السياسة تنشر سلسلة وقائع تاريخية توثيقية تثبت إمعان حكام دمشق في إنكار سيادة بلاد الأرز

لبنان: 40 عاما في دوامة تآمر النظام السوري... فهل يستطيع العرب إنقاذه من هذا الداء العضال?

السياسة/15 نيسان 2008

طموح الأسد الأب لضم لبنان بدا منذ 1967 وشرع في تنفيذه العام 1970 عندما احتل موقع الرئاسة السورية

* قبل اندلاع الحرب الأهلية أراد النظام السوري توقيع معاهدة أمنية تضمن نفوذه في لبنان ورفض أي تدخل عربي

* :1976 الجيش السوري يحتل لبنان ويتعهد لإسرائيل عدم التعرض لها... ويتعهد للولايات المتحدة السيطرة على منظمة التحرير

* 1978: النظام السوري ينقلب على المسيحيين والحركة الوطنية ويدك مناطقهم بآلاف أطنان القذائف والصواريخ

* 1982: الجيش السوري ينسحب أمام الغزو الإسرائيلي إلى البقاع ويشرع في مطاردة واغتيال قادة فتح ومعارضيه اللبنانيين

* حافظ الأسد يقوض حكم أمين الجميل عبر حلفائه وينهي العهد الرئاسي بفراغ دستوري ملأه عون حليف صدام

* النظام السوري يضع شروطا في اتفاق الطائف تضمن وجوده... والتطبيق يتحول إلى يد غازي كنعان

* تعيين الهراوي ولحود رئيسين والتمديد لهما وتشكيل الحكومات والمجالس النيابية تم بارادة سورية محضة

* النظام السوري يواجه انتفاضة الاستقلال المدعومة دوليا بالاغتيالات والتفجيرات... وبحلفاء ينفذون سياسته حتى اليوم

 

كلف مجلس وزراء الخارجية العرب قبيل انعقاد القمة العربية الفاشلة في دمشق, الامين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى معالجة موضوع العلاقات اللبنانية-السورية, وذلك كجزء من مساعيه لتطبيق المبادرة العربية الخاصة بحل الازمة الرئاسية اللبنانية.

 

وبعد انعقاد القمة بمقاطعة لبنان احتجاجا على التدخل السوري المعرقل للحل, طلب مجلس الوزراء اللبناني من الجامعة العربية اجتماعا لوزراء الخارجية العرب لبحث ازمة العلاقات اللبنانية-السورية.

 

اذا اراد العرب ان يحلوا هذه الازمة, فمن اين يبداون, وتاريخ هذه الازمة طويل وممتد الى تاريخ استقلال لبنان وسورية عن الانتداب الفرنسي? وكيف سيستطيع العرب ان يعالجوا مرضا اسمه التدخل السوري في لبنان, وهو مرض عضال مزمن? وهل يستطيع "العطار" عمرو موسى ان يصلح ما افسده دهر من المؤامرات والاجتياحات والاغتيالات والتفجيرات السورية في لبنان? وهو ايضا دهر ممتد منذ العام 1967 وحتى اليوم, اي ما يقارب الاربعين عاما من الطموح والجموح لضم وطن الارز الى بلاد الشام.

 

مقررات الحوار

يقول المنسق العام لقوى 14 اذار الدكتور فارس سعيد "ان مهمة موسى يجب ان تبدا في تنفيذ البنود المتفق عليها حول طاولة الحوار الوطني اللبناني العام 2006, واقامة العلاقات الديبلوماسية بين البلدين كبديل عن المجلس الاعلى اللبناني-السوري الذي اقيم ايام الاحتلال السوري للبنان, وكان الهدف منه تنفيذ السياسة السورية, وهذان البندان يتطلبان تعاونا سوريا, والنظام السوري يرفض التعاون بحجة ذرائع ملتوية, ويعتبر ان المجلس المذكور يجب ان يكون بديلا للعلاقات الديبلوماسية, ويعتبر ان ترسيم الحدود يفقد سورية امكانية المفاوضة مع اسرائيل حول موضوع الجولان, لذا فان المطلوب من جامعة الدول العربية التدخل الفوري والضغط على سورية من اجل ان تتعامل مع لبنان على قاعدة يتساوى بها مع سائر البلاد العربية, اذ لا يوجد اي بلد عربي لا يعتمد البعثات الديبلوماسية مع البلدان العربية الاخرى, باستثناء لبنان وسورية, كما لا يوجد اي بلد عربي يعاني من ازمة حدود الا لبنان مع سورية".

 

ويضيف: "لقد اصطدمت الجامعة العربية بفجور النظام السوري الذي لم يعترف باستقلال لبنان منذ العام 1943. نحن اعتبرنا استقلالنا عن الانتداب الفرنسي خطوة باتجاه ترسيم نظام عربي جديد, وهم اعتبروا استقلال لبنان مؤامرة مع الاستعمار الفرنسي, وان لبنان سلخ عن الكيان السوري, هذه النظرة للبنان وللبنانيين استمرت وانتقلت في سورية من نظام الى اخر وصولا الى النظام البعثي الاخير. واذا استعرضنا تاريخ العلاقات اللبنانية السورية منذ ازمة الحدود الاولى في بداية خمسينات القرن الماضي وصولا الى ازمة وضع الرسوم على الشاحنات التي تعبر الاراضي السورية (اول ابريل 2008) نتاكد ان سورية تستغل جغرافيتها القابضة على المدخل الشرقي لبلدنا, وتحاول خنق لبنان وتركيعه واخضاعه لشروطها. وهنا تكمن مسؤولية الدول العربية في مساعدة لبنان من اجل انتظام العلاقات اللبنانية-السورية في ظل عدم رغبة النظام السوري بذلك".

 

تقوم النظرية السورية القديمة والتي تتجدد اليوم, على ان لبنان واقع في خلافات داخلية وهناك ازمة حل لحل هذه الخلافات, وان التدخل السوري وحده هو الذي يضع حدا لها. والمشكلة ان هذا التدخل ياتي دائما في ظرف اقليمي او دولي حرج, فيسلم بهذا الدور السوري, الجانب العربي من جهة والجانب الدولي من جهة اخرى. هذا ما حدث في العام 1975, حين كانت نظرية النظام السوري انه يريد منع تقسيم لبنان فحصل في قمتي الرياض والقاهرة على ضوء اخضر للتدخل, على قاعدة ان العرب ارادوا حصر العنف في لبنان كي لا يتمدد الى العالم العربي, وكذلك حصل من الجانب الدولي, وتحديدا من الولايات المتحدة على ضوء اخضر مماثل, على اساس ان تدخله العسكري هو لوضع يده على منظمة التحرير الفلسطينية.

 

وفي العام 1990 تجدد العرض السوري للتدخل وحل الخلاف اللبناني-اللبناني, فقوبل ايضا بدعم عربي ودولي, واستمرت الوصاية السورية حتى العام 2005. واليوم يحاول بشار الاسد, وخصوصا في القمة العربية, اعادة تجديد العرض والقول ان الخلاف اللبناني-اللبناني حول قانون الانتخاب ونفوذ الطوائف داخل الدولة, لن يحله الا تدخله, وعلى المجتمع العربي والدولي ان يطلب منه هذا التدخل. والحقيقة ان النظام السوري يتدخل بالفعل ويعرقل الحل اللبناني-اللبناني ويتحمل مسؤولية اقفال مجلس النواب لمنع انتخاب رئيس جديد للبلاد, ويعرقل عملية اعادة بناء الدولة بعد انسحاب القوات السورية من لبنان في 29 ابريل 2005.

 

تغير الظروف

الفارق بين العرض السوري للتدخل الذي يتكرر للمرة الثالثة, لم يحظَ ولن يحظى بدعم عربي ودولي, لان المعطيات العربية والدولية تغيرت, وان كان سلوك النظام السوري لم يتغير. ونظام الاسد الابن استمرار لنظام الاسد الاب, ولكن الفارق ان الاب كان اذكى, ولم يكن يطلب التدخل الا بعد ان يضمن الدعم العربي والدولي.

نستطيع ان نؤكد ان تجربتي 1976 و1990 لن تتكررا, لان المجتمع العربي والدولي ينظر الى لبنان كعامل استقرار لكل المنطقة العربية, فقد سقطت نظرية "حصر العنف في هذا البلد كي لا يمتد الى المنطقة". واليوم يدرك العالم العربي ان استمرار الفوضى في لبنان سينعكس عليه, وسيجر الفوضى الى كل مكان, في حين ان الاستقرار سينسحب ايضا على الدول العربية. كما ان النظرة الدولية بدورها تغيرت, فقد كانت تعتبر لبنان بلدا غير قابل للحياة, ولا مشكلة في وضع سورية يدها على قسم, واسرائيل على قسم اخر, المهم ان لا يمتد العنف الى كل المنطقة. واليوم اصبح العالم ينظر الى لبنان كتجربة رائدة ليس كعامل استقرار عربي بل على مستوى العالم ككل.

 

وعن امكان استخدام ورقة "حزب الله" لعودة النفوذ السوري الى لبنان كما استخدمت ورقة منظمة التحرير الفلسطينية سابقا, قال سعيد: ان "حزب الله" سلعة للبيع ليس في البازار السوري مع المجتمع الدولي بل وايضا في البازار الايراني, والحلقة الاضعف في المثلث القائم بين اسرائيل وايران والنظام الشامي هي "حزب الله". والسلعة التي ستقوم على مائدة التسوية بين هذا الحلف وبين الولايات المتحدة هي تحديدا هذا الحزب. من هنا كانت مبادرة قوى 14 اذار تجاه "حزب الله" ومحاولة مد اليد له لينخرط في المشروع اللبناني ولكنه اختار تحت الضغط وتحت اغراء تحقيق المكاسب المالية والاجتماعية والسياسية والامنية من قبل التحالف السوري-الايراني, ان يستمر منخرطا في هذا التحالف ضد المشروع اللبناني.

 

ما يؤكد ان البازار السوري على راس "حزب الله" قد نتج هو عملية اغتيال عماد مغنية في قلب دمشق. ولكن في الوقت نفسه اكرر ما سبق ذكره ان اي صفقة مع سورية على حساب لبنان غير واردة على الاطلاق.

 

التاريخ ونظام الاسد

ما تعلنه قوى 14 اذار على لسان منسقها العام, وما تعلنه قوى سياسية وشخصيات مستقلة عن النظام السوري تؤكده الوقائع التاريخية ومحطات طويلة من التدخل السوري في الشان اللبناني ان لم يكن اكثر.

 

اذ لطالما اعتبر حكام سورية ان لبنان امتداد جغرافي لسورية, وأولوا هذا البلد اهمية كبرى, وتفاوتت الخطط السورية الخاصة بلبنان بين العمل على الضم كليا وبين الحفاظ على نفوذ قوي فيه, بالحد الادنى, وما بينهما من سبل اخرى للسيطرة اتخذت اشكالا مختلفة مثل اقامة علاقة سياسية قوية, او التدخل العسكري المحدود, او الاحتلال شبه الكامل, كما حصل في التسعينات من القرن الماضي وحتى العام 2005. وبطبيعة الحال كانت الخطط السورية تتبدل بتبدل الظروف الاقليمية (خصوصا), والدولية مع اختلاف التوازنات بين الاقطاب العالميين ذوي العلاقة مع منطقة الشرق الاوسط.

 

واذا حصرنا البحث في خطط النظام السوري الحالي الذي يراسه بشار الاسد الذي خلف والده حافظ الاسد, لبدانا في العام 1967 يوم كان الاخير وزيرا للدفاع عندما حصلت هزيمة يونيو, وبدا الاهتمام السوري بلبنان يتزايد عبر مشروع تكوين جبهة شرقية تضم لبنان والاردن والعراق (ولاحقا منظمة التحرير الفلسطينية) الى سورية, ان لم يكن بالوحدة التامة, فعلى الاقل بالنفوذ والسيطرة, ولكن هذا الطموح اصطدم دائما بعوائق محلية واقليمية ودولية, ابرزها ممانعة الدول المذكورة, كل بطريقته, للجموح السوري نحو السيطرة, فكان بعث العراق من اشد المعادين ل بعث سورية, واستطاع الاردن بفعل تحالفاته العربية والدولية ان يحمي نفسه, اما منظمة التحرير الفلسطينية فقد واجهت منذ نشاتها حربا سورية بكل ما للكلمة من معنى للهيمنة عليها, واذ لم ينجح النظام السوري في ذلك عمل على تقسيمها, وما زال حتى اليوم يسير في هذا الاتجاه... بقي لبنان الذي استطاع حكامه منذ الاستقلال عن فرنسا ايجاد صيغة حياة وتعايش مع الجموح السوري, فلم يندمج البلد ولكنه ظل على علاقة وثيقة مع سورية, وارتضى اللبنانيون بهذه العلاقة المميزة ولم يطالبوا قبل العام 2005 باقامة علاقات ديبلوماسية وفتح سفارتين للبلدين في دمشق وبيروت.

 

شكل العام 1970 مفصلا في تاريخ لبنان وسرعان ما ادت احداث تلك السنة الى اعطاء الذريعة للنظام السوري للتدخل في الشان اللبناني. وللتذكير فقد تولى حافظ الاسد الحكم في سورية اثر انقلاب عسكري, وانتقل المقاتلون الفلسطينيون من الاردن الى جنوب لبنان وبدا العمل المسلح ضد اسرائيل يقض مضاجع الامن والاستقرار في لبنان, ووصل الامر الى حدوث مواجهة عسكرية في بعض المخيمات الفلسطينية مع الجيش اللبناني في العام 1973, وكانت الفصائل الفلسطينية مؤيدة من اضراب وتنظيمات يسارية وقومية مدعومة من سورية. في تلك السنوات كانت عوامل الحرب الاهلية تتجمع, وكان النظام السوري يغذيها, لانه كان على يقين ان انقسام اللبنانيين وتقاتلهم هما فرصته الذهبية للتدخل.

 

كانت باكورة اجراءات التدخل المباشر قبل اندلاع الحرب الاهلية, ففي 7 يناير 1975 اجتمع الرئيس حافظ الاسد مع الرئيس سليمان فرنجية (رئيس الجمهورية اللبناني 1970 1976) الذي كان يعاني صعوبات جدية في الحكم بسبب تنامي دور منظمة التحرير الفلسطينية والاحزاب اليسارية من جهة والجبهة اللبنانية (الكتائب, الاحرار وشخصيات مسيحية) من جهة ثانية, وعرض الرئيس السوري استعداده لمساعدة نظيره اللبناني الى درجة ارسال قوات سورية بموجب اتفاقية امنية بين البلدين. وقد انكشف لاحقا نص الاتفاقية المؤلفة من خمس مواد موزعة على 13 بندا, اهمها ارسال قوات سورية الى لبنان لضبط الامن, وتدريب الجيش اللبناني, على ان تبقى في لبنان لمدة تتراوح بين سنة وثلاث سنوات, على ان يكمل فرنجية ولايته الرئاسية بدعم سوري.

 

الحرب الاهلية

لم توقع الاتفاقية في يناير 1975, وبعد ثلاثة اشهر اندلعت الحرب الاهلية في 13 ابريل اثر حادث اطلاق نار بين مسلحين فلسطينيين وكتائبيين في "عين الرمانة". يومها اكد المسؤولون السوريون ان ما يحدث في لبنان يؤثر في امن سورية وان اي تصاعد في الموقف سيعني تدخل سورية مباشرة وضم لبنان اليها لانه كان جزءا منها, وفقا لما اعلنه حافظ الاسد في مؤتمر حزب البعث سنة 1973.

 

وعندما سارعت جامعة الدول العربية بعد اشهر من اندلاع المعارك للتوسط وعقدت اجتماعا لوزراء الخارجية العرب في 15 اكتوبر 1975, بمبادرة كويتية, لم تستجب سورية ورفضت الاشتراك في المؤتمر ورات ان الدعوة في حد ذاتها تتعارض مع جهودها الخاصة.

 

هذه الجهود الخاصة استمرت طوال خمسة عشر عاما في عمر الحرب اللبنانية, وانتهت بفرض الوصاية الكاملة على البلد, اذ ان حرب لبنان لم تكن يوما حربا اهلية بالكامل, فهي الى جانب ذلك كانت حربا بديلة كثرت فيها الاطراف الخارجية بالاضافة الى استعمالها في تنفيس ضغوط المنطقة. كانت حرب النظام السوري لتصفية خصومه الفلسطينيين والعراقيين وغيرهم, ولاستغلال لبنان وجعله ورقة مساومة وتفاوض مع الاميركيين والاسرائيليين. لقد وضعت مئات الكتب في عرض وقائع تلك الحروب وخلاصاتها, وتباينت القراءات والاستنتاجات, ولكن المؤكد ان النظام السوري كان طوال تلك السنوات يشعل حروبا صغيرة داخل الحرب, وينشئ قوى وتحالفات, سرعان ما ينقلب عليها, وازاء تعقد البانوراما الداخلية اللبنانية, مضافا اليها التدخلات والعوامل الخارجية, التقط النظام السوري دائما وعند كل مناسبة, حليفا من هنا او هناك, ونفذ مبدا "فرِّق تَسُدْ" بحذافيره, حتى بات البلد منقسما ومفتتا وجاهزا للضم والدمج مع سورية, كما وعد حافظ الاسد في العام 1973.

 

...بعد رفض المبادرة الكويتية والعربية في اكتوبر 1975, ادخلت سورية ثمانية الاف جندي الى البقاع تحت غطاء جيش التحرير الفلسطيني, في وقت كانت السياسة الرسمية السورية تقول بدعم المقاومة الفلسطينية والحركة الوطنية ضد الجبهة اللبنانية, ولكن الميزان العسكري كان لغير صالح هذه الاخيرة, وكان هدف الجيش السوري في الحقيقة هو "الحليفين" ياسر عرفات وكمال جنبلاط.

 

وعلى المستوى السياسي وضع وزير الخارجية السوري انذاك عبدالحليم خدام مع الرئيس فرنجية مشروعا للحل عرف الوثيقة الدستورية, في 14 فبراير 1976, وتتضمن اصلاحات سياسية للنظام, مع ملحق سري يتعلق بالجانب العسكري والامني ويجعل سورية وصية على القرار اللبناني, وعندما رفضت الاطراف اللبنانية كافة صيغة الحل هذه, وجد النظام السوري ضالته وذريعته للدخول العسكري الواسع في ابريل العام 1976. على المستوى الداخلي عارضت الحركة الوطنية ومنظمة التحرير هذا الغزو وتصدتا له عسكريا وصمدتا لنحو الشهر. وعلى المستوى العربي سعت ليبيا والجزائر للتوسط من اجل سحب القوات السورية, وتداعى وزراء الخارجية العرب الى اجتماع طارئ في يونيو 1976 وقرروا تشكيل قوة امن عربية رمزية لارسالها الى لبنان تحل محل القوات السورية.

 

تظاهر حافظ الاسد بالموافقة على القرار, ولكنه اوعز لصديقه الرئيس فرنجية ان يعارضه, وهكذا فعل فرنجية, اذ ارسل في يونيو 1976 رسالة الى الجامعة العربية يعارض فيها حلول القوة العربية مكان الجيش السوري لان القرار اتخذ في غياب لبنان, رغم ذلك بدات طلائع هذه القوة تصل في الشهر نفسه فوصلت قوات سعودية وسودانية محدودة, وعدد من الضباط الليبيين, ولكن الاهم هو ان القوات السورية رفضت الانسحاب وفرضت نفسها شريكة في قوة كان من المفترض ان تحل محلها, ولاحقا بدات مجموعات مسلحة تابعة للنظام السوري بالاعتداء على تلك القوة العربية التي فشلت في تحقيق مهمتها. فقرر الامين العام لجامعة الدول العربية سحبها.

 

شرعية عربية

بعد ذلك انتخب الياس سركيس رئيسا للجمهورية بدعم سوري (سبتمبر 1976), وعملت السعودية على عقد قمة عربية مصغرة لدراسة الموقف في لبنان, على ان تحضرها الكويت ومصر وسورية والاردن ولبنان. واقترحت سورية حضور منظمة التحرير الفلسطينية ممثلة برجلها زهير محسن, الا ان القمة انعقدت سداسية. والمؤسف في هذه القمة ان العرب انشغلوا بالخلاف المصري-السوري على خلفية توقيع اتفاقية سيناء مع اسرائيل, ولكن الكويت حافظت على موقفها المبدئي برفض وجود قوات غير لبنانية على الاراضي اللبنانية, وهي التي كانت طالبت بقمة عربية في مارس 1976 كي لا تصل الامور الى هذا الحد. رغم ذلك قررت قمة الرياض تحويل قوات الامن العربية الى قوات ردع عربية تتالف من 30 الف مقاتل وعمادها القوات السورية (12 الف جندي) الى جانب الكتيبتين السعودية والسودانية, وانتقلت امرتها الى الرئيس اللبناني الموالي لسورية, وتسلم قيادتها ضابط لبناني كان يعيش في سورية منذ سنوات طويلة ويعمل في استخباراتها. ولاحقا عقدت قمة عربية في القاهرة صدقت على قرارات قمة الرياض. ومنذ ذلك التاريخ نشا الغطاء العربي للوجود السوري في لبنان. مع الاشارة قبلا الى ان الولايات المتحدة الاميركية ومعها اسرائيل كانتا عارضتا وجود قوات سورية في لبنان, ولكن سرعان ما تغير الموقف عندما قدم حافظ الاسد ضمانات بان لا تستخدم قواته ضد اسرائيل ونفذ ذلك بعدم دخولها الى الجنوب حيث وقفت على خط نهر الاولي على بعد 45 كيلومترا من الحدود مع اسرائيل.

 

... اذا لم يعد الحلم السوري اقامة جبهة شرقية في مواجهة اسرائيل, بل ان مفهوم الصراع مع الدولة العبرية سقط الى غير رجعة, ونال الاسد ما اراده دائما اي لبنان. وبالعودة الى مؤتمر حزب البعث في العام 1973, يقول الاسد الاب: "ليس هناك مبرر للحساسية من الحديث عن الوحدة بين لبنان وسورية, فشعبهما توام, وسورية تعرف حقيقة الموقف في لبنان اكثر من غيرها" ولاحقا سقطت مقولة الشعبين التوامين لتحل محلها شعب واحد في دولتين وعلى هذا الاساس ساوى النظام السوري اللبنانيين بالسوريين الذين يحكمهم, فضرب وسحق مواقع الاحزاب والمنظمات المعارضة, ونفذ سلسلة من عمليات الاغتيال للرموز الوطنية اللبنانية وفي مقدمهم الزعيم كمال جنبلاط, واقفل عددا من الصحف اللبنانية, ثم اعيد السماح لها بالعمل خاضعة للرقابة, واتخذ النظام السوري من الاراضي اللبنانية ساحة لتصفية خصمه البعث العراقي, ورموز حركة "فتح" ومناصريها, حيث لا يزال مئات المواطنين اللبنانيين والفلسطينيين الذين اختفوا على الحواجز السورية مفقودين حتى يومنا هذا.

لاحقا تبدلت السياسة السورية, اذ وجد النظام السوري نفسه معزولا بسبب سلوكه اللبناني وبسبب تغيرات اقليمية (اهمها توقيع اتفاقية السلام المصرية-الاسرائيلية) فنقل البندقية من كتف الى اخر, اذ كان بحاجة الى مهادنة ياسر عرفات في لبنان, فوجه ترسانته نحو المناطق المسيحية, فخاض معركة ضارية مع الجيش في الفياضية (1978) ولاحقا مع "القوات اللبنانية" في حرب المئة يوم حيث دك المناطق السكنية بالاف اطنان القذائف والصواريخ. وانتقل الصراع لاحقا الى زحلة البقاعية التي حاصرها الجيش السوري لمدة اشهر, وبالتزامن ادخل النظام السوري انظمة صواريخ مضادة للطائرات الى البقاع, فاعتبرت اسرائيل ذلك تهديدا لها, وكان ذلك احد العوامل التي سرعت الغزو الاسرائيلي الشامل للبنان. وكانت المفارقة ان حافظ الاسد سرعان ما وافق على وقف اطلاق النار مع الاسرائيليين تاركا "حلفاءه" في منظمة التحرير والحركة الوطنية وحدهم في مواجهة حصار بيروت لمدة ثلاثة اشهر. وانسحب الجيش السوري الى البقاع حيث مارس عمليات اغتيال القيادات الفلسطينية التابعة لعرفات, ومطاردة قوات فتح في كل البقاع وصولا الى الشمال.

 

هجوم مضاد

بعد توقف الحرب الاسرائيلية انتخب قائد "القوات اللبنانية" بشير الجميل رئيسا للجمهورية, فسارع الحزب السوري القومي الى اغتياله في 14 سبتمبر 1982. وعندما خلفه شقيقه امين الجميل خاض النظام السوري حربا مفتوحة ضده لمنع قيام الدولة اللبنانية. جاء بعدها اتفاق 17 مايو (مع اسرائيل) لانهاء الاحتلال الاسرائيلي للاراضي اللبنانية, الا ان سورية رفضت تمرير اي مشروع سلام في لبنان من دون موافقتها, فكانت التفجيرات والاغتيالات التي نفذها اصوليون مدعومون من دمشق وطالت البعثات الدبلوماسية الاجنبية والقوات المتعددة الجنسيات والتي خلفت مئات القتلى في صفوف الاميركيين والفرنسيين. ولاحقا اشعل النظام السوري حربا اهلية في الجبل بين الحزب الاشتراكيو"القوات اللبنانية", كما دفع حليفه الرئيسي في تلك الفترة رئيس حركة "امل" نبيه بري الى القيام "بانتفاضة 6 فبراير" 1984, والتي اخرجت الجيش اللبناني من المناطق الشيعية بالاضافة الى بيروت.

 

... سعى النظام السوري الى قطف ثمار هذه الحروب, فحاول في طاولة الحوار الوطني في جنيف ثم في لوزان الحصول على اتفاقيات تربط لبنان به الى الابد, ولما فشل اشتعلت حروب جديدة منها: حرب المخيمات بين "امل" والفصائل الفلسطينية المناوئة لسورية, وحرب الاحزاب الحليفة له ضد مدينة طرابلس. ومع تنامي الدور الايراني في لبنان عبر "حزب الله" الذي تاسس العام 1982, وقع الصدام الايراني-السوري عبر الحزب وحركة "امل" في ضاحية بيروت الجنوبية, فسيطر عليها الاول, وفي عدد من مناطق الجنوب حيث سيطر الحزب ايضا على منطقة اقليم التفاح, وكانت الحصيلة مئات القتلى والجرحى, ودخول ايران كشريك مضارب داخل الطائفة الشيعية.

 

ومرة اخرى حاول النظام السوري وضع دستور جديد للبنان من خلال الاتفاق الثلاثي الذي وضع في دمشق, وتولى التوقيع عليه من الجانب المسيحي ايلي حبيقة الذي ارتبط منذ ذلك الوقت ارتباطا وثيقا بالسوريين. وتضمن الاتفاق اصلاحات سياسية بالاضافة الى شق امني يعطي الجيش السوري ومخابراته حق البقاء في لبنان.

 

كان ينقص النظام السوري العودة الى بيروت باي ثمن بعد ان هرب العام 1982 امام الغزو الاسرائيلي, فافتعل حلفاؤه, وخصوصا "امل", معارك ضد احزاب وتنظيمات متفرقة منها "المرابطون" ما جعل الحياة في العاصمة شبه مستحيلة, فتدخل الجيش السوري واعاد احتلالها في ظل رضوخ وذهول الجميع. واستمر الوضع حتى العام 1988 وانتهت ولاية الرئيس امين الجميل من دون انتخاب خلف له, لان النظام السوري الذي كان يمسك تماما بلبنان اراد تعيين الرئيس سليمان فرنجية, وعندما واجه معارضة لبنانية ضارية اقترح ترئيس مخايل الضاهر بالتفاهم مع الاميركيين, ولكن اقتراحه رفض ايضا فحصل الفراغ الرئاسي وفتحت الطريق امام ميشال عون ليحتل قصر بعبدا رئيسا للحكومة الانتقالية.

 

بازار عون

سارع عون الى ارسال موفده الى دمشق وهو البير منصور للتفاوض على ترئيسه, ولكن السوريين رفضوا وتمسكوا بمرشحهم مخايل الضاهر. فبحث عون عن دعم عسكري عند صدام حسين ووجده. وعندما تاكد ان السوريين لن يتخلوا عن الحكومة المقابلة (برئاسة سليم الحص), قرر فتح النار على الجيش السوري في ما سمي "حرب التحرير", دون التشاور والتنسيق مع القيادات المسيحية, سواء كانت روحية (بكركي) او سياسة عسكرية (القوات اللبنانية التي كان خاض ضدها حرب الغاء كلفت المسيحيين الفي قتيل).

 

سعت الدول العربية, وفي مقدمها الكويت والسعودية, الى ايجاد حل نهائي للازمة اللبنانية وعقدت قمة عربية في الرباط في مايو 1989 انبثقت منها لجنة ثلاثية ضمت زعماء السعودية والمغرب والجزائر, فبادر السوريون الى التصعيد العسكري لان حافظ الاسد امتعض من عدم اشراكه في تلك اللجنة بسبب الرفض السعودي القاطع, باعتباره طرفا في النزاع. وفور وصول مندوب اللجنة الدبلوماسي الجزائري الاخضر الابراهيمي الى لبنان واطلاعه على مجريات الاحداث, اصدر بيانا انتقد فيه سورية ودورها في عرقلة عمل اللجنة, وخصوصا الرفض السوري القاطع لان تضمن اللجنة في مشروع الحل عبارة انسحاب الجيش السوري من لبنان, ولم يرضَ حاكم دمشق بتسهيل المهمة الا عندما اسقط هذه العبارة واستبدلها بها عبارة "اعادة تجميع القوات السورية", وهنا لب المشكلة.

 

نظمت اللجنة الثلاثية مؤتمرا للنواب اللبنانيين في مدينة "الطائف" السعودية, وكان النواب المقيمون في مناطق سيطرة ميشال عون قد اجتمعوا به في قصر بعبدا وابلغوه انهم سيشاركون في المؤتمر فلم يعترض.

 

عقد المؤتمر النيابي وكان هم السوريين مركزا على وجود جيشهم, وقد اقر المجتمعون ما سُمي وثيقة الوفاق الوطني وفيها عدد من الاصلاحات السياسية والدستورية, ولم يعترض السوريون الا على فقرة واحدة من اتفاق "الطائف" هي تلك التي تتعلق بسيطرتهم العسكرية, اذ جاء في المشروع الاساسي للاتفاق:

"تقوم القوات السورية مشكورة بمساعدة قوات الشرعية اللبنانية لبسط سلطة الدولة اللبنانية في جميع الاماكن حيث توجد القوات السورية في فترة زمنية محددة اقصاها ستة اشهر. تتجمع خلالها القوات السورية, وتتمركز في منطقة البقاع".

 

رفض الجانب السوري هذه الصيغة واصر على حذف عبارات منها وجعل المدة الموقتة سنتين بدلا من ستة اشهر. فجاءت الصياغة النهائية على الشكل التالي:

"تقوم القوات السورية بمساعدة قوات الشرعية اللبنانية لبسط سلطة الدولة اللبنانية في فترة زمنية محددة اقصاها سنتان. وتقرر الحكومة السورية بالاتفاق مع الحكومة اللبنانية اعادة تمركز القوات السورية في منطقة البقاع ومدخل البقاع الغربي, في ضهر البيدر حتى خط حمانا-المديرج- عين دارة ونقاط اخرى".

 

وبهذا التعديل ضمن السوريون بقاء جيشهم لفترة اطول, والاهم هو انهم سيبقونه متحكما بمحافظة جبل لبنان بالكامل. بالاضافة الى ذلك رفض السوريون اشراك اللجنة الثلاثية العربية في موضوع الاتفاق على مدة بقاء قواتهم في البقاع والجبل, واصروا على ان يكون اتفاقا مع الحكومة اللبنانية.

 

بعد ذلك اقر اتفاق الطائف" على الاراضي اللبنانية وصار دستورا للبنان, وتم انتخاب رينيه معوض رئيسا للجمهورية. كان السوريون يريدون صديقهم الياس الهراوي للرئاسة ولكن التسوية الاقليمية والدولية اقتضت منهم الرضوخ, وبعد انتخاب معوض باسبوعين اغتيل الرئيس المنتخب, ليعود مجلس النواب وينتخب الهراوي الذي قرر خوض حملة عسكرية (سورية) لاخراج عون المتشبث بكرسي بعبدا, فحصل ذلك في 13 اكتوبر 1990, ففر الجنرال الى السفارة الفرنسية ثم تم ترحيله الى فرنسا.

 

عهد الطائف

بدا عهد دولة "الطائف" في العام 1990 في ظل سيطرة عسكرية سورية على معظم الاراضي اللبنانية سواء مباشرة او عبر حلفاء (في الجنوب مثلا), فكان من الطبيعي ان تتحكم سورية بالحياة السياسية اللبنانية لا سيما بعد الغزو العراقي الغادر للكويت ومن ثم تحريرها, وانشغال المملكة العربية السعودية بالامر, وكذلك انصراف الجزائر الى مشكلاتها الداخلية, وهكذا زالت اللجنة الثلاثية العربية من الوجود وبقيت الساحة خالية للنظام السوري وممثله في لبنان غازي كنعان الذي اتخذ بنفسه القرارات الاساسية وحولها على مجلس الوزراء انذاك للتصديق عليها واهمها: قرار حل الميليشيات واستيعاب عناصرها, وتعيين النواب لملء الشواغر في المجلس المنتخب قبل الحرب الاهلية (1972) وثم قرار اجراء انتخابات نيابية من دون تحضير, وقرار التعيينات الامنية والعسكرية, وقرار تعيين السفراء... اما الاتفاق الامني العسكري بين الحكومتين اللبنانية والسورية فلم يسمح لمجلس الوزراء باجراء اي تعديل في صدده, وكذلك اجبر لبنان على توقيع الكثير من الاتفاقيات الاقتصادية. والاهم من كل ذلك انه لم يعد تجميع القوات السورية ولم يحصر وجودها في الاماكن المحددة وهكذا تحول اتفاق الطائف لدى التنفيذ من تنظيم للانسحاب السوري من لبنان على قاعدة التنسيق, الى تنظيم البقاء السوري في لبنان, وبدلا من ان يحل الميليشيات ويساعد على بسط سلطة الدولة بقواها الذاتية, اطلق يد الميليشيات في الدولة والمؤسسات.

 

...استند السوريون في مرحلة "الطائف" بشكل رئيسي على حليفهم رئيس الجمهورية الياس الهراوي الذي مددت ولايته ثلاث سنوات في العام 1995, وعلى قائد الجيش العماد اميل لحود الذي تم تعديل الدستور بارادة سورية من اجل انتخابه رئيسا للجمهورية خلفا للهراوي في العام 1998, ثم عدل الدستور مرة اخرى من اجل تمديد ولاية لحود في العام 2004.

 

اضافة الى ذلك فرض السوريون خلال هذه المرحلة حصة وزارية ثابتة لوزراء موالين بشكل اعمى لهم, من امثال: ايلي حبيقة وقياديي حزب البعث اللبناني والحزب القومي, ناهيك عن وزراء حركة "امل", ووزراء مسيحيين من غير صفة تمثيلية, كما تحكم السوريون بوضع قوانين الانتخاب في دورات 1992 1996 ,2000 بما يسمح بايصال اكبر عدد من النواب الموالين لدمشق.

 

وعلى خط اخر كان "حزب الله" يخوض مواجهة عسكرية مفتوحة مع الاحتلال الاسرائيلي على ارض جنوب لبنان, وكانت ايران تمول تلك الحرب. اما مسؤولية ادارتها السياسية فكان في يد حافظ الاسد حصرا, ولم يكن للبنان ولسلطته الشرعية اي دخل في قرار الحرب والسلم. وعند الانسحاب الاسرائيلي من جنوب لبنان, منع السوريون الجيش اللبناني من الانتشار هناك وفقا لنص القرار الدولي 425.

 

تحولات العام 2000

العام 2000 كان بداية التحول في مواقف الفرقاء اللبنانيين من الوجود السوري فكان الاعلان الاول للمطارنة الموارنة الذي نادى بانسحاب الجيش السوري من لبنان, واطلق النائب وليد جنبلاط موقفا مماثلا. وتشكلت انطلاقا من تلك السنة قوة ضغط سياسية مسيحية عرفت بلقاء "قرنة شهوان" الذي ضم نخبة من الشخصيات والقوى المسيحية.

 

وسرعان ما تحولت المطالبة بالانسحاب السوري وبحصول لبنان على سيادته واستقلاله الى انتفاضة شعبية مكبوتة, ولم تنفع سلسلة من محاولات الاستيعاب السورية, مثل سحب بعض القوات من بعض المواقع واعادة تجميعها, او اقامة تشكيلات سياسية موالية في مقابل القوى المعارضة للوجود السوري, واكثر ما كان يخشاه النظام السوري ان صفوف المعارضين بدات تضم لبنانيين من كل الطوائف والمذاهب.

 

ترافق ذلك مع تبدل في المعطيات الدولية, وخصوصا بعد اسقاط نظام صدام حسين في العراق, حين عارض نظام بشار الاسد ذلك وقدم دعما كبيرا للنظام المخلوع في اخر ايامه مقابل مبالغ مالية ضخمة. وكان من تداعيات الحدث ان الولايات المتحدة عملت بشكل مشترك مع فرنسا لاصدار القرار 1559 الذي يدعو الى انسحاب الجيش السوري من لبنان وحل ما تبقى من الميليشيات اللبنانية والفلسطينية (حزب الله والفصائل الحليفة لدمشق) وكذلك منع النظام السوري من التمديد للحود. عندها باشر نظام دمشق سلسلة الاغتيالات للحد من الاندفاعة الداخلية والخارجية لاخراجه من لبنان. فكانت محاولة اغتيال الوزير مروان حمادة الفاشلة (1 اكتوبر 2004) ثم اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري والنائب باسل فليحان (14 فبراير 2005), والذي فجر انتفاضة الاستقلال في 14 مارس من العام نفسه فادت الى اسقاط حكومة الرئيس عمر كرامي الموالية لسورية وانسحاب الجيش السوري بصورة كاملة من لبنان في 26 ابريل 2005 وجرت الانتخابات النيابية الاولى خارج الوصاية السورية في صيف 2005 ففازت قوى السيادة والاستقلال بالاكثرية, ولكن النظام السوري تابع مسلسل الاغتيالات الذي طال الاعلامي سمير قصير (2 يونيو 2005), والمناضل جورج حاوي (21 يونيو 2005), محاولة اغتيال الوزير الياس المر (12 يوليو 2005) والاعلامية مي شدياق (25 سبتمبر 2005) بالاضافة الى سلسلة التفجيرات الارهابية في عدد من المناطق السكنية.

 

محاربة الحكومة

ومع قيام حكومة الاستقلال الثاني برئاسة فؤاد السنيورة ضغط النظام السوري لافشالها بطرق مختلفة مثل اغلاق الحدود مرارا, واستمرار الضغوط الامنية, وصولا الى محاولة اسقاط الحكومة من خلال اعتكاف الوزراء الشيعة, بالتزامن مع صدور تقارير لجنة التحقيق الدولية التي تضمنت اتهامات واضحة لعدد من المسؤولين الامنيين السوريين, وفي محاولة لمنع اقرار مشروع المحكمة الدولية في مجلس الوزراء ثم في مجلس النواب. وفي هذا الاطار اغتيل النائب جبران تويني (12 ديسمبر 2005).

 

وبعد حرب يوليو 2006 مباشرة اعلن بشار الاسد ان الحكومة والاكثرية التي تدعمها هما منتج اسرائيلي, فاعطى اشارة الانطلاق للانقلاب على الحكومة, مع اغتيال الوزير بيار الجميل (21 نوفمبر 2006), وبدات القوى الحليفة لسورية تنفيذ خطة الانقلاب بالتظاهر في وسط بيروت ومحاصرة السراي الحكومي وذلك بعد ان انسحب الوزراء الشيعة نهائيا من الحكومة منعا لاقرار مشروع المحكمة.

 

وعندما فشل مشروع الانقلاب عمد النظام السوري الى خطة بديلة تقضي ببدء تقسيم لبنان الى امارات فارسل تنظيم "فتح الاسلام" الارهابي الى مخيم نهر البارد في شمال لبنان في محاولة للسيطرة على محافظة الشمال, ولكن الجيش اللبناني احبط المحاولة باقتحام المخيم وسحق التنظيم الارهابي.

ومع انتهاء الولاية الممددة للحود ضغط النظام السوري عبر حلفائه لمنع اجراء الانتخابات الرئاسية باقفال ابواب مجلس النواب ولا يزال الفراغ قائما في سدة الرئاسة منذ اربعة اشهر رغم توسط جامعة الدول العربية واطلاق المبادرة المعروفة والتي ينص بندها الاول على انتخاب قائد الجيش العماد ميشال سليمان رئيسا توافقيا للجمهورية.

 

ختاما لا بد من التذكير انه في العام 2006 انعقدت طاولة للحوار الوطني في مجلس النواب وشاركت فيها القوى السياسية الاساسية في البلد والتي تحتل الغالبية الساحقة من البرلمان, واستثنيت التابعة مباشرة لدمشق, وقد عبر النظام السوري انذاك عن انزعاجه من الامر. وخرج المتحاورون بمقررات مهمة ابرزها اقامة علاقات ديبلوماسية مع سورية, وترسيم الحدود بين البلدين, وهما الشرطان الاساسيان لتامين سيادة واستقلال لبنان, ولكن النظام السوري رفض بالمطلق البحث في هذين المطلبين كاستمرار لسياسة حكام دمشق منذ الاستقلال عن فرنسا في العام 1943, برفض الاعتراف بلبنان كدولة مستقلة.