامر الاخطر بتغييب المسيحيين عن القرار السياسي، حتى يكاد أي "كباش" حكومي ينحصر بين الطرفين الشيعي والسني داخل الحكومة، او حتى على طاولة الحوار، من دون اعتبار للفريق المسيحي الذي بات اما ملحقا بالاكثرية داخل الحكومة واما متحالفا مع الطرف الشيعي خارجها، من دون الحصول على أي من مكتسبات هذا الطرف او ذاك، ومن دون ان تكون لديه سلطة في القرارات المصيرية، وفي مقدمها قانون الانتخاب؟ ويبقى الهاجس المتقدم هو الوضع الفلسطيني الذي يحسبه بعض المسيحيين على انه يقف عند حدي الاصولية السنية من جهة والعلاقة مع ايران ودمشق.

اما في المقلب الشيعي فلا يختلف واقع الحال ، اذ ان القوى الشيعية الرئيسية تتعامل مع الواقع اللبناني، اولا من زاوية محض داخلية على خلفية اعتقادها انها تمثل الاكثرية اللبنانية، في حين ان تمثيلها الفعلي لا يتعدى الثلاثين في المئة من الشعب اللبناني، وثانيا من منظور اقليمي، لجهة ارتباطها الوثيق بايران وبسوريا، الامر الذي يجعل لأي تدخل دولي على خط هاتين الدولتين، اثره الواضح على تعامل القوة الشيعية الرئيسة، اي " حزب الله"، مع القوى السياسية الرئيسية في البلد. ولعل الفورة الشيعية الاقليمية، التي لمح اليها الملك الاردني اولا والرئيس المصري ثانيا، هي التي تجعل المسيحيين يدركون ان ثمة متغيرات باتت اكبر من الحركة الداخلية الضيقة التي يتمتع بها الجسم المسيحي. أما محاولة هذه القوى المسيحية تلمس مكامن الالتقاء والافتراق مع القوتين السنية والشيعية، فمردها الى ان القوتين ، وبخلاف المسيحيين، تدركان تماما خريطة الطريق المرسومة لهما الى حد كبير. فالقوى السنية باتت تملك اضافة الى ثقلها العربي وامتدادها الاقليمي، بعدا غربيا، وفرنسيا تحديدا، ساهمت علاقة الرئيس الفرنسي جاك شيراك بالرئيس رفيق الحريري ومن ثم اغتيال الاخير، في جعلها علاقة ندية اتخذت ابعادا اكثر قوة مما كانت عليه علاقة المسيحيين التاريخية بباريس. اما البعد الاميركي، فبات للمرة الاولى بعيدا عن الاوصاف التي حفل بها القاموس العربي من " لغة الاستكبار والاستعمار العالمي".

لا ينكر المشاركون في اللقاءات التي تعقد على اكثر من مستوى، ان ثمة تضعضعا في الساحة المسيحية يجعل من الصعب القيام باي تحرك جدي لملاقاة الاخطار التي تواجه المنطقة ولبنان، وخصوصا ان ثمة عاملا اساسيا يتحكم غريزيا في القادة المسيحيين،وهو كرسي رئاسة الجمهورية، الامر الذي يجعل من الصعب عليها ان تنحو في اتجاه عمل سياسي فاعل يكون في حجم التحديات، بدل التلهي بالخلافات التقليدية وتكريس مرجعية الزعامات التقليدية والحديثة. ولعل احد اهم اسباب هذا التضعضع انقسام الساحة المسيحية بين فريقين احدهما ينسج تحالفا وثيقا مع الاكثرية السنية والاخر يوقع تفاهما مكتوبا مع القوة الشيعية الابرز. ويبدو ان كلاهما حتى الان لم يحقق أي مكسب ملموس من هذين الحلفين، على صعيد تفعيل الدور المسيحي المغيب منذ 15 عاما، وهو امر يعترف به في تصريحات علنية كل قياديي 14 آذار الموجودين حول طاولة الحوار او لقاءات سن الفيل والارز وغيرها. لكن الاخطر هو ان هذا الانقسام بين معسكرين قد لا تكون نتائجه مضمونة اذا ما جنحت اوضاع المنطقة الى ما لا يبشر بكثير من الخير. وخصوصا في ضوء رصد غربي دقيق لحركة "حزب الله" واحتمالات دخوله على خط الازمة الايرانية، وللشارع السني الذي تتعارض روحه ومشاعره الحقيقية مع " البعد الاميركي" لسياسة الاكثرية الحاكمة.

كيف يمكن ما يجري من مفاوضات بين ايران والولايات المتحدة ان يترك تأثيره على لبنان، في ضوء الاعتبار ان التحرك الشيعي هو المتقدم على غيره من الادوار لعلاقته المتحركة بسوريا وايران؟ وكيف يمكن سحب فتائل العناصر المتفجرة الموجودة في لبنان؟ وكيف يمكن ان تكون صورة الوضع اللبناني، بين قائل ان ما يجري حاليا هو وجود عناصر تفجيرية تشتعل عند اول احتكاك للسلاح الفلسطيني والاصوليين وسلاح "حزب الله" الذي بات يعتبره البعض بمثابة سلاح يبحث عن مقاومة لا مقاومة تستخدم السلاح، وقائل ان لبنان اصبح في عهدة الشرعية الدولية وانه يمثل للغرب اليوم النموذج نفسه ما قبل حرب 1975، كما يقول السفير السابق سيمون كرم، وان من المستحيل العبث به؟ هذه الاسئلة وأجواء ما يدور من نقاشات كانت محور اسئلة حملتها " النهار" الى كل من النائب سليم عون والنائب السابق فارس سعيد والسفير السابق سيمون كرم و الباحث في المعهد الملكي البريطاني للشؤون الدولية(شاتهام هاوس) نديم شحاده، وهذه خلاصة الحوارات معهم بحسب منهجية البحث في اولويات المشاكل المطروحة.

شحاده : اللبنانيون اختاروا الشلل

يقرأ نديم شحادة اولا في انعكاسات ما يجري في المنطقة على لبنان، ويستعيد العلاقة اللبنانية - الايرانية بخلفيتها التاريخية "منذ ايام جبل عامل وذهاب علمائه الى ايران في زمن الصفويين ، وتشيّع ايران على ايدي كثير من علماء عامل. يقول: "كانت بيروت في الخمسينات والستينات مركزا مهما للوجود الايراني المتنوع، من علاقة الشاه رضا بهلوي بالرئيس كميل شمعون الى وجود المعارضة الايرانية، سواء اليسارية مع حركة فتح او الدينية مع الامام موسى الصدر.

في الستينات وما بعدها تطور الوجود الايراني المعارض في بيروت وصولا الى فترة الحرب الاهلية. ففي اوائل الثمانينات وبعد الثورة الايرانية، انطلق نشاط حزب الله، وتحولت بيروت ساحة للتصادم بين الاميركيين والايرانيين، من خلال خطف الرهائن وانفجار السفارة الاميركية. وبعد الهجوم على العراق، عادت المنطقة كلها الى جو الثمانينات، وعاد التصادم الاميركي الايراني ليتقدم على غيره. وعلاقة حزب الله الوطيدة بايران تعطيه دورا في هذا التصادم. فالمنطقة حاليا تعيش واقع جبهتين، واحدة تتكون ضد الاميركيين فيها ايران وسوريا وحزب الله وحماس، وثانية تعمل بالتعاون مع الاميركيين وفيها مصر التي تحاول حل مشاكلهم، والاردن وغيرهما من الدول العربية، ولبنان ساحة تماس بين هاتين الجبهتين".

في رأي شحاده ان هذا الواقع ينعكس ميدانيا " شللا على الوضع اللبناني، لان امام اللبنانيين خيار التصادم بين الجبهتين، وهذا ظهر في جلسة 12 كانون الاول عام 2005 في جلسة مجلس الوزراء التي انسحب منها الوزراء الشيعة على خلفية موقفهم من المحكمة الدولية، والذي تزامن مع اغتيال النائب جبران تويني. لكن اللبنانيين على ما يبدو اختاروا شلل كل المؤسسات، فلم يعد مجلس الوزراء مركز القرار التنفيذي، ولا مجلس النواب مكانا للحوار.حتى طاولة الحوار، اعطت كل شخص حق الفيتو ليعطل كل المواضيع. وهذا الشلل جاء طوعيا لتفادي التصادم على الساحة اللبنانية،

وفي اعتقاده ان اللبنانيين واعون لخطورة هذا التصادم، ولخوفهم منه اختاروا الشلل. ففي أي مجتمع ديموقراطي، مسموح ان يتواجه جميع الاطراف، لكن الوضع في لبنان لا يحتمل أي نوع من التصادم لان ذلك سيترك ذيولا مهمة ويمتد الى المنطقة"

ولا يرى شحاده ان للمسيحيين اليوم دورا اساسيا في هذا الصراع، "فالانقسام اليوم في لبنان ليس طائفيا، كما اعتدنا رؤيته في الحرب، فالفريق المسيحي منقسم بين المجموعتين المرشحتين للتصادم". ويقول " يأخذ حزب الله الصدارة اليوم في الفريق الشيعي من دون ان يعني هذا ان الحزب يمثل كل الشيعة. وعلى طاولة الحوار، لا يدور الحوار بين مجموعتين بل بين طرف واحد هو حزب الله و الاخرين، والاخرون هم الذين يتحركون ليتمركزوا تجاهه. وقد يكون العماد ميشال عون سبق سائر الافرقاء الى التحاور مع الحزب، لكن الحزب يبقى هو الطرف الاقوى في هذا الصراع".

كرم: "حزب الله" في المواجهة بين ايران والولايات المتحدة

يتوافق سيمون كرم مع رؤية شحاده لانعكاس أي تطور اقليمي على لبنان. ويقول: "ان ثمة تبسيطا في القول انه يمكن عقد صفقة بين البلدين، فالوضع بينهما يشبه الى حد كبير الحرب الباردة التي كانت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، وان اختلفت الظروف والاحجام. وهذا يعني ان لا تسليم غربيا او اميركيا بالطموحات الايرانية ان على مستوى السلاح النووي او التوسع والتمدد الايراني في الخليج والمشرق، لذلك سيغلب على الوضع بين طهران وواشنطن طابع التجاذب في الحد الادنى او ربما المواجهة بحسب ظروف كل من القوتين. وفي ضوء ذلك يتوقع استمرار المأزق الداخلي في لبنان لجهة اندراج كامل لحزب الله ضمن الاستراتيجيا الايرانية منذ انسحاب سوريا من لبنان. فدور الحزب في لبنان ليس موضع انكار اي فريق لبناني، انما المشكلة معه في مكان آخر".

في زمن الحرب الباردة تلك، وبعد فرض عدد من انواع الحصارات على الاتحاد السوفياتي، ضغطت الولايات المتحدة على الدول العربية المنتجة للنفط وفي مقدمها السعودية لخفض سعر البرميل. وكان الهدف آنذك الضغط على الاتحاد السوفياتي لمنعه من الحصول على الاحتياط الكافي من النقد الاجنبي. لكن الحال مع طهران تختلف، وهي الدولة الغنية والقادرة على مد عدد من المنظمات والقوى الموالية لها، بما تحتاجه من تمويل. ولكن هل تستطيع ايران الصمود امام مواجهة غربية واميركية طويلة الامد بعدما اتخذ القرار باحتواء طهران؟"

يستعيد كرم التجربة السوفياتية التي سقطت من دون أي ضربة كفّ "مما يعني ان المواجهة الاميركية الايرانية التي يمكن ان تكون ساحة تجاذب قوية قد لا تكون عسكرية، وهذا يعني ان ثمة قرارا اميركيا وغربيا بمنع التمدد الايراني من الخليج الى العراق الى المشرق، أي فلسطين ولبنان والاردن. والامر يعني محليا ان الحزب سيكون تحت المعاينة. فهو لديه حاليا ثلاث مواقع يدافع عنها، السلاح الفلسطيني ودعم الموقف السوري من ترسيم الحدود وارساء علاقات ديبلوماسية مع دمشق والتصدي لفكرة الجيش الى الجنوب. لكن السؤال اذا تكررت سابقة ترسيم الحدود بين الكويت والعراق ، وفرضت الامم المتحدة ترسيم الحدود بين لبنان وسوريا، فماذا سيكون موقف حزب الله هل يدخل في مواجهة مع الامم المتحدة؟"

يعتبر كرم ان الحزب ليس في وارد اعطاء أي مكاسب لاي فريق لبناني،" فالقوة السياسية لحزب الله واضحة نتيجة تراكم ما حققه في الحقبة السورية وبعد الانسحاب من قدرة على تعطيل المؤسسات وعبرها القرارات السياسية، اولا نتيجة الانقسام الجوهري الذي تعرضت له الحركة الاستقلالية بعد الانسحاب السوري، وثانيا بسبب تسابق هذه المكونات الى خطب ود حزب الله، الفريق الحكومي عبر التحالف الرباعي الذي تحول تحالفا ثنائيا سنيا - شيعيا بعد خروج النائب وليد جنبلاط منه والتيار الوطني الحر عبر مذكرة التفاهم وما تعنيه لجهة الاصطفاف السياسي والمعادلة الداخلية والخارجية . وهذا ما سمح للحزب بأن يؤدي دورا متمايزا على هذا المستوى. فلبنان يستطيع ان يتعايش الى حد كبير مع دور كبير للحزب في الحياة السياسية لكنه لا يستطيع ان يتحمل جنوح الحزب المتنامي الى ارجاع عقارب الساعة الى الوراء والعودة الى معادلة سقطت وهي اعادة لبنان الى 8 آذار أي المحاولة التي قام بها الحزب لتأبيد وضع سقطت ظروف استمراره. وبالقدر الذي يذهب فيه الحزب في هذا الاتجاه فانه يضع نفسه في الصدام المباشر مع عموم اللبنانيين بغض النظر عن التكتيكات السياسية الانية، مع عون او الحريري".

سعيد: شهوة سنية للحكم وتخل شيعي عن الدولة

كيف لكل هذه المتغيرات الاقليمية ان تترجم ميدانيا في لبنان؟ وكيف يتحرك المسيحيون بين فريقين مرشحين للتصادم؟

يقول النائب السابق فارس سعيد، واحد واضعي "وثيقة 14 آذار": "نحن من المسيحيين الذين يقولون ان مصلحة المسيحيين تكون ببناء الدولة وفق ما اتفق عليه في الطائف، وان خروج الجيش السوري من لبنان لم يكن ليشكل اي منطلق لارجحية مسيحية، ولا عودة ولا انقلابات على الاصلاحات الدستورية. نحن نعتقد ان الدولة وحدها هي التي تضمن حقوق الجماعات، ولا ضمان لاي جماعة خارج الدولة اللبنانية. الا ان العقبات امام المسيحيين هي كتلة اسلامية سنية تريد بناء الدولة بحسب الطائف، لكنها تشكو شهوة السلطة، وكتلة شيعية تعتبر ان بناء الدولة سيكون على حساب مكتسباتها، وترفع شعار " امن المجتمع الشيعي" فوق كل اعتبار. وللتذكير، فان القوات اللبنانية في عام 1989 رفعت هذا الشعار ايام كانت تعمل بموازنة 25 مليون دولار، لكنها ناقشت مطولا انخراطها في عملية بناء الدولة واختارت الطائف، الذي ادى التدخل السوري الى جعلها تدفع ثمنه دخول قائدها الى السجن. اليوم هذا النموذج موجود في الذهنية الشيعية، مع سؤال الفئة الشيعية الاكيد عن احتمالات مستقبلها، فهل سيكون بناء الدولة على حساب المقاومين؟ لكن التعقيدات الداخلية والاقليمية اليوم اقوى، فسوريا وايران تواجهان معا الشرعية الدولية، مع الفارق ان سوريا اليوم هي في الحضن الايراني، ولم تعد هي التي تملك زمام المبادرة وحدها، كما كانت سابقا".

يستعيد سعيد زيارة" وزير الخارجية الايراني كمال خرازي للجنوب في 24 /5 /2000 بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب، "وللمرة الاولى كانت ايران تدوس رمال المتوسط ويصبح لها منفذ عليه. وقد ذكر الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله في لقاء البريستول حين قال ان الحزب رفض عام 2000 عرضا اميركيا لتسليم سلاح المقاومة في مقابل انسحاب اسرائيل من شبعا وشطبه الحزب من لائحة المنظمات الارهابية، مما يعني ان استرتيجيا الحزب ليست لبنانية، ولا يتحرك انطلاقا من مسلمات لبنانية. وحين يتكلم على استراتيجيا دفاعية في لبنان انما يهدف الى السؤال ما هي حصة الحزب في بناء الدولة فاذا كانت الحصة توازي امتيازات الحلف الايراني فانه مستعد لتسهيل بناء الدولة؟ ولكن حتى الان يبدو انه اختار ان يكون كابحا لاي تغيير في لبنان".

يستبعد سعيد ان تكون ايران تبحث عن مشكلة مع واشنطن، "بل انها تحاول اثبات ذاتها قوة نووية وعظمى في عالم اسلامي يتغير بعد انهيار النظام العربي القديم. وهذا الطموح ترفضه الدول الكبرى، مع العلم ان الوضع الحالي يقتصر اليوم على تكنولوجيا نووية وانتاج السلاح النووي يتطلب سنوات عدة. ولكن اعتقد انه اذ حصلت تسوية بين واشنطن وطهران، ان حزب الله سيدفع ثمنها، واذ حصلت المواجهة فان الحزب سيكون حينها في قلبها. من هنا فانه خليق بالحزب وقيادته تجنيب الطائفة الشيعية اصطداما ليس اسلاميا، يفجر كل لبنان، لان أي اصطدام ثنائي، كما حصل بين المسيحيين في اواخر الثمانينات، لن تقتصر شظاياه على الطرفين المتقاتلين، انما على كل النسيج اللبناني".

الخطر الذي يخشاه سعيد، من الاحتمالات المقبلة، هو ان "تصطدم الدولة ذات النكهة السنية بالفريق الشيعي المسلح، والخطأ ان يدفن المسيحيون رؤوسهم في الرمل، والمطلوب الا يكونوا وقودا في أي صراع، لان لا ضمان لاي جماعة الا من خلال الدولة، لا العمل كفريق مستقل. فنحن تعلمنا من التجربة المسيحية، ان القادة المسيحيين يربحون وحدهم وعند حصول الخسارة تنعكس على الجميع".

لكن ثمة مفارقة اساسية في ما يقوله سعيد تتناول واقعين، الاول يتعلق بالعلاقة الشيعية السنية، ويقول " نسمع عن اجتماع الحريري ونصرالله لسبع ساعات. ونحن لا نعرف حقيقة اذا كان الاجتماع يدوم سبع دقائق او سبع ساعات، كما يصدر الخبر دائما. وهناك ايضاً زيارة السفير السعودي المتكررة للسيد حسن نصرالله. اما الواقع الثاني فهو السؤال عن دور الجيش في أي جو متوتر يمكن ان يؤدي الى تصادم، وعن دوره في الاستراتيجية الدفاعية المطلوبة. فوجود القيادة السياسية يمنع انقسام الجيش وغيابها يؤثر سلبا على وضعيته".

عون: لا يخيفني سلاح الحزب بل ما حدث في الاشرفية

تختلف مقاربة "التيار الوطني الحر" لمستقبل العلاقة مع القوى الشيعية، وهو المحكوم بورقة تفاهم مع "حزب الله"، وعلى خلاف حالي مع الاكثرية. ولكن الاسئلة الموجهة الى التيار كثيرة في ضوء الكلام ان التيار اعطى الحزب اكثر مما اخذ منه، بدليل ان الامين العام للحزب يماشي الاكثرية ويجتمع بزعيمها مرات ومرات، ولم يستجب لرغبة التيار في اطاحة الحكومة.

يعتبر النائب سليم عون ان التيار "قطع الطريق من خلال ورقة التفاهم على كل من يعتقد بارتباط الحزب بالخارج" نحن اعدنا بهذا المعنى فتح الطريق امام الحزب الى الداخل اللبناني، حين حصلنا من الحزب على جملة بنود لها علاقة بترسيم الحدود ومزارع شبعا والعلاقة الديبلوماسية مع سوريا والمعتقلين اللبنانيين، والاهم هو الاعتراف بعدم الرغبة في العودة الى عهد الوصاية والتدخلات الخارجية. ولاننسى انه مجرد اعتراف الحزب بان مقاومته محصورة بمزارع شبعا هو انجاز استثنائي، في وقت كان الحزب يتحدث دوما عن المقاومة خارج لبنان. وهنا نسأل ما هو الحل البديل الذي يمكن ان يطرحه الاخرون؟ لقد طرح العماد ميشال عون هذا السؤال على كل من يلتقيهم؟ لبنانيين وديبلوماسيين غربيين، ولكن من دون الحصول على جواب".

 

بالنسبة الى سليم عون، "لا يمكن ان نفكر ان ايران في أي صراع محتمل في حاجة الى الحزب في لبنان للحرب ضد اميركا، لكننا نعرف ايضا مدى خطورة أي فتنة سنية - شيعية يمكن ان تفجر المنطقة. وبداية أي ملامح حل، هو تنفيس الاحتقان الداخلي، وان نحاول على الاقل الا نخرب البلد. من هنا جاءت وثيقة التفاهم التي اعطت اللبنانيين سلاماً، وامنت انفتاح المناطق اللبنانية على البعض، وباتت القوى المسيحية والشيعية تتلاقى من دون أي عقبات. وهذا ما كنا نأمل ان نعممه بفتحنا وثيقة التفاهم امام جميع القوى السياسية الاخرى . وهذا الكلام ليس شعرا، والتاريخ سينصفنا في ما يتعلق بهذه الوثيقة".

 

يحكي عون بواقعية عن العلاقة مع الاكثرية" السنية" الطابع والفريق الشيعي، ويختصر نظرته الى الموقع المسيحي من الطرفين. يقول: "هما تحالفا في الانتخابات ضدنا، ودخلا الحكومة معاً وحين اختلفا، رفضنا الدخول في أي اصطفاف واخرنا صدور الوثيقة حتى لا يفهم وقوفنا بجانب طرف، مع العلم ان اهدافنا والاكثرية واحدة. لكننا بتنا نشعر بأن نياتها ليست صادقة . ونحن حاليا لسنا مطمئنين اليها. ثمة طبقة حاكمة وتكتل طائفي من لون واحد يحتكر السلطة والتعيينات. انا لا اثق بهذا الطبقة، والمشكلة معها انها ترفض أي انتقاد عن عدم التوازن وتحاول تشويه وجهة نظرنا بالحملات الشخصية. ولكن المفارقة هي ان لقاء الارز مثلا ، واعضاؤه متحالفون مع الاكثرية، يشكو عدم التوازن. لماذا لا يقفون معنا ونحن الذين فتحنا هذه المعركة، فلو ارادت الاكثرية اعطاء المسيحيين حقوقهم لما احتاجت الى مطالبة لقاء الارز الذي يغطيها. نحن نعتقد اننا لن نأخذ شيئا من احد الا بقوتنا وسعينا، ولا نتكل على الشيعة لاعطائنا حقوقنا. مسؤوليتنا كمسيحيين ان نفرض موقعنا، كما فرضنا انفسنا من الند الى الند في وثيقة التفاهم. اما ان يجتمع سعد الحريري ونصرالله لساعات ويتفاهمان فنحن نكون اول المهنئين لان اتفاقهما يخدم البلد ولا ينعكس سلبا علينا".

 

ثمة مقاربة اخيرة يتوقف عندها عون: "لا يفزعني سلاح الحزب لانني اعرف انه لم يستخدمه ومن يستخدمه في الداخل اللبناني. ما يفزعني هو ما حصل في الاشرفية، وانا لا احمل الذين تحركوا على الارض المسؤولية، رغم انهم هم الذين حملوا العصي والحجارة. بل احمل المسؤولية للذين حقنوا الشارع من اجل مصالح ضيقة ويثيرون نعرات طائفية كادت ان تؤدي الى مجزرة. اما بالنسبة الى حزب الله، فهو حزب لبناني وسيبقى كذلك، وانا لا استطيع الغاءه. نحن عانينا محاولة الالغاء والاضطهاد 15 عاما ونعرف ماذا يعني الا يقف معنا شركاؤنا اللبنانيون في الوطن . هذا يسبب جرحا عميقا، ولا نريد ان يتكرر ما حدث لنا مع أي فريق لبناني. وهنا اهمية وثيقتنا".