تقرير أوروبي: هذه خطط "حزب الله" الخطرة

"الحزب يريد سلطة جديدة بقيادته ويهدّد السلم الأهلي والوحدة الوطنية"

بقلم عبد الكريم أبو النصر -10أذار 2007

 

"أكد مركز ديبلوماسي مرتبط بحكومة دولة اوروبية بارزة، في تقرير له غير معد للنشر عن خطط "حزب الله" وتوجهاته، ان هذا الحزب يتصرف حاليا كأنه يقود انتفاضة ثورية مستمرة وليس انقلابا تقليديا، وهو اقتحم الحياة السياسية بهدف الهيمنة فعليا على سلطة جديدة يريد تشكيلها مع حلفاء له ينفذون ما يريد، وهي سلطة يريدها ان تكون مختلفة عن تركيبة الحكم الحالي المستندة الى اتفاق الطائف، وهذا ما لم يسبق ان قام به اي تنظيم سياسي عسكري في تاريخ لبنان المستقل.

 

اوضح المركز في تقريره ان "حزب الله" يرفض، فعليا، المشاركة الحقيقية العادلة في السلطة مع الافرقاء اللبنانيين الاساسيين الآخرين لان هذه المشاركة لن تحقق اهدافه ولن تؤمن مصالح سوريا وايران. لقد اصبح "حزب الله" يشكل، بمواقفه واعماله، الخطر الداخلي الاكبر على مسار الاحداث في لبنان لانه يتجاوز القواعد والاصول الدستورية والديموقراطية ويهدد بحركته التغييرية الثورية الوحدة الوطنية والسلم الاهلي وصيغة العيش المشترك وخصوصا انه يضع اللبنانيين امام خيارين: اما الرضوخ كليا لمطالب الحزب، او ان البلد سيواجه الفوضى والدمار والخراب، وعلى اساس ذلك كله فان "حزب الله" يمكنه ان يجر لبنان الى نزاعات داخلية طويلة اذا لم يتراجع عن خططه ويلتزم احترام صيغة التوافق والتفاهم مع الافرقاء الآخرين لادارة شؤون هذا البلد".

 

هذا ما كشفته لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع في باريس واوضحت ان تقرير هذا المركز الديبلوماسي يشدد على ان "حزب الله" يقوم "بعملية تضليل سياسية واعلامية واسعة النطاق لتحقيق اهدافه الحقيقية المختلفة عن تلك التي يعلنها رسميا، ويتوقف عند مجموعة مسائل وقضايا اساسية تكشف حقيقة اهداف الحزب وتظهر التناقض الواضح بين مواقفه المعلنة واعماله ونشاطاته في الساحة اللبنانية. ويتناول هذا التقرير الاوروبي ثماني مسائل رئيسية تدور حولها المعركة الحالية في لبنان وهي الآتية:

 

المسألة الاولى، ان الهدف الحقيقي للحزب من معركته الحالية على رأس المعارضة ضد حكومة فؤاد السنيورة والغالبية النيابية ليس تأمين المشاركة الفعلية المتوازنة في السلطة وفي اتخاذ القرارات المتعلقة بمستقبل لبنان، بل الاستئثار بالسلطة او هيمنته عليها وفرض خياراته على هذا البلد كما لم يفعله اي تنظيم سياسي آخر.

وابرز الادلة على هذا التوجه الشواهد الآتية:

 

اولا، يريد "حزب الله" ان يسيطر على مراكز السلطة الثلاثة رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب والحكومة من خلال اصراره على امتلاك الثلث المعطل.

 

ثانيا، يريد ان يمتلك وحده اخطر قرارين يرتبط بهما مصير لبنان وهما قرار الحرب والمواجهة مع اسرائيل، وقرار الاحتفاظ بسلاحه. ويرفض "حزب الله" ما يطالب به اللبنانيون بغالبيتهم الكبيرة وهو ان تمتلك الدولة وحدها قرار الحرب والسلم في التعاطي مع اسرائيل كما هي الحال في كل الدول الآخرى، بل يريد ان يظل لبنان الاستثناء الوحيد لان ذلك يخدم مصالحه. كما يرفض تسليم ترسانته الحربية الضخمة الى الجيش لرغبته في ان يظل "دولة ضمن الدولة" مما يدعم نزعته الى الهيمنة على مسار الاوضاع ومما يساعد على تحقيق اهدافه واهداف سوريا وايران.

 

ثالثا، يتصرف "حزب الله" كأنه يحق له وحده ما لا يحق للافرقاء الآخرين. اذ انه يرفض اجراء اي نوع من النقاش مع القادة السياسيين حول اسباب الحرب الاسرائيلية الاخيرة ودور الحزب فيها، على الرغم من ان هذه الحرب الحقت دمارا واضرارا وخسائر كبيرة بلبنان وباللبنانيين، لانه يريد التهرب من اي محاسبة ومن التطرق الى مصير سلاحه، لذلك عمد الحزب الى تحويل انظار اللبنانيين عن هذه القضية ففتح عمدا "معركة مفتعلة مع الحكومة ومع الغالبية تخدم سوريا في الوقت نفسه لانها تهدف ايضا الى تعطيل المحكمة الدولية المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه.

 

كما ان "حزب الله" يريد التشاور مع سوريا وايران حول كل ما يتعلق بالتعاطي مع اسرائيل، ويرفض التشاور في هذا الشأن مع الافرقاء اللبنانيين الآخرين. في المقابل، فان حكومة السنيورة والغالبية النيابية هما اللتان سعتا وتسعيان فعلا الى تأمين المشاركة الحقيقية مع "حزب الله" والافرقاء الاساسيين الآخرين في السلطة. فقد تم اتخاذ كل قرارات الحكومة، منذ تشكيلها الى حين استقالة الوزراء الشيعة منها في تشرين الثاني الماضي، باستثناء قرار تشكيل المحكمة الدولية، بالتفاهم مع "حزب الله" و"امل". كما ان الحكومة اقرت مشروع نظام المحكمة الدولية لانه تم التوصل الى اتفاق في شأنه بالاجماع خلال مؤتمر الحوار الوطني على ضرورة تشكيلها. وفي الوقت الذي طرح "حزب الله" حلا جزئيا للازمة يؤمن له الهيمنة على السلطة، طرحت الغالبية صيغة حل شامل يؤمن وحدة المشاركة المتوازنة في السلطة وقد تبناه فعليا الامين العام للجامعة العربية عمرو موسى ويشمل اقرار مشروع نظام المحكمة الدولية بعد اجراء بعض التعديلات المقبولة عليه وتشكيل حكومة وحدة وطنية من دون حصول المعارضة على الثلث المعطل، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية بالتوافق بين كل الافرقاء واقرار قانون جديد للانتخاب وتحديد موعد ملائم لاجراء انتخابات نيابية جديدة. ورفض "حزب الله" هذا الحل الشامل يعكس رغبته في الهيمنة على السلطة.

 

"يعطي الشرعية لمن يريد"

المسألة الثانية، ان "حزب الله" يريد ان يعطي الشرعية لمن يريد ويسحب الشرعية ممن يريد. فقد قرر الحزب ان الغالبية النيابية لم تعد تتمتع بالشرعية لانها في الحقيقة تريد تثبيت استقلال لبنان عن سوريا وتتمسك بالمحكمة الدولية، لذلك هو يصر على اجراء انتخابات نيابية مبكرة ليس لها فعليا اي مبرر. ولكن في الوقت نفسه قرر الحزب ان الرئيس اميل لحود شرعي ويجب ان يبقى في منصبه الى نهاية ولايته على الرغم من انه جرى التمديد له بالقوة وعبر ضغوط سورية هائلة مورست على عدد كبير من النواب. وهكذا يتصرف "حزب الله" على اساس انه يريد ان يفرض على المسيحيين رئيس الجمهورية الذي يلائمه، وعلى السنة الحكومة التي تناسبه، وان يكون رئيس مجلس النواب منسجما كليا مع سياساته وتوجهاته.

 

المسألة الثالثة، ان "حزب الله" يؤكد باستمرار انه يحترم الدستور المنبثق من اتفاق الطائف ويحرص على تطبيقه، لكنه في الواقع يبدو مستعدا لجر لبنان نحو الفوضى الواسعة والانهيار من اجل تحقيق مطلبه تأليف حكومة جديدة يمتلك فيها مع حلفائه الثلث المعطل وهو تعبير ليس واردا اطلاقا في الدستور الذي يحدد بوضوح طريقة اتخاذ القرارات في مجلس الوزراء والذي يخلو نصه من اي اشارة الى ان من حق المعارضة امتلاك الثلث المعطل في اي تشكيلة حكومية مما يمنحها القدرة على اسقاط الحكومة في اي وقت تراه ملائما لها ويجعلها في موقع اقوى من موقع الغالبية.

 

المسألة الرابعة، ان "حزب الله" يؤكد ان حكومة السنيورة مستقيلة فعليا وغير دستورية، وان وجودها يتناقض وميثاق العيش المشترك نتيجة استقالة الوزراء الشيعة منها. لكن الحقيقة غير ذلك تماما. فالدستور حدد بوضوح متى تكون الحكومة مستقيلة، وليست هناك مادة فيه تنص على ان استقالة وزراء احدى الطوائف تؤدي تلقائيا الى سقوط الحكومة. والاصرار على ان استقالة الوزراء الشيعة يسحب الطابع الشرعي والدستوري عن الحكومة بدعة وسابقة خطرة، اذ ان ذلك يعني ان اي طائفة تستطيع مستقبلا تعطيل عمل الحكومة واسقاطها من خلال سحب وزرائها منها.

 

كما ان "حزب الله" يتصرف على اساس ان الوزراء الشيعة هم الذين يمنحون الشرعية الدستورية للحكومة، وهذا يتناقض كليا مع نص الدستور وروحه. اضافة الى ذلك فان حكومة السنيورة احترمت لدى تشكيلها ميثاق العيش المشترك وامنت التمثيل العادل للطوائف لكن "حزب الله" هو الذي خرق فعليا ميثاق العيش المشترك لانه طلب من الوزراء الشيعة الاستقالة من اجل افتعال ازمة سياسية في البلد، وبدأت اثر ذلك عملية التحريض على الحكومة بتهمة انتهاك الدستور وصيغة العيش المشترك.

 

من هو الوطني؟ ومن هو العميل؟

المسألة الخامسة، ان "حزب الله" يؤكد باستمرار حرصه على الوحدة الوطنية وعلى ضرورة تجنب الفتنة الطائفية، لكن اعمال الحزب ومواقفه منذ انتهاء الحرب الاسرائيلية الاخيرة تتناقض فعليا مع هذا الحرص المعلن. فمحاولة "حزب الله" فرض شروطه ومطالبه بقوة التهديدات والضغوط المختلفة على افرقاء لبنانيين اساسيين يمثلون الغالبية من اجل امتلاك الثلث المعطل في الحكومة والهيمنة على السلطة، تتعارض مع الحرص على الوحدة الوطنية، بل تهدد هذه الوحدة.

 

وتحريض الطائفة الشيعية على طوائف اخرى عبر افتعال ازمة ليس لها اي مبرر مع الحكومة ومع الغالبية لتحقيق هدف تعطيل المحكمة الدولية واهداف اخرى، يشكل تهديدا لصيغة العيش المشترك. ومجرد الوقوف فعليا ضد المحكمة الدولية يتعارض مع الحرص على الوحدة الوطنية لأن طوائف اساسية تشكل الغالبية الكبيرة من اللبنانيين تطالب بهذه المحكمة لمعاقبة قتلة الرئيس رفيق الحريري وشخصيات وطنية استقلالية بارزة اخرى. كما ان الحملات الاعلامية والسياسية البالغة القسوة التي يشنها "حزب الله" على الحكومة والغالبية والمتضمنة مغالطات واتهامات غير مدعومة بالادلة، تخلق اجواء احتقان شديد وتمزق روابط الوحدة الوطنية.

 

المسألة السادسة، ان "حزب الله" يؤكد باستمرار حرصه على النظام الديموقراطي والتعددية السياسية والشرعية الدستورية، لكنه في الواقع يفعل عكس ما يقول. فهو الذي يعطّل الحياة النيابية ويمنع انعقاد مجلس النواب ملغيا بذلك دور السلطة التشريعية ومستخدما المجلس اداة في معركته مع الحكومة والغالبية، خلافا لأصول الممارسة الديموقراطية. و"حزب الله" يريد اسقاط الحكومة في الشارع وعبر مختلف انواع الضغوط وليس في مجلس النواب كما ينص عليه الدستور. ويصر "حزب الله" على اجراء انتخابات نيابية مبكرة وبسرعة مما يشكل اضعافا للنظام الديموقراطي اذ يعني ذلك ان المعارضة، مستقبلا، تستطيع المطالبة بتغيير الغالبية في الشارع حين تشاء. كما ان هذه الانتخابات المبكرة تشكل تحديا لارادة الشعب اللبناني الذي اختار بحرية تامة نوابه الحاليين ويريد "حزب الله"، بالقوة، تجاوز هذه الارادة الشعبية مما يتعارض وطبيعة النظام الديموقراطي.

 

المسألة السابعة، ان "حزب الله" يحاول باستمرار اعطاء الانطباع انه هو من يمثل الخط الوطني وان خصومه، في المقابل، عملاء للاجانب وينفذون مخططات اميركا وفرنسا وغيرهما من الدول. والحقيقة غير ذلك تماما. فحكومة فؤاد السنيورة وطنية لان كل قراراتها وتوجهاتها تخدم المصالح والاهداف اللبنانية، سواء ما يتعلق منها بالتمسك باستقلال لبنان وسيادته ورفض الهيمنة السورية عليه، او ما يتعلق بضرورة تقوية الدولة التي يجب ان تمتلك وحدها السلاح وقرار الحرب والسلم، او ما يتعلق برفض تحويل لبنان ساحة مواجهة مستمرة خدمة لمصالح سوريا وايران، او ما يتعلق بالتمسك بالمحكمة الدولية لحماية لبنان من الاغتيالات، او ما يتعلق بالحرص على الحياة الديموقراطية وعلى الحريات والتعددية السياسية والاجتماعية. وفي المقابل فان "حزب الله" ليس له وجود كتنظيم عسكري قوي من دون الدعم العسكري والتسلحي والمالي الذي يتلقاه من ايران وسوريا وهو لذلك ينسق باستمرار مواقفه واعماله وتحركاته مع دمشق وطهران، وإن تعارض ذلك مع مصالح اللبنانيين الحيوية.

 

المسألة الثامنة، ان "حزب الله" يؤكد حرصه على السلم الاهلي ويتهم الحكومة والغالبية بتعريض هذا السلم للخطر برفضهما مطالبه. لكن الحقيقة غير ذلك تماما. فالحزب، باعماله ومواقفه وحملاته، يتعامل مع اعضاء الحكومة والغالبية كأنهم اعداء يجب الحاق هزيمة ساحقة بهم وليس على اساس انهم شركاء في وطن واحد ويجب بالتالي التوصل الى تسويات وتفاهمات معهم تؤمن مصالح مختلف الافرقاء عبر التشاور والحوار.

 

وما يقوم به الحزب يهدد السلم الاهلي لان اعماله تضعف الوحدة الوطنية، ولانه يسعى الى تقليص الدعم العربي والدولي للبنان من اجل ربط هذا البلد فعليا بالمحور السوري الايراني مع كل ما تنتج من ذلك من تحويل له ساحة لصراعات داخلية ومواجهات طويلة مع اطراف اقليميين ودوليين، مما يعرض حياة اللبنانيين لتهديدات واخطار مستمرة. وفي المقابل فان ما تتمسك به حكومة السنيورة والغالبية من مطالب واهداف، سواء ما يتعلق بالاستقلال او المحكمة الدولية او المحافظة على هيبة الدولة وسلطتها وعلى النظام الديموقراطي، او ما يتعلق باحترام الدستور واتفاق الطائف فان هذه المطالب والاهداف كلها هي التي تعزز فعلا السلم الاهلي وتمنع تعرض الوحدة الوطنية للخطر لانها تلقى دعما من الغالبية الساحقة من اللبنانيين، ومن مختلف الطوائف.