الجنرال جمع في خطاب الخميس مشروعين متناقضين حد التناحر

عون يعلن التحاقه نهائيا بالمحور السوري - الإيراني ويحاول جر المسيحيين إلى تحالفه مع "حزب الله"

"حزب الله" الذي خسر بعد 2005 حليفه وراعيه الجيش السوري وجد في ميشال عون ضالته

عون أعان "حزب الله" على احتلال بيروت... واستعار مصطلحه "مناقضة السياسة الإسرائيلية - الأميركية"

لن يستطيع اي "عوني" بعد اليوم التملص من "تهمة" الانخراط في محور الممانعة للمحور الأميركي - الإسرائيلي

بيروت - "السياسة": 7 تموز 2008

 

طوال سنوات من المواقف الصاخبة والحادّة للعماد ميشال عون, لم يبد متناقضا مع نفسه ومع بيئته, بقدر ما بدا مساء الخميس الماضي وهو يعلن انطلاق "اللقاء المسيحي الوطني", اذ جمع الجنرال في امسية واحدة مشروعين متناقضين الى حدّ التناحر, فمن جهة رفعت الوثيقة الصادرة عن اللقاء شعار الحفاظ على الوجود المسيحي في لبنان, في حين ان خطاب الجنرال اعلن صراحة انتسابه الكامل والمطلق الى مشروع حزب ولاية الفقيه في لبنان.

 

ركزت الوثيقة التاسيسية للقاء المسيحي على عدد من الثوابت اللبنانية, واشارت تحديدا الى التعايش الاسلامي-المسيحي, والمساواة بين المواطنين في وطن سيد وحر ومستقل, والالتزام بالمواثيق والعهود الدولية والعربية, وقيام الدولة المدنية, وانتقدت الاخلال بالتوازن الديموغرافي, وحذرت من شراء الاراضي من المسيحيين, ودعت الى تطبيق حكم القانون, ورفضت الامن الذاتي, وطالبت بقيام الدولة القادرة والعادلة, وشددت على قيام تسوية شاملة للصراع العربي-الاسرائيلي, وتمتين علاقات التضامن بين الدول والشعوب العربية.

 

وفي المقابل, اعلن الجنرال عون انخراطه الكامل في مشروع "حزب الله" عندما استعار مصطلحه المفضل مناقضة "السياسة الاسرائيلية-الاميركية", ليطوب نفسه راس حربة ضده, مع ما يعنيه ذلك من تطابق مع اداء وسلوك وخط "حزب الله" الذي نسف في السنوات والعقود الماضية كل العناوين التي ابرزتها الوثيقة ونكتفي بذكر بعضها: الغاء الدولة, تكريس الامن الذاتي, نقض التعايش اللبناني-اللبناني, ولا سيما خلال "حروب" مايو الماضي, وشراء الاراضي على حساب المسيحيين, وجعل لبنان ساحة صراع مفتوحة, وذلك بالانحياز الى دولة اقليمية واخرى عربية ضد دول وشعوب عربية اخرى.

بين التفاهم واللقاء

 

قبل التوسع في نقاش خطاب عون يجدر التوقف عند دلالات اطلاق هذا اللقاء المسيحي. لقد سبق لعون ان وقع ورقة تفاهم مع "حزب الله", وتبين لاحقا ان في الامر اكثر من "تفاهم" بل هو تحالف وثيق سياسي-اعلامي-امني-مالي. وها هو الان ينتقل الى خطوة اكبر في محاولة لجر "المجتمع المسيحي" كله الى هذا التحالف.

وقد كشفت الاحداث التي تلت توقيع ورقة التفاهم في 6 فبراير 2006, الاسباب الحقيقية للطرفين الموقعين. اذ ان "حزب الله" الذي خسر حليفه وراعيه الجيش السوري في العام 2005, ووجد نفسه بحاجة الى حليف داخلي في مواجهة انتقال معظم الاطراف والطوائف التي كانت تسانده ايام كان حزبا مقاوما, الى المقلب الاخر, فوجد في عون ضالته, لا سيما ان على جدول اعمال الحزب حربين: ضد اسرائيل, ضد الداخل اللبناني. كان لا بد له من خوض الحرب الاولى ليثبت قوته ويؤكد نفسه لاعبا اقليميا قويا (او على الاقل في خدمة لاعب اقليمي قوي), وكان لا بد له من خوض الثانية في الداخل ليعيد تصويب موازين القوى التي اختلت لمصلحة قوى ثورة الارز بعد انتفاضة الاستقلال وربيع لبنان في العام 2005, فكان الجنرال خير عون للحزب على المستوى السياسي في تغطية حرب تموز 2006 مسيحيا, وكان افضل داعم لاحتلال بيروت وبعض المناطق قبل شهرين.

 

ويعتبر "حزب الله" منتصرا في الحربين ويجاريه عون. ويريد الحزب استثمار الانتصارين فيلاقيه عون. "الانتصار" الاول ضد اسرائيل يعني ان احدا بعد الان لن يحاول نزع سلاح الحزب بالقوة, وتاليا فان احدا لن يستطيع اقناع الحزب بالحوار, بتسليم سلاحه الى الدولة. "الانتصار" الثاني على خصوم الداخل يعني ان لا دولة في لبنان, واذا قامت شبه دولة فستكون للحزب وحلفائه الكلمة الفصل في كيفية بناء مؤسساتها السياسية والامنية والقضائية وغيرها (وهذا ما اعلنه المسؤول في حزب الله نواف الموسوي صراحة). وبمعنى اخر الهيمنة على الدولة في المضمون مع الحفاظ على قشرتها الخارجية كدولة متعددة الطوائف تسودها الديموقراطية التوافقية, وهنا ياتي دور عون لتامين "التغطية المسيحية". اذ ان غطاء "التيار الوطني الحرّ" لم يعد كافيا ويجب ان يتوسع ليضم رموزا وشخصيات مسيحية اخرى, فكانت فكرة تجميع هؤلاء في اللقاء المسيحي. واذا قدر "لدولة" حزب الله ان تقوم فستكون على غرار "الدولة" التي اقامها النظام السوري ايام وصايته المباشرة على لبنان, اي بجبل كل ازلامه واتباعه ووضعهم في سدة المسؤولية.

 

محور ضد محور

كان مؤيدو عون يعترضون خلال السنوات الماضية على اتهامه من قبل خصومه بانه يخدم المحور السوري-الايراني, ربما من حيث لا يدري. اليوم لا يستطيع اي "عوني" ان يتملّص او ان يناور او ان يجادل في هذه التهمة, لقد اعلن عون بعبارات قوية انه ينخرط في محور الممانعة للمحور الاميركي-الاسرائيلي الذي يريد ان "يقدم لبنان كجائزة ترضية على مائدة المفاوضات في بورصة الحلول الشرق-اوسطية", وفقا لخطابه. وهذا الكلام, معطوفا على اعتبار ان "حزب الله" الذي خاض حرب تموز بقرار ايراني-سوري, "قهر اسرائيل وحقق المفخرة التاريخية", يعني بطبيعة الحال ان عون اصبح جزءا لا يتجزا من المحور الممانع لاميركا واسرائيل, اي المحور السوري-الايراني.

 

وللقضية وجه اخر, فعون الذي عاد الى لبنان من فرنسا في العام 2005, بصفقة مع محور دمشق-لحود, كان قد تعهد بامرين: الاول القبول ببقاء القوات السورية في البقاع وبعض المناطق (كما نص اتفاق الطائف) لانه كان يعتبرها ضمانة للوجود المسيحي, ولكن الاحداث التي تلت اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري وثورة الارز نسفتا هذا البند. اما البند الثاني فكان فرط عقد المعارضة انذاك, اي عدم التحالف مع "لقاء البريستول" الذي تحول الى حركة 14 اذار. وقد وفى عون بهذا الشرط لاحقا, ومن غرائب الامور ان يعود الجنرال في خطابه اول امس الى البند الاول من خلال انتقاد السياسة الاميركية التي هجرت المسيحيين من فلسطين والعراق", داعيا "الدول الصغرى الى الوعي في اعتماد سياسات معينة كي لا تقع فريسة خيارات خاطئة", ومؤكدا ضرورة قيام افضل العلاقات مع سورية (في ظل النظام الحالي) وكانه يستدعي هذا النظام لحماية المسيحيين ضد الاخطار المحدقة بوجودهم.

 

داخل المحور الواحد

هذا الطموح العوني ليس صافيا تجاه دمشق, ويبدو من وقائع سبق واشارت اليها "السياسة" ان النظام السوري بالنسبة لعون هو ملجا الضرورة, ولكن الحلف الاهم هو مع ايران عبر ذراعها في لبنان, "حزب الله".

 

من هذه الوقائع ان "حزب الله وعون افشلا معا مشروعا سوريا لاقامة جبهة للاحزاب والقوى والشخصيات المعارضة. وعندما اعتذر عون بحجة انه لا يستطيع ان يكون في صف واحد جنبا الى جنب مع وئام وهّاب وناصر قنديل وعبدالرحيم مراد, تحول المشروع السوري الى جبهة حزبية ضيّقة رفضها "حزب الله" ايضا. بعدها حاولت دمشق اقامة جبهة مسيحية خالصة تضم الرموز البائدة من عهد الوصاية السورية وتتخذ شكلا تنظيميا مستقلا عن عون ومدعوما منها رفض الاخير الامر. واحتار المراقبون في السبب, الى ان جاء لقاء "الضبيه" واجاب عن اسئلة المحتارين: لقد حسم عون خياره الستراتيجي بالتحالف مع ايران عبر "حزب الله", وكان التعبير الصارخ في الخطاب الذي القاه حتى يكاد من يسمعه يظن ان قائله هو احد كوادر "حزب الله".

 

الرئاسة دائما

ماذا يستفيد عون من التحالف مع ايران ولو على حساب دمشق?

يجزم المراقبون المتابعون لحركة الجنرال انه لم يتخلَ عن حلمه الرئاسي ولو في شبه دولة. وقد اصيب هذا الحلم بانتكاسة كبيرة في اتفاق الدوحة الذي حاول ان ينسفه قبل ان يولد, ويحاول الان ان يطيحه بشروطه التعجيزية لتشكيل الحكومة. والانتكاسة الاهم كانت في انتخاب العماد ميشال سليمان رئيسا للجمهورية بمباركة عربية ودولية منقطعة النظير. وهي تشمل بالطبع دمشق التي حافظ معها سليمان على علاقة متوازنة وطيبة في الاجمال, ولكن هذا الامر لا ينطبق على ايران, التي نأت بنفسها لفترة عن الساحة اللبنانية بعد ان وجه "حزب الله" سلاحه الى الداخل وحسم عسكريا, وترك الايرانيون تسوية الدوحة تمر من دون عرقلة, ليعيدوا تمركزهم في وقت لاحق على الساحة.

 

اضافة الى ما سبق ذكره عن "انتصاري" حزب الله, ومراهنة عون عليهما, يراهن ايضا على الورقة الايرانية, فالورقة السورية قد تنقلب في اية لحظة عليه وعلى حليفه "حزب الله", لان نظام دمشق مستعجل على الصلح مع اسرائيل واسترضاء الاميركيين, اي على فتح البورصة التي تحدث عنها عون في خطابه, والتي قد تضع لبنان على المائدة كجائزة ترضية. هنا يبدو الخيار الايراني لعون صالحا لفترة اطول, وخصوصا ان حكام طهران لا يزالون يقارعون الاميركيين على الساحة العراقية.

 

وفي كل الاحوال فان المرحلة ضبابية في المنطقة, لذا وجد عون من الاسلم ان يلتصق بحبل السرةّ الخاص به, اي "حزب الله" الذي يسانده بقوة في "حرب" الحقائب الوزارية, ويدعمه في تحضير اللوائح الانتخابية للعام 2009, وبطبيعة الحال يزوده بالمال الايراني لكي تستمر مؤسساته الحزبية في العمل.

 

أوهام وأخطاء

يفتتح عون خطابه بفزاعة التوطين ويختتمه بدعوة المسيحيين الى الاقتداء بتعاليم الكنائس المسيحية الشرقية وما بينها ويقع في اخطاء كثيرة.

في موضوع التوطين يتناسى عون ان الدستور اللبناني, بما هو توافق بين اللبنانيين, جزم بمنع التوطين, ويتجاهل ان قيادات 14 اذار البارزة اعلنت بدورها رفض الامر مدعومة بموقف فلسطيني وعربي ودولي. ورغم ذلك لا زالت هذه المسألة الذريعة المفضلة لدى عون لشد العصب المسيحي حوله.

اما الدعوة الى الاقتداء بما صدر عن المجمع الفاتيكاني الثاني والمجمع البطريركي الماروني والارشاد الرسولي, فتبدو وهمية بالكامل, بعد ان نسف حزب ولاية الفقيه في لبنان كل مضمون هذه التعاليم.

 

وفي سياق الخطاب يقع عون في الاخطاء التالية: "بعد حرب تموز عززنا التضامن الداخلي", علما ان اخطر انقسام عاناه لبنان بدا في تلك الفترة مع نزول المعارضة الى الشارع بتظاهرات واعتصامات وقطع طرقات وصولا الى احداث مايو الاخيرة, والتي وصفها عون ب"المحدودة جدا".

 

ويقول: نعارض الادارة الاميركية التي تسببت بتشتيت المسيحيين الفلسطينيين والعراقيين", علما ان تنظيم القاعدة والاصوليين المتطرفين (من سنّة وشيعة) هم سبب تهجير المسيحيين العراقيين, اما في فلسطين فان الصراع بين حماس وفتح هو الذي ساهم في ما يشكون منه عون, وكانه يترحّم على نظام صدّام حسين بزعم انه حمى مسيحيي العراق, في حين ان المقابر الجماعية التي اكتشفت بعد سقوطه فضحت "ماثره في حماية شعبه".

 

ويخلص عون من هذا الى القول بان مسيحيي لبنان, معه ومع "حزب الله" بخير, في حين تؤكد الاحصاءات ان اعلى نسبة هجرة في صفوف المسيحيين في السنوات العشرين الاخيرة, سجلت بعد حرب تموز وبعد نزول مسلحي المعارضة الى الشارع بدءا من ديسمبر 2006.

ويقول عون ان التفاهم مع "حزب الله" رُفض من غير ان يقرا, واعطي ابعادا ليست فيه. والسؤال الذي يتجنب عون دائما مواجهته هو: من ايد من القوى السياسية كافة هذا التفاهم والجواب: لا احد سوى الطرفين الموقعين عليه. حتى قوى المعارضة بمختلف تلاوينها لم تتبنه, وفي مقدمها شريك "حزب الله" في الثنائية الشيعية, حركة "امل".

 

ويقول عون ان "موقفنا غير التقليدي من حرب تموز (دعم حزب الله) احدث ارباكا في الراي العام ما زلنا نشهد بعض تداعياته", وفي هذا الكلام بعض الصحة, اذ ان الجمهور المسيحي الذي رفع عون في انتخابات 2005 الى مرتبة القائد المسيحي الاقوى, لم يفهم بالفعل موقفه, والاهم انه لم يقبله, وقد دفع عون بالفعل ثمن هذا الموقف من شعبيته التي تنهار من حوله.

 

إعادة تشكيل النظام

يدعو عون اللبنانيين الى المراجعة, ويقول: "اصبح من الضروري ان يعيد كل مكون من مكونات المجتمع اللبناني النظر في اولوياته وان يحدد ما يريد بالضبط لهذا المجتمع". هذه الدعوة اذا وضعت في السياق المذكور انفا, اي سياق الامر الواقع السياسي والعسكري الذي يفرضه "حزب الله" حتى الان, فهي تعني ان عون يريد اعادة تشكيل النظام اللبناني من جديد, اي نسف اتفاق الطائف (وللتذكير فان ورقة التفاهم مع حزب الله تجاهلته تماما). واعادة التشكيل ضرورية بالنسبة لعون وخصوصا انه ذكر في الخطاب نفسه ما يلي: اثبتت الاحداث الكبيرة في الشرق الاوسط ان شرائح المجتمع اللبناني لم تكن على المستوى نفسه من الحضور والجهوز لفهم ما يجري". وعليه فان عون ينصب نفسه استاذا في السياسة, والاخطر انه ينصب نفسه راعيا لما سياتي لاحقا من تفاهمات وتسويات داخلية لبنانية, وقد سبق ان اعطى اشارة تدل على نياته, عندما تعرض لصلاحيات رئيس مجلس الوزراء, قبل اسابيع وعاد في وثيقة اللقاء المسيحي مساء الخميس ليطالب بتحديد "اليات وموجبات عمل السلطة التنفيذية من خلال وضع نظام داخلي لمجلس الوزراء". بما يكشف حقيقة ما يستهدفه عون تماما: نسف تسوية الطائف القائمة على المناصفة بين المسيحيين والمسلمين, وارساء المثالثة (سنية-شيعية-مسيحية), واذا امكن الذهاب الى ابعد من ذلك اي الى الثنائية المسيحية-الشيعية, التي يختزلها بثنائيته مع "حزب الله".