ميشال عون لم يتغيّر!

أنطوان نجم

عن "المسيرة

 

كان موضوع الاتّحاديّة أوّل غيمة من غيوم أثقلت الصداقة السابقة بيني وبين الضابط ميشال عون في أواخر السبعينات حتى صيف العام 1987.

كنّا - الضابط عون وأنا - في نقاش دائم حيال رؤية كلّ منّا مستقبل لبنان بعد الحروب التي انفجرت في 13 نيسان 1975.

 

ناديتُ، منذ العام 1976، بشكل مركّب للدولة اللبنانيّة. كنتُ على ثقة، ولا أزال، خصوصًا اليوم، أن لا حياة ديموقراطيّة توافقيّة صحيحة لمجتمعنا التعدّديّ في لبنان إلاّ إذا تحوّلت الدولة اللبنانيّة من شكلها البسيط المركزيّ إلى الشكل المركّب اللامركزيّ.

 

 وهذا ما يفسّر، أساسًا، الأزمات السياسيّة العميقة والعقيمة المزمنة التي نتخبّط فيها. وقد نشرتُ بحثًا في هذا الشأن في مجلّة "الصيّاد"، في العدد 1676 بتاريخ 9/12/1976، بعنوان "المناطقيّة". وتلاه تعمّق وتوسّع في المسألة حتى أخذ التصوّر الاتّحاديّ شكله الأخير في العام 1990 بالاشتراك مع لجنة من الباحثين الاختصاصيّين، ونُشر هذا العام (2007) في كتاب بعنوان دولة لبنان الاتّحاديّة، أو دولة المساواة والعدالة والتنمية والتعايش التآلفيّ (مشروع للبحث والمناقشة).

كان الضابط عون يعارض بشدّة أيّ نوع من أنواع الاتّحاديّة، متمسّكا بالدولة الوحدويّة المركزيّة. وما زلتُ أذكر أنّ الشيخ بشير الجميّل ألّف بعد 7 تمّوز 1980 لجنة دراسات إستراتيجيّة برئاستي وعضويّة الضابط ميشال عون (واسمه المستعار: جبرايل) والدكتور سمير جعجع والدكتور فؤاد أبو ناضر.

 

عقدت اللجنة اجتماعها الأوّل في 6 آب 1980 في القطّارة. ولم تمضِ ساعة على بدء الاجتماع حتى تطاير الشرر بين الضابط عون والدكتور جعجع على خلفيّة رؤية كلّ منهما المتناقضة مع الأخرى حيال لبنان المستقبل. ويبدو أن الشرر ما زال مندلعًا بينهما منذ ذلك التاريخ على رغم ومضات وفاق قليلة تخلّلت هذا الزمن كلّه.

 

فالضابط عون يعارض الفكر الاتّحاديّ ويصرّ على شكل الدولة القائمة مع كلّ ما يفترضه هذا الشكل من مؤسّسات وهرميّة. ولطالما ردّد القول: روحو تْسَلّو بالفيديرالية. ولطالما قلتُ له، بدوري: تريد أن تصبح فرنكو لبنان؟ أؤكّد لك، يا صديقي، أنّ الأمر مستحيل. لبنان ليس إسبانيا. ولن يتمكّن ضابط مارونيّ من حكم لبنان بالعقلية الفرنكويّة.

 

وفي لقاء أخير مع العماد ميشال عون في صيف 1987 في منزله في النقّاش - وكان قد رقّي إلى رتبة عماد وعيّن قائدًا للجيش في حزيران 1984-، وبحضور المهندس قيصر أبي اللمع والدكتور جوزف ريشا والمحامي سيمون خوري، طرحتُ على العماد عون السؤال الآتي، وكان يمسك بنسخة من مشروعي الاتّحاديّ: بين يديك، الآن، ملخّص عن مشروع الاتّحاديّة. وحضرتك تعمل للوصول إلى سدّة رئاسة الجمهوريّة. ولعلّ الأميركيّين يوافقون على انتخابك رئيسًا إذا رأوا فيك فؤاد شهاب آخر. فهل تتبنّى طرح الاتحاديّة في لبنان؟ أجابني بالحرف الواحد: ليس عندي مشروع سياسيّ. عندي مشروع أمنيّ. فنظرتُ إلى الحاضرين وقلتُ لهم: ألم أعلمكم أنّ حضرة العماد غير موافق على الاتّحاديّة؟ ثمّ وجّهتُ كلامي إلى العماد قائلاً: قلتُ لحضرتك سابقًا، وغير مرّة، أنّك تريد أن تصبح فرنكو لبنان. أكرّر أمام الجميع، هنا، أنّ هذا الهدف مستحيل.

 

وصدق توقّعي عندما صدر في العام التالي، في مطلع شهر آب 1988، كتاب "ويبقى الجيش هو الحلّ"، لمؤلّفه الضابط فؤاد عون، ويوم عُيّن العماد عون رئيسًا لحكومة انتقاليّة في نهاية عهد الرئيس الشيخ أمين الجميّل. وكان أعضاء الحكومة كلّهم عسكريّين.

 

وتطرّق العماد عون مرّات عديدة، في زمن النفي المخمليّ إلى فرنسا، إلى موضوع الاتّحاديّة، منتقدًا إيّاها تارةً، ومؤيّدًا لها تارةً أخرى، حتى بات المطّلع المداوم على تصاريح العماد وبياناته ورسائله الهاتفيّة، والساعي لفهم مواقفه، يقع في حيرة، فيتساءل: ما موقف العماد الحقيقيّ وما رؤيته الحقيقيّة؟

 

وأخيرًا، طلع علينا العماد عون، يوم الأربعاء في الرابع من الجاري، بـوثيقة، عرف مَن صاغها له كيف يعبّر فيها عن حقيقة شعور المسيحيّين وارتقاباتهم وطموحهم في الحياة أحرارًا، متساوين كلّ المساواة وسائر المواطنين، وبعيدين كلّ البعد من أيّ صيغة فيها شبه رائحة من روائح الذمّيّة. وكادت هذه الوثيقة تكون جيّدة لولا إشارات تناقض روحيّةَ الوثيقة ذاتها وبعضَ ما ورد فيها. وكأنّ تلك الإشارات أُلصقت بالنصّ لصقًا لأسباب سياسيّة آنيّة تكتيكيّة.

 

في الوثيقة موقف واضح ينطلق من أرضية مسيحيّة، فيها المحبة والانفتاح والتفاعل قِيَمًا عليا، كما فيها دعوة صريحة، كلّ الصراحة، إلى إقامة، اليوم، نظام اتّحاديّ في لبنان. فقد وردت الفقرة الآتية:

 

فإن النظام السياسي اللبناني القائم على الاعتراف بحقوق كل طائفة، يفترض بديهيًا وحكمًا ان يصار الى احترام أصول الديموقراطية التنافسية البسيطة ضمن الجماعة الواحدة المتجانسة طائفيا، والديموقراطية المركبة التوافقية ضمن المجتمع الأكبر غير المتجانس والمتنوع طائفيا.

 

ماذا يعني هذا النصّ؟ إنّه بكلّ بساطة، صرخة معاناة، ودعوة إلى قيام الاتّحاديّة في لبنان. وما ورد فيه يشكّل قاعدةً أولى للاتّحاديّة ومنطلقًا يرعى سائر مقتضياتها. وجاءت الأمثلة عن بلجيكا وسويسرا تؤيّد، بما لا لبس فيه ولا إبهام، توجّه الوثيقة الاتحاديّ البارز.

 

والجملة التي سبقت هذا النصّ مباشرةً ومهّدتْ له، والتي جاء فيها: في الوقت الذي نطمح فيه الى مجتمع تكون فيه المواطنية قاعدة انتماء الى الدولة لا الطائفية والمذهبية، لا تُناقِض السعي القائم للاتّحاديّة ولا تعطّلها، على رغم أنّ فيها ما يعني الحصريّة المطلقة في الانتماء الوطنيّ، مهملاً سائر العوامل.

إذًا، الاتّحاديّة التي يقترحها العماد عون اتّحاديّة موقّتة، ولكن من غير تحديد في المدّة الزمنيّة.

 

وهذا أمر مطابق لمجرى التاريخ، إذ أنّ كلّ انتظام سياسيّ هو، بطبيعته، موقّت.

 

فمن دروس التاريخ، أن النظمَ السياسيّة، في مفاهيمِها وتطبيقاتِها، خضعت لتحوّلاتٍ مستمرّة، في أنواعها ومستوياتها، استجابةً لما طرأ، ويطرأ، من تغيّرٍ في أحوال الناس وظروفِهم، وحاجاتِهم وتطلّعاتِهم، وثقافاتِهم وحضاراتِهم...

 

فليس، تاليا، من انتظامٍ سياسيٍّ معيّن، في أيّ مكانٍ وزمان، شكّلَ نموذجًا نهائيًّا، دائمًا، ثابتًا، جامدًا.

 

لذلك، قد ينتقل الوضع المستقبليّ في لبنان بعد الاتّحاديّة إلى مجتمع فيه المواطنية (وحدها) قاعدة الانتماء الى الدولة، وقد لا ينتقل إليها. وقد يصل المجتمع، في المستقبل، إلى مفهوم لم يسبق له مثيل، لا نتخيّله في الوقت الحاضر. المهمّ أنّ الوضع القائم في لبنان سيبقى متفجّرًا إن لم يقم فيه النظام الاتّحاديّ في المدى المنظور. وهنا بيت القصيد. أمّا المستقبل البعيد فموضوع آخر. وكلّ نقاش حيال

ذلك المستقبل، منذ الآن، جدل عبثيّ ومماحكة جديبة.

 

وبعد،

هل يمكن أن يصرخ الداعون إلى الاتّحاديّة فرحًا بعد قراءتهم الوثيقة قائلين: أهلاً بالعماد عون مهتديًا، أخيرًا، إلى الاتّحاديّة؟

بكلّ موضوعيّة وراحة ضمير أقول: كلاّ!

 

ففضلاً عن السوابق التي ذكرتها، فإنّ مَن اطّلع على المحاضرة التي ألقاها العماد ميشال عون في مؤسّسة الدفاع عن الديموقراطيّة في واشنطن بتاريخ 7 آذار 2003، واستمتع وانتشى بما ورد فيها معنًى ومبنى، وتابع، من جهة أخرى، مقولات العماد عون اليوميّة ومواقفه المتناقضة، يشعر بالأسى وبخيبة الأمل.

ولكي لا يصاب أحد بأسًى آخر وبخيبة أمل جديدة، أقول للناس: لم يتغيّر.

 

 16 كانون الأول 2007