جنرال مغامر ومهووس بكرسي لن يصل اليها

سياسيون وباحثون لبنانيون يشرحون طروحات الجنرال ميشال عون المسماة "وثيقة الطروحات المسيحية اللبنانية" الصادرة في 3 كانون الأول 2007/بحث نشرته جريدة السياسة/16 كانون الأول

وثيقة تثير الغرائز ضد الفئات اللبنانية الأخرى وتناقض صيغة العيش المشترك/في الميزان السياسي والفكري هي تكملة لورقة تفاهم عون- حزب الله واعلان لارتباط عون بخيارات حزب ولاية الفقيه الإقليمية السورية والإيرانية/استعملت لغة سياسية محض عونية بمفردات محددة تعكس جميعها إيغالاً في الأوهام, وتخبطاً في مقاربة القضايا الأساسية ومنطقاً خلفيته النكاية والشتيمة/وظفت نفسها بأمانة في خدمة حزب الله وسلاحه ودويلته ورفضه الطائف/تعيق نقل لبنان من مرحلة الأزمة والفراغ وتكرس منطق البازار السياسي/دجلها وكذبها يبرز من خلال الدعوة للتصدي الحازم للأسلمة ولكن بعرف عوني يكمن بالتعاون مع الداعية فتحي يكن وبالتحالف الوثيق مع حزب الله/ عون قبل وثيقة التفاهم مع حزب الله, ما يعد أمراً غاية في الخطورة, إذ ورد في بندها العاشر أن سلاح حزب الله هو وسيلة مقدسة لذا يصبح التعاطي مع هذا السلاح طبقاً لهذا المفهوم تعاطياً مع الالهة, وهنا تكمن بالتالي صعوبة بل استحالة مناقشة هذا الأمر المقدس مع قيادة الحزب, فعندما تكون الوسيلة مقدمة تصبح بالتالي الغاية الهية, والكل يعرف ما هي غايات حزب الله في لبنان/الذمية التي يحذر منها نص الوثيقة العونية مكرسة في ورقة تفاهم عون نصرالله التي من أولا شروطها أن يتخلى المسيحيون عن حمل السلاح وحصره بحزب الله  مع استفراده ب قرار الحرب والسلم/بمقياس أحكام أهل الذمة يمكن أن يعد التفاهم بين التيار الوطني الحرّ وحزب الله عهدة ذمية/عون ومن لف لفه هم فئة من المسيحيين لم يبلغوا بعد سن الرشد ويراهنون بجنون على تحالفهم مع سوريا وايران وبالتالي يقامرون بمصير المسيحيين الذين جربوا مع إخوانهم المسلمين الكثير من الخيارات قبل وأثناء الحرب الأهلية, وخلصوا الى وثيقة الوفاق الوطني في الطائف/

 

 بيروت - علي أحمد: السياسة

15 كانون الأول 2007

 

تثير وثيقة »الطروحات المسيحية اللبنانية« التي أعلنها العماد ميشال عون رئيس تكتل »التغيير والإصلاح« في الثالث من ديسمبر الجاري أسئلة »سياسية وفكرية« تتعلق بالشكل والمضمون والخلاصات التي تصل اليها. وإذ لا يخفى أن للوثيقة أهدافاً سياسية مباشرة, فإن استهدافاتها البعيدة المدى تذهب الى حد الغاء, أو على الأقل, تهديد الميثاق الوطني اللبناني, الذي أنهى الحرب الأهلية عام .1990/

 

بداية, لا بد من التوقف عند الشكل, فالوثيقة أعلنها الجنرال عون بعد مشاورات دامت أياماً ثلاثة شملت مؤيديه من شخصيات وفاعليات مسيحية, على خلفية البحث عن حل لأزمة »التهميش المسيحي«, والمناسبة هنا هي أزمة الانتخابات الرئاسية اللبنانية التي تعذر إجراؤها ضمن المهلة الدستورية ودخول لبنان في مرحلة فراغ رئاسي, ما يعني غياب الموقع المسيحي الأول في هذا البلد. وعليه فإن المناسبة ظاهرياً هي مشروعة وتستند الى أساس, ولكن في الواقع العملي, فإن الداعي للمشاورات المسيحية, هو بعينه من عطل الانتخابات الرئاسية (مع حلفاء له), وهو المسؤول عن فراغ الموقع المسيحي الأول. وثانياً, فإن الحديث عن تغييب الدور المسيحي, وهو سؤال مشروع أيضاً, لا يعني بأي حال من الأحوال أن العماد عون ومؤيديه هم منقذو هذا الدور, وبالتالي لا يعني ابتعاد عون عن سدة الرئاسة, إبعاداً للمسيحيين عنها, لأن أحداً من القوى والطوائف والفئات اللبنانية, لم يدّع حق استغلال الفراغ الماروني, بل بالعكس فإن الجميع أقرّوا بوجوب إجراء الانتخابات الرئاسية. وثالثاً: لا يمكن اعتبار الأزمة الحالية في لبنان, وهي أزمة سياسية طارئة ناجمة عن استمرار مخاض الاستقلال عن النفوذ السوري, بأنها أزمة وجودية للطوائف اللبنانية, والطائفة المسيحية خصوصاً. وقد كشفت هذه الأزمة (يجب التشديد مرة أخرى على أنها سياسية طارئة) عن سلوكين مسيحيين مختلفين ومتناقضين, الأول عبر عنه مسيحيو قوى 14 آذار من خلال التضحية بالخاص من أجل العام, أي التخلي عن مرشحيهم وعن لائحة البطريرك الماروني نصر الله صفير, والتراجع عن موقف مبدئي رافض لتعديل الدستور, من أجل إنهاء حالة الفراغ بأسرع وقت. والسلوك الثاني هو سلوك عون, الذي يجعل الخاص في مرتبة العام, فيحول أزمة ترشحه للرئاسة الى أزمة وطنية كبرى, وفي الوقت نفسه يرفض قبول تضحية الآخر للخروج عن الأزمة الرئاسية.

 

أهداف مباشرة

يقول النائب في الأكثرية إلياس عطا الله: »إن عون وضع بداية, في ما سمي المبادرة الإنقاذية, شروطاً تحول دون نقل البلد من مرحلة الأزمة والفراغ السياسي, وتكرس منطق البازار السياسي, ثم كشف في الوثيقة المسيحية أن فهمه للوضع في لبنان يحمل في طيّاته رفضاً لاتفاق »الطائف«, ويدعو الى فهم آخر للأساس الذي يقف عليه البلد بعد الحرب الأهلية. ويمكن القول إن عون مع »حزب الله« يشكلان حلفاً قائماً على مناقضة اتفاق »الطائف«, ويرفضان أية تسوية سياسية تنقل البلد من التأزم الى الفرج, على عكس قوى 14 آذار التي ارتضت التنازل عن موقفها من تعديل الدستور ليس لمصلحة فئوية بل كمنهاج أساسي حقيقي, لأنه إذا تعرض مسار بناء الدولة لأي انتكاسة فلن يبقى أمل اللبنانيين لا بالسلاح ولا بتطور ولا بحرية ولا بديمقراطية.

 

من جهته, يقول النائب هادي حبيش: »إن عون يرفض صيغة التوازن الطائفي القائم بين المؤسسات الدستورية مقترحاً أن يسمي زعماء الطوائف من يمثلهم على رأس هذه المؤسسات, على افتراض خاطئ هو أنه الزعيم المسيحي الأوحد أو الأقوى, وبعد ذلك يحاول في الوثيقة المسيحية إثارة هواجس ومخاوف المسيحيين مما يسمى أزمة وجودهم, وإثارة الغرائز ضد الفئات اللبنانية الأخرى, وهذا مناقض لصيغة العيش المشترك التي نؤمن بها«.

 

ويعتبر النائب أنطوان زهرا أن »هذه الوثيقة لا تخدم المسيحيين ولا تساعد في حل الأزمة حالياً, لأن غايتها استنهاض الناس وتكبير حجم الحشد السياسي لعون, على خلفية مخاطبة غرائز الذين يصدقون أن استهداف المسيحيين يأتي من شركائهم المسلمين في لبنان, وهذا غير صحيح«.

 

»أسلمة« لبنان

هذا في الشكل وفي الاستهداف المباشر, أما في المضمون فإن مقدمة الوثيقة العونية تحذر من »أسلمة« لبنان, من دون ذكر الوقائع التي تؤكد وجود هكذا مخطط. يقول الباحث السياسي زياد ماجد: »الدليل الذي يقدمه الجنرال على مؤامرة الأسلمة هو: السعي لتوطين الفلسطينيين (في ما يماثل ترداد أميل لحود أن التمديد له كان لمنع التوطين), وعلم وخبر قَبِل به الوزير أحمد فتفت لحزب التحرير ولجمعيات إسلامية (ولو قلّ عددها وتنظيمها وكفاءتها عما تتمتع به الجمعيات والمؤسسات المسيحية, وتوقيع حكومي على شرعة حقوق الطفل في الإسلام (وهو للمناسبة توقيع لم يكمن له, على هامشيته, أي لزوم)... على أن المفارقة في الموضوع تتمثل في كون التصدي الحازم للأسلمة يتم في العرف العوني بالتعاون مع الداعية فتحي يكن وبالتحالف الوثيق مع حزب الله«.

 

ويقول المحامي والمحلل السياسي إلياس الزغبي: »إن التيار الوطني الحرّ بزعامة عون قبل وثيقة التفاهم مع حزب الله, ما يعد أمراً غاية في الخطورة, إذ ورد في البند العاشر من هذه الوثيقة أن سلاح حزب الله هو وسيلة مقدسة وهي المرة الأولى التي يعتبر فيها فريق غير حزب الله أن السلاح هو وسيلة مقدسة, لذا يصبح التعاطي مع هذا السلاح طبقاً لهذا المفهوم تعاطياً مع الالهة, وهنا تكمن بالتالي صعوبة بل استحالة مناقشة هذا الأمر المقدس مع قيادة الحزب, فعندما تكون الوسيلة مقدمة تصبح بالتالي الغاية الهية, والكل يعرف ما هي غايات حزب الله في لبنان«.

 

وتحت عنوان »المسالة الكيانية« تشير الوثيقة العونية الى رفض المسيحيين كل »أشكال الدونية الذمية والتبعية«, ورفض »سياسة المحاور الإقليمية والدولية«, وتعتبر أن »الدور الفاعل هو الذي يثبت الوجود ويحافظ عليه... وإن الوجود للوجود فقط هو طريق الزوال. وعليه فإن المسيحيين مدعوون دعوة صادقة الى قراءة متأنية لوثيقة التفاهم بين التيار الوطني الحرّ وحزب الله«.

 

وهكذا يربط عون الحفاظ على الوجود المسيحي بتحالفه السياسي مع حزب شيعي فيحيي فكرة تحالف الأقليات التي سبق أن نبذها الإرشاد الرسولي الصادر عن البابا الراحل يوحنا بولس الثاني, والذي تذكره وثيقة عون كمصدر للاستلهام. والواقع أن هذا الإرشاد وضع, كما يقول الباحث السياسي وسام سعادة, »لقطع الطريق على فكرة تحالف الأقليات, وإبراز تهافتها كمبدأ برنامجي قد يزيّن للبعض أنه يمكنه البناء عليه. وتخال فكرة تحالف الأقليات أن بإمكان المسيحيين, وهم على ما هم عليه من ضعف عددي ونوعي, أن يعولوا على الانقسامات المذهبية بين المسلمين. إن فكرة كهذه ما هي إلا استبطان للغلبة الذمية التقليدية... أما »الذمية« التي يحذر منها نص الوثيقة, فبالأحرى العودة الى تفاسير أحكام أهل الذمة عند كبار الفقهاء, سنجد فيها أن »الذمة« هي معاهدة أو »تفاهم« يكون أولا شروطها أن يتخلى الكتابيون, يهوداً كانوا أم مسيحيين, عن حمل السلاح, وعما يمكن وصفه بتعابير حديثة بقرار الحرب والسلم. بمقياس أحكام أهل الذمة يمكن أن يعد التفاهم بين التيار الوطني الحرّ وحزب الله عهدة ذمية«.

 

وفي فكرة تحالف الأقليات أيضاً يقول عالم الاجتماع اللبناني الدكتور أنطوان مسرّة أن »فئة من المسيحيين لم تبلغ بعد سن الرشد وتراهن على هكذا تحالف, وتقامر بمصير المسيحيين الذين جربوا مع إخوانهم المسلمين الكثير من الخيارات, قبل وأثناء الحرب الأهلية, وخلصوا الى وثيقة الوفاق الوطني في الطائف«.

 

أما عن رفض سياسة المحاور الإقليمية والدولية فإن الزغبي يؤكد »أن التفاهم مع حزب الله أدخل التيار الوطني الحرّ طرفاً أساسياً في المحور الإيراني-السوري الذي خاض حرب تموز بواسطة حزب الله بتغطية مسيحية أمنها عون«. وعن أهداف تلك الحرب يؤكد المفكر الدكتور أحمد بيضون أنها »ثلاثة: الأول داخلي يتعلق بالحفاظ على سلاح حزب الله. والثاني سوري يريد إشغال العالم عن قضية المحكمة الدولية, والثالث إيراني يريد إثبات جدارة حزب الله في المشاركة في أية حرب مقبلة ضد إيران«.

 

في أزمة المسيحيين

وهو العنوان الثاني في الوثيقة وفي هذا المجال يرد ما يلي: »تهميش المسيحيين عبر الخلل الديموغرافي الناجم عن مرسوم التجنيس والهجرة والتهجير (...) وأزمة الوجود المسيحي تعود بالزمن الى العام 1969 مع بدء تقويض لبنان الوطن والنظام والدولة (...) والأزمة الراهنة ما هي الا امتداد لما كان في زمن الوصاية السورية التي شكل المسيحيون رأس حربة في مناقضتها ودفعوا الثمن الأغلى لاستعادة السيادة والاستقلال«.

 

في هذه العبارات يهدف عون الى تحميل السنّة في لبنان مسؤولية تهميش المسيحيين لأن مرسوم التجنيس المشكو منه صدر أيام حكومة الرئيس الشهيد رفيق الحريري وقد استفادت منه شريحة كبيرة من المواطنين الذين ولدوا في لبنان وعاشوا عقوداً طويلة تحت عنوان »هوية قيد الدرس«, وصودف أنهم من السنّة. من جهة ثانية يعيد عون أزمة المسيحيين الى العام 1969 يوم وقع »اتفاق القاهرة« مع منظمة التحرير الفلسطينية (السنّية) برعاية مصرية (سنّية أيضاً) لتنظيم العمل الفلسطيني المسلح في لبنان. ويقول الباحث السياسي حسان حيدر »ينسى عون عندما يذكر اتفاق القاهرة أن حليفه حزب الله يلعب الآن الدور نفسه الذي يعتبر أنه شكل بداية الأزمة بين المسيحيين والفلسطينيين, عندما يقيم دولة داخل الدولة ويمسك بيده وحده قرار الحرب والسلم مع إسرائيل, وقرار تعطيل الدولة وفقاً لتحالفات تقيمها خارج الحدود«.

 

ويضيف حيدر بشأن مناهضة الوجود السوري »وراء النرجسية السياسية الفاضحة يختبئ هدف ربما لا يدركه الجنرال, وهو معاقبة السنّة الذين تحولوا بعد اغتيال رفيق الحريري الى طائفة سيادية طالبت مع حلفاء مسيحيين بالخروج السوري من لبنان ولا تزال تطالب بإقامة المحكمة الدولية بمعاقبة مرتكبي الاغتيالات«.

أما أخطر ما ورد في الوثيقة تحت عنوان أزمة المسيحيين فهو: »وفي حين تبوأت الزعامتان الشيعية والسنية منصبي رئاسة مجلس النواب والحكومة, كان للخارج مع بعض الداخل دور كبير في إنكار هذا الحق على المسيحيين«.

 

يقول المؤرخ اللبناني الدكتور وجيه كوثراني: »يجاهد الجنرال عون أن يجعل من المارونية السياسية والمسيحية-السياسية عموماً وحدة تحت زعامته أسوة بما جرى في الطائفتين السنّية والشيعية, أو تماثلاً معهما, ولكن التماثل هنا يبدو أمراً صعباً, وإن اعتقد الجنرال عون بقرارة نفسه = أنه الزعيم المسيحي الواحد الأوحد, أو أنه - على الأقل- ومن قبيل التواضع عنده, أنه بشارة الخوري الذي يبحث عن رياض صلح مسلم«.

 

ويتابع: »يبدو أن ذلك يعتبر أمراً صعباً, فالتاريخ أولاً لا يعيد نفسه ولا يكرر أبطاله أو شخصياته. ومن جهة ثانية, لم يكن بشارة الخوري ليطرح نفسه زعيماً أقوى أو أوحد للطائفة المارونية أو المسيحية (...) والتعددية السياسية في الطائفة المسيحية اليوم - وهي علامة إيجاب لا سلب- فهي من مؤشرات ما تبقى من تاريخ ميثاقي قديم, تعددت فيه الزعامات المسيحية القوية ككميل شمعون وبيار الجميّل وريمون إدّه وحميد فرنجية ثم سليمان فرنجية, ولم يخطر ببال أحد من هؤلاء أن يقول أنه الأقوى مسيحياً«.

 

ويخلص الدكتور كوثراني الى القول: »ما يفعله الجنرال عون لتوحيد المسيحية السياسية تحت قيادته وليتماثل بها مع السنّية السياسية والشيعية السياسية, هو من قبيل صناعة ميثاق جديد ينحو نحو الفيدرالية الطائفية بالتمام والكمال«. مع الإشارة الى أن عون تبنى العلمانية في برنامج »التيار الوطني الحرّ«.

 

عون والإرشاد

وفي باب ثالث تحت عنوان »قواعد وأصول الديمقراطية في الوسط المسيحي« يدعو عون الى »الاعتراف بوجود أكثرية وأقلية والى حق الأكثرية في القيادة السياسية, وأن يكون للأقلية خيار الانضمام الى الأكثرية أو تشكيل معارضة. أما بكركي فهي مرجعية روحية وطنية يجب أن تنأى بنفسها عن التجاذبات السياسية اقتداء وعملاً بالإرشاد الرسولي«.

 

وعليه فإن عون حدد قواعد العمل السياسي للمسيحيين على مقاسه الخاص إذ إنه يعتبر أنه الزعيم المسيحي الذي نال أعلى نسبة أصوات مسيحية في انتخابات العام 2005 ويتنافس التغييرات في المزاج الشعبي المسيحي والتي تجلت في الانتخابات الفرعية في المتن والتي أعطته ما يقارب الخمسين بالمئة. ومن جهة ثانية فإن عون يستخدم مقولة »الأكثرية والأقلية« على هواه, فهو يريدها على الصعيد المسيحي ويرفضها على الصعيد الوطني, وينكر مع حلفائه حق قوى 14 آذار والأغلبية النيابية في إتمام الانتخابات الرئاسية, ويشترط التوافق الوطني بحجة نصاب الثلثين.

 

وهكذا ينصّب عون نفسه زعيماً سياسياً للمسيحيين ويترك للبطريركية المارونية الزعامة الروحية مستشهداً بشكل مجتزأ بفقرة من الإرشاد الرسولي.

 

يقول الباحث السياسي وسام سعادة في هذا الإطار: أما الاستشهاد بالفقرة 112 من الإرشاد الرسولي فلم يأت دقيقاً, وبينّ عن استخدام سريع انتقائي للنص, إذ لم ينتبه معد الوثيقة بأنه لا يستشهد مباشرة بالإرشاد الرسولي, بل إنه يستشهد باقتباس عرّج عليه نص الإرشاد. فعبارة ليس عند الكنيسة »حلول تقنية, ولا تقترح أنظمة ولا برامج اقتصادية وسياسية«. ترجع الى الرسالة العامة الصادرة عام 1988 بعنوان: الاهتمام بالشأن الاجتماعي, وليس ينفع الاستشهاد المباشر بها من دون الحكم في »سبب نزولها«... وبكل الحالات, ليس ينفع الاستشهاد غير الدقيق عن استشهاد سابق حمله الإرشاد الرسولي من خارج متنه, في أن يرسي المعادلة المقترحة من العماد عون في نص الوثيقة حيث يقترح طائفة برأسين, بطريرك وأمير, أو بطريرك وإمبراطور.

 

بدوره يضع الدكتور أنطوان مسرّة الوثيقة العونية في إطار »استغلال بعض القوى السياسية في لبنان لمخاوف بعض المسيحيين, وهي مخاوف من الماضي, وتستخدمها في التعبئة السياسية. علماً أن المسيحيين اليوم في لبنان هم موضوعياً في أحسن حال في تاريخهم لأربعة أسباب: الدعم العربي, ومبدأ المناصفة الذي أقرّه اتفاق الطائف والدستور, وجود زعامات إسلامية تجاهر بالسيادة والاستقلال, وأخيراً وجود قناعة لبنانية عامة نابعة من المعاناة والتاريخ لدى كل المسيحيين أن وجود المسيحيين في لبنان هو عنصر مكون للهوية اللبنانية«.

 

وعن استشهاد الوثيقة العونية بالإرشاد الرسولي قال مسرّة:  »شاركت في إعداد بعض نصوص الإرشاد, وعملت مع آخرين لمدة ثلاثة أسابيع في ذلك. وما ورد في الوثيقة هو تفسير مجتزأ, لأن دور الكنيسة, في العالم, وليس فقط في لبنان, هو في الدفاع عن القيم الأساسية للمجتمع وللجمهورية, وفي هذا الإطار جاءت مواقف البطريركية المارونية في لبنان مواقف سياسية بالمعنى الراقي. وكذلك في دول أخرى تلعب وتتخذ الكنيسة مواقف وطنية في ما خص المرتكزات الأساسية للبلد أي حقوق الإنسان والقواعد الدستورية والحقوقية. لذا يأتي ذكر الوثيقة للإرشاد الرسولي مشوهاً ومناقضاً لكل فحوى ومضمون هذا الإرشاد الذي يكتفي بالإشارة الى أن الكنيسة لا تتدخل في التجاذب السياسي فقط لا غير, وفي الخلاصة هدف الوثيقة هو استغلال الغرائز خدمة لمشروع سياسي مرتبط بأهداف محور إقليمي«.

 

وحتى لو سلمنا جدلاً أن عون هو الزعيم الأقوى عند المسيحيين فإنه يحتاج الى رافعة أوسع لإيصاله الى سدة الرئاسة الأولى, وهي حلم حياته على حد قوله. هذه الرافعة هي الطوائف الإسلامية, وهو يقترح أن يجري الانتخاب مباشرة من قبل الشعب ولمرة واحدة, وهذا حل مفصل على قياسه مرة أخرى, ولكنه يناقض كل فحوى »الوثيقة المسيحية« التي تشكو من تهميش المسيحيين وخصوصاً على الصعيد التمثيلي السياسي, إذ أنه مطلب الاقتراع الشعبي المباشر في بلد تعد نسبة المسيحيين المشاركين في استحقاقاته الانتخابية تتجاوز الثلاثين في المئة, يهدد فعلاً لا قولاً مصير الرئاسة الأولى الممنوحة للموارنة, في حين أن النظام الحالي بالانتخاب النيابي لرئيس الجمهورية يحفظ للمسيحيين حق الاعتراض وحتى الفيتو على أي اسم لا يريدونه.

 

الفيدرالية

وفي الباب الرابع من الوثيقة يذهب عون مباشرة الى الهدف: الغاء اتفاق »الطائف« وإقامة نوع من فيدرالية الطوائف على غرار تجربتي سويسرا وبلجيكا, ويدعو الى »جعل رئيس الجمهورية إنتاجاً مسيحياً يحظى بقبول وطني«.

 

يقول إلياس الزغبي: »لقد سبق لعون أن أغفل ذكر اتفاق الطائف في وثيقة التفاهم مع حزب الله, وهذا التغييب هو رغبة عند الحزب لاقت تجاوباً كاملاً عند العماد عون. ويوم سئل السيد حسن نصر الله عن مسببات هذا الإغفال أجاب: نستغفر الله لقد نسينا. ونحن نسال: كيف نسوا وهم يقولون إن إعداد وثيقة التفاهم استغرق ستة أشهر? كان من المفترض القول إن طرفي وثيقة التفاهم يعارضان اتفاق الطائف الذي أصبح دستوراً للبلاد«.

 

من جهة أخرى يذكر الدكتور كوثراني في الحديث عن اتفاق الطائف أن الفقرة »ح« من الدستور اللبناني, تؤكد أن الغاء الطائفية السياسية هدف وطني ينبغي العمل من أجله, وأن المادة ,94 جعلت المناصفة بين المسيحيين والمسلمين في التمثيل النيابي »مرحلة انتقالية«.

 

ويقول كوثراني: »كان على الجنرال عون, وقد أعلن العلمانية في برنامج تياره أن يكون الأقرب الى هذا التوجه المنسي في وثيقة الطائف, بل كان عليه أن يدخل حقل الطوائف اللبنانية الأخرى عبر شبابها وقطاعه المدني بعلمانية بدلاً من تأكيد عصبية إحداها واستثمارها سياسياً بالتفاهم من بعده أو استنفار عصبية الأخرى على الأولى بالمناكفة والاستفزاز واللعب على صراع مذهبي بين الطائفتين«.

 

أما الباحث السياسي زياد ماجد فيشير الى أن عون يعتبر »الوصول الى بعبدا كفيلاً ببعث نظام رئاسي تخطته الظروف والأصول الدستورية في مرحلة ما بعد الطائف«.

 

الأخطار المحدقة

وتحت هذا العنوان تلخص وثيقة عون الأخطار الداهمة التي تهدد لبنان ومسيحييه خصوصاً باثنين: »خطر التوطين الذي من شأنه تغيير المعادلة الديموغرافية القائمة, وخطر الفائض المالي الذي يستعمل لشراء الأراضي وتبديل هويتها«. وإذا عطفنا ذلك على فكرة »تحالف الأقليات«, يكون عون قد أكمل عدته للمواجهة السياسية: تحريض مكشوف ضد السنّة, وانخراط في مشروع منافس لمشروعهم, أي مشروع مد النفوذ الإيراني على المنطقة.

 

ويقول الباحث السياسي حسان حيدر: »أن وثيقة عون التي غاب عنها ذكر إسرائيل تماماً لا ترى أخطاراً داهمة تحدق بلبنان, سوى خطرين هما: التوطين والمقصود بالطبع اللاجئون الفلسطينيون في لبنان, أو جيش السنّة, كما كان يطلق عليهم إبان الحرب الأهلية. أما الفائض المالي الذي يستعمل في شراء الأراضي وتبديل هويتها فالمقصود به الأموال الخليجيّة التي يعتبر عون وحلفاؤه أنها ستمهد للتوطين المزعوم«.

 

ويقول زياد ماجد: أن الجنرال عون والمتحلقين حوله قرروا استعادة الدور المسيحي الذي يقوم على مواجهة »السنية السياسية« (ولو في لحظة احتشادها السيادي) التي صادرت أملاكهم واختصاصاتهم ظناً منهم أن إضعافها لمصلحة منافستها الشيعية (ولو على استمرار تحالفها مع النظام السوري) يعيدهم الى موقع تحكيمي بين المسلمين, والى موقع ترجيحي في العلاقة مع الغرب (...) وعلى الأسس التي ذكرنا, وعقب ما انبثق من نتائج كان أبرزها توقيع وثيقة التفاهم بين التيار العوني وحزب الله في 6 فبراير ,2006 قامت لغة سياسية عونية بمفردات محددة تعكس جميعها إيغالاً في الأوهام, وتخبطاً في مقاربة القضايا الأساسية ومنطقاً متناقضة دعائمه لا يتخطى في أحيان كثيرة  النكاية والشتيمة, لكنها لغة رغم وهنها الذاتي, وظفت نفسها بأمانة في خدمة حليفها الشيعي وخياراته الإقلمية«.

 

ولعل وثيقة عون الأخيرة المسماة »وثيقة الطروحات المسيحية اللبنانية« الصادرة في 3 ديسمبر 2007 هي حلقة جديدة في هذه اللغة, بحيث لا تعدو كونها تكملة لوثيقة التفاهم مع »حزب الله« وخدمة لخياراته الإيرانية.