قراءة سوسيو- تاريخية في مسار "حزب الله" ومصيره

 هل الحزب والمقاومة بديل الوطن والأمة والدين؟

بقلم/سعود المولى المصدر

16 نيسان/09

ثمّة سياقات متعددة ساهمت في تشكيل حزب" الله وبلورة مساره ورسم خطوط مصيره: 1-سياق الثورة والمقاومة والممانعة في العالم العربي ونموذجه الثورة الفلسطينية. 2- سياق الأهواء القومية والأممية التي استبدت بالمسلمين اللبنانيين رداً على ما رأوه ظلماً في تشكيل الكيان اللبناني. 3- سياق الفقه السياسي الشيعي العام (منذ زمن غيبة الإمام المهدي) واتجاهاته الإصلاحية وأعلامها الكبار كالنائيني والبروجردي والخوئي والحكيم وموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين. 4- سياق النموذج الحزبي الشيعي(حزب الدعوة في العراق وامتداداته اللبنانية). 5- سياق النموذج الثوري الإيراني (نظرية الإمام الخميني في ولاية الفقيه ودورها في تشكيل الحزب).

 

ولا يمكن إعطاء صورة واضحة عن حقيقة "حزب الله" دون الأخذ بالاعتبار هذه السياقات مجتمعة متداخلة متكاملة، إذ دون ذلك تبقى النظرة مجتزأة والمعالجة غير مكتملة. ونحن سنحاول شرح هذه السياقات من دون تسلسل أو تمرحل وإنما في إطار رؤية أشمل تعرض للموقف الإسلامي والوطني في لبنان كما جسّده تراث الإمامين موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين.

 

في المقاومة والممانعة ضد التجزئة والاحتلال

شهدت بلاد الشام أشكالاً من الممانعة والرفض والاعتراض الشعبي العربي على الهيمنة الاستعمارية والتجزئة والاحتلال والقهر والغدر وذلك منذ نهاية الحرب العالمية الأولى وانهيار الدولة العثمانية وانكشاف خيانات الحلفاء لمطالب العرب.. تلك كانت ممانعة تندرج في الإطار العربي والعالمي الأوسع المسمى بحركة التحرر الوطني وبحركات الاستقلال... وهي حالة أدت فيما أدت إليه إلى نشوء الدول والكيانات الوطنية "القطرية" وحملت إلى السلطة نخباً عسكرية بيروقراطية تبرجزت واستبدت تحت شعار فلسطين والمقاومة... من حسني الزعيم وأديب الشيشكلي في سوريا(1949-1950) إلى جمال عبد الناصر في مصر(1952)، إلى العسكر البعثي في سوريا والعراق (1963)، إلى عسكر الجزائر(1965) وصولا إلى انقلابات القذافي (ليبيا) والنميري (السودان)في العام 1969... ولا يمكن النظر إلى الرفض والممانعة الشعبية والحركات الاستقلالية والتحررية لتلك المرحلة بمنظار مقاومة لبنانية ضد احتلال إسرائيلي للأرض.. فلم يكن قد تبلور بعد "وعي لبناني" مقاوم مرتبط بالأرض والكيان والوطن والدولة.. ولا كان تبلور "وعي إسلامي" حول إشكاليات العلاقة بين الإسلام كدين وأمة، وبين الأوطان والدول والكيانات...وقد كان مسلمو لبنان (وشيعته تحديداً) في قلب الحركة القومية السورية والعروبية كما تشهد بذلك مؤتمرات وادي الحجير(1920) وصيدا(1933) والساحل(1936) وحركات العصابات المسلحة من أدهم خنجر وصادق حمزة إلى توفيق هولو حيدر وأبو علي المصري، وصولا إلى الحَرد ضد الدولة والكيان بعد الاستقلال. لا بد إذن من وضع الممانعة الشعبية الإسلامية اللبنانية لتلك المرحلة في إطار حركة التحرر الوطني العربية الاستقلالية في وجه الاستعمار وركائزه ومخلفاته وأبرزها الصهيونية (وعد بلفور) والرجعية (الأنظمة القائمة) والتجزئة (سايكس-بيكو)...وهي مرحلة قومية ثورية وأممية عالمثالثية سقطت مبدئياً في الخامس من حزيران مع سقوط المشروع الناصري والبعثي في الوحدة والحرية والاشتراكية (ولو أنهم لم يعترفوا بسقوطهم المخجل)...وما يستدعي التوقف هو الحالة القومية والأممية لمسلمي لبنان الرافضة للكيان "الانعزالي" والملتحقة بكل الثورات العربية والفلسطينية.فقد كتب الكثير عن ذلك ولا حاجة للعودة إليه إنما نشير إلى إن هذه الحالة كانت وما زالت كامنة في قلب وعقل المسلم ووجدانه وهي التي تفسر سرعة التحاقه بأية دعوة قومية(سورية وعربية، بعثية كانت أم ناصرية) أو ثورية تحررية(فلسطينية تحديداً) أو أممية شمولية(شيوعية كانت أم إسلامية)، طالما أن فكرة الدولة الوطنية والدساتير لم تترسخ بعد وطالما أن العصبيات المختلفة هي التي ما تزال تحكم عقلنا وسلوكنا.

 

المقاومة الفلسطينية وأثرها في لبنان

كانت نكسة حزيران 1967 نقطة تحول تاريخية في الوضع العربي واللبناني... ولعلها فاقت في خطورة تداعياتها نكبة 1948. وبدءاً من صيف 1967 (الانطلاقة الثانية لحركة فتح في آب67 بعد الانطلاقة الأولى في 1-1-1965) تطورت في جنوب لبنان حالة من المقاومة والصمود والتحدي ارتكزت إلى عناصر متعددة:

أ- الاعتداءات الإسرائيلية التي تصاعدت مع تصاعد حالات التسلل الفدائي إلى الأرض المحتلة عبر جنوب لبنان.

ب- صمود الأهالي الأسطوري وصبرهم وتحملهم لكل أشكال العدوان، وتلاحمهم الذي قل نظيره في احتضان الفدائيين الأوائل رغم الكلفة العالية التي دفعوها في الأرواح والممتلكات...

ج- الدعم المصري والسوري (وحتى العربي المحافظ أو الرجعي كما كانوا يسمونه) لانتشار وتمدد الثورة الفلسطينية في جنوب لبنان وذلك لأهداف وغايات متفرقة ليس أقلها التعويض عن نكسة حزيران معنويا (خصوصا بعد مؤتمر الخرطوم ولاءاته الثلاث وبعد المصالحة المصرية-السعودية التي أنهت حرب اليمن)، وإشغال العدو بالترابط مع حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية (1968-1969)، والصراعات الداخلية على السلطة في سوريا (ولادة منظمة الصاعقة كإحدى أدوات هذا الصراع الداخلي الذي تصاعد بعد عام 1969 وصولا إلى انقلاب الفريق حافظ الأسد في 16 تشرين الثاني 1970 )

د- المغامرة والمقامرة في معارك أيلول الأردن 1970 والتي أدت إلى طرد المقاومة الفلسطينية نهائيا من الأردن واتجاه قواتها صوب جنوب لبنان.. ويمكن قراءة أحداث أيلول كمثال ساطع على استخدام المقاومة في أوراق الصراع السوري الداخلي كما السوري-المصري والسوري-الأردني ناهيك عن الدور العراقي يوم ذاك.

ه- أزمة اليسار العربي واللبناني بعد نكسة حزيران، وانطلاق اليسار الجديد على قاعدة الارتباط بمشروع الثورة الفلسطينية "رأس الحربة للثورة العربية الشاملة"(على حد تعبير احد كراسات حركة فتح)، وبأن "فلسطين هي طريق الوحدة"، وليس كما كان القوميون العرب يقولون: الوحدة طريق التحرير (شعار وحدة تحرر ثأر عند حركة القوميين العرب، وشعار وحدة حرية اشتراكية عند أحزاب البعث)، هذا ناهيك عن شعار فتح الرئيسي في "التوريط"(أي توريط الأنظمة العربية في مواجهة عسكرية مع إسرائيل تفتح باب المقاومة والتحرير)..وقد شهدت أعوام 1967-1970 اضطرابات عاصفة في الأحزاب الكبرى (الشيوعي-القوميون العرب – البعث - وحتى القومي السوري في السجون) طرح فيها شعار الكفاح المسلح وحرب التحرير الشعبية، كبديل عن كل البرامج السياسية السابقة..

و- أزمة النظام اللبناني التي تفاقمت بعد حرب حزيران وانهيار التجربة الشهابية الإصلاحية: من أزمة بنك انترا إلى تصاعد وتفاقم الفقر والتهميش الاجتماعي إلى صعود الحلف الثلاثي الماروني(1968). عبّر ذلك كله عن أزمة التوازن بين الطوائف بعد انكشاف الوضع العربي الذي كان حامياً لأهل السنة، وبروز أنياب التطرف المسيحي على قاعدة الاستفادة من نتائج حزيران، الأمر الذي ساعد على تبلور رؤية شيعية مستقلة بين السنة والموارنة، والى بداية احتلال الشيعة لموقع ولوزن راجح في المعادلة الداخلية.

 

 وبموازاة ذلك كله تطور شعار دعم العمل الفدائي وحرية تحركه من لبنان، والارتباط بالثورة الفلسطينية خصوصا في الشارع السني في المدن الكبرى، وذلك كرافعة للمطالب الإسلامية-اليسارية المزمنة بالعدالة والمساواة والتي اختصرها مطلب المشاركة أو تصحيح الخلل في الحكم في لبنان.. وهكذا حل الفدائي "أبو كوفية" (ورمزه أبو عمار) محل الفتى الأسمر عبد الناصر..وحل شعار عبد الناصر "إن الثورة الفلسطينية وجدت لتبقى وستبقى"، محل صرخته التاريخية: "ارفع رأسك يا أخي العربي فقد ولى عهد الاستعمار"..وأبرز مظاهر هذا التحول شهدته القوى الناصرية التي تحولت إلى عشرات من تنظيمات الأحياء والشوارع في بيروت (إبراهيم قليلات والمرابطون) وطرابلس(علي عكاوي وحركة الغضب، فاروق المقدم وحركة 24 تشرين) وصيدا (معروف سعد والتنظيم الشعبي الناصري).. وولادة الحركة اللبنانية المساندة لفتح بقيادة من عائلات بيروتية مهمة (حوري، شاتيلا، عيتاني، بلعة، فاخوري، الآغا..الخ..)، ولجان أنصار الثورة الفلسطينية في مدارس المقاصد والمدارس الرسمية وحتى في الجامعات الكبرى كالأميركية والعربية..وجاء العدوان الإسرائيلي على مطار بيروت (28 كانون الأول 1968) وتدمير الأسطول الجوي المدني للبنان، ليطلق حركة طالبية وشبابية شملت لبنان بأسره وتمحورت حول ضرورة التسلح والاستعداد والمقاومة وتحصين الجنوب.وهذا الأمر كان له مقابله مع تطور الشعور الشيعي بالحاجة إلى كيان مستقل يعبر عن الشيعة ويكون له دور في البلاد (بدايات المجلس الشيعي كانت على غير هوى القيادات السنية ولقيت دعماً مارونياً واضحاً).

 

المقاومة اللبنانية كرديف ونصير

في هذه الأجواء تشكلت أولى المجموعات اللبنانية المقاومة، كرديف ونصير للمقاومة الفلسطينية، أو كحرس شعبي في القرى الجنوبية.. وقد أخذت مواقع لها في الجنوب تحت رعاية حركة فتح وخصوصا في راشيا والعرقوب وما صار يعرف باسم "فتح لاند"، ثم في منطقة بنت جبيل.. وقد ارتكز هذا التطور على جملة عوامل أبرزها تلك الحالة الجماهيرية التي أطلقتها معركة الكرامة (21 اّذار 1968)، ثم جنازة خليل عز الدين الجمل (27 نيسان 1968) أول شهيد لبناني في صفوف حركة فتح.. وقد تلا ذلك تدفق آلاف الشباب اللبناني إلى قواعد ومعسكرات الثورة في لبنان والأردن وسوريا...وحتى في العراق... حيث جابت المظاهرات المليونية شوارع بغداد والنجف الأشرف وحيث أصدر المرجع الشيعي الكبير السيد محسن الحكيم فتوى بجواز دفع الخمس لمقاتلي حركة فتح..وقد ساهمت هذه الفتوى إلى جانب مواقف مراجع الشيعة في العراق وإيران، في تعميق التعاطف الشيعي اللبناني في الجنوب مع ثوار فلسطين، وفي مده بأسباب القوة والاستمرارية..وكان قمة ذلك في العشاء الرمضاني الذي أقامه الإمام السيد موسى الصدر على شرف حركة فتح ولجمع التبرعات لها في 17 كانون الأول –ديسمبر 1968.

 

وجاء التحول اليساري في حركة القوميين العرب ليفتح صفحة جديدة في تاريخ اليسار العربي قاطبة... إذ هو أفرز منظمات "الجبهة الشعبية" و"الجبهة الديمقراطية" ورديفيهما "حزب العمل العربي الاشتراكي" و"منظمة الاشتراكيين اللبنانيين- لبنان الاشتراكي" (منظمة العمل الشيوعي لاحقا).. الأمر الذي ساعد على ارتباط قوى لبنانية واسعة ومن كل المناطق والطوائف بمشروع الثورة الفلسطينية من جهة، وبشعار المقاومة وحرب الشعب من جهة أخرى... وأدت نكسة أيلول الأسود في الأردن إلى انتقال ثقل هذه المنظمات ومن يدور في فلكها من تيارات غيفارية وتروتسكية وماوية وفوضوية إلى لبنان، والى تشكيل تجارب وبؤر ثورية "اختبارية" عديدة، كان نصيب جنوب لبنان منها هو الأكبر والأفدح ثمناً....

 

وقد شكلّت انطلاقة اليسار الجديد المرتبط بمشروع الثورة الفلسطينية وشعاراتها وحركاتها المسلحة تحديا للقوى اليسارية والقومية التقليدية.. فبعد انشقاقات يسار البعث وحزب العمال العربي الثوري (تيار ياسين الحافظ)، ثم أزمة تيار صلاح جديد - يوسف زعيّن في حزب البعث الحاكم في سوريا، فالتحول في حركة القوميين العرب، اندلعت الأزمة في الأحزاب الشيوعية العربية الموالية لموسكو وعلى رأسها الحزب الشيوعي اللبناني.. وتخللها اتهامات لأمينه العام اللاحق جورج حاوي بأنه عميل إمبريالي وفصل وتجميد لقيادات وكوادر مؤيدة له.. واستمرت الأزمة حتى انعقاد المؤتمر العام الثاني 1968 (الذي استعاد فيه تحالف جورج حاوي –كريم مروة - جورج بطل المبادرة، وذلك على خلفية تصاعد دور الثورة الفلسطينية في أوضاع هذه الأحزاب وتصاعد مزايدات اليسار الجديد الفلسطيني).. أدى ذلك إلى قرار الأحزاب الشيوعية العربية تشكيل قوات الأنصار، وهي تجربة تم إجهاضها سريعا من قبل الطرف الأردني والفلسطيني في الأحزاب الموسكوبية، لتبقى تجربة الحرس الشعبي التي أطلقها تيار الشهيد حاوي في الحزب اللبناني..

 

وهي أجهضت في مرحلة تالية ولكن لأسباب أخرى بعد استشهاد المناضل علي أيوب (الشهيد اللبناني الوحيد لهذه التجربة)..الأمر الذي دفع بكوادر عديدة في الحزب الشيوعي وعلى يساره، ومن يسار البعث وحزب العمال العربي الثوري (ياسين الحافظ وناجي علوش تحديدا) والحزب التقدمي الاشتراكي، وبدعم من "يسار" حركة فتح، إلى تشكيل "الجبهة التقدمية اللبنانية لمكافحة الصهيونية"، والتي دعت إلى إطلاق مقاومة لبنانية حملت اسم طانيوس شاهين وتموضعت في قواعد حركة فتح في الجنوب...وبانفراط عقد هذه التجربة نشأت من أحشائها الحركة الاشتراكية الثورية (المرحوم مرشد شبو والشهيدين علي شعيب وإبراهيم حطيط) التي ارتبطت بحركة فتح، كما عاد البعض إلى أحزابه الأم أو أسسوا حركات جديدة، فيما انضم "الناجون" من تلك التجربة إلى حركة فتح...

 

وجاء خروج قيادات وكوادر الحزب القومي السوري من السجن (1969)بعد محاولتهم الانقلابية الفاشلة آخر عام 1961، ثم مؤتمر ملكارت التاريخي(1969)الذي كرّس التحول الثوري اليساري في الحزب (وطريق دخوله إلى جبهة الأحزاب التقدمية بقيادة كمال جنبلاط ودعم عرفات)، ما أضاف قوة نظامية متمرسة إلى القوى المرتبطة بالثورة الفلسطينية وبالكفاح المسلح... ولم يقتصر الأمر على تلك المجموعات المسيحية من القومي السوري التي عملت مع أيلول الأسود (وعلى رأسها الشهيد فؤاد الشمالي)، وإنما يبدو أن الارتباط بالثورة الفلسطينية وبحركة فتح بدأ داخل السجن وهو استمر خصوصا مع تيار إنعام رعد وعبد الله سعادة... وهو ارتباط دفع هذا التيار ثمنه غاليا فيما بعد، خصوصا مع اغتيال محمد سليم وتوفيق الصفدي وايلي الجقل وعدد من كوادر وعناصر الحزب في الحرب الحزبية الداخلية التي جرت في الأعوام 1986-1988...ناهيك عن الاغتيال المشبوه للقوميين البارزين كمال خير بك وبشير عبيد في بيروت مطلع الحرب الأهلية، وهما كانا صلة وصل مع أيلول الأسود في أوروبا ولبنان.

 

وهكذا شهدت سنوات 1970-1975 تمددا وانتشارا فلسطينيا في جنوب لبنان، تردفه عناصر لبنانية يسارية أو فتحاوية وجدت في الثورة الفلسطينية و لأسباب مختلفة، الحلم والأمل في التغيير...إلى جانب الأسباب اللبنانية الإسلامية المتعلقة بانهيار التوازن الذي قام عليه الكيان الوطني...فكان التموضع الفلسطيني في جنوب لبنان بعد أيلول الأسود ووفاة عبد الناصر (أيلول 1970) وانقلاب الرئيس الأسد (تشرين الثاني 1970) وكان شعار حرية العمل الفدائي ودعم الثورة الفلسطينية واعتبار الجنوب بوابة التحرير (وآية كل ذلك اتفاق القاهرة الشهير في 2 تشرين الثاني 1969)... ولذا فانه لم يكن غريبا أن تروج في تلك الفترة مقولة المطالب الإسلامية-الوطنية (محسن ابراهيم ومنير شفيق)، والطبقة-الطائفة (جورج حاوي)، أو المارونية السياسية(منح الصلح ثم جريدة السفير)...وكان كل ذلك التمدد والانتشار محمولا على استراتيجية مصرية في دعم حركة فتح والمنظمات السنية الناصرية ومعظمها كان مرتبطا بالمكتب الثاني اللبناني (الاستخبارات العسكرية)، وفي مشاغلة وارباك العدو وإضعافه عبر لبنان، وعلى استراتيجية سورية (تمثلها منظمات الصاعقة والجبهة الشعبية-القيادة العامة والجبهة الثورية وغيرها من الشلل الصغيرة التي فرّخت مثل الفطر على ضفاف التجربة الفلسطينية في لبنان) في زعزعة الاستقرار اللبناني وبناء وضع جديد سمح تاليا في إشعال وإذكاء واستمرار الحرب الأهلية... ومحمولاً أيضا على أزمة داخلية تتعلق بالمطالب الإسلامية في المشاركة...

 

فكان دعم الفدائيين هو رافعة تصحيح الخلل... إلا أنه سمح بدخول عناصر لم تستطع القيادة السنية التقليدية (صائب سلام ورشيد كرامي وتقي الدين الصلح) ولا القيادة الجنبلاطية ضبطها فكان أن دفعت أيضا ثمنها غاليا فيما بعد..وبعد عام 1973 صار هذا التمدد أيضا محمولا على هجوم سوفياتي كاسح في الشرق الأوسط (وقد حمل هذا التوجه الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين والحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي وروابطهم مع عدن الموسكوبية بعد اغتيال سالم ربيع علي، وأوساط قيادية مرموقة في الحزب الاشتراكي ومعهم يسار فتح بقيادة أبو صالح وأبو موسى وأبو خالد العملة وما صار لاحقا فتح الانتفاضة)، الأمر الذي جعله يصطدم وبقوة بمصالح واعتبارات أهل الجنوب والمقاومة، وهذا ما جسدته حركة المحرومين بالضبط في تلك المرحلة...ومخطىء وواهم من لا يعيد قراءة تلك التجربة ومن لا يعترف بالدور السوفياتي وبالأدوار العربية المختلفة (السورية أولاً والعراقية والليبية ثانياً والجزائرية ثالثاً وصولاً إلى العدنية الموسكوبية ورئيسها عبد الفتاح إسماعيل) في إبقاء الصراع مفتوحا على جبهة الجنوب، وفي تأثير ذلك على مجريات الوضع، وعلى عدم إمكانية الكلام عن مقاومة وطنية لبنانية لتلك المرحلة...

 

المقاومة بين حركات التحرر الوطني العربية والحرب الأهلية اللبنانية

كانت مقاومة السنوات السابقة على 1982 إذن جزءاً لا يتجزأ من ما كان يسمى حركة التحرر الوطني العربية ومن اليسار الدولي والإقليمي ومن استراتيجيات مصرية وسورية وسوفياتية وفلسطينية (ولاحقا ليبية وعراقية وغيرها) وجدت في بقاء جبهة الجنوب مفتوحة وفي استمرار الحرب الأهلية اللبنانية خير جسر للعبور إلى ما تريد أو لإيصال الرسائل أو لخدمة مصالحها الخ...( نعم حرب الآخرين على أرضنا لمن لا يزال يرفض هذه الفرضية الحقيقية بقدر حقيقة أنها كانت أيضاً حربنا الأهلية نحن)....وتجسد هذا كله في ما عرف باسم القوات المشتركة اللبنانية-الفلسطينية التي انتشرت في جنوب لبنان تحت إمرة قيادة الثورة الفلسطينية والتي رأت في وجودها في الجنوب استمرارا لحربها الأهلية الداخلية ضد "الانعزاليين عملاء العدو"، أو "يهود الداخل"...فلم يكن هناك إذن هوية لبنانية وطنية جامعة ومستقلة لتلك المقاومة، بل يمكن القول حتى أنها كانت جزءا من الانقسام الداخلي كما أنها كانت تغذيه من جهة أخرى.

 

وما حدث بعد ذلك يرتبط بالحرب الأهلية وعوامل استمرارها أكثر من ارتباطه بمشروع وطني لمقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب...فقد دفعت الحرب الأهلية وتطوراتها (وخاصة عمليات التطهير الديني-العنصري في النبعة وتل الزعتر والمسلخ وضواحي بيروت الشرقية والشمالية (من حارة الغوارنة إلى بياقوت والزلقا والجديدة والسبتية الخ...) بآلاف العائلات الشيعية للعودة إلى قراها في الجنوب والبقاع (والى منطقة الضاحية الجنوبية السريعة التوسع والامتداد) حاملة معها أولادها الحزبيين الغاضبين الذين أضافوا إلى القوات المشتركة أعداداً هائلة من المقاتلين، الأمر الذي سمح بتوسع وامتداد واستمرار السيطرة الفلسطينية على الجنوب حتى العام 1982 (الاجتياح الكبير).. ترافق ذلك مع حرب الثكنات ونشوء "جيش لبنان العربي" بقيادة أحمد الخطيب (كانون الثاني 1976) الذي سرّع في سقوط ثكنات الجنوب وفي التحاق الضباط والجنود بقراهم وعائلاتهم، وبنشوء جيوش رديفة في الجنوب منها جيش أنطوان بركات وجيش سعد حداد وصولاً إلى جيش أنطوان لحد...ومعظمها حمل لواء "المقاومة" اللبنانية ضد الفلسطينيين، كما انه كان يحظى بغطاء الشرعية الممثلة بقيادة الجيش وبالدولة اللبنانية (استمرت هذه القوات في قبض رواتبها من الدولة حتى وقت متأخر جدا).

 

هذا الجو العام عزز الانقسام اللبناني الذي كان في الأصل موجوداً منذ نشأة الكيان اللبناني والذي تمحور حول هوية لبنان ودوره وموقعه بين العرب.

الإمام السيد موسى الصدر في التراث الشيعي اللبناني

 

لم يبدأ الإمام الصدر من فراغ.. فهو حل بمدينة صور بناء على دعوة سابقة من المرجع السيد عبد الحسين شرف الدين.. وهو استند إلى تراث شيعي لبناني أصيل يحلو للبعض نسيانه اليوم أو تجاهله حين يستحضرون وادي الحجير أو أدهم خنجر وصادق حمزة، وينسون أن ما صنع شيعة لبنان ليس محطات معينة خارج أي تاريخ أو سياق بل تاريخ طويل يبدأ مع أبي ذر الغفاري ولا ينتهي مع الإمامين الصدر وشمس الدين.. لقد كان الشيعة كما كثير من اللبنانيين في طليعة المعترضين على التشكيل الانتدابي للبنان الحديث.. غير أن هذا الاعتراض كان من شاكلة الاعتراضات اللبنانية الأخرى: أي انه كان اعتراض وممانعة ما قبل تشكّل الدولة الوطنية الحديثة، نشط في مرحلة انعدام التوازن بعد انهيار الدولة العثمانية واحتلال البلاد العربية..

 

وهذا  الاعتراض حملته قوى ومصالح وأيديولوجيات ورؤى وأفكار ، لا يمكن بحال من الأحوال نسبتها إلى الأزلية والسرمدية ،أو إلى التشيع والإسلام ، لعل أهمها كان الاعتراض الاورثوذكسي ممثلا بالحزب القومي السوري وزعيمه انطون سعادة وهلاله الخصيب ونجمته قبرص... ولكنه كان أيضا اعتراض البورجوازية المدينية السورية وآيته المؤتمرات السورية التي شاركت فيها البورجوازية السنية اللبنانية...كانت عروبة الشيعة وسوريتهم هي العروبة والسورية الطبيعية لتيارات وقوى مطلع القرن العشرين حيث الخرائط ترسمها الدول المستعمرة وحيث القوى الأهلية المحلية تقاوم فرض الأمر الواقع.. ولا يجوز تقديم التاريخ باعتباره فقط تاريخ هذا الاعتراض المشروع في يومه، وإنما باعتباره تاريخ تطورات اجتماعية اقتصادية سياسية ثقافية صنعت صورة لبنان الحالي، كما صورة المنطقة.. فلا بد من البحث الجاد عن أشكال انخراط النخب الشيعية والإسلامية في الممارسة السياسية وفي الحياة الوطنية، وعن التعبيرات السياسية المختلفة التي لوّنت الطيف الشيعي والواقع الإسلامي اللبناني، خلال المرحلة الانتدابية 1920-1943...

 

بحيث أن الجاهل وحده هو من لا يرى الاختلاف بين رؤية السيد شرف الدين ورؤية السيد محسن الأمين لموقع ودور الشيعة في لبنان والمحيط السوري والعربي.. ولا بد أيضا من قراءة الأصول السوسيولوجية للتيارات والأحزاب السياسية في جبل عامل.. إذ أنه من الجهل أيضا أن لا نرى أين نجح القومي السوري مثلا ومتى ولماذا ؟ أو متى انتشر الحزب الشيوعي وأين ولماذا؟ أو الدور الفلسطيني المهم منذ ثورة 1936.. كما انه من الجهل عدم رؤية وتقويم العواطف والمشاعر العربية لجبل عامل والاستعداد للدفاع عن كل القضايا العربية والتي حمل شيعة لبنان لواءها خصوصا في ثورة فلسطين الكبرى 1936.. كانت عروبة الشيعة هي المساق الطبيعي لتاريخهم وجذورهم وثقافتهم ولغتهم ولهجاتهم وعشائرهم وبيوتاتهم... وهي لم تكن لتتعارض مع لبنانيتهم اللاحقة والتي كان الإمام شرف الدين ابرز من عبّر عنها ( بعض الباحثين الأجانب وتابعيهم من اللبنانيين ينعتون موقف السيد شرف الدين بالعمالة للانتداب وقد شهدنا عينّة من هذا الهراء بمناسبة نقاش كتاب عن السيد محسن الأمين وردت فيه التصنيفات السخيفة حول عمالة السيد عبد الحسين للفرنسيين..).. والإبداع الشيعي المبكر تمثل في إيجاد تلك اللحمة ما بين وطنية لبنانية قائمة على واقع مستجد ومتصالح عليه (دولة لبنان الكبير) دون الإغراق في تاريخ غابر إلى حد الأسطرة من جهة (الفينيقية وحضارة الستة آلاف سنة) ولا في أدلوجة الاصطناع للكيان اللبناني من جهة أخرى (وهذه ما زالت في وعي وسلوك أكثر من حزب وتيار عقائدي متناسين أن كل الكيانات العربية هي بهذا المعنى مصطنعة)، وما بين عروبة حضارية، طبيعية، لا تحتاج إلى أدلوجات قومجية فاشستية ولا إلى مرتكزات سلطوية أو مخابراتية...وأذكر أن الإمامين الصدر وشمس الدين كانا يطرحان دائما هذه المعادلة ويقولان:

 

إن التاريخ السياسي للبنان هو حاضرنا القائم والمتوافق عليه.. فلنتفق على أن تاريخ لبنان الكيان السياسي يبدأ عام 1920.. وإذا لم توافقوا فاجعلوه عام 1943...

و هذا هو تاريخ الكيان السياسي الحاضر الذي ارتضيناه وطنا نهائيا دون أن يعني ذلك أننا تخلينا عن روابطنا العربية   أو عن شيعيتنا أو عن إسلامنا.. ولم يكن الشيعة وحدهم على هذا الوعي المتفاهم عليه.. فالبيان –الرسالة الذي ألقاه السيد كاظم الصلح ( ووافقه عليه السيد عادل عسيران ) بعد مؤتمر الساحل 1936 ( نشر بعنوان مشكلة الاتصال والانفصال في لبنان) يحمل هذا الهم المبكر في اجتراح معنى إسلامي للوطنية اللبنانية ومعنى لبناني للعروبة... ومن المفيد الإشارة هنا إلى أن هذا التطور في الفكر السياسي الإسلامي اللبناني نتج عن تطور مبكر في سوريا كانت ابرز علاماته الكتلة الوطنية السورية ومفاوضتها المنفردة ( كسورية) مع الانتداب الفرنسي وطلبها من جناحها اللبناني (بقيادة رياض الصلح) التفاوض المستقل وترتيب البيت اللبناني...وعام 1936 هو للمناسبة عام تبلور تلك الوطنيات المحلية بعد تطور وتبلور مشاريع وقوى وحركات ومصالح "وطنية"( سمهّا بورجوازية إن شئت) لم تعد تجد في الاستقلال الوطني خيانة قومية وهي عقدت في ذلك العام المعاهدات الشهيرة مع الأجنبي، من مصر إلى العراق، ومن سوريا ولبنان إلى المغرب والجزائر وتونس، وذلك بسبب صعود الفاشية والنازية وحاجة الديموقراطيات الأوروبية إلى تأمين جناحها المشرقي والمغربي في أية حرب مقبلة، وهي تلاقت مع السياسة الستالينية القاضية يومذاك بإنشاء جبهات وطنية مع البورجوازيات المحلية...

 

ويستحق هذا الأمر دراسة مفصلة ليس هنا مجالها، إنما يعنينا هنا اندراج شيعة لبنان المبكر في البحث عن جوامع مشتركة على مستوى الوطن مع بقية الطوائف اللبنانية، وفي التأصيل الديني لهذه الوطنية.. وهنا يبرز الميثاق الوطني ومعركة الاستقلال كعلامات على هذا النضج وتلك الرؤية التي لم تكن لتختلف عن رؤية رياض الصلح أو صائب سلام.. وهي رؤية حملها صبري حمادة و عادل عسيران و آل الأسعد والزين والخليل وحيدر وغيرهم من العائلات الشيعية التي تصالحت مع اللبنانية ومع الدولة الجديدة..صحيح أنها رؤية بورجوازية وطنية (بحسب ستالين وماوتسي تونغ)إلا أن المرحلة كانت (ولعلها ما تزال) مرحلة بورجوازية وطنية ديموقراطية(أم أننا نسينا ألف باء الماركسية).. ولعل هذه المصالحة التاريخية مع الكيان-الوطن والتي أعطت العائلات التقليدية سلطة الحكم في لبنان الاستقلال هي التي تفسر "ثورة" انطون سعادة 1949 وانضمام بعض زعماء العائلات المحتجين على تهميشهم في النظام الجديد (لاحظ خصوصا آل دندش وبعض الوجوه العشائرية في بعلبك-الهرمل والتي ما تزال قومية إلى يومنا هذا، ولاحظ بعض الأسماء السنية في بيروت والشيعية في صور والنبطية والتي انتسبت إلى القومي السوري على هذا الأساس).. كما لا بد من دراسة التطور الديموغرافي والاجتماعي والتربوي الذي شهده الشيعة في مرحلة الاستقلال(1943-1958) والتي سمحت بانتشار الحزب الشيوعي وحركة القوميين العرب وحزب البعث في أوساط المتعلمين الشيعة في الخمسينات وذلك بتأثير من صعود الاتحاد السوفياتي (بعد الانتصار الكبير في الحرب العالمية الثانية، وبداية الصراع مع الغرب "الإمبريالي") والناصرية في آن معا..

 

وصولا إلى المرحلة الشهابية... ومن المفيد التذكير هنا بان اللبنانية والسورية والعروبة كانت تنجدل في تناغم وتكامل ميّزا شخصية جيل من الكبار العظماء... فمن ينسى عروبة كميل شمعون(فتى العروبة الأغر في مطلع الخمسينات وهي عروبة العراق والثورة العربية الكبرى ونوري السعيد وكل ذلك الجيل الذي مضى مع صعود الظباط الصغار في مصر وسوريا والعراق ثم في غيرها من البلدان العربية) أو سورية الرعيل الأول من المثقفين الذين طردهم سعاده من حزبه لشبهة اللبنانية (وأبرزهم غسان تويني وأسد الأشقر وفايز صايغ وفخري المعلوف ومأمون أياس ونعمه ثابت= وكلهم تأثروا بشارل مالك وبعروبة شمعون اللبنانية)..أو اتفاق الكتائب والنجادة على المطالبة بالاستقلال....و ما نستطيع قوله في هذه العجالة انه لم يفرض احد بالقوة والقهر الخيار اللبناني على شيعة لبنان... ولا يمكن نكران هذه الحقيقة البسيطة وهي أنهم ارتضوا لبنان فعلياً، سراً وعلانية، وطنا نهائيا..[في عددها الصادر يوم 21-10-1936ذكرت جريدة لسان الحال أن وفداً شيعياً كبيراً زار المندوب السامي الفرنسي ورئيس الجمهورية اللبنانية يتقدمه السيد عبد الحسين شرف الدين ..شدد على التمسك باستقلال لبنان الكبير ورفض الانضمام إلى سوريا... وأعلن السيد شرف الدين أن الحركة الإنفصالية بين الشيعة قد توقفت وأن كل الشيعة قد التحقوا بالوحدة الإقليمية للبنان الكبير]. وهذا الرضى حملته أيضا قوى ومصالح وطبقات ونخب لا يجوز البتة التهوين من شأنها أو من تمثيلها لشيعة لبنان...

 

السيد موسى الصدر في إطار الفقه السياسي الشيعي المعاصر

لم يكن صدفة أن يحمل السيد موسى الصدر منذ عاد إلى لبنان تراث السيد عبد الحسين شرف الدين(أي التراث الوطني اللبناني المستند إلى عروبة حضارية لا لبس فيها ولا غبار عليها)، وان يتمايز عن أقرانه ورفاقه الذين أسسوا "حزب الدعوة" في النجف الأشرف ( ما بين عامي 1957 و1959 وهو تاريخ عودة الصدر إلى لبنان).. وهنا تاريخ مجهول لم يفتح أحد صفحاته بعد إلا أنه يستحق الاهتمام والدراسة كونه يلقي لنا ضوءاً كاشفاً على أمور ومواقف ما تزال تتردد أصداؤها إلى اليوم... فمن المعروف أن الإمام الصدر لبناني الأصل والجذور، والى قرية شحور وآل شرف الدين ينتسب أجداده ومنهم السيد صالح شرف الدين الذي انتقل إلى قرية معركة حيث نشأت عائلة الصدر وعاشت مراحل اضطهاد احمد باشا الجزار للعلماء والأهالي في جبل عامل... مما أدى إلى نزوح العائلة إلى النجف حيث برز السيد إسماعيل (جد الإمام) ثم السيد صدر الدين الصدر ( والد السيد موسى) الذي قاد حركة دينية إصلاحية تقدمية وارتبط اسمه بالنهضة الأدبية والثقافية للنجف والعراق ومن ثم إيران التي هاجر إليها وتزوج فيها من السيدة صفيّة كريمة المرجع الديني السيد حسين القمّي..

 

وهنا تجدر الإشارة إلى ارتباط السيد صدر الدين بأبرز مراجع التجديد والإصلاح في عصره من السيد القمي (والد زوجته) إلى المرجع الكبير المجدد الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي الذي عاونه الصدر في إدارة الحوزة الدينية في قم وصار لاحقاً أحد أركانها وساهم معه في إنشاء مؤسسات علمية ودينية واجتماعية وصحية.. وهذان المرجعان تتلمذا معا على الميرزا محمد حسن المعروف بالمجدد الشيرازي، وعلى الشيخ محمد تقي الشيرازي والشيخ محمد كاظم الخراساني وشيخ الشريعة الأصفهاني.. وهؤلاء لمن لا يعلم كانوا أركان التيار التجديدي الإصلاحي في الحوزات الشيعية وقادة الإصلاحية الدستورية في التاريخ الشيعي... كما أن السيد القمي لم يكن فقط صديق ورفيق درب المجدد الشيرازي بل هو رفيق وزميل المجدد النائيني (صاحب كتاب تنزيه الأمة وتنبيه الملة وأحد أكبر الدعاة إلى الحكم الشوروي الدستوري).. والى هذا التراث ينتسب السيد موسى ... فهو درس إذن في الحوزة العلمية بقم على أيدي أعلام التجديد والإصلاح الكبار.. كما انه كان أول معمم يدخل جامعة طهران الحديثة وكلية الحقوق فيها..وهذه نقطة ثانية مهمة لفهم العقل المنفتح والثقافة الواسعة التي ميزت الإمام الصدر عن أقرانه... وهو تخرّج من جامعة طهران الحديثة العلمانية وعاد إلى قم أستاذاً محاضراً في الفقه والمنطق ومؤسساً لأهم وأكبر مجلة إسلامية شيعية تنويرية إصلاحية ( مكتب إسلام ) مع الشهيد بهشتي والشيخ ناصر مكارم وبدعم وتوجيه من آية الله شريعتمداري..وهنا لا بد من  الإشارة إلى أن رئاسة الحوزة الدينية في قم كانت معقودة للمجدد الكبير السيد البروجردي الذي لم يكن الإمام الخميني من أنصاره ومؤيديه بعكس الإمام محسن الحكيم والإمامين الصدر وشمس الدين الذين كانوا من أنصار البروجردي. وفي ذلك يكتب الشيخ هاشمي رفسنجاني صراحة أنه "حدثت بعض المشكلات بين السيد الخميني وآية الله البروجردي...

 

قامت منافسة بين نشرتنا "مكتب تشيع" وبين نشرة "مكتب إسلام" التي كان يديرها متقدمون علينا حوزوياً ومن أنصار شريعتمداري... لو أن الإمام الخميني في عصر السيد البروجردي تدخل في الصراعات السياسية لما نجح، لعدم الانسجام بينهما...في عصر البروجردي كانت الأكثرية المطلقة من الطلبة تابعة له...وكان هو المرجع المطلق في باكستان وأفغانستان والعراق والخليج.. وأسس دار التقريب بين المذاهب ومركز هامبورغ الاسلامي...الخ..."(كتاب رفسنجاني: حياتي.دار الساقي،بيروت،2005،ص32-33-36-38-39). وقد انتقل السيد موسى الصدر إلى النجف بعد وفاة والده (1953) حيث لمع نجمه خلال فترة وجوده هناك (حتى العام 1959) أي في فترة توهج وسطوع نجم مرجعية السيد محسن الحكيم الذي احتضن الإمام الصدر كما احتضن علماً آخر من جيله هو الإمام شمس الدين... وكانت أول زيارة للسيد الصدر إلى لبنان العام 1955 (حيث تزوج من ابنة السيد عزيز الله خليلي).. وقد تميّزت مرحلة النجف التي شهدت زيارات متكررة إلى لبنان والى قم، بدراسته على كبار المراجع: أبو القاسم الخوئي، محسن الحكيم، محمد رضا آل ياسين.. وبإتمامه لمرحلة الدراسات العليا(بحث الخارج) واشتراكه في تأسيس جمعية منتدى النشر... وهنا زامل ورافق الإمام الصدر كبار النجف يوم ذاك: الشهيد محمد باقر الصدر( ابن عمه)، والسادة الشهداء مهدي ومحمد باقر الحكيم (ابني السيد محسن)، والشيخ الموسوي الاردبيلي والسيد موسى الشبيري الزنجاني والسيد مرتضى العسكري (أحد ابرز قادة حزب الدعوة) والشيخ محمد مهدي شمس الدين والسيد محمد حسين فضل الله وغيرهم.

 

إن انتماء الصدر إلى التيار الإصلاحي المجدد في إيران والعراق، ورفقته وزمالته لرموز الحركة الإسلامية الإيرانية المدنية ( حركة تحرير إيران وقيادتها: آية الله طالقاني، د. مهدي بازركان، د. مصطفى شمران، د. علي شريعتي، د. إبراهيم يزدي... وهي حركة إصلاحية كبرى كانت استمرارا وتطويرا لحركة الرئيس مصدق وتيارها المسمى الجبهة الوطنية) وصلته أيضاً بالمرجع الكبير المعتدل والليبرالي آية الله كاظم شريعتمداري، كل ذلك جعله يفترق ومنذ البداية عن أترابه الذين شاركوا لاحقا في تأسيس حزب الدعوة... ففي ذلك المفصل التاريخي الذي شكلته سنوات 1954-1959 كانت البلاد العربية تغلي بالتطورات المتلاحقة التي حملت اسم فلسطين وعنوان التحرر والوحدة.. وكانت انقلابات سوريا(1949) ومصر(1952) ومعركة الأحلاف، وخصوصا حلف بغداد (1953-1955) وانطلاق الثورة الجزائرية(1954) ثم العدوان الثلاثي على مصر (1956) فالوحدة المصرية السورية (1958) وثورة 14 تموز في العراق ونزول القوات الأجنبية في لبنان والأردن (1958)، قد جعلت لبنان وغيره موقعا لصراع دولي من جهة أولى (روسي-أميركي أو شرقي-غربي) ولصراع عربي من ناحية أخرى (سعودي- ناصري- هاشمي)...فالتيار القومي العربي (الناصري والبعثي) كان يواجه التيار السعودي من جهة والتيار الهاشمي (وحليفه الأساس كان الحزب القومي السوري لمن ينسى أو يتناسى) من جهة أخرى، كما كان يواجه التيارات الشيوعية والإسلامية المختلفة، ناهيك عن الهجوم الدولي الشديد والمركز على المنطقة..وقد عمل شاه إيران في تلك الأيام على ربط الشيعة به ومن ثم بالأحلاف الغربية، يعاونه مسعى هاشمي (أردني-عراقي) وسياسة لبنانية رسمية (الرئيس كميل شمعون)، وهنا بالذات تطورت مشاركة بعض أعيان الشيعة في القومي السوري (بعض كبار عائلات النبطية وصور) وتحالفها مع العائلات الأخرى الشمعونية الهوى...

 

إذن انقسم شيعة لبنان بين هذين التيارين العربيين الكبيرين وممثليهم المحليين (ثورة 1958 تقدم لنا إشارات واضحة حول الانقسام الشيعي رغم النفوذ الجماهيري للناصرية في الشارع)...وفي خضم هذه التيارات والتحركات شهد العراق نهضة ثقافية وسياسية هائلة كان النجف مركزها والمراجع الكبار محورها... فمع السيد الخوئي والسيد محسن الحكيم وولديه مهدي ومحمد باقر، ومع الشيخين الأخوين محمد رضا ومرتضى آل ياسين(أخوال السيد موسى)، والسيد محمد صادق الصدر(ابن عم السيد موسى وجد السيد مقتدى)، تشكلت حلقات الدراسة والتفكير ووضعت برامج الحركة والعمل بدءا بجمعية منتدى النشر وجماعة العلماء (ومجلتها الأضواء) ومرورا بمنظمة الشباب المسلم ومنظمة المسلمين العقائديين (وقائدهما عز الدين الجزائري) والحزب الجعفري(عبد الصاحب دخيل وحسن شبر ومحمد صادق القاموسي وقد صاروا لاحقاً من المؤسسين لحزب الدعوة)، ووصولا إلى حزب الدعوة... وكانت الأجواء العربية الملتهبة حافزا للطلبة والعلماء في النجف وكربلاء وبغداد وسامراء إلى البحث عن اطر مناسبة للتحرك الإسلامي الجاد يلبي احتياجات الشيعة العراقيين من جهة (وهم كانوا حرموا أية مشاركة في الحكم رغم ثوراتهم التاريخية ضد الاحتلال البريطاني)، ويواجه الاتجاهات الحديثة التي كانت تغزو بسرعة عقول وقلوب الشباب في مواجهة الملكية والاستعمار (المقصود الاتجاهات الليبرالية والقومية واليسارية والشيوعية منها تحديدا)... وهنا يجدر تسجيل حادثة مهمة كان لها الأثر الكبير في التحركات اللاحقة وهي مظاهرة النجف الكبرى دعما لمصر في مواجهة العدوان الثلاثي.. فقد شهد العراق مظاهرات صاخبة ودامية كان أعنفها وأكثرها تأثيرا مظاهرة النجف الأشرف التي قمعتها السلطة بوحشية رهيبة وتلاها إعلان الأحكام العرفية في البلاد...

 

ورغم ذلك استمرت التظاهرات في النجف وأبرزها تلك التي خرجت يوم 23-11-1956 وشارك فيها علماء الدين وأسفرت عن مجزرة دموية ارتكبتها السلطة وراح ضحيتها عدد كبير من الأهالي (ذكرت مجلة العرفان اللبنانية إن عدد القتلى بلغ 450)... وقد تلا ذلك بيان عنيف للمرجع الشيعي السيد الحكيم وإعلان الإضراب العام الشامل في النجف وهو إضراب تجاوب معه العراق كله وانضمت إليه مصر ولبنان وسوريا... والى تأثير هذه الحركة الجماهيرية في النجف، وتأثير حركة مصدق في إيران والتي أسقطتها المخابرات الأميركية، جاءت تجارب لبنان (ثورة 1958) والجزائر (انطلاق ثورة التحرير الوطني) وفلسطين (حركة فتح) لتضيف وعيا كبيرا إلى تحرك شباب الحوزات والطلبة والعلماء في النجف. كما بدا بوضوح تأثر النجفيين بالتجربة الإيرانية الشديدة الوطنية إلى حدود التعصب (وكلنا نعرف ذلك) كما بالتجربة الجزائرية والتجربة الفلسطينية الوليدة، وهما تجربتان وطنيتان صافيتان لا بل أنهما تشكلتا من رحم الاعتماد على الذات الوطنية وليس على المد العربي (تجربة الجزائر المتميزة بمزيج إسلامي – جزائري شديد الخصوصية و تجربة حركة فتح التي خرجت قياداتها من رحم الإخوان المسلمين وعلى أساس الوطنية الفلسطينية).. وقد عرف عن الإمام الصدر في تلك المرحلة تأثره الكبير بفرانز فانون وعلي شريعتي وبثوار الجزائر وفتح بقدر تأثره بالدراسة الحوزوية (وأساتذته فيها) وبالتجربة الإيرانية الوطنية-الإسلامية...

 

في مثل هذه الأجواء ولدت فكرة تشكيل حزب إسلامي شيعي في العراق أسوة بالإخوان المسلمين وحزب التحرير وحركة فتح وجبهة التحرير الجزائرية وحركة تحرير إيران ومنظمة فدائيان إسلام الإيرانية (وقائدها نواب صفوي المتأثر بحسن البنا)... وقد رأى الداعون إلى هذا العمل ضرورة النهوض بأعباء المرحلة وفي مقدمتها طرح الإسلام كعلاج للازمات الاجتماعية السياسية في مقابل التيارات الفكرية الأخرى التي كانت تستقطب شباب العراق، ومواجهة هذه التيارات بنفس الأسلوب الحركي التنظيمي الهادف إلى إيجاد وسائل للوصول إلى قطاعات في المجتمع كان يصعب الوصول إليها من خلال العلماء والطلبة الحوزويين في ذلك الوقت (مثل قطاعات الموظفين الحكوميين والطلبة الجامعيين في المدن الكبرى وأصحاب المهن الحرة وظباط وجنود الجيش)... وفي تلك المرحلة بالضبط بدأ المشروع الإصلاحي اللبناني للإمام الصدر بالتبلور...

 

فهو عايش معايشة وثيقة الحلقة الضيقة المؤسسة والقائدة لما أصبح فيما بعد حزب الدعوة... إذ في منزل السيد محسن الحكيم أو ولديه مهدي ومحمد باقر، أو في منزل السيد الخوئي نفسه، أو الشيخ مرتضى أو الشيخ محمد رضا آل ياسين، كانت تعقد الاجتماعات التأسيسية وبحضور أبناء السيد محسن ووكلائه الأساسيين (محمد مهدي شمس الدين وموسى الصدر ومحمد باقر الصدر إلى جانب السيد مرتضى العسكري ومحمد صادق الصدر ومحمد حسين فضل الله والشيخ عبد الهادي الفضلي والسيد محمد بحر العلوم والشيخ عارف البصري والسيد طالب الرفاعي والسيد محمد هادي السبيتي وغيرهم). غير أن السيد موسى الصدر لم يكن مرتاحا للعمل وفق النمط الحزبي الإسلامي الحركي للإخوان المسلمين أو حزب التحرير...خاصة وان بعض كبار مؤسسي حزب الدعوة كانوا ينتمون في البداية إلى هذين الحزبين (عارف البصري ومحمد هادي السبيتي-وهو لبناني اغتيل لاحقا في الأردن- وطالب الرفاعي).. كما أن التوجهات الفكرية والتنظيمية الأساسية للحزب الجديد جرت صياغتها استنادا إلى كتابات الباكستاني أبو الأعلى المودودي والمصري سيد قطب والفلسطيني تقي الدين النبهاني.. وكان السيد الشهيد محمد باقر الصدر متأثرا بكتاباتهم إلى حد كبير.. وهذه حقيقة أكدها لي مرارا الإمام شمس الدين كما أشار إلى دور المجلات المصرية التي كانت تصل إلى النجف في تلك الأيام...كما أن الإمام الكبير آية الله حسين منتظري أكد في أحاديث كثيرة تأثير سيد قطب عليهم في قم والنجف ومحاولتهم التوفيق بينه وبين عبد الناصر.. وقال منتظري انه يوم إعدام سيد قطب (آب 1966) بكى بحرقة وهو في السجن في طهران...

 

وقد روى أكثر من مرجع إيراني وعراقي تأثرهم بالثورة الجزائرية وبتجربة جبهة التحرير الوطني (وقد ظلت العلاقة المميزة بين حركة أمل والجزائر إلى يومنا هذا تأسيسا على ما بدأه الإمام الصدر، ولعل الإمام لم يكن ليسافر إلى ليبيا لولا الطلب الخاص من الرئيس بومدين)....كانت مرحلة قم والنجف إذن عاصفة ومليئة بالتحولات الفكرية التي كانت تعيشها النخب الدينية الشيعية.. (وهنا نفتح قوسين لعرض بسيط للحراك الإيراني الذي كان السيد الصدر مرتبطاً به منذ مرحلة الرئيس مصدق.. فالمعروف أن القيادات الدينية الشيعية وقفت مع مصدق ضد الشاه الذي انتصر بدعم أميركي كبير وعاد إلى الحكم في 19 آب 1953. أدى انهيار حركة مصدق الوطنية إلى نشوب صراعات بين قوى الجبهة الوطنية وقوى علماء الدين وعلى رأسهم آية الله كاشاني وحركة فدائيي إسلام(نواب صفوي).. دعم آية الله كاشاني وصدر الدين الصدر والخوانساري حركة نواب صفوي إنما بتحفظ بسبب تطرفهم، في حين كان المرجع البروجردي يعلن عن عدم رضاه عن تصرفاتهم.وبعد وفاة كبار المراجع في قم (البروجردي والخوانساري والصدر) برز العلماء شريعتمداري والحكيم والكلبايكاني ومرعشي نجفي والخوئي..

 

 إلا أن السيد محسن الحكيم أخذ محل البروجردي كمرجع أوحد في عصره.. والجدير ذكره هنا أن الإمام الخميني تجنب الإعلان عن إقامة مجالس عزاء للبروجردي(على مقتضى ما جرت به العادات) "خوفاً من ظهور شائبة من الشوائب ولم يكن راغباً حتى في كتابة رسالة"(رفسنجاني-ص49).إن هذا الأمر يكشف لنا تماماً عن حقيقة الصراعات في قم وأطرافها ومواقعهم وأدوارهم. ومن رحم هذه الصراعات ولدت حركة نهضت آزادي (حركة تحرير إيران-1960) وقائدها مهدي بازركان وآية الله طالقاني والدكتور علي شريعتي "وهم كانوا يعطون أهمية كبيرة للانفتاح الفكري ولإرضاء المثقفين المتنورين.. والعلماء وتجار البازار المتدينين..(رفسنجاني، ص60).  وأسس آية الله شريعتمداري دار التبليغ وهدفه "إيجاد مراكز تعليم أكثر تنظيماً متعددة البرامج داخل الحوزات التقليدية... وكان قانعاً بإلقاء الدروس والأبحاث والتبليغ والمهام الدينية.."(رفسنجاني، ص106-107)). وكان السيد الحكيم يؤسس في العراق المكتبات العامة ويقوم بتحديث التدريس الحوزوي والاحتفالات بمناسبة عاشوراء يساعده السيد محمد باقر الصدر والشيخ محمد مهدي شمس الدين وغيرهما.

 

حين قرر السيد موسى الرجوع إلى لبنان كانت قد نضجت في رأسه واختمرت فكرة العمل الذي كان ينوي القيام به... وقد أخبرنا الإمام شمس الدين أن الفكرة نضجت بالتشاور مع السيد محسن الحكيم الذي أعطى الإمام الصدر وكالة عامة وتفويضا كاملا.. ولم تمض اشهر على عودة الصدر إلى لبنان (1959) حتى اندلعت الانشقاقات والصراعات داخل حزب الدعوة الأمر الذي أدى إلى طلب السيد محسن الحكيم من أبنائه والمخلصين له الانسحاب من الحزب.. فانسحب السيد مهدي ثم السيد محمد باقر (اثر عودته من بنت جبيل في لبنان ولقاءاته مع السيد الصدر، والسيد محمد باقر الحكيم هو للمناسبة ابن شقيقة السياسي اللامع علي بزي وكان يحضر مجالسه في لبنان، وبالتالي فهو ابن خالة السيد فضل الله) ثم الشيخ محمد مهدي شمس الدين وتبعهم آخرون.. إلى أن أعلن السيد الشهيد محمد باقر الصدر فتواه التاريخية بعدم جواز انتساب علماء الدين وطلبة العلوم الدينية إلى أي حزب كان إذ هم يعملون للإسلام أي لكل الناس... وما زالت هذه الوقائع في أساس السجالات والخلافات داخل حزب الدعوة والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق وما بينهما إلى يومنا هذا.. المهم هنا تسجيل الفرادة والتميّز للإمام الصدر ومنذ مرحلة مبكرة، ووعيه لظروف وأوضاع الشيعة ولحاجات التنظيم والاستنهاض التي رأى أنها لا بد أن تختلف عن نمط التنظيم الحزبي الغربي الذي يحمل أسماء إسلامية.هكذا إذن تبلور تيار حزب الدعوة الذي بدأ يعمل في لبنان من خلال السيد محمد حسين فضل الله (والمشايخ صبحي الطفيلي وعلي كوراني وحسين كوراني وغيرهم) وواجهته الطلابية المسماة "الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين"(أبو سعيد الخنسا ومحمود قماطي ومحمد رعد ونعيم قاسم وغيرهم)، وفي مقابله تيار العمل الاصلاحي الذي مثله موسى الصدر وشمس الدين.

 

الشيعة في ثورة 1958 وما بعدها                             

تشير حوادث 1958، (قبل مجيء الامام الصدر إلى لبنان)، إلى التنوع و التعدد في الحراك الشيعي الذي كانت تحكمه العائلات الكبرى، (الأسعد والخليل وعسيران والزين في الجنوب وحمادة وحيدر في البقاع الشمالي)، التي شكلت رأس هرم السلطة والزعامة الشيعية، يليها رؤساء العائلات الأدنى جاهاً ونفوذاً، (الفضل والعبد الله وبزي وبيضون في الجنوب، وياغي وزعيتر وشمص وجعفر في البقاع)، يليهم رجال الدين الكبار الذين تحالفوا مع هذا الزعيم أو ذاك، (مثال عبد الحسين شرف الدين مفتي صور ومحمد الصادق مفتي النبطية). أما «المثقفون الشيعة» فلم يكن لهم أدنى نفوذ أو هيبة أو دور في تلك الأيام. وهم كانوا على كل حال أقلية من الصحافيين والكتاب لا قوة سياسية لهم، (مثال كامل مروة وجريدة الحياة، أو نزار الزين ومجلة العرفان)، الأمر الذي يفسر اندفاع الكثيرين منهم إلى الدخول في الأحزاب القومية واليسارية، الحزب الشيوعي خصوصاً، ثم حزب البعث وحركة القوميين العرب، في حين دخلت عائلات كانت ترى نفسها جديرة بالزعامة، في الحزب السوري القومي،مثل الدنادشة وحلفاؤهم في بلاد بعلبك،وآل حلاوي في صور . أما الأطراف الشيعية في ضاحية بيروت الجنوبية وبلاد جبيل والبترون وبعض قرى جبل لبنان ، فقد شكّلت خزاناً للواردين إلى وظائف الدولة اللبنانية يعتمدون على الزبائنية الخاصة بالزعماء السياسيين لتلك المناطق، وهم كانوا في الغالبية ينقسمون ما بين التيارين الشمعوني والجنبلاطي في الجبل (عائلات الجية والوردانية وجون والقماطية وكيفون والضاحية الجنوبية) أو بين الكتلوي والدستوري في جبيل.

 

 عشية ثورة 1958 كان الانقسام السياسي في البلاد قد بلغ مداه ما بين تيار مؤيد للجمهورية العربية المتحدة، (وحدة مصر وسوريا بقيادة عبد الناصر)، وتيار مؤيد لحياد لبنان بدعم غربي أولاً، وبتحالف مع العرب المعتدلين ثانياً، (حلف بغداد والعلاقة مع العراق والأردن).

 

في مطلع عام 1957 أيدت حكومة الرئيس سامي الصلح مبدأ إيزنهاور، (وفيه التزامات تجاه الغرب وضد الاتحاد السوفياتي)، بعد أن كان الرئيس شمعون قد سار بالبلاد في اتجاه الأحلاف الغربية منذ مطلع 1954. وفي نيسان 1957 استقال الزعيم أحمد الأسعد من حكومة الصلح ليعزز الانقسام الشيعي بين موالاة ومعارضة، قبيل الانتخابات التي دعا إليها شمعون في حزيران من نفس العام. وانضم إلى لوائح المعارضة كامل الأسعد وصبري حمادة وعلي بزي ومحمد صفي الدين ورفيق شاهين وسليمان الزين ورياض طه والدكتور محمد خليفة، في حين تشكلت لوائح الموالاة من عادل عسيران وكاظم الخليل ويوسف الزين وإبراهيم حيدر وصالح الخليل. وقد خسر أحمد الأسعد إذ ترشح في صور معقل آل الخليل، (نال 6850 صوتاً مقابل 8130 لكاظم الخليل، ونال محمد صفي الدين حليف الأسعد 5845 صوتاً مقابل 7512 لرضا وحيد). ولا تعنينا هنا النتائج التفصيلية لتلك الانتخابات، (التي فازت فيها الموالاة طبعاً مما يشير إلى ميل الناخبين مع طواحين السلطة مهما كانت، ناهيك عن انتقال الكثيرين لاحقاً الى مواقع أخرى )، بقدر ما تعنينا التطورات التي تلتها والتي كان محورها الأستاذ عادل عسيران الذي انتخب رئيساً للمجلس النيابي. فذلك القومي العربي الاستقلالي، رفيق رياض الصلح وشكري القوتلي، والذي أيّد عبد الناصر في وجه العدوان الثلاثي، (تشرين الثاني ـ نوفمبر 1956) وأيّد وحدة مصر وسوريا، (شباط ـ فبراير 1958)، كان في قيادة الموالاة للرئيس شمعون وتعاون كرئيس للمجلس مع رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، (انتخب عادل بك رئيساً للمجلس في 13 آب 1957).

 

وخلال أحداث 1958 احترم الدستور اللبناني ورفض المس به أو العمل ضد ثوابت الكيان وضد المؤسسات والممارسة الديمقراطية. وهو التقى عبد الناصر في دمشق في آذار 1958، ونقل عنه قوله إنه يحب لبنان ولا يريد زواله أو تهديد استقراره. وفي نيسان 1958 أمضى الرئيس عسيران عطلة الأعياد في القاهرة، وألقى فيها تصريحات عن لبنان والوحدة العربية والعلاقات المميزة مع مصر.

 

وحين اندلعت الحوادث المشؤومة، رفض عادل بك ضغوط الزعماء الشيعة للاستقالة قائلاً إنه لا يريد المساهمة في إحداث فراغ سياسي ودستوري وإن موقعه ودوره مهمان للخروج من الأزمة بتسوية ولقيام انتخابات رئاسية جديدة. وقد استقال رشيد بيضون في أواخر أيار 1958 من حكومة الصلح، وذلك تحت ضغط الشارع، علماً أنه كان رفض المشاركة في الثورة ودعا إلى وقف العنف والقتال لأن ما يحصل يهدد وجود لبنان. ووقف إبراهيم حيدر موقفاً مماثلاً وذهب إلى حد تأييد شكوى لبنان ضد الجمهورية العربية المتحدة أمام مجلس الأمن. وحين حصل الإنزال الأميركي على شواطئ بيروت في 15 تموز 1958 أبرق عادل عسيران إلى الأمين العام للأمم المتحدة داغ همرشولد معتبراً العمل الأميركي عدواناً ضد سيادة لبنان واستقلاله.

 

وكان الشيخ محمد جواد مغنية، (العروبي الناصري)، هاجم عادل عسيران واتهمه بالسكوت والصمت أو بعدم الوضوح (التلغراف 26/5/1958). في حين وقف معظم العلماء الشيعة مترددين: فهم من ناحية ضد سفك الدماء، ومع الاستقرار ووحدة لبنان وع العروبة والممانعة، وهم من ناحية ثانية على علاقة بالنجف وقم وبالنظامين العراقي والإيراني؛ والنزاع حقيقة كان بين مصر الناصرية والعراق الهاشمي. وفي 3 حزيران 1958 صدر بيان علمائي يدعو إلى وقف القتال والعودة إلى الحال الطبيعية وصيغة التفاهم والميثاق الوطني، وقّعه: مهدي إبراهيم ، محمد تقي صادق، حسن معتوق، محمد علي المقداد، عباس أبو الحسن، رضا فرحات، علي مهدي ابراهيم (جريدة التيار 3/5/1958). وفي آخر حزيران وجّه علماء شيعة رسالة إلى داغ همرشولد رحبوا فيها بتدخل الأمم المتحدة في الأزمة، مع تأكيدهم على أنهم كانوا مع وجود لبنان بقوة (التيار 30/6/1958).

خلاصة هذا الاستعراض أن الوعي الشيعي لحظة وصول السيد موسى الصدر إلى لبنان كان يتشكّل من 3 عوامل متداخلة: الإسلام، العروبة، ولبنان، وأن عادل عسيران هو من جسّد هذه العوامل في الشخصية الحقيقية للشيعة في تلك المرحلة. ومن هنا نفهم كيف أن الرئيس بري وحركة أمل ورثا القاعدة العسيرانية في منطقة الزهراني،وبنيا على التحالف مع العائلات الكبرى في النبطية وصور، وورثا أيضاً الشيعية الشمعونية (أو اليمينية بحسب عبارات ذلك الزمن) في الضاحية والجبل ،في حين ورث حزب الله قاعدة آل الأسعد وأحزاب اليسار والفلسطينيين في الجنوب...

 

وتشير حوادث 1958 اضافة إلى الانقسام السياسي الوطني والعربي بين الشيعة، (موالاة ومعارضة، ناصرية وهاشمية)، إلى بروز وعي جديد وفئة جديدة من المثقفين حملتها التجربة الشهابية. وهنا بالضبط كان مشروع الإمام الصدر على موعد مع الحالة التي أفرزتها ثورة 1958. فقد خسر عادل عسيران انتخابات رئاسة المجلس أمام كامل الأسعد (15 آب ـ أكتوبر 1959) الأمر الذي ساهم في التعجيل بعودة الإمام الصدر وبدء تحركه في صور.

التيار الشيعي الإصلاحي اللبناني

 

عاد الإمام الصدر إلى لبنان عام 1959 (أي عشية انتهاء الثورة والثورة المضادة وبداية العهد الشهابي) وفي رأسه وعقله مشروع، بحجم معنى لبنان ودوره كما وصفه شمس الدين..

 

قرأ الإمام الصدر تقارير بعثة ايرفد ( "حول حاجات وإمكانيات التنمية في لبنان"- صدر عام 1960) وتابع بدايات التجربة الشهابية في مجال الدراسات التنموية والتخطيط الاقتصادي والإنعاش الاجتماعي والاقتصادي والثقافي... وهو استند إلى هذه التقارير والمتابعات لفضح هول الواقع الذي عاشته وتعيشه مناطق تمركز فيها البؤس والحرمان والفقر ( الجنوب وبعلبك – الهرمل وضواحي بيروت ).. ولم يكتف الإمام بالدراسات والتقارير... فهو ساح في طول البلاد وعرضها وانتقل من بيت إلى بيت ومن قرية إلى قرية في رحلة استكشاف ميدانية جعلته قريبا من نبض الناس وهمومها..وهو الأمر الجديد في الوسط الديني الشيعي اللبناني الذي كان يكتفي بالوعظ والإرشاد..(وله في ذلك كلمة لطيفة:"إذا كانت شغلتي هي الصوم والصلاة فقط، ومسائل الزواج والطلاق، فإنني سأرحل إلى بلد آخر، فأرض الله واسعة... إنني صاحب رسالة مؤتمن من المرجع الأعلى"-أي السيد الحكيم)... وقد تحرك الإمام في طول البلاد وعرضها معايشاً آلام الناس وحرمانهم، ناسجا علاقات المودة والمحبة والإنسانية الحميمة مع كل الفئات...

 

وتلك كانت أولى بذور رؤيته المميزة لأي مشروع إصلاحي: الناس البسطاء الفقراء الشرفاء هم الأساس. وهو انشأ الجمعيات والمؤسسات..وحاضر وناقش وتحدث في كل الأمكنة من المساجد والكنائس إلى البيوت والنوادي والمراكز الثقافية مركزا على وظيفة الدين في الاستقامة الأخلاقية وفي الصدق وفي المحبة والتعاون... وتلك كانت القاعدة الثانية في رؤيته الإصلاحية...... وشارك في إطلاق الحركة الاجتماعية ( مع الأب غريغوار حداد)، وحوارات الندوة اللبنانية ( مع ميشال الأسمر والأب يواكيم مبارك والأب جورج خضر والشيخ صبحي الصالح ) وندوة الدراسات الإنمائية ( مع الدكتور حسن صعب)... ناهيك عن عشرات الجمعيات والمنتديات التي كان لها لاحقا الفضل والدور في بناء كوادر المحرومين (معهد الدراسات الإسلامية و مهنية جبل عامل على وجه الخصوص) وإطلاق المقاومة اللبنانية للاحتلال الإسرائيلي..وهو كان يؤمن بالعمل البسيط المثابر لإنجاز تغييرات بنيوية... وتلك ميزة إيرانية كان اللبنانيون يفتقرون إليها...فها هو ذلك الإمام الكبير يعمل مع عشرات المتطوعين على إعادة تأهيل وتفعيل مسجد صور ونادي الإمام الصادق فيها ثم جمعية البر والإحسان الخيرية...ثم في جمع التبرعات والمساعدات لإنشاء مشروع القضاء على التشرد والتسول في مدينة صور...

 

ثم في إيواء وتعليم الأيتام ومساعدة المحتاجين وصولا إلى تأسيس مهنية جبل عامل ومدرسة البنات (بيت الفتاة) ومدرسة الخياطة والتفصيل ومدرسة محو الأمية... وغيرها من المشاريع الصغيرة البسيطة التي أرست القاعدة الثالثة للرؤية الإصلاحية: العمل المثابر والمتواصل والتقدم ببطء وإنما بثبات في تحقيق الإنجازات مهما كانت صغيرة،  للمراكمة والبناء عليها...وأول نص مسجل وموثق للإمام (على حد إطلاعي) هو خطابه أو بيانه الأول بصفته ناظرا عاما لجمعية البر والإحسان في صور (صدر بتاريخ 31-12-1961) وفيه يستعرض الإمام أعمال الجمعية خلال عام 1961 أي منذ مباشرته العمل فيها حيث يقول:"وباشرنا العمل معا في أوائل سنة 1961 بتطوير القانون الأساسي والنظام العام فأصبحت الجمعية تعاونية تركزت فيها طاقات جميع المواطنين في صور وصدقاتهم تقريبا"... وهنا القاعدة الرابعة في المشروع الإصلاحي للصدر:تركيز طاقات الجميع في مشاريع محددة... وقد بلغ عدد أعضاء الجمعية في عام 1961 حوالي الألف من الرجال والنساء..وفي كلمته عن أعمال الجمعية للعام 1962(31-12-1962) يدحض الإمام الفكرة القائلة بان الجمعية طائفية تسعى لخدمة فئة معينة من المواطنين ويؤكد على أنها لا تفرق بين الناس وهي تقوم بأداء واجبها الاجتماعي في علاج مشكلة الفقر والمرض والجهل في صور دون النظر إلى الطائفة أو المذهب... إلا أنه يؤكد أيضا على قيام الجمعية بدورها الخاص في الوسط الإسلامي الشيعي (إقامة الشعائر، إدارة الأوقاف، مراقبة المسجد والمجالس الحسينية الخ..)..وهنا القاعدة الخامسة في مشروعه وهي أن انتماء الجهة الإصلاحية إلى هذه الطائفة أو تلك أو هذا المذهب أو ذاك لا يؤدي بالضرورة إلى طائفيتها... فالعبرة في الخطاب وفي المشروع وفي النية وفي العمل من اجل إصلاح البلاد والعباد...

 

لقد عمل الإمام الصدر ومنذ اللحظة الأولى على إرساء دعائم مشروعه على ركيزة تتمثل في العمل على الاستفادة من كل العناصر الايجابية في لبنان بهدف توفير الشروط المؤدية إلى بناء شخصية سياسية مؤمنة و متوازنة لشيعة لبنان (على حد وصف الدكتور حسن الضيقة في أول وأهم تقويم لمسيرة الصدر)، شخصية واثقة سوية تكون قادرة على مواجهة التحديات، وتساهم في إنهاض حركة الناس ( كما كان يحب الإمام أن يقول وهو يقصد المجتمع الأهلي والمدني على السواء) على قواعد التعاون والتضامن والاعتماد على الذات والمبادرة والتنظيم المؤسسي...ولا شك أن الإمام وبفضل إطلاعه الواسع وعلاقاته الأوسع ودراساته العميقة في حوزات النجف وقم كما في جامعة طهران الحديثة، ومن خلال ممارسته العملية مع الناس وبين الناس ومن اجل الناس، وقراءته للتقارير الرسمية والدولية، وتشخيصه الخاص للواقع اللبناني والشيعي فيه تحديدا، قد اكتشف فرادة هذا الواقع من جهة، والامكانات الايجابية الضخمة التي يزخر بها من جهة أخرى، فعمل على البناء عليها وتطويرها...ولا ننسى انه بدأ مع قمة توهج المشروع الشهابي ومرحلته التاريخية التي تميزت ببناء المؤسسات وبإفساح المجال أمام إدارة جديدة تحديثية وبتوسيع شبكة الخدمات العامة والتزام التنمية والعناية بالمناطق المحرومة وتوسيع التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية....وقد ارتكز الإمام الصدر على هذه الحالة التي أفرزت طبقة وسطى مدينية وريفية حديثة التكوين واسعة ومستقرة ومتعلمة ومتحفزة للعمل الاجتماعي والثقافي..

 

والإمام عاصر صعود وسقوط الشهابية..وهنا نقطة تستحق التوقف عندها نظرا لما كان لانهيار هذه الطبقة الوسطى الشيعية المتعلمة والناشطة من تأثير على تحولات حركة أمل وذلك منذ كارثة سقوط النبعة والتهجير القسري للشيعة من كل ضواحي بيروت الشمالية (1976)، مرورا بشتى المعارك في الحرب الأهلية وقد كان الشيعة وقودها الأساسي، ووصولا إلى الاعتداءات الصهيونية المتلاحقة والتي أكملت عملية تهجير وتفسيخ وإفقار وتشريد عشرات الآلاف من الشيعة ( لم يدرس أحد ما حدث للحيوية المدنية-السياسية للشيعة بتأثير الحرب الأهلية وحروب العدوان الإسرائيلي في الجنوب، كما بتأثير المال الإفريقي والخليجي بعد طفرة النفط في السبعينات)... ولذا فان الإمام هدف في دعوته للارتكاز على القوى الايجابية إلى محاصرة الأخطاء والنواقص المحسوبة على الزعامات التقليدية السياسية والدينية ( طبعا ينسى البعض الإقطاع الديني الذي حارب الصدر حتى الرمق الأخير لأنه كان ينتمي إلى سياق الإصلاحية الدينية الدستورية الشيعية في النجف وقم ) والى منع تفاقمها أو تكرارها أو انتشارها في المجتمع بناء على ما عرف عنه من هدوء طبع وسلام وصفاء فكر ومن تواضع ومعرفة ( وهذه صفات لا نعرف لماذا يحاربها بعض رجال الدين من الشيعة اليوم) أعانته على تجسيد مقولته في البناء لا الهدم، والوصل لا القطع، وفي الاستفادة من كل التجارب والخبرات وذلك في منهج تجريبي واضح لا لبس فيه (أي انه لم يحمل أيديولوجية ثورية جاهزة للتطبيق على لبنان) إذ انه هو القائل: "إن في الإسلام بذورا للتطوير وجعل الأحكام منسجمة مع حاجات الإنسان في كل زمان ومكان.. وان المشكلة الكبرى في قضايا الشريعة الإسلامية أنها بقيت قرونا طويلة معزولة عن الحياة العامة ولذلك فهي تحتاج إلى تجارب قبل التنفيذ" ( مجلة المجاهد الجزائرية – في 12-8-1973)...

 

لقد وعى الإمام أن ما يطلبه لا يمكن الوصول إليه عبر إي نهج يتسم بضيق الأفق:فلا المراهنة على الدولة ومؤسساتها وما تتصف به من فساد واختلال ومن سوء استغلال للسلطة ( أكلة الجبنة على حد وصف الرئيس شهاب وقد نجحوا في إجهاض تجربته، من بين عوامل أخرى ليس هنا مجال بحثها).. ولا العمل على تأسيس حزب سياسي معارض أو الانكفاء ضمن إطار طائفي منغلق، هو ما يلبي طموحات المحرومين.."ففي هذا الجو من الإهمال والحرمان والدونية التي تعيشها الطائفة الإسلامية الشيعية تنامت إرادة تبحث عن وطن حقيقي تتساوى فيه طوائفه ومناطقه"(من مؤتمر صحفي للإمام في 15-8-1966)...رأى الإمام أن حالة الاختلال والفساد حالة عامة لا تقتصر على رأس الهرم بل هي تخترق بنية الاجتماع اللبناني من أعلى قمة السلطة وحتى قاعدة المجتمع الأهلي...ففي أعلى القمة فساد الإدارة والرشاوى وتوازنات المصلحة والمحاصصة وتعيينات المحسوبيات والتزلم والانتهازية السياسية وإقطاع سياسي-مالي-وديني- متحكم... أما في القاعدة فان بنية المجتمع الأهلي تخترقها انشدادات فكرية وثقافية وسياسية مرتهنة إما لقوى دولية ظالمة وإما لحسابات إقليمية متضاربة وإما لمصالح قبلية وعشائرية وطائفية ومناطقية ولزبائنية ضيقة ومتناحرة (وهذا التوصيف أستعيره مرة أخرى من الدكتور حسن الضيقة).. لم يكن في ذهن الصدر صياغة مشروع فئوي مذهبي أو تقزيم مشروعه الوطني العربي الإسلامي الإنساني وتحويله إلى رهينة لمطالب اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية، أو رهينة لظرف سياسي أو لضرورة إقليمية أو لتحالف قوى محلية-إقليمية(على ما يفعل البعض اليوم للأسف)..

 

لم يبحث الإمام عن حل سياسي سهل وسريع يمكنّه من دخول مسرح الصراع السياسي بسرعة لكن على حساب مشروع التغيير الشامل المتكامل... إنما عمل الإمام على بناء حركة تتسم بشمولية وتعددية الإيقاعات وتبتعد عن الأحادية قدر الإمكان..فهدفه كان التحريك الايجابي لكل العناصر الايجابية في بنية الاجتماع اللبناني من خلال تحريك ايجابي للمجتمع الأهلي المحروم وللطائفة الشيعية تحديدا..لم يكن مشروع حركة المحرومين مشروعا لتيار أو حزب أو طبقة أو مطلب بل كان مشروعا لتحريك ايجابي لكل العناصر الايجابية يسمح بدخول المحرومين من كل الطوائف والمناطق إلى مسرح التغيير.ولعل هذا البعد التغييري في حركة الإمام هو ما غاب فهمه عن اليسار التقليدي يومها أو لعلهم فهموه ولذلك خافوا الإمام وحاربوه....انطلق الإمام من حقيقة "أن للطائفة الشيعية امكانات وطاقات كثيرة وكبيرة لا يستفيد منها لبنان ولا أبناء الطائفة إلا بجزء يسير منها وذلك لعدم التنظيم"(مجلة الأسبوع العربي:19-5-1969).. ومن كون "التنظيم شرط أساسي لنجاح كل عمل، والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى سيؤدي إلى تنسيق الطاقات الإسلامية الشيعية اللبنانية ومنعها من الهدر والاصطدام... ومن الطبيعي أن هذا السعي سوف يقابل بصورة حتمية بتعاون الطوائف الشقيقة والسلطات المسؤولة وسوف يعالج الحيف المزمن اللاحق بهم..وأؤكد أن هذا التنظيم لن يفرق إطلاقا بين المسلمين بل سيسهل مهمة التوحيد الكامل عن طريق الحوار والتفاهم...والمجلس سوف يسعى لتنسيق نشاطاته كلها مع باقي الطوائف اللبنانية الشقيقة وتعميق وحدة المسلمين وإحكام روابط الإخوة بين اللبنانيين وتوطيد الوحدة الوطنية" (صحيفة الرقيب: 2-6-1969)..

 

لقد أراد الإمام إطلاق الطاقات الايجابية للنخب الشيعية الواعية وللجماهير المحرومة وذلك على قاعدة العدل والتشيع الأصيل وفي خدمة الإنسان والوطن وذلك من خلال إيجاد مناخات نفسية وفكرية وسياسية وتوحيدية تتجاوز شتى الانقسامات..كانت حركة المحرومين لتغيير الذهنية وتغيير الواقع، " ومن اجل أن لا يبقى محروم واحد في لبنان أو منطقة محرومة".. انطلق مشروع الإمام "من الإيمان الحقيقي بالله وبالإنسان وبحريته الكاملة وكرامته... لتشكيل حركة وطنية تتمسك بالسيادة الوطنية وبسلامة ارض الوطن وتحارب الاستعمار والاعتداءات والمطامع التي يتعرض لها لبنان " ( من الميثاق التأسيسي لحركة المحرومين). وهذا ما جعل الأستاذ غسان تويني يكتب: " ثورة الشيعة وهي ثورة طائفية باسم سائر الطوائف ومن اجلها جميعا.. وهي تتجاوز القضايا السياسية التقليدية إلى القضايا الاجتماعية والاقتصادية... فقضية الحرمان والظلم، وقضية الأرض الحقيقية "(النهار 18-3-1974)...وفي البيان الذي صدر بتوقيع 190 مفكرا ومثقفا من جميع الطوائف: "إن هذه الحركة إذا سميناها افتراضيا حركة طائفية هي الحركة الطائفية الوحيدة في لبنان التي تحمل جوهرا تقدميا... إن أهمية الحركة التي يقودها الإمام الصدر أنها عرّفت قطاعا عريضا من قاعدتها بوعيها بامكاناتها وبقدراتها على التغيير".(النهار 26-11-1974)... وتحت عنوان "حركة الإمام الصدر بين الشيعية واللبنانية" كتب المرحوم العلاّمة الأب يواكيم مبارك:"اعتقادي الشخصي أن شيعية الإمام وحركته لا تحتاجان إلى نكران ولا إلى تبرير..فعلاوة على أننا لا نشك بوطنية الإمام وشمول حركته، احسب هذه الشيعية ضمانة كبرى للأصالة وربطا من عمق التاريخ اللبناني بأعماق العالم العربي... فجدلية هذا التاريخ قائمة باستمرار، تتجاوز الطائفية بفضل الدعوة التي اتخذت لبنان معقلا للتجدد الذاتي وموئلا للتفاعل الحر ورباطا لكل فتح خير ".(النهار 14-12-1974).... ويقول النائب السابق محمود عمّار أن "الإمام الصدر كان شديد الحرص على الكيان اللبناني .. ولم يكن الإمام يريد الوصول بحركته إلى المساهمة في تقويض الكيان والمجتمع اللبنانيين بل إلى تعزيز دور الشيعة في الحياة اللبنانية عبر النهوض بهم اجتماعياً وسياسياً"(في حديث سيرة مقتضبة مع فادي توفيق نشره ضمن كتابه"بلاد الله الضيقة:الضاحية أهلاً وحزباً"،دار الجديد،2005،ص.96-97)..

 

مشروع موسى الصدرـ محمد مهدي شمس الدين في لبنان

صاغ الإمامان موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين مشروعاً إسلامياً ووطنياً وإنسانياً للمسلمين الشيعة اللبنانيين هذه خطوطه الناظمة:

أ- وحدة المسلمين الشيعة في لبنان انطلاقا من أن التشيّع هو حركة صادقة منضبطة بموازين الشرع وعلى قاعدة التوحيد والعدل والحق، منفتحة على تغيّرات العصر وتطورات الزمان والمكان، لا دوغمائية متحجرة ولا إيديولوجية شمولية، ولا مؤسسة منغلقة تقوم على المصالح الذاتية أو الخاصة، أو على الحسابات السياسية النفعية أو على تقاسم النفوذ والمغانم أو على التعصب المذهبي والتوتير المناطقي والانعزال عن الآخر الشريك في الوطن أو الانطواء على الذات واجترار الماضي أو الانكفاء على المكتسبات وعن المشاركة وعن الاندماج الوطني أو الاستقواء والغلبة والتعالي والاستئثار. ولا بالتأكيد على تبعية عمياء لمركز شيعي خارجي أكان في إيران أم في غيرها...لم يكن هناك في لبنان من هو أكثر لبنانية من الإمام الصدر، ولا أكثر عروبة أو تشيعاً أو إسلاماً.

 

ب- وحدة المسلمين اللبنانيين ضمن الإسلام بمختلف مذاهبه وذلك أيضا على قاعدة التوحيد والعدل والحق وعلى أسس الحرية والكرامة والمساواة والاندماج والتكامل والتعاون: "ووحدة الكلمة هذه ينبغي أن لا تظل شعارا مرفوعا أو كلمة مكتوبة بل يجب أن تكون ومضة الفكر وخفقة القلب ودرب السلوك... إنها البعد الأساسي للمستقبل " ( من كتاب الإمام الصدر إلى مفتي الجمهورية اللبنانية الشيخ حسن خالد – 1-10-1969).

 

 ج- وحدة اللبنانيين جميعا وإطلاق الحوار الايجابي البنّاء مع الشركاء في الوطن، إذ أن وحدة الشيعة ووحدة المسلمين خطوة ناقصة إذا لم تقترن بوحدة اللبنانيين لبناء وطن حقيقي ودولة عادلة...:"فليس الخطر في تعدد الطوائف بل في تحول التعدد إلى سلبية.. إن من يظن أن وجود الطوائف في لبنان هو من أسباب ضعف الإحساس الوطني والقومي فقد ينظر إلى هذا الأمر من خلال زاوية ضيقة... بل الطوائف المختلفة المنظمة منطلقات للتعاون ونوافذ حضارية على مكاسب لمليارات البشر في هذا العصر وفي العصور الماضية "( من خطاب الإمام الصدر عند انتخابه رئيسا للمجلس في 30-5-1969)... والإمام هو القائل بان "التنوّع الطائفي والتعايش الإسلامي المسيحي ثروة حضارية يجب التمسك بها"... وهو صاحب مقولة لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه التي دخلت بندا أول في مقدمة الدستور...وهو قال أيضا ( لمن ينسى): إن "لبنان ضرورة إنسانية حضارية باحترامه للقيم الإنسانية وللمذاهب والعقائد والثقافات".. أي انه قيّده بشرط احترام القيم الإنسانية، وهو القائل أيضا:" إن الحريات هي الدعامة الأساسية لكيان لبنان"...هذا الإمام الإسلامي الشيعي يتحدث بوضوح عن الكيانية اللبنانية الخاصة فلا يجعلها منطلق مسيرته وحسب بل يجعلها أساسا قبلة عمل وتحرك ونضال الشيعة في لبنان كما في العراق وغيره.. فهو أول من قال وعمل من اجل اندماج الشيعة في أوطانهم.

تأسيسا على خطوط العمل الثلاثة المذكورة أعلاه صاغ الإمامان مرتكزات المشروع الوطني التالية:

 

1- حماية استقلال لبنان وسيادته ووحدته واحترام حقيقة كيانه وطنا نهائيا لجميع بنيه، والحفاظ على العيش المشترك والحوار الدائم بين طوائفه.

 

2- حماية الديموقراطية اللبنانية القائمة على أساس التوازن والتوافق والمشاركة، وعلى قاعدة صون الحريات الخاصة والعامة ("الحريات هي الدعامة الأساسية لكيان لبنان").

 

3- حماية المواطنة السليمة (دولة عادلة لمواطنين أحرار كما قال الإمام شمس الدين) أي مساواة الأفراد في دولة تقوم على القانون والمؤسسات..إلى جانب التعددية والخصوصية الطائفية (حق الطوائف في الاطمئنان إلى وجودها ودورها لا يجوز أن يكون على حساب حق المواطن أو فوق القانون والمؤسسات).

 

4- حماية هوية لبنان وانتماءه العربي في إطار علاقات الأخوة والتعاون والتضامن وضمن الأطر والمنظمات العربية والإسلامية والدولية، وخصوصا مع الشقيقة سوريا.

 

5- حماية الإجماع حول مقاومة الاحتلال والعدوان الإسرائيلي وإخراج هذا الإجماع من التجاذبات السياسية ومن المزايدات الصبيانية. (تشكيل هيئة نصرة الجنوب

 

في 13-5-1970 برئاسة الصدر ونيابة الكاردينال البطريرك خريش ومعهما حشد كبير من رجال الدين والفكر والسياسة ومن مختلف الطوائف والمناطق اللبنانية).

6- العمل على المشاركة في تدعيم القضايا العربية والإسلامية مع الحرص التام على أمن وسلامة واستقرار وسيادة لبنان.. ومن خلال الارتباط الدائم بالإجماع

 

العربي والإسلامي وبصيغ التضامن والمشاركة العربية-الإسلامية الأوسع.. فلبنان مع العرب وإمامهم في كل ما يقررونه.. ولكن ليس لوحده نيابة عنهم أو لحسابات بعضهم.

 

7- عدم الانجرار وراء دعوات الاستقواء والغلبة أو الاستنفار والتعبئة أو الرد بالمثل حتى ولو على أبشع أنواع الاعتداءات والمجازر.. والإمامان هما أعلام مواقف الاعتدال والتهدئة والتفاهم والعفو والمصالحة والسلم ونبذ العنف بكل أشكاله (حتى اللفظي منها) رغم ما لقياه من اتهامات تخوينية ومن حملات تشهير وتكفير أيام النبعة وتل الزعتر وحارة الغوارنة والسبت الأسود وغيرها... ولسان حالهما في ذلك قول الله عز وجل: (ولا تزر وازرة وزر أخرى).

 

8- محاربة سياسات التقسيم والإدارات المحلية الطائفية والأصولية الدينية كما العلمانية الشاملة.. ليس بالنكايات أو العصبيات وإنما بالعمل الإصلاحي: فقد طرح الإمامان سياسات ايجابية بديلة تؤدي إلى الحفاظ على وحدة لبنان وهو أطلق دعوات الحوار والتفاهم واجتماعات القمم الروحية كما الحوار الوطني الشامل والجامع.

 

9- إعادة الاعتبار للقيم والأخلاق وللرشد والحكمة، وللتوازن والتعقل، وللعدل والكرامة، في العمل السياسي والاجتماعي باعتبار أن ذلك جزء من الرسالة الدينية.. فالدين كان لأجل الإنسان وليس العكس.. وفي الآن نفسه رفض الانجرار إلى التعصب أو التحزب الضيق أو اعتبار الدين أو التشيع حزبا خاصا أو ناديا مغلقا.

 

10- عدم الانجرار وراء الكسب الحزبي أو المذهبي أو السياسي أو إلى الجماهيرية والشعبوية الرخيصة على حساب مصالح الوطن والشعب...وكم وقف الإمامان من مواقف العقل والسماحة ذهبت عكس صراخ وضغوط الجماهير المتوترة وأفقدتهما بعض الشعبية (إلى حين) في بعض الأوساط خصوصا في لحظات انفلات العنف والعصبيات الدينية والعشائرية والحماس...:"أنا لست لمصالح خاصة، ولا تقبلوني إن كنت كذلك... كما إن خبرتي في مجال المصالح الخاصة هي اقل بكثير من الزعامات والقيادات السياسية الموجودة والضرورية... وأنا لست أيضا مع الأحزاب التي ترفع شعار "الله اكبر... واسلاماه!!" من اجل كسب بعض الأعضاء والمقاتلين... لا! نحن فقط مع الحق وللحق... وقعنا على الموت أم وقع الموت علينا..فإننا لا نبالي ما دمنا على الحق...وهنا نلتقي مع التاريخ...مع أحلامكم...مع رؤيتكم..مع طموحكم التاريخي.."(الصدر)...

 

إن هذا المشروع التاريخي هو الذي سمح للإمامين موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين ببلورة التيار الوطني الإسلامي الشيعي اللبناني، المعتدل، المستنير، الحضاري... وسمح لهما بالتالي باستنهاض "كل العناصر الايجابية في الوطن لبلورة المشروع الوطني العربي الإسلامي الإنساني لشيعة لبنان: مشروع الحوار والمصالحة والسلم الأهلي والوطن النهائي ضمن العدالة والكرامة والمساواة بين الجميع ومن اجل الجميع"(محمد مهدي شمس الدين).......

 

حزب الدعوة بين العراق ولبنان

كان اول اللبنانيين المنتسبين الى حزب الدعوة الشيخ محمد مهدي شمس الدين ثم السيد محمد حسين فضل الله (1958)،ثم الشيخ علي الكوراني (في  الستينيات).وفي العام 1960 صدرت مجلة الاضواء نصف الشهرية باسم جماعة العلماء التي كانت واجهة للحزب يومذاك..وقد استمرت بالصدور حتى العام 1966..وكان يكتب افتتاحيتها السيد محمد باقر الصدر او الشيخ محمد مهدي شمس الدين (باسم رسالتنا)..وفي العام الثاني على الصدور انقطعت "رسالتنا" وحلت محلها "كلمتنا" التي صار يكتبها محمد حسين فضل الله.. وكان ذلك يشير الى تطور اساسي تمثل في انسحاب آل الحكيم من الحزب ومعهم محمد مهدي شمس الدين، ثم الى انسحاب السيد محمد باقر الصدر نفسه (1961)..بعد ذلك سيطر على الحزب هادي السبيتي وطالب الرفاعي وعارف البصري ومرتضى العسكري ومحمد حسين فضل الله..والحقيقة ان حزب الدعوة استظل مرجعية السيد الحكيم والسيد الخوئي في سنوات 1957-1960 ثم مرجعية السيد محمد باقر الصدر (حتى استشهاده 1980)..و لم تتوقف الصراعات والانشقاقات في الحزب بخصوص مسألة العلاقة بين الحزب والمرجعية، وبين المدنيين ورجال الدين..نذكر هنا انشقاق كوكبة من العلماء وعلى رأسهم عبد الهادي الفضلي حين سيطر السبيتي على قيادة الدعوة(1963)..

 

وانشقاق سامي البدري وجماعة بغداد (1967) لصراعهم مع عارف البصري..الا ان القشة التي قصمت ظهر البعير في العلاقة بين الحزب والمرجعية تمثلت في تخاذل الحزب عن الوقوف خلف السيد الحكيم حين قاد المواجهة مع نظام البعث(1969-1970)..وبعد وفاة المرجع الحكيم (1970) صاغ السيد محمد باقر الصدر نظريته حول العلاقة بين المرجعية والحزب (اطروحة المرجعية الصالحة) داعياً الى ضرورة الفصل بينهما بحيث يكون الحزب ذراعاً من أذرع المرجعية وتحت أوامرها..واستمرت المجادلات داخل وخارج الحزب 3 سنوات 1970-1973..الا ان الحزب لم يترك العمل داخل الحوزة وباسم السيد الصدر الامر الذي أدى الى الصدام العنيف بينهما والى اصدار الصدر لفتواه الشهيرة حول عدم جواز انتساب طلبة العلوم الدينية الى الحزب (1974)..وفي اثناء ذلك كانت موجات القمع البعثي الدموي تتوالى من موجة 1970-1972 الى موجة 1974 التي انتهت باعدام عارف البصري وعزالدين القبنجي وعماد الدين الطباطبائي ونوري طعمه (13 نوفمبر 1974) واعتقال محمود الهاشمي (رئيس القضاء الايراني حالياً)..في تلك الايام كان الامام الخميني منفياً في النجف وعلى صلة طيبة بالنظام العراقي الامر الذي أدى الى الجفاء لا بل العداء بينه وبين العراقيين..وبدءاً من العام 1975 أعاد هادي السبيتي تشكيل الحزب في حين فر العشرات الى الخارج ومنهم اللبنانيون (صبحي الطفيلي وعلي الكوراني وحسن ملك وعبد المنعم مهنا وعلي الامين)والذين بقوا في النجف التفوا حول السيد الصدر (حسن طراد،محمد جعفر شمس الدين،عباس الموسوي...)ومع تصاعد الخلاف داخل الدعوة انعقد مؤتمر عام عٌرف باسم مؤتمر مكة (موسم الحج 1977) لم يحضره السبيتي وجماعته وسيطر عليه الثنائي كاظم الحائري (ايران) ومهدي الآصفي (الكويت)..حاول مرتضى العسكري حل الخلاف موسطاً فضل الله والكوراني..

 

وقد اتهم حزب الدعوة كلاً من السيد محمد باقر الصدر وشمس الدين وباقر الحكيم بانهم يتصلون بالكوادر ويحاولون شق الحزب..في حين قررت لجنة العراق في الدعوة(مهدي عبد مهدي)الالتزام بقرار المرجع الصدر..وبحسب صدر الدين القبنجي فان الاختلاف كان كبيراً بين رؤية الصدر ورؤية الدعوة للمرحلة..ذلك ان حزب الدعوة بنى استراتيجية عمله على اساس المرحلية مقسماً مراحل العمل الى اربع رئيسية هي الثقافية (الدعوة وتغيير الافكار) فالسياسية (الصراع السياسي مع الحكم)فالثورية (اسيادة السياسية)ثم مرحلة الحكم وبناء الدولة وتصدير الافكار...لذا فان الحزب لم يكن يتبع تحديد المرجعية للمرحلة ومهماتها وانما يتبع نظريته هو حتى حين كانت المرجعية تقود المواجهة الكبرى (ايام الحكيم ثم الصدر كمثال)..غير أن أخطر مظاهر الخلاف يتعلق باختراق الحزب لوكلاء المرجعية (جاء في مجلة الجهاد الناطقة بلسان الحزب في ايران-العدد 12-كانون الاول 1983)ان 80% من وكلاء الصدر عام 1980 كانوا من الدعوة..غير ان الوضع كله تغير مع انتصار الثورة في ايران..تصاعدت المقاومة الشعبية في العراق وتصاعد معها القمع الدموي الذي لم يكن له اي مثيل في التاريخ المعاصر..فكان اعتقال السيد باقر الصدر (12-6-1979) شرارة انتفاضة 17 رجب التي قمعت بالحديد والنار..أعدم البعث 86 قيادياً معظمهم من وكلاء الصدر وحكم بالسجن المؤبد على 200 وبالسجن مدداً متفاوتة على 814..وبلغ عدد المعتقلين عدة آلاف استشهد الكثيرون منهم تحت التعذيب..وفي 16 تموز 1979 اقال صدام حسين أحمد حسن البكر وقام باعتقالات واسعة في صفوف قيادات وكوادر البعث لحقتها اعدامات شملت 5 وزراء و21 قيادياً بعثياً...

 

عن تلك الايام القاسية الدامية خرج حزب الدعوة بتحليل قال فيه ان "تحرك رجب كان تحركاً محدوداً لم تنزل الدعوة فيه كل طاقتها ولم تستنزف كل امكانياتها وهذا نابع من طبيعة المرحلة .وكان عدم انزال كل قوتنا تصرفاً حكيماً وصحيحاً لأن المخزون من طاقتنا ينفعنا ليوم آخر،يوم الحسم"(ثقافة الدعوة الاسلامية،الجزء الرابع،ص 338).غير ان ما يراه الدعوة تصرفاً حكيماً كان بالنسبة للصدر والحكيم خيانة ثانية للمرجعية وللناس بعد الخيانة الاولى في انتفاضة عام 1969...بعد ذلك صعد نجم الثورة الايرانية وجرى اغتيال السيد باقر الصدر وشقيقته بنت الهدى (نيسان 1980)..وتصاعد الصراع المسلح بين البعث والدعوة في بيروت والكويت (محاولة اغتيال الكوراني ،اغتيال شري،اغتيال السيد حسن الشيرازي من الشيرازيين ومنظمة العمل الاسلامي، في بيروت،واغتيال عبد المنعم الشوكي في الكويت..الخ..) قرر الحزب نقل قيادته ومعظم كوادره الى ايران..انتقل الكوراني والآصفي في حين رفض السبيتي القرار ودفع حياته ثمناً لذلك (هو حفيد السيد عبد الحسين شرف الدين،قال يومها انه لم يتعود العيش الا من كد يمينه،وانه لا يجيد اللغة الفارسية..اغتيل في الاردن 9 أيار 1981)..وقررت لجنة العراق بقيادة عبد الامير منصوري وحسن شبر الارتباط بالسبيتي وقطع صلتها بالآصفي..وفي ايران اسس الحزب لجنة جهادية بقيادة مهدي عبد مهدي وصبحي الطفيلي وفخري مشكور وعينت حسين كوراني ضابط اتصال بالحرس الثوري الايراني...وصار الحزب بأجنحته تحت قيادة اسمية لا تجتمع ضمت السبيتي والآصفي والعسكري والحائري والكوراني..وبعد اعدام السيد الصدر انهار تنظيم بغداد.. فدعا كوادر الحزب الى مؤتمر انعقد في طهران أواخر عام 1980 وعرف باسم مؤتمر القواعد وحضره 72 كادرا وشكل لجنة من 9 للتحكيم بين جناحي القيادة..

 

رفض السبيتي والكوراني وكوادر البصرة مؤتمر طهران وانتخاباته وتلا ذلك اعتزال مرتضى العسكري للعمل الحزبي، في حين واصل جماعة طهران اعادة التنظيم بقيادة ضمت الآصفي(ناطقاً باسم الحزب) والحائري (فقيهاً للحزب)..أعدت القيادة الجديدة لمؤتمر عرف باسم مؤتمر الشهيد الصدر (1981-طهران) شارك فيه من لبنان صبحي الطفيلي ومحمد رعد ونعيم قاسم (ذكر لي أحد الحضور انهم لم يتكلموا ابدا في المؤتمر) وانسحب الكوراني نهائياً من الحزب (اصدر كتابه الشهير عن طريقة عمل حزب الله)..واستمر الصراع الداخلي حول ولاية الفقيه فعقد الحزب مؤتمراً جديداً في 1984 ليعيد العمل بمنصب فقيه الحزب وقرر تعيين الحائري مجدداً .. الا ان القيادة المدنية ظلت تسحب البساط من تحت أرجل الفقهاء فقرر الحائري والآصفي الانسحاب والتفرغ للمرجعية مع تبنيهما لولاية الفقيه..الا ان الحزب قرر استعادتهما وتشكيل مجلس فقهي ضمهما الى جانب الشيخ محمد علي التسخيري (أحد كبار مستشاري الخامنئي حالياً وخصوصاً في قضايا العلاقة مع أهل السنة)على أن يكون الحائري فقيه الدعوة.. وكانت القيادة المدنية تريد المجلس الفقهي مرجعية تقليد لا ولاية أمر..

 

وحاول الحائري والآصفي خلال العام 1985 ربط الحزب بالقيادة الايرانية مباشرة (بعد الاعلان عن تشكيل حزب الله اللبناني على اساس ولاية الفقيه)..ولكن الصراع م يتوقف.. وحين اصدر الامام الخميني قراره بتعطيل اعمال الحزب الجمهوري (10 حزيران 1987) انسحب الشيخ التسخيري من المجلس الفقهي في حين كان الحائري والآصفي يقودان حملة لتعزيز ولاية الفقيه ويدعوان الى حل الحزب اسوة بما حصل في لبنان..وفي مطلع عام 1988 انعقد مؤتمر الحوراء زينب وانتصر فيه خط ولاية الفقيه اذ قرر المؤتمر "ان الحزب جزء من الامة وهو مرتبط بالولاية العامة شأنه في ذلك شأن بقية ابناء الامة ويسري عليه ما يسري على كافة قطاعاتها".ولم بنته الصراع..ففي العام 1989 أعلن عدد من قادة الحزب انشقاقهم معتبرين ان الحزب ما يزال منفصلاً عن القيادة الشرعية وانه يعتبر نفسه بديلاً عنها وان فقيه الدعوة الخفي هو السيد فضل الله رغم تأكيد هذا الاخير انه ترك الحزب منذ 1982 بسبب عدم اختياره فقيهاً للحزب يومذاك..وتسمى المنشقون باسم تنظيم الدعوة-ولاية الفقيه وتفرغ الحائري للعمل لمرجعيته واستمر الآصفي في قيادة الحزب(ناطقاً رسمياً) ممثلاً الاتجاه الايراني في مقابل الباقين الذين التفوا حول فضل الله..

 

في العام 1989 توفي الامام الخميني..يومها قرر الايرانيون تولية الخامنئي ولياً لامور المسلمين دون ان يكون مرجعاً للتقليد..واعتبروا ان السيد الآراكي هو مرجع التقليد..وبين الاعوام 1990-1991(حرب العراق الاولى)و2003(حرب العراق الثانية) هاجر مئات الكوادر من العراق والدول العربية الى بريطانيا وانخرطوا هناك في العمل السياسي الديمقراطي وسط الجالية العراقية التي يصل تعدادها الى أكثر من مليون..وارتبطوا بعلاقات مع قوى عربية ودولية..تمخضت التحولات الكبرى بعد وفاة الخميني وحرب العراق الاولى عن قرار للدعوة انها في حل من التزامها بقيادة الخميني الذي كانت نصت على ولايته بالاسم في نظامها الداخلي..والغى الحزب منصب الناطق الرسمي واستبدلته بثلاثة ناطقين:ايران (علي الاديب) وواحد في بريطانيا عن اقليم اوروبا (ابراهيم الجعفري) وواحد في سوريا عن اقليم الشرق الاوسط (نوري المالكي)..

 

وفي العام 1992 توفي المرجع الخوئي فقرر الخامنئي طرح نفسه كمرجع الا انه لم يستطع فرض نفسه الا بعد وفاة الآراكي (1994)...عيّنت جمعية مدرسي حوزة قم سبعة مراجع للتقليد بينهم الخامنئي دون فضل الله..وأعلن الآصفي التزامه قيادة الخامنئي وولايته في حين أعلن فضل الله تصديه لمنصب المرجعية..واختاره حزب الدعوة مرجعاً له وفقيهاً معتمداً..ثم قرر الحزب تبني رأي فضل الله حول تعدد الولاية :"فكما يمكن ان يكون للامام في حال حضوره أن يحكم عدة اقاليم وله في كل منها نائب فانه يمكن كذلك ان يكون له في حال غيبته عدة نواب ايضاً...فالأصل في الولاية النائبة عن الامام تعدد الولي الا اذا كانت هناك مصلحة اسلامية عليا تفرض وحدته وكانت الوحدة واقعية"(صدرت الفتوى في 13-9-1998)..

 

ومنذ 2003 صار الدعوة عدة خطوط: خط الحائري وخط الآصفي وخط الجعفري وخط المالكي وخط البصرة (جماعة السبيتي) وخط هاشم ناصر محمود وخط خضير موسى جعفر وخط محمد حسين فضل الله (ومعلوماتي ان نوري المالكي اندمج بهذا الخط  وصار من مقلدي السيد فضل الله).......

 

مع عودة فضل الله الى لبنان العام1966 شرع في العمل على بناء كوادر وخلايا لحزب الدعوة..فكانت اسرة التآخي ومجلتها "الحكمة"، وكان الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين ومجلته "المنطلق ..وأبرز من تخرج من الاتحاد  محمد رعد ونعيم  قاسم وهاني قاسم ومحمود قماطي وحسن حدرج(من حزب التحرير)ومحمد سعيد الخنسا ..ومن جيل لاحق علي فياض وقاسم قصير ونواف الموسوي وحسان عبد الله.وكان فضل الله متأثراً بتقي الدين النبهاني وبسيد قطب (لاحظ تفسيره للقرأن بعنوان من وحي القرآن تيمناً بظلال القرآن لسيد قطب)كما بنظرية او مبدأ القوة..وقد نشر فضل الله كتابه "منطق القوة في الاسلام"عام 1967 واستمر على ترداد مفهوم منطق القوة كما يظهر ذلك بوضوح في مقاله عن الشهيد باقر الصدر في جريدة العهد،العدد 42،22 رجب 1405-1985،بعنوان "لأنك قوة"..ونقل السيد حسن نصرالله عنه هذا المفهوم (راجع محاضرته في الاتحاد اللبناني للطلبة المسلمين بعنوان "التعبئة الثورية في عملية التغيير"،النهار في 27-1-1986)..وفي العام 1978 حمل الشهيد حسن شري فتوى السيد باقر الصدر الى الحركيين الاسلاميين (من دعوة وغيرها)بوجوب الانضمام الى حركة أمل والعمل من داخلها بعد اختطاف السيد موسى الصدر..

 

وكانت الضربات البعثية للدعوة في العراق تؤدي الى هجرة العديد من الكوادر الى لبنان..ففي السنوات 1975-1977جاء الى لبنان عدد كبير من المشايخ الذين كانوا من تلامذة السيد محمد باقر الصدر ومن اعضاء حزب الدعوة..من علي الكوراني وحسين الكوراني ،الى صبحي الطفيلي، ومن عبد المنعم مهنا وحسن ملك الى علي الامين،ومن عباس الموسوي و حسن طراد الى عفيف النابلسي...وحملوا معهم صراعات القوى والمحاور داخل حزب الدعوة..وقد جاء غيرهم واحتموا بعباءة السيد موسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين وانتشروا في قرى النميرية-الشرقية-الدوير-جبشيت-عبا-القصيبة-وكفرتبنيت..الخ..وحصلوا على اذونات رسمية من المجلس الشيعي للعمل كمدرسين لمادة التربية الدينية في مدارس الجنوب والبقاع..(على سبيل المثال أقام الشيخ حسن ملك في كفرتبنيت والشيخ حسين كوراني في الشرقية وعلي الامين في حي السلم..في حين عاد هاني فحص ومحمد حسن الايمن يحملان وعياً عروبياً يسارياً وثورياً....واسس عبد المنعم مهنا حوزة في صديقين،وعلي الامين حوزة في حي السلم..واسس حسين سرور وعلي ياسين واسعد فنيش حوزة صور، وعلي العفي ومحمد يزبك حوزة بعلبك،وهؤلاء كانوا مع عباس الموسوي من طلبة السيد باقر الصدر..

 

اما راغب حرب فهو درس في النجف (1967-1977 وعاد الى لبنان ليعمل مع الشيخ شمس الدين في منطقة النبطية ويؤسس ويتولى مبرة السيدة زينب في جبشيت..وفي الغبيري سكن الشيخ حسن طراد والشيخ علي الكوراني(مسجد الغبيري) والشيخ حسن عواد (مسجد الشياح)..وهرب حسن ملك الى قم (1978) بعد محاولة اغتيال بعثية (كفرتبنيت كانت معقلاً للشيوعيين واليسار ومعادية لحركة المشايخ)..وعاد ملك الى الشياح عام 1980 بحماية حركة فتح التي أمنت الحماية للعشرات من قادة وكوادر حركة المحرومين (من بينهم النائب علي عمار)..يقول حسن ملك لوضاح شرارة (دولة حزب الله ص109و118) انه درب خلال الاعوام 1975-1980 حوالي 700 شاب شيعي عراقي ولبناني من حزب الدعوة في معسكرات حركة فتح..

 

نشوء المقاومة اللبنانية

في تموز 1975 أعلن الإمام السيد موسى الصدر عن تشكيل "أفواج المقاومة اللبنانية"، كوسيلة لتوجيه الأنظار نحو الجنوب ولإعطاء بعد لبناني وطني للصراع في الجنوب يسمح في مرحلة تالية بطرح ضرورة أن يكون قرار الجنوب لبنانيا، وذلك بعد أن فشل (هو وغيره) في كل محاولاته لوقف الحرب الأهلية (من نداءات إنسانية ووطنية، إلى قمم روحية، إلى اعتصام العاملية، إلى اعتكاف في بعلبك، إلى جولات عربية الخ...)، إذ لقيت مبادرة الإمام تجاوبا شعبيا شيعيا كبيرا، وكان الشيعة قد بدأوا يضيقون بالسلطة الفلسطينية - الوطنية المشتركة وبالأمن الشعبي والإدارة الذاتية والتجاوزات المختلفة، ولكن أيضا وأساسا بالغموض حول مصيرهم وحول آفاق معاناتهم.. وليس هنا المجال لشرح الأبعاد السوسيولوجية لظاهرة حركة المحرومين وأفواج المقاومة ولأسباب تحولها السريع إلى قوة قائدة للشيعة على حساب اليسار والفلسطينيين، ولكن يمكن فقط أن نسجل هنا سرعة الاصطفاف الشيعي حولها ثم الصدامات المعروفة طوال الأعوام 1978-1982 بين الحركة الجديدة وأحزاب اليسار والفلسطينيين، والتي كانت ممهدة فعلية للاجتياح... لا بل إني أزعم أن الحالة التي أسسها الإمام الصدر، ومشروعه اللبناني التوحيدي، وبالتحديد مشروعه حول الجنوب وضرورة انخراط المقاومة فيه ضمن إطار استراتيجية عربية من جهة، وضمن إطار الشرعية اللبنانية من جهة أخرى، هي السبب الوحيد لاختطافه وتغييبه منذ 31 آب - أغسطس 1978. 

 

وقد لقيت مبادرة الإمام الصدر تجاوبا وترحيبا من قبل كوادر لبنانية كبيرة وكثيرة كانت تعمل مع حركة فتح (لم يستح الإمام الصدر من توجيه التحية لها مرارا ومن تسميتها بالاسم في خطب عديدة له أعوام 1976- 1978، كما فعل الشيخ عبد الأمير قبلان في خطاب صور الشهير في آذار 1979)...وقد أثمر هذا التجاوب مبادرة مشتركة بين الإمام الصدر والكتيبة الطلابية في فتح، أدت إلى انتقال كل مقاتلي الطرفين إلى الجنوب بقيادة الشهيد الدكتور مصطفى شمران ( ومعه الشهداء محمد سعد وخليل جرادي)، والشهداء مروان كيالي وعلي أبو طوق وأبو حسن البحيص وباسم سلطان التميمي - حمدي (من فتح)...وبالتنسيق مع "التنظيم الشعبي اللبناني"(التابع لفتح في الجنوب)، ومع اتحاد الشبيبة الوطنية في الشمال (بقيادة الشهيد الدكتور عصمت مراد)، ولجان المساجد والأحياء الشعبية(الشهيد خليل عكاوي) واللجان الوطنية في الجبل (الشهيد أبو محمود هلال رسلان، والشهداء أبو وجيه العنداري ومحمود وزهير الحسنية ونبيل مكارم ) واللجان الشعبية في بيروت (الشهيد الدكتور سمير الشيخ والشهيد نذير أوبري) والبقاع (الشهيد أبو خالد محمد الشحيمي)، وأنصار الثورة في المدارس الثانوية، والتنظيم الطلابي لحركة فتح في الجامعات، وحركة لبنان العربي... (وكلها كانت امتدادات لبنانية لحركة فتح)...وكان أول شهداء هذه المقاومة اللبنانية في قرية عين ابل يوم 30 آب 1976، وهم: محمود قواس (وكان سابقا من كوادر اتحاد الخلايا الماركسية اللينينية الماوية-صور )، عادل وطفى( سابقا من حزب البعث جناح صلاح جديد-البازورية)، ونزيه دياب ( سابقا من منظمة الاشتراكيين اللبنانيين-يارين)، وكانوا قد شاركوا في تأسيس التنظيم الشعبي اللبناني لحركة فتح، إلى جانب آخرين ما زالوا أحياء ويقاومون كل على طريقته.. وعلى خط آخر أنشأت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين (جورج حبش وأبو ماهر اليماني) ورديفها حزب العمل العربي الاشتراكي(هاشم علي محسن) جبهة المقاومة الشعبية ضد الاحتلال والفاشية، التي لم تكن سوى إطار للعمل تحت اسم آخر غير اسم الحزب أو الجبهة فلم ينفع ولم يستمر.

 

كان التوجه العام للتحرك الذي قاده الصدر ولبنانيو فتح يستهدف بناء مقاومة لبنانية فعلية في الجنوب وتوجيه كل البنادق نحو العدو الصهيوني باعتبار ذلك هو الطريق الوحيد للخروج من الفتنة الداخلية ووقف الحرب الأهلية المدمرة ولإعادة بناء علاقات لبنانية- فلسطينية سليمة ومعافاة، و"مميزة" - لعل الذكرى تنفع هنا - ثم تمحور هذا العمل حول ضرورة إنجاح التسوية السلمية اللبنانية التي نتجت عن مؤتمري القاهرة والرياض والتي كان الإمام الصدر هو عرابها وراعيها (طائف لبناني-عربي-دولي أول لم يستمر بسبب انهيار الوضع العربي بعد زيارة السادات للقدس).. وقد أخذت هذه القوى مواقع لها في مواجهة دولة لبنان الحر (الشريط المحتل تحت إدارة سعد حداد)، وفي مواجهة العدو الإسرائيلي... وقد خاضت مواجهات تاريخية في الخيام ومارون الراس وتلة شلعبون وتلة مسعود ورب ثلاثين والطيبة، وصولا إلى الملحمة البطولية في التصدي لاجتياح آذار 1978...وقد شهد اجتياح 78 مواجهات أخرى في تبنين وقانا وفي صديقين وزبقين، وفي مناطق أخرى، شكلت خميرة لانتشار دعوة المقاومة اللبنانية ووقوفها إلى جانب المقاومة الفلسطينية في الدفاع عن الأرض... ولا يجوز هنا أن ننسى أعمال تصدي بطولية فردية كانت تحصل خلال الأعوام 1968-1978 أبطالها مناضلون في أحزاب لبنانية يسارية كالشيوعي والبعث (من الأخضر العربي وواصف شرارة وأبو علي حلاوي وعلي أيوب إلى أبناء حولا وعيترون والخلايا الشيوعية في الجنوب)..ناهيك عن تموضع ومشاركة الأحزاب اليسارية الأخرى في معارك الدفاع عن الجنوب (منظمة العمل الشيوعي والحزب الشيوعي والحزب القومي السوري وحزب العمل العربي الاشتراكي وجيش لبنان العربي وغيرها..).. ولكن ذلك كان يحصل تحت قيادة الثورة الفلسطينية (أي فتح تحديدا) التي تولت قيادة القوات المشتركة في الجنوب طوال تلك المرحلة.. ويمكن القول هنا انه لم يكن من مصلحة أحد وجود مقاومة لبنانية مستقلة (باستثناء الإمام الصدر ومن وافقه من اللبنانيين الذين التفوا حوله في بيان ال77 مثقفا، أبرزهم غسان تويني والمرحوم الأب يواكيم مبارك والمرحوم الأب ميشال حايك).. فالجنوب كان ضمن لعبة دولية كبرى بين الجبارين (موسكو وواشنطن) خصوصا بعد انهيار الوجود الاميركي في فيتنام وكمبوديا وفي إثيوبيا وأنغولا..وضمن لعبة عربية كبرى (خصوصا مع تصاعد الدور الليبي والجزائري والعراقي إلى جانب السوري بعد زيارة الرئيس السادات للقدس). ومرة أخرى فانه ينبغي فهم هذه الحقائق لكي نفهم أسرار اختطاف وتغييب الإمام الصدر.

 

 أدى اجتياح 1978 واحتلال جزء من ارض الجنوب إلى نشوء وضع جديد.. وقد كان الإمام الصدر سباقا ومتميزا في المسارعة إلى فهم معنى ذلك وبالتالي إلى تقدير خطورة الوضع على لبنان وعلى الثورة الفلسطينية (خاصة مع نشوء دولة لبنان الحر من توحيد الميليشيات المسيحية تحت قيادة ظباط وجنود الجيش اللبناني الفارين من استتباعهم لجيش لبنان العربي والسلطة الفلسطينية)...وكانت جولة الإمام العربية التي قادته إلى حتفه في ليبيا... وحسب ما نذكر، ونعيد التذكير لعل الذكرى تنفع، فان الإمام الصدر حمل مشروعا واضحا محددا يتمثل في اعتماد خطة عربية مشتركة تتحدد فيها مهمات جبهة الجنوب، وفي انسحاب قوات الثورة الفلسطينية والأحزاب من الجنوب وتسليمه إلى سلطة الجيش اللبناني، وفي أن تكون المقاومة اللبنانية جزءا من الجيش (حرس حدود أو كتائب وألوية دفاع) وتحت قيادة موحدة، وبغطاء عربي واضح ومحدد، ناهيك عن غطاء الشرعية الدولية المتمثل بالقرار 425.

 

والى جانب هذا التحرك السياسي سارع الإمام الصدر (والشهيد مصطفى شمران) إلى تمتين العلاقات التي نشأت مع لبنانيي حركة فتح في الجنوب، والى احتضان "سرية شهداء بنت جبيل" كتعبير لبناني عن هذه العلاقة المميزة.. وقد كانت تجربة سرية الشهداء قصيرة للأسف بسبب مؤامرات لإجهاضها من داخل حركة فتح نفسها، كما بسبب تغييب الإمام الصدر لاحقا ثم اندلاع وانتصار الثورة الإسلامية في إيران، حيث نشأ مزاج جديد وحالة أخرى.

 

عن هذه المرحلة يروي الشيخ رفسنجاني وقائع زيارته إلى لبنان في مطلع الحرب الأهلية(1975) فيقول ما حرفيته:"في لبنان كانت الحرية أمراً لافتاً...كنت أعرف السيد موسى الصدر من قبل فقد قرأت عليه جزءاً من المطوّل(أي أنه تتلمذ عليه في قم)...الشهيد محمد منتظري (ابن الشيخ حسين علي وكان يومها زعيم التيار الراديكالي في حركة الخميني) كان على معرفة وثيقة بالقوى المناضلة والفاعلة في لبنان كلها...مباحثاتي كان لها تأثير في تعديل بعض المواقف ووجهات النظر المتطرفة(التي كان يحملها الإيرانيون الملتحقون بالثورة الفلسطينية مثل الشهيد منتظري والشهيد محمد صالح الحسيني وجلال الدين الفارسي ومحسن رفيق دوست ومحتشمي وغيرهم).... وكان أنصار الإمام وعلى رأسهم ابنه المرحوم السيد مصطفى في نزاع مع السيد موسى مصدره الأصلي والوحيد مسألة المرجعية..إذ لم يعلن السيد الصدر تأييده لمرجعية الخميني... كان الشبان الإيرانيون في لبنان يريدون أن يأخذ السيد موسى موقفاً صريحاً.. وكانت لهم خطب لاذعة وبيانات ..ذهبت لمقابلة الإمام الخميني في النجف وللتقريب بينه وبين السيد موسى الصدر.."(من كتاب رفسنجاني:حياتي،الصفحات170 إلى 176).

 

حزب الله والمقاومة الإسلامية

كانت الحالة اللبنانية التي ولدت في الجنوب حول الكتيبة الطلابية وأفواج المقاومة اللبنانية (وقد وصفها الشهيد مصطفى شمران في كتابه التاريخي التوثيقي: شيعة لبنان) السباقة إلى التضامن مع طروحات الإمام الخميني في منفاه في النجف ومع اندلاع ثورة العصر في إيران..فمنذ عام 1977، أي قبل سنتين على انتصار الثورة في إيران وقبل أن يكون قد سمع بها أحد في لبنان أو العالم، نسجت العلاقات بين هذه القوى اللبنانية المقاومة وبين أقطاب الثورة الإيرانية.. وكان الرسل والرسائل والاتصالات وأعمال التضامن هي الوسيلة الوحيدة للتعبير عن هذا التلاحم الجديد.. ويؤرخ كتاب "جهاد الإمام الخميني" لهذه المرحلة، كما انه ينقل كل الرسائل والاتصالات المتبادلة.. ومن الجانب اللبناني فقد شكلت جريدة "الوحدة" (أسبوعية- صوت المدافعين عن الوطن والمقاومة، صدرت من مطلع عام 1977 وحتى آخر 1979)، المنبر ووسيلة الاتصال والتعبئة حول الإمام وثورته..وتلاها في الأهمية مجلة الحكمة ومجلة المنطلق... والى جانب الكتيبة الطلابية والتنظيم الشعبي اللبناني وسرية شهداء بنت جبيل، نشأت حركة لبنان العربي، وحركة الأرض - قوات المشعل (المقاومة الشعبية العربية اللبنانية)، ثم ابتدأ عصر الإسلام السياسي الجديد مع اللجان الإسلامية (الدعوة)، ولجان العمل الإسلامي (خليط مرتبط بمنظمة العمل الاسلامي الشيرازية وبعض المستقلين من مشايخ اليسار المرتبطين بحركة فتح)، وأنصار الثورة الإسلامية (تيار منتظري والحرس الثوري لاحقاً وقد كانوا مرتبطين بحركة فتح)... وكلها شكلت لاحقا إلى جانب المنشقين عن حركة أمل (السيد إبراهيم أمين السيد ممثل امل في طهران، السيد حسين الموسوي رئيس هيئتها التنفيذية ومنافس بري على القيادة، السيد حسن نصر الله مسؤول الحركة في البقاع، وهم بالمناسبة من متسللي حزب الدعوة الى داخل حركة أمل وكان رئيسهم الفعلي حسن شري الذي قتله البعثيون في بيروت عام 1984) الروافد التأسيسية التي صبّت جميعها في نهر حزب الله والمقاومة الإسلامية..

 

خطف الإمام الصدر، وانتصار الثورة في إيران، أديا إلى تفاعلات حتمية داخل صفوف اللبنانيين المنتمين إلى فتح أو العاملين مع اللجان المرتبطة بالثورة الإيرانية..وبدأ يتنامى وعي لبناني "شيعي-إسلامي" يبحث عن أجوبة لأسئلة محيرة..لماذا المقاومة اللبنانية ملحقة بالتشكيلات الفلسطينية؟ ما هو دورنا في الصراع العربي-الإسرائيلي؟ هل أن حدود مشاركتنا هي إقامة السلطة الوطنية الفلسطينية كما صارت منظمة التحرير الفلسطينية تدعو إليها ؟هل أن الفلسطينيين يقومون بتوظيف ارض الجنوب وشباب فتح اللبناني للامساك بورقة الجنوب وإبقاء لبنان رهينة حساباتهم والخيارات الاستراتيجية المختلفة من سورية وسوفياتية إلى ليبية وعراقية ؟ إذا كانت إسرائيل شر مطلق وعدو للبنان وان مقاومتها واجب شرعي ديني ومسوؤلية وطنية لبنانية وعربية، فكيف يكون ذلك وبأية وسائل وتحت أية راية؟ وكان تأثير الإمام الصدر ما زال حيا قويا حين جاء الإمام الخميني بفكر الثورة الإسلامية ذات اللون الشيعي الكربلائي، وهو ما مس قلوب وعقول الشيعة اللبنانيين ومن ضمنهم أولئك المناضلين الذين سرعان ما وجدوا أنفسهم خارج اطر فتح أو غيرها، وعلى درب الالتحاق بالإسلام الثوري المقاتل الجديد.. ولمن ينسى أيضا لعل التذكير ينفع هنا، فقد شهدت تلك المرحلة تحول عشرات بل مئات المثقفين (وفيهم مسيحيون وماركسيون على رأسهم قائدهم المفكر منير شفيق) إلى إسلام الإمام الخميني..(حتى بعض من عاد لاحقاً إلى ما كان عليه، من أمثال حازم صاغية والمرحوم جوزيف سماحة، عاشوا هكذا تحول وكتبوا فيه وعنه.. في حين أن بعض الماركسيين الآخرين استمروا إسلاميين إلى اليوم)...وهذا التفاعل والتساؤل أدى إلى التحاق أعداد كبيرة من الشباب بالجو الإسلامي الشيعي بعد 1979 (وتبوأ العديد منهم مراكز قيادية لاحقا كما أن العشرات أيضا استشهدوا وهم يقودون قوات وعمليات من المقاومة الإسلامية)...........

 

وفي نفس المرحلة كان الصراع الداخلي بين حركة أمل وأحزاب اليسار اللبناني والفلسطيني(نتيجة الدور الليبي في اختطاف السيد موسى الصدر والدور اليساري في الارتباط بالعراق بعد اغتيال الشهيد السيد محمد باقر الصدر) قد وصل إلى ذروته العنيفة ما سمح لحزب الدعوة (الشديد المركزية والتنظيم الأمني المحكم) بالإمساك بالمواقع الأمنية والعسكرية داخل حركة أمل و بقيادة عملية الصراع هذه.ولا توجد دراسات موثقة حول دور حزب الدعوة في لبنان قبل تشكيل حزب الله إلا أن الأكيد أن كوادره عملت من داخل ومن خارج حركة أمل (وابرزهم الشهيد حسن شري)،كما من داخل ومن خارج حركة فتح الفلسطينية (وابرزهم الشهيد عماد مغنية).وأخيرا جاء اجتياح صيف 1982 ليطوي صفحة الوجود الفلسطيني المسلح في جنوب لبنان وليفتح صفحة التموضع الشيعي مع الحرس الثوري في البقاع..

صحيح أن حزب الدعوة حل نفسه وانخرط في تشكيلة حزب الله (صبحي الطفيلي،محمد رعد، نعيم قاسم،عباس الموسوي،حسن نصراللهنابراهيم امين السيد،عماد مغنية، علي كوراني،حسين كوراني ،محمد حسين فضل الله،محمد سعيد الخنسا،محمود قماطي ،حسن حدرج)الا أن الصحيح أكثر ان من دخلوا حزب الله دخلوه فرادى مفككين مختلفين بسبب صراعات الحزب في العراق وسوريا والخليج ولندن..فبعد اغتيال هادي السبيتي في الاردن انفرط عقد الدعوة في لبنان..

 

ولم يترك الايرانيون الأمر للصدف او العواطف..فمنذ العام 1979 بدأوا بتأطير القوى اللبنانية التي كانت تؤيدهم ومن ضمنها حزب الدعوة المنفرط..وخلال 3 سنوات ركز الايرانيون على دعوة القيادات الدينية والمدنية الشيعية الى طهران وهناك كانت الحوارات والنقاشات والصراعات تدور حول الحركة الاسلامية المطلوب تاسيسها في لبنان..وقد شكلوا عدة تجمعات لرجال الدين (تجمع علماء البقاع، وتجمع علماء جبل عامل،وتجمع العلماء المسلمبن، ومعها الحوزات الدينية ومدارس الكوادر ..وبعد اجتياح 1982 عملت قيادة الحرس الثوري في بعلبك طوال 3 سنوات (مركز عشاق الشهادة)على تفكيك واعادة تركيب كل العلاقات الشيعية بما فيها حزب الدعوة الذي صار شيعاً وجماعات متفرقة ترتبط كلها بايران..فقد استطاع الايرانيون السيطرة على المجال العام عبر الاذاعة(صوت

المستضعفين)والجريدة(العهد)والمجلة(الوحدة الاسلامية)وخطب الجمعة والمسيرات واليافطات والملصقات والمنشورات والزيارات المنظمة الى السيدة زينب في دمشق والى المقامات في ايران...كما سيطروا على غالبية المساجد والحسينيات في لبنان وعينوا رجال دين لها،وعملوا على اختيار شباب للدراسة في الحوزات في ايران،وتنظيم معسكرات التعبئة والتدريب،وتقديم الخدمات المجانية مثل الطبابة والاستشفاء والوقود وغيرها..وانشاء المدارس والمعاهد،والسيطرة على التعليم الديني في كل المدارس، والسيطرة على اوقاف الشيعة....وقاموا بالتنسيق مع قوات فتح في البقاع بالعمليات العسكرية الكبرى للمقاومة اللبنانية وتحت اسماء متعددة (حركة ابناء جبل عامل،العادلون،حزب الله،الشباب المؤمن)..وحين تشكلت لجنة قيادة حزب الله من 9 كان من الطبيعي ان تضم عباس الموسوي وصبحي الطفيلي وحسين كوراني وحسن نصرالله ومحمد يزبك وحسين الموسوي وابراهيم امين السيد وعفيف النابلسي ومحمد رعد..ثم قلصت الى  7 ،لتستقر في العام 1984 على خمسة  وفي 1985 تعود الى سبعة (عباس الموسوي،صبحي الطفيلي،ابراهيم امين السيد،حسن نصرالله،حسين الموسوي،نعيم قاسم،محمد رعد)..كانت النسب التمثيلية تعكس كل التجمعات السالفة الذكر ولكن الحصة الاكبر فيها كانت من نصيب بقايا الدعوة...وكان الجامع بينها  كلها هو الالتزام بولاية الفقيه.. ووصاية السفير الايراني في دمشق يومذاك علي اكبر محتشمي بور..ومن بعده الشيخ اختري....

 

في العام 1989 انتخب صبحي الطفيلي أميناً عاماً للحزب..وخرج السيد حسن نصرالله الى قم للدراسة..وفي 1991 ازيح صبحي الطفيلي عن منصب الامين العام وانتخب عباس الموسوي محله..الا  انه اغتيل في شباط 1992 ليحل محله حسن نصرالله الذي استقدم على عجل من قم... وتعكس هذه التغيرات تغيرات كبرى في ايران (وفاة الخميني،تحالف خامنئي-رفسنجاني-احمد الخميني في وجه جماعة خط الامام وممثلهم الرئيس محتشمي مؤسس حزب الله وصديق الطفيلي...انتصار خط خامنئي- رفسنجاني واسقاط محتشمي وكل تياره من السلطة.)..اذن جاء حسن نصرالله كممثل لخط خامنئي منذ ذلك الحين وهو لما يزل...اما الدعوة فلم يعد حزباً واحداً ولا تياراً متجانساً ولذلك يصعب الحديث عنه داخل حزب الله وانما يتوجب الحديث عن اشخاص يرتبطون بمراكز قوى في ايران ليس الا..

 

بين 1982 و1985(تاريخ نشوء حزب الله رسميا والاندحار الأول للاحتلال الإسرائيلي عن قسم من الجنوب) كانت المقاومة المدنية الشاملة التي أطلقها الإمام الشيخ محمد مهدي شمس الدين (نائب رئيس المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ورئيسه الفعلي منذ تغييب الإمام الصدر) هي الرافعة الحقيقية لكل التحولات اللاحقة وكان شيخ الشهداء والمقاومين الشيخ راغب حرب هو العلم والمنارة على هذا الطريق. كما أن إعلان قادة اليسار اللبناني المتحالف مع حركة فتح(الشهيد جورج حاوي والأستاذ محسن إبراهيم)عن إطلاق جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية (16 أيلول 1982) كان هو الآخر تطور تاريخي يكتب لهذين القائدين ولرفاقهما. وعلى صعيد آخر شكلت الجماعة الإسلامية(الجناح اللبناني للإخوان المسلمين) حركة المقاومة الإسلامية- قوات الفجر بقيادة الشهيد الشيخ محرّم العارفي والشهيد جمال حبال والتي عملت في صيدا وجوارها خلال الأعوام 1982-1985.

 

الإمام شمس الدين ورؤيته للمقاومة

كان الإمام شمس الدين في طليعة الذين واجهوا وقاوموا الاحتلال وهو صمد مع الناس والمقاتلين في بيروت المحاصرة.. فكان نداؤه الأول في 7/6/1982 ( ثاني يوم الغزو) وفيه توجّه إلى "المسيحيين للتضامن في التعبير عن الرفض ومقاومة الاحتلال “. وجاء نداؤه الثاني في 28/6 إثر الحصار الخانق والقاتل لبيروت يدعو العالم ” لإنقاذ العاصمة العربية من الحصار ومن الاحتلال والتدمير“.. وتجاوب معه الطلبة اللبنانيون والعرب الذين قاموا باحتلال مقرات جامعة الدول العربية في معظم العواصم الغربية والشرقية.. تلا ذلك نداؤه الثالث بمناسبة يوم القدس العالمي في 17 تموز 1982 (والعاصمة تنوء تحت ثقل الحصار والقتل والتدمير في شهر رمضان المبارك) وفيه قال: ” بوجوب مواجهة الاحتلال بالرفض وبجميع أشكال المقاومة المتيّسرة“. ثم اتبع هذا الموقف بندائه إلى العالم لإنقاذ بيروت وذلك يوم 17/8 إثر زيارته لرئيس الجمهورية وفيه قال إن رفض الاحتلال هو مقياس للوطنية.. وبعد انسحاب القوات الفلسطينية والسورية من بيروت، وبعد مجزرة صبرا وشاتيلا، أعلن سماحته في خطبة أول محرم، رأس السنة الهجرية، في 17/10/1982 إن ” المقاومة واجب شرعي وأخلاقيّ“ ودعا إلى إطلاق ” مقاومة مدنية شاملة “.. إلا أن قمة هذا الموقف تجلّت في اعتصامه مع مجموعة من العلماء في مسجد الصفا- العاملية، وفي اعتصام العلماء في صيدا، وفي المواجهة الشعبية الكبرى مع الاحتلال الإسرائيلي في النبطية، وذلك في أيام عاشوراء 1404ﻫ (الموافق 5 إلى 15 تشرين الأول 1983) حيث كان إعلان الجهاد، والإعلان عن وجود المقاومة المدنية الشاملة في خطبة العاشر من محرم وبحضور حشد كبير من العلماء والأهالي المشاركين في اعتصام العاملية. لقد كانت رؤية شمس الدين للمقاومة المدنية الشاملة رؤية متميّزة جريئة، واضحة، وعملية. وهي سمحت بإطلاق الطاقات الجماهيرية في أرض الجنوب، وبتوحيد الناس خلف شعارات ومواقف ملموسة وفي تلاحم شعبي ووطني وصمود وتحدٍ وتصدٍ سمح بهزيمة قوات الاحتلال رغم البطش والتنكيل والقمع والحصار والقبضة الحديدية وسواها من الاعتداءات الإسرائيلية. وكلنا يذكر ماذا حصل خلال الأعوام 1982- 1985 من مقاومة شعبية مدنية شاملة كان الإمام مظلتها وحضنها وحصنها وهو الذي أمّن لها التنظير والقيادة.. وكلنا نذكر الشهيد راغب حرب الملتزم حتى آخر لحظة من حياته بتوجيهات الإمام وبشعارات المقاومة المدنية الشاملة: المصافحة اعتراف، الموقف سلاح، إسرائيل شر مطلق، التعامل مع إسرائيل حرام، فلنتعاون مسلمين ومسيحيين على قاعدة الإخلاص للوطن.. وكلنا نذكر شهداء معتقل أنصار تلك الكوكبة الأولى من المجاهدين الذين أطلقوا المقاومة المدنية الشاملة في الجنوب.. وكلنا نذكر صلاة العيد في الملعب البلدي مع المفتي الشهيد حسن خالد..

 

وكلنا نذكر الاحتفال بشهداء معتقل أنصار في مسجد الإمام علي بالطريق الجديدة (18/4/1984).. وكلنا نذكر جولة الإمام في الهند وباكستان وإيران والتي استمرت 53 يوماً(نيسان وأيار 1984) بعد إلغاء الاتفاقية اللبنانية-الإسرائيلية المعروفة باسم اتفاق 17 أيار(6 آذار 1984) وبعد رسالة الإمام المعبّرة إلى الجنوبيين: ” لقد انتصرتم بمقاومتكم المدنية الشاملة بقيادة علماء المسلمين على أعتي قوة استعمارية عرفتها المنطقة“.. ثم دعوته المجتمعين في مؤتمر الحوار الوطني في لوزان بسويسرا (النهار 13/3/1984) الاتفاق على سبل تحرير الجنوب، ودعوته الدولة لتبني مبدأ المقاومة.. وحتى تاريخ الانسحاب الإسرائيلي الكبير الى حدود الشريط اللحدي (قي 16 شباط 1985) كانت ندوات الإمام شمس الدين وتوجيهاته بالوحدة والتضامن، وبالمقاومة بشتى الأساليب، وبالصبر والثبات هي عنوان المرحلة دون منازع وهي سقفها السياسي ورافعتها التاريخية... وقد لخص سماحته في حديث خاص رؤيته لما حققته المقاومة المدنية الشاملة في وقتها، من إنجازات فقال: ” المقاومة المدنية الشاملة هي أسلوب فعّال ولكنه طويل النفس.. ربما نحتاج فيه إلى سنين قبل أن نصل إلى نهاياته. وهو التعبير الخاص بنا عما يسمى في العلوم العسكرية والحربية والتاريخ المعاصر حرب التحرير الشعبية.. فهي مقاومة مدنية أي شعبية وأهلية، وهي سلمية ومسلحة، وكل أنواع المقاومة ضرورية هنا.. وقد حققت هذه المقاومة (بعون الله) أهدافها بسرعة قياسية إذ:

 

1=جعلت حالة المقاومة حالة عامة وحالة التزام بوعي عند جميع اللبنانيين، خاصة في الجنوب.

 

2=استطاعت خلال حوالي الشهرين أن تدمّر وتنهي عملياً مشروع إسرائيل لإنشاء ما يسمى بالجيش الشيعي. وقد جرى الإعلان عن حله وعن توبة كثير من عناصره وكوادره.

 

3=ألحقت الفشل الذريع بمشروع تشكيل ما يُسمى بالحرس الوطني.

 

4=ضربت امكانات التطبيع بما في ذلك مقاطعة البرامج التلفزيونية وليس فقط البضائع أو التعامل السياسي.

 

5=شكلت حالة انتفاض وعصيان عام في قرى الجنوب.

6=أخرجت قضية المقاومة من التجاذب السياسي المحلي خصوصاً بعد حرب الجبل.

 

7=أبرزت ضرورة وإمكانية لبننة الفكر السياسي الإسلامي أو بالا حرى توطينه في بلاده المختلفة.

 

ويؤرخ كتاب الدكتور محمد حمزة:"حرب الاستنزاف"(المركز العربي للدراسات الاستراتيجية والعسكرية-ودار الجيل للنشر-عمان-الاردن-1985) لتاريخ تلك المقاومة اللبنانية ما بين سنتي 1982 و1985 وفيها يظهر الدور الاساس لخلايا ووحدات حركة فتح في قيادة العمليات العسكرية ناهيك عن الدور الكبير الذي لعبته المقاومة المدنية الشاملة في إطلاق الانتفاضات الجماهيرية ضد الاحتلال واجباره على الانسحاب انسحابات متواية حتى الانسحاب الكبير في شباط 1985 والذي ترافق مع الاعلان عن تشكيل حزب الله..

 

حزب الله والمقاومة الإسلامية

إن انطلاق حزب الله بدعم إيراني كبير (الرسالة المفتوحة في 16 شباط 1985)، مع دخول حركة أمل دائرة الإمساك بالموقع الشيعي في السلطة السياسية (منذ انتفاضة 6 شباط 1984 التي جعلت أمل والوحدات الشيعية في الجيش اللبناني تسيطر على العاصمة بيروت)، ثم التحوّل الكبير في الاتحاد السوفياتي بعد صعود غورباتشوف(1985) وأثر ذلك على تصفية مواقع التدخل الروسي في العالم الثالث عموماً، والبلاد العربية خصوصاً، ما سمح بحدوث تحولات سياسية عميقة في العديد من الدول (عدن- الجزائر- السودان-العراق، وحتى سوريا..)، إن كل ذلك عجّل بحصول تطورات هي أشبه بانقلابات جذرية.. وبحسب الذين رافقوا تلك المرحلة وأرخّوا لها فقد شهدت أعوام 85-88 مسارعة سورية للامساك بالورقة اللبنانية عبر سلسلة من الهجمات كان الاتفاق الثلاثي أبرزها (اتفاق وقع في دمشق برعاية سورية مباشرة بين قادة الميليشيات اللبنانية وقام على توزع النفوذ والسيطرة على البلاد)..

 

وقد كتب الكثيرون أن هذا الإمساك كان يستدعي تصفية النفوذ الفلسطيني تماما، ما جعلهم يضعون سلسلة الاغتيالات التي طالت الكوادر الفتحاوية التي كانت تحاول إطلاق مقاومة إسلامية سنية في سلة المسعى السوري: من عصمت مراد وخليل عكاوي ومصطفى كردية ورفاقهم في طرابلس، إلى سمير الشيخ وعائلته في بيروت إلى علي أبو طوق في مخيم شاتيلا... وقد انتقلت الاغتيالات إلى القيادات السنية الرسمية مثل الشيخ الدكتور صبحي الصالح والمستشار محمد شقير والصحافي سليم اللوزي والنائب ناظم القادري وصولا إلى المفتي حسن خالد... غير أن أبرز واخطر تلك المحطات كانت حرب المخيمات(85-88) التي كانت امتدادا لحرب طرابلس بين أنصار عرفات وأنصار سوريا...وترافق معها الإمساك السوري بالحزب القومي (1987-1988) بعد اغتيال محمد سليم وايلي الجقل وتوفيق الصفدي ومقتل العشرات في حرب الكورة..وصولا إلى حملة اغتيال كوادر الحزب الشيوعي (1986-1987)، في بيروت والجنوب (ميشال واكد، حسين مروة، حسن حمدان، خليل نعوس،أحمد المير، سهيل طويلة، نور طوقان....)،

 

وأخيرا حرب بيروت في شباط 1987 والتي أعادت القوات السورية إلى العاصمة، وتخللتها مذبحة شارع فتح الله الشهيرة ضد حزب الله التي فسرّت يومها على أنها رسالة أو إشارة للاميركيين والإسرائيليين بأن الدخول السوري وحده قادر على لجم الحزب والإسلاميين وعلى تحرير الرهائن الغربيين..وكانت سوريا قد عقدت صفقتها مع أميركا منذ العام 1985 (وليس 1991 كما كتب العديد من المحللين) وذلك حين عرفت بالصفقة بين أميركا وروسيا وبدنو اجل الاتحاد السوفياتي وبقرب انتهاء الحرب الإيرانية-العراقية، وبقرب عودة مصر قوية إلى الصف العربي..أدت هذه التطورات مجتمعة إلى تشكل وضع جديد بدأ بتوقيع اتفاق وقف إطلاق النار بين إيران والعراق(تموز 1988) ولم ينته مع انهيار الاتحاد السوفياتي ”العظيم“ (1990)، أو حرب الخليج الأولى التي اشتركت فيها سوريا إلى جانب قوات التحالف الغربي بقيادة أميركا (1991).... هذه الأوضاع والأجواء هي التي مهّدت ورسمت طريق اتفاق الطائف ( أو اتفاق الحاجة والضرورة كما اسماه الإمام شمس الدين في ذلك الوقت)...وكان رافقه ظهور الحلف الاميركي-السوري في وجه العماد عون من جهة كما في وجه عرفات من جهة أخرى..ولا بد هنا من التذكير بان الطائف كان برعاية أميركية-سعودية-سورية (لمن ينسى ذلك طبعا)..وقد نتج عنه ترسيم جديد للقوى وللتحالفات وللمواقع خصوصا بين سوريا وإيران..

وليس المجال هنا لتحليل أحداث 1985-1991 التي سبقت ومهدت لاتفاق الطائف.. ولكن أبرز ما فيها هو الصراع الشيعي-الشيعي المسلح بين حركة أمل وحزب الله(1988-1991) والذي كان سببه المعلن رفض حزب الله للقرار 425 الصادر عن مجلس الامن في آذار 1978 والذي يدعو الى انسحاب الاحتلال الاسرائيلي من جنوب لبنان ويشرعن وجود القوات الدولية التابعة للامم المتحدة..وقد نتج عن هذه الحرب الداخلية 2500 قتيل من الطرفين ومن المدنيين الشيعة في الضاحية الجنوبية والجنوب والبقاع.. وأدى فيما أدى اليه الى سيطرة حزب الله على الجنوب تماماً بعد عدة اتفاقيات رعتها سوريا في دمشق.. وما أن جاء العام 1992 حتى كان الحزب هو الجهة الوحيدة المسموح لها بالعمل في جنوب لبنان.

 

كانت الانطلاقة الجديدة للمقاومة الإسلامية بعد 1992، وقد صارت وحدها المخولة بالعمل العسكري والأمني في الجنوب، ثمرة حقيقية لتوافق إيراني-سوري (مبارك عربيا وأميركيا) حصر التمثيل الشيعي بحركة أمل وحزب الله على حساب الآخرين بمن فيهم المجلس الشيعي وإمامه محمد مهدي شمس الدين...وقد أدت وفاة الإمام الخميني وانتهاء الحرب مع العراق وولادة محور غربي-عربي جديد في وجه صدام حسين (أميركا-السعودية-الخليج-مصر) إلى انضمام سوريا إلى هذا المحور...ولا بد هنا من إعادة التذكير بان الغطاء المصري-السعودي طوال تلك المرحلة، والرضا الأميركي-الأوروبي، هو الذي امّن الدعم لسوريا وللمقاومة على السواء، إضافة إلى القبول الإيراني بعد انتصار تحالف رفسنجاني-خامنئي الإصلاحي(1989) الذي بدأ سياسة الانفتاح على الغرب وأميركا ووقف سياسة تصدير الثورة والمغامرات..  كل ذلك سمح بالدعوة إلى إنهاء الحرب في لبنان وبالتالي فإلى اتفاق الطائف الذي وضع أسس لبنان الجديد والذي أكد على شرعية المقاومة وأعطاها حصانة الالتفاف الشعبي والإجماع الوطني...وجاءت القمة الروحية الجامعة والتاريخية في بكركي في 2 آب 1993(اثر عدوان تموز الكبير) ثم وثيقة اللجنة الوطنية للحوار الإسلامي المسيحي الممثلة رسميا للمرجعيات الروحية (في تموز 1995)، ثم الأداء المميز للرئيس الراحل الشهيد رفيق الحريري وخصوصا في صناعة تفاهم نيسان 1996،وفي تدعيم التفاهم العربي-الدولي الحامي للمقاومة ولسوريا معاً، كما بيانات الحكومات المتلاحقة التي شكلّها، جاء كل ذلك ليحوّل الإجماع الوطني إلى حقيقة ملموسة عبرت عن التوافق على أمرين:1- عدم إدخال العامل الإسرائيلي في أي تناقض داخلي، أي إنهاء ذلك التاريخ الأسود والمشؤوم الذي "اضطر" فيه بعض الأطراف إلى اللجوء للعون الإسرائيلي..و2-عدم طرح موضوع الانسحاب السوري قبل إنجاز التحرير من الاحتلال الإسرائيلي.. وقد تلا ذلك التفاف شعبي مسيحي-إسلامي حول المقاومة لم يسبق له مثيل، رافقه إعجاب شعبي وسياسي بأداء حزب الله في تلك المرحلة (1993-2000)...

 

الفكر السياسي الإسلامي وقضايا الوطن والأمة والدين

على مقلب آخر كانت التطورات الشيعية الداخلية تتلاحق.. فقد تلبننت حركة أمل نتيجة صراعاتها مع اليسار اللبناني والفلسطيني، وصار حزب الدعوة نافذاً في داخلها نتيجة الصراع مع العراق بعد اغتيال السيد محمد باقر الصدر، وتمت إزاحة الرئيس حسين الحسيني والعديد من الكوادر المؤسسة للحركة نتيجة لتوازنات عربية جديدة ولصفقة سورية-فلسطينية. ونتيجة الحاجة السورية والعربية إلى إبقاء جبهة الجنوب مشتعلة (بدعم سوفياتي وقبول فلسطيني رسمي) تطور دور الكوادر المعسكَرة والأمنية والدعوتية داخل حركة أمل وعلى ضفافها، وتصاعد دور ونفوذ اللجان والهيئات شبه الإيرانية (مع الشهيد الشيخ محمد منتظري والسيد محتشمي ورفيق محسن دوست وجلال الدين الفارسي والشهيد محمد صالح الحسيني...ناهيك عن جماعة السيد الشيرازي ومنظمة العمل الإسلامي ..الخ...).وطرح على الساحة الفكرية والسياسية مجدداً موضوع لبنانية الشيعة والمسلمين عموماً، ولبنانية الفكر السياسي الشيعي تحديداً، وذلك بسبب انتشار القول بولاية الفقيه وانتشار تقليد شيعة لبنان للتجربة الإيرانية حتى في أبسط التفاصيل الحياتية كاللباس والمأكل والمنكح وفي الشعارات وأساليب التعبير وطريقة الكلام والتصرف...

 

 كان أبرز ما يواجه عمليّة "لبننة" الفكر السياسي الإسلامي (والواقع الإسلامي نفسه)، ذلك التعارض المطلق الذي أقيم بين الهويّات المختلفة: لبنانيّة ـ سوريّة ـ عربيّة ـ إسلامية ـ شيعيّة ـ سنّية ـ مناطقيّة ـ عشائريّة ـ عائلية الخ... وقد "اشتغل" الإمام محمد مهدي شمس الدين على ضرب الموهومات الفكريّة ـ النظريّة المبرّرة للتهويمات ما فوق قوميّة التي عُرفت بها الحركات القوميّة والإسلاميّة في لبنان.. فهو انطلق من ملاحظة أننا واجهنا قضيّة "التجزئة" (العزيزة على فكر القوميين والإسلامويين) بنفس العقليّة الموروثة عن مرحلة سايكس ـ بيكو، وأننا لم ننتبه إلى اعتبار أن الاجتماع العربي الإسلامي لا يقوم على أساس وحدة اندماجية على غرار الوحدات القوميّة الأوروبيّة.. وأننا عالجنا بالتالي قضية الوحدة في مقابل التجزئة علاجاً خاطئاً عمّقها وشجّع القطرية الإقليمية وخلق أنظمة مصالح متناقضة بدل أن يخلق فضاء أوسع للتنوّع مع التركيز على بناء نظام مصالح متكامل..

 

ورأى شمس الدين أن "الأمّة" انتزاع تجريدي، وانّ هذا التجريد لا أساس فقهي له، كما انه لا قيمة علميّة له.. فالأمّة خاضعة واقعياً لتقسيمات وكيانات وأنظمة مصالح.. وهذا الانقسام الواقع عمل مشروع ومبرّر فقهياً إذا لم يصادم نظام مصالح كيان ما نظام مصالح الكيانات والأنظمة الأخرى.. ومقولة "الحكومة العالمية"، حتى في العصور الإسلامية السالفة، كلام غير دقيق، لا مشروعيّة فقهيّة له ولا مشروعيّة علميّة.. وحتى الدولة النبوية الأولى فهي كانت دولة تتراوح بين الفدرالية والكونفدرالية..

 

نعم، المسلمون أمّة واحدة هذا صحيح.. لكن وجودهم في كيانات ودول وأوطان، هذا ليس فقط أمر واقع بل هو مشروع فقهياً وتاريخياً.. وفي موقفه هذا استعاد شمس الدين ما سبق أن قرره الإمام الشيخ محمد رشيد رضا في كتابه الشهير "الخلافة" (المطبعة الأميرية بمصر ـ 1296 هجرية): "وأما بعد انتشار الإسلام واتساع رقعته وتباعد أطرافه، فمعلوم انه قد صار في كل قطر الولاية إلى إمام أو إلى سلطان.. فاعرف هذا فإنه المناسب للقواعد الشرعيّة والمطابق لما تدلّ عليه الأدلة، ودع عنك ما يقال في مخالفته" (ص 413)..

 

وقد قرّر شمس الدين بأنّ الدولة في زمن الرسول لم تكن دولة متّحدة.. أما بعد الرسول فلم توجد أبداً حكومة إسلاميّة عالميّة.. ومن هنا فإن التهويل بأن المسلمين يصيرون مقسّمين في كيانات ودول هو أمر سخيف.. فلا يوجد في الإسلام تشريع يفرض على المسلمين أن يكونوا قالباً واحداً يتحرّكون بأزرار.. "إن أي اتجاه تنظيمي يدعو إلى مركزة الأمور هو اتجاه مخالف للشرع، فيما المطلوب اليوم هو تطوير الفقه السياسي حول الأمّة والدولة والوطن تطويراً مبنياً على الواقع التشريعي والواقع التاريخي، وليس على التجريد.. فالكلام عن الخلافة والحكومة العالمية كلام تجريد يصلح للشعر وليس للفقه.. إنه من قبيل دعاء الشيعة في بكائهم على الحسين وأهله: "يا ليتنا كنّا معكم لنفوز فوزاً عظيماً". جميل جداً.. ورائع جداً.. بالمعنى الإنساني التجريدي.. ولكننا لم نكن معهم.. ولدنا في زمان غير زمانهم.. والفاصل بيننا وبينهم 1400 سنة! فماذا نفعل؟".

 

فاصلة ضرورية: ما هي نظرية ولاية الفقيه؟

يُعرف الشيعة عموماً بالامامية نسبة الى نظرية الامامة التي حصرت الحق بخلافة النبي وقيادة المسلمين في أهل البيت من ولد علي بن ابي طالب وفاطمة ابنة محمد..فقد قال الشيعة بداية بأولوية علي وأهل البيت في الحكم والخلافة ثم قالوا بتعيين الله للائمة نصاً وتعييناً وقالوا بعصمتهم الموازية لعصمة الرسول..وبعد القول بالعصمة وبضرورة النص والتعيين، حصر الشيعة الامامة في ولد علي وفاطمة، ومنهما في ذرية الحسين دون غيرها ، ثم بامتداد الامامة عمودياً وذلك في الأكبر فالأكبر وعدم جواز انتقالها الى أخ أو ابن أخ أو عم أو ابن عم..(باسنثناء الامام الحسن ابن علي).وفي ذلك يقول المؤرخ الشيعي سعد بن عبدالله القمي الاشعري (في كتابه المقالات والفرق):"لا بد أن تكون الامامة دائمة وجارية في عقب علي الى يوم القيامة تكون في ولده من ولد فاطمة بنت رسول الله ثم في ولد ولده منها يقوم مقامه ابداً رجل منهم معصوم من الذنوب طاهر من العيوب... منصوص عليه من الامام الذي قبله مشار اليه بعينه واسمه"....

 

وهكذا تسلسلت الامامة في نسل الحسين حتى الامام الحادي عشر المعروف باسم الحسن العسكري (نسبة الى معسكر سامراء حيث كان قيد الاقامة الجبرية) رغم تصدي أولاد وأحفاد الحسن للامامة وادعاء حقهم فيها وقيامهم بقيادة الشيعة عملياً في تفجير الثورات المختلفة ثم في ادعاء كون المهدي المنتظر منهم..نذكر منهم الحسن المثنى(الحسن ابن الحسن ابن علي) وابنه عبدالله ثم محمد ابن عبدالله وقد قيل انه المهدي واسند ذلك بحجية مماثَلة اسمه لاسم الرسول(حسب ما جاء في بعض الاحاديث المنسوبة الى الرسول)..ونذكر أيضا محمد ابن الحنفية وهو ابن الامام علي ولكن من غير فاطمة..وقد حصلت أزمات كثيرة داخل الشيعة عند وفاة كل إمام نذكر منها على سبيل المثال الازمة التي حصلت عند وفاة اسماعيل بن جعفر الصادق في حياة أبيه وكان قد سماه لخلافته في الامامة فاختلف الشيعة وانقسموا ما بين اسماعيلية( فيهم من قالوا بان اسماعيل لم يمت وانه المهدي، ومنهم من قالوا باستمرار الامامة في ابنه محمد من بعده ثم قالوا بمهدوية محمد.. ومن الاسماعيلية فلسفة اخوان الصفاء..والفاطميون..والدروز..)وخطابية وناووسية وفطحية.الخ.. واختلفوا بعد وفاة موسى الكاظم ابن جعفر الصادق ما بين موسوية قالوا بان موسى لم يمت،وقطعية وواقفية الخ..وانقسموا في عهد علي الرضا ثم بعد وفاته وكان عمر ابنه محمد الجواد سبع سنين، ثم في عهد علي الهادي وكان عمره اقل من سبع سنين عند وفاة والده..الى الحسن العسكري الذي توفي دون ان يعلن عن وجود خلف له مما أدى الى فترة حيرة واضطراب وتساؤل حول مصير الامامة بعد الامام الحادي عشر.حتى ان الكثيرين قالوا بانقطاع الامامة في حين تراجع آخرون عن القول بامامة الحسن العسكري نفسه، وقال آخرون بمهدويته وغيبته بناء على عدم جواز وفاة الامام دون ولد له معروف ظاهر "لأن الأرض لا تخلو من إمام".. وتفرق الشيعة يومها 14 فرقة على ما قال النوبختي في فرق الشيعة، والقمي في المقالات والفرق، والصدوق في اكمال الدين، والمفيد في الارشاد، والطوسي في الغيبة...والى هذا الزمن أو قبله بقليل (عصر الحسن العسكري) تعود نشأة الفرقة النصيرية العلوية (نسبة الى مؤسسها محمد بن نصير وكان من أصحاب الامام العاشر علي الهادي وقال بمهدويته وانه الباب اليه، ثم ادعاها لنفسه، ثم صار من اصحاب الحسن العسكري قبل أن يدعي النبوة لنفسه)... وخلال فترة الشك والحيرة هذه أعلن عدد من أصحاب الحسن العسكري عن وجود ابن له في السر وانهم رأوه في حياة أبيه وأنهم على اتصال به.. وهكذا نشأت الفرقة الشيعية الاثني عشرية وعقيدة المهدي والانتظار...

 

ولدى الشيعة أكثر من سبعين حديثاً عن الرسول وأهل بيته في الامام الثاني عشر المهدي المنتظر وفي غيبته قبل الظهور (ان الارض لو خلت طرفة عين من امام حجة لساخت باهلها- يكون بعدي اثنا عشر خليفة كلهم من قريش-لا تذهب الدنيا حتى يلي هذه الامة رجل من أهل بيتي يقال له المهدي-ان الله عز وجل اختار من علي الحسن والحسين..ومن الحسين الاوصياء من ولده تاسعهم قائمهم-ان لصاحب هذا الامر غيبتين احداهما تطول حتى يقول بعضهم انه مات...)..غير ان الدليل الأهم الذي يستخدمه الشيعة على وجود الامام المهدي وعلى غيبته هو دليل تاريخي يقوم على شهادة النواب الاربعة الخاصين الذين أدعوا النيابة عنه في فترة الغيبة الصغرى(من 260 الى 329 هجرية) حيث أن هؤلاء اثبتوا ولادته واسمه واسم امه ونسبها ثم قالوا بأن والده ستره خوفاً عليه وبأنهم كانوا على صلة به خلال فترة الستر هذه يلتقون به لايصال أموال الخمس اليه ونقل الرسائل والتواقيع منه الى شيعته المؤمنين به..وهؤلاء النواب الاربعة أو الوكلاء أو السفراء(كما تسميهم الشيعة) هم عثمان بن سعيد العمري ثم ابنه محمد بن عثمان فالحسين بن روح النوبختي فعلي بن محمد السمري (وهو آخرهم) وقد لعبوا دور التأسيس الفعلي لمرجعية علماء الدين الفقهاء الوكلاء او النواب عن الامام الغائب..

 

استناداً الى ما سبق (وجود الامام الثاني عشر وانه المهدي وانه غاب وسيعود) كان من الطبيعي والمنطقي استنتاج القول بانتظار الامام الغائب وبعدم السعي لاقامة حكومة العدل الاسلامية في عصر الغيبة انتظارا لخروج القائم المنتظر(كل راية ترفع قبل راية المهدي فصاحبها طاغوت-كل بيعة قبل ظهور القائم فانها بيعة كفر ونفاق وخديعة)...والى مبدأ الانتظار هذا اضيف بالضرورة المنطقية مبدأ التقية (التقية واجبة وتركها لا يجوز حتى خروج القائم..ومن يتركها قبل خروج القائم فانه خارج من دين الامامية ومخالف لله وللرسول والائمة)... وبناء على ذلك قال الامامية بعدم جواز مبايعة غير النبي والامام المعصوم، لا من العلماء و لا من غيرهم، لا بالاستقلال ولا بعنوان نيابتهم عن الامام في زمن الغيبة.. ومن هنا تطوّر خطان رئيسيان داخل الشيعة الامامية:خط يقول بالانتظار والتقية بمعنى عدم جواز القيام باي عمل سياسي قبل مجيء المهدي واعلان الجهاد خلفه لاقامة حكومة العدل الالهية..

 

و.وخط يقول بأن التقية ما هي الا دعوة الى الاندماج الكامل في الاوطان والبلدان والمجتمعات التي يعيش فيها الشيعة والى المشاركة في الحياة العامة وفق انظمة وقوانين تلك البلدان والمجتمعات ..وقد عبر عن الخط الاول كل فقهاء الشيعة منذ غيبة الامام المهدي وحتى مطلع القرن العشرين،ثم حمل رايتهم جماعة الحجتية في ايران.. وعبر عن الخط الثاني المجتهدون المجددون الاصلاحيون أمثال النائيني وقادة ثورة الدستور في ايران وثورة العشرين في النجف، ومراجع النجف الكبار كالخوئي والسيستاني ومحسن الحكيم.. ومحمد جواد مغنية وعبد الحسين شرف الدين ومحسن الامين وموسى الصدر ومحمد مهدي شمس الدين في لبنان... الذين دعوا الى مشاركة الشيعة في الاصلاح وبناء انظمة مصالح مشتركة واندماج كامل وحفظ الانتظام العام للمجتمعات والتطور السلمي الديمقراطي (الدستور في ظل الملكية الايرانية والعراقية،والمشاركة المتوازنة في بقية البلدان العربية دون غلبة او استقواء او استحواذ)...والتقى الخطان عند رفض ولاية الفقيه نيابة عن الامام المهدي ولاية مطلقة واختاروا للفقيه دور المصلح الاجتماعي والناصح والقاضي والشيخ المفتي..وانما اختلفوا أيضاً في حدود تلك الولاية : فمنهم من جعلها تشمل الخمس والزكاة وصلاة الجمعة والامر بالمعروف والنهي عن المنكر.. ومنهم من جعلها محدودة للغاية في امور لا علاقة لها بولاية أمر على الناس (لا ولاية لأحد على أحد) خصوصاً لجهة رفض استعمال القوة بما يؤدي الى اراقة الدماء لأن تنفيذ الحدود واقامتها هي من مهمات حكومة العدل الالهي ،وبما ان تاسيس هكذا حكومة هو من حق المعصوم وحده علق الامامية تنفيذ الحدود زمن الغيبة(وأرتضوا باحكام الدول القائمة عملا بالتقية وعلى قاعدة قول الامام علي في وجه شعار الخوارج:لا حكم الا لله...نعم لا حكم الا لله..ولكن هؤلاء يقولون لا امرة الا لله..

 

ولا بد للناس من أمير بر أو فاجر يعمل في امرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل ويجمع به لبفيء ويقاتل به العدو وتأمن به السبل ويؤخذ به للضعيف من القوي حتى يستريح بر ويستراح من فاجر..الخ..).ولم يكتب أحد من فقهاء الشيعة على مر التاريخ يدعو الى الولاية المطلقة للفقيه باستثناء ما ورد عند الشيخ أحمد بن محمد مهدي النراقي (ت. 1245ه.)الذي أخذ عنه الامام الخميني القول بأن "كل ما كان للنبي والامام فيه الولاية،وكان لهم، فللفقيه ايضاً ذلكنالا ما أخرجه الدليل من إجماع أو نص أو غيرهما".."ان الفقهاء هم الحكام في زمن الغيبة والنواب عن الائمة".."ان ما هو دليل الامامة بعينه دليل على لزوم الحكومة بعد غيبة ولي الامر".."الفقهاء أوصياء للرسول من بعد الائمة وفي حال غيلبهم،كلفوا بجميع ما كلف الائمة القيام به".."ان للفقيه العادل جميع ما للرسول والائمة مما يرجع الى الحكومة والسياسة".."اذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيه عالم عادل فانه يلي من أمر المجتمع ما كان يليه النبي منهم ووجب على الناس ان يسمعوا له ويطيعوا...ويملك هذا الحاكم من أمر الادارة والرعاية والسياسة للناس ما كان يملكه الرسول وأمير المؤمنين على ما يمتاز به الرسول والامام من فضائل ومناقب خاصة".(مقتطفات من كتاب الحكومة الاسلامية-دار الطليعة-بيروت-1979).

 

وقد استند الخميني كما النراقي من قبله إلى روايتين لا غير من المروي عن الأئمة:الأولى وتسمى مقبولة عمر بن حنظلة وفيها أن الإمام جعفر الصادق أفتى انه في حال اختلاف اثنين من الشيعة في أمر "ينظران إلى من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف أحكامنا فليرضوا به حكما فاني قد جعلته عليكم حاكماً"... والثانية تسمى مشهورة أبي خديجة وفيها عن الإمام المهدي:"وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنهم حجتي عليكم وأنا حجة الله"...

وبحسب من رفضوا ولاية الفقيه المطلقة فان الحديثين لا يشيران أبدا إلى الولاية السياسية أو الحكم المطلق للفقهاء وإنما إلى مرجعية فقهاء الشيعة من أصحاب العلم والعدالة والكفاءة للحكم بين المتخاصمين وللفتيا بين الناس...

 

وهنا فرق بين المرجعية والولاية...ذلك أن أئمة أهل البيت شكلوا المرجعية الدينية للناس في معرفة الأحكام الشرعية وتطبيقها.. وفي زمن الغيبة الصغرى كان النواب أو السفراء الأربعة هم المراجع الكبار للشيعة..وفي زمن الغيبة الكبرى الممتدة إلى اليوم صار الفقهاء العلماء العدول الأكفاء هم المراجع .. "من كان من الفقهاء صائنا لنفسه حافظا لدينه مخالفا لهواه مطيعا لأمر مولاه فللعوام أن يقلدوه"(عن الإمام الحسن العسكري).أما الولي الفقيه فهو الذي بيده إدارة المجتمع الإسلامي والدولة ويشمل ذلك الأحكام القضائية والتشريعية والجهاد والحرب والصلح وحفظ النظام.. والولي الفقيه هو مصدر السلطات كلها من تشريعية وقضائية وتنفيذية..وولايته تشمل كل المسلمين في العالم حتى خارج حدود دولته التي يقيمها وله أن يعين وكلاء وولاة عنه في سائر البلدان حتى تلك التي لا تخضع لنظام ولاية الفقيه..وهؤلاء لا يجوز مخالفة أوامرهم ووجبت الطاعة والتسليم لهم..

 

الشيعة اللبنانيون وولاية الفقيه

يُعرف عن الإمام شمس الدين انّه كان أوّل مَنْ أيّد ودعَم نهضة الإمام الخميني والثورة الإسلامية الإيرانية، وظل يدافع عنها في وجه كل الهجمات والاعتداءات والافتراءات.. ويُعرَف عنه أيضاً أنّه كان أوّل (ولعله الوحيد) مَنْ عارض وظل يعارض نظرية ولاية الفقيه وسمّاها باسمها الحقيقي: الاستبداد الديني.. ودفاعه عن الدولة الإسلامية في إيران قام على أساس مشروعيّتها الشعبيّة الديموقراطيّة، إذ اعتبر أن النظام الإسلامي ودستوره شرعيان نظراً إلى إقرارهما في استفتاءات وخيارات شعبيّة ديموقراطيّة لا غبار عليها، وليس لأنّ الفقهاء فرضوا هذا الخيار.. وقد قرن اعترافه ودعمه لخيار الشعب الإيراني، بتشديده على ضرورة مؤسسات القرار في داخل الدولة، وتطوير المشاركة الشعبيّة وأدوات الديموقراطيّة في إيران.. وقال بأن "إيران دولة إسلامية قائمة على ولاية الفقيه، هذا جيد. ولكن في حدود إيران، أما خارج إيران فلا ولاية لهم على أحد".

 

كما أنه طوّر نظريّته حول ولاية الأمّة على نفسها داعياً إلى اعتمادها لتطوير النظام الإيراني نفسه نحو الديموقراطية الحقيقيّة الموافقة للشورى الإسلاميّة.. ففي عصر الغيبة (بالنسبة للشيعة المؤمنين بغيبة الإمام المهدي) وبعد سقوط الخلافة على مستوى أهل السنّة كما على مستوى الواقع التاريخي، استعاد الناس ولايتهم على أنفسهم، ولاية الأمّة على نفسها تعني أن ينظم الناس حياتهم وفق مصالحهم التي يدركونها ولا يسلمونها إلى أحد.. ويمكن أن ينتج عن ذلك، كما حدث في إيران، وفي غيرها، دولة ودستورها الإسلام ولكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة أن يحكمها الشيوخ المعمّمون.. بل الأولى والأصحّ أن الناس تنتخب ممثليها وتعطيهم ولايتها على نفسها.. ويمكن بهذا المعنى أن تنشأ عدة دول إسلامية وأن يكون لها مؤسسات رقابة وتمثيل كما هو حاصل في إيران.. والمهم هو احترام الديموقراطيّة وولاية الناس أو الأمّة على نفسها.. وعدم الوقوع في الاستبداد الديني تحت عنوان الولاية العامة للفقهاء.. إذ ليس للفقهاء أي ولاية على الناس من حيث أن الولاية التي كانت للرسول أو للأئمّة المعصومين لم تعد موجودة وصار الناس ملزمين باختيار ما يناسب مصالحهم وإدراكهم لها.. ووجود دولة إسلامية (اختار شعبها دستورها الإسلامي) لا يعني بالضرورة أن يكون كل نظام وحكومة إسلاميين.. فلا دعوة عند شمس الدين إلى ضرورة قيام حكومة إسلامية أو حكم إسلامي.. فالمجتمع السياسي الإسلامي يمكن أن يستمر مسلماً في تكوينه ومنهجه العام ويكون قابلاً لأي نظام لا يتنافى مع الإسلام باعتباره عقيدة المجتمع، من دون أن يكون نظام الحكم إسلامياً".

 

وقد رفض شمس الدين أيّة مرجعيّة لإيران أكانت دينيّة أم سياسيّة، قائلاً "إنّ إيران دولة إسلاميّة نحترمها ونقدّرها وتستحق منّا الدعم حينما تواجه صعوبات.. أما أن نسلّم بمرجعيّتها فحينئذ ينبغي التسليم إلى مرجعيّات أخرى ولأقوام آخرين في المنطقة.. المطلوب الآن ليس خلق جزر نتحاجز بها إنما المطلوب خلق أجواء ثقة وإعادة الاعتبار للروح العامّة. أما خلق جزر هنا وهناك فيجوز أن يفيد في مجال المناورة، أما في الاستراتيجية، ونحن نواجه الآن خيارات استراتيجيّة، فهذا الأمر لا يجوز".

 

حزب الله وولاية الفقيه

برغم ما سبق قوله من وجود تيارات عديدة صبت كلها في إطار تشكيل حزب الله لاحقاً، إلا أن الحقيقة الأكبر انه ما كان لحزب الله أن يولد وينمو ويستمر لولا الرعاية الإيرانية.فلقد تشكّل حزب الله في لبنان على أساس أنه "حزب الثورة الإسلامية في لبنان" أي كفرع من "حرس الثورة الإسلامية" الإيراني... ولم يكن ذلك فقط من حيث إن قوات حرس الثورة التي جاءت إلى لبنان إثر اجتياح صيف 1982 وأقامت قاعدة عسكرية لها في بعلبك، قامت فعلياً بتوحيد وتدريب وتأطير وتنظيم المجموعات التي صارت لاحقاً حزب الله (1982 ـ 1985)، وإنما أيضاً وأساساً من حيث إن الأساس العقائدي ـ الفكري ـ التنظيمي يقوم على نظرية وممارسة ولاية الفقيه، أي على الإيمان المطلق بها والانضباط التام لها والطاعة لمستلزماتها، وفي ذلك يقول السيد إبراهيم أمين السيد، حين كان الناطق الرسمي أو الأمين العام الأول للحزب: "نحن لا نستمد عملية صنع القرار السياسي لدينا إلا من الفقيه.. والفقيه لا تعرّفه الجغرافيا بل يعرّفه الشرع الإسلامي.. فنحن في لبنان لا نعتبر أنفسنا منفصلين عن الثورة في إيران.. نحن نعتبر أنفسنا ـ وندعو الله أن نصبح ـ جزءاً من الجيش الذي يرغب في تشكيله الإمام من أجل تحرير القدس الشريف. ونحن نطيع أوامره ولا نؤمن بالجغرافيا، بل نؤمن بالتغيير"... (من الكتاب الصادر عن مجلة الشراع بعنوان الحركات الإسلامية في لبنان ـ بيروت 1984). وفي بيان تأسيس الحزب (16 شباط 1985) نقرأ: "إننا أبناء أمة حزب الله، نعتبر أنفسنا جزءاً من أمة الإسلام في العالم.. إننا أبناء أمة حزب الله التي نصر الله طليعتها في إيران وأسست من جديد نواة دولة الإسلام المركزية في العالم، نلتزم أوامر قيادة واحدة حكيمة عادلة تتمثل بالولي الفقيه الجامع للشرائط... كل واحد منا يتولى مهمته في المعركة وفقاً لتكليفه الشرعي في إطار العمل بولاية الفقيه القائد".. وفي شرح أدق لهذا المعنى يقول السيد حسن نصر الله: "الفقيه هو ولي الأمر زمن الغيبة، وحدود مسؤوليته أكبر وأخطر من كل الناس، ويفترض فيه، إضافة إلى الفقاهة والعدالة والكفاءة، الحضور في الساحة والتصدي لكل أمورها، حتى يعطي توجيهاته للأمة التي تلتزم بتوجيهاته. نحن ملزمون بإتباع الولي الفقيه، ولا يجوز مخالفته. فولاية الفقيه كولاية النبي والإمام المعصوم، وولاية النبي والإمام المعصوم واجبة، ولذلك فإن ولاية الفقيه واجبة. والذي يردّ على الولي الفقيه حكمه فإنه يردّ على الله وعلى أهل البيت... فمن أمر الولي الفقيه بلزوم طاعتهم فطاعتهم واجبة" (مجلة العهد ـ العدد 148 ـ 24 نيسان 1987).

 

وفي شروحات أخرى أحدث نقرأ للشيخ نعيم قاسم (كتابه: حزب الله، المنهج، التجربة، المستقبل-بيروت 2003): "لا علاقة لموطن المرجع بمرجعيته... فالإمام الخميني، كولي على المسلمين، كان يحدد التكليف السياسي لعامة المسلمين في البلدان المختلفة.. هذا والارتباط بالولاية تكليف والتزام يشمل جميع المكلفين... حتى عندما يعودون إلى مرجع آخر في التقليد، لأن الإمرة في المسيرة الإسلامية العامة هي للولي الفقيه المتصدي.." (ص75).. "الحزب يلتزم القيادة الشرعية للولي الفقيه كخليفة للنبي والأمة، وهو (الولي) الذي يرسم الخطوط العريضة للعمل في الأمة، وأمره ونهيه نافذان" (ص23).

 

تقوم نظرية الولاية العامة للفقيه على أن الدليل (العقلي والشرعي) قد دل على أن الإمام المعصوم (أي المهدي) قد نصب الفقيه الجامع للشرائط (أي الذي يجمع في شخصه شروط العلم الفقهي والعدالة والكفاءة في الإدارة، إلى جانب التصدي والبروز للقيادة) وذلك في عصر غيبته الكبرى (أي غيبة الإمام المهدي التي لا يعرف متى تنتهي إلا من حيث أنه سيرجع ليملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعد أن امتلأت ظلماً وجورا)... وهو (أي المهدي) قد نصب هذا الفقيه ولياً عاماً، ولاية تصرّف على المسلمين.. وقد ثبت للفقيه بمقتضى هذه الولاية العامة (أو السلطة المطلقة) جميع ما ثبت للإمام المعصوم وللنبي نفسه.. فالولي الفقيه الجامع للشرائط هو "الحاكم الإسلامي المطلق" (الإمام، ولي أمر المسلمين) المعيّن بالنصب العام حاكماً على المسلمين.. أي أنه ليس فقيهاً متشرعاً فقط، أو مرجعاً للتقليد، بل هو حاكم عام مطلق الولاية له صلاحيات الإمام والرسول.

 

الموقف الشيعي الرسمي من صيغة حزب الله

منذ الإعلان عن تأسيسه (الرسالة المفتوحة في 16 شباط 1985)، بل منذ بداية تحرك الحرس الثوري في بعلبك (تموز 1982)، رفض الإمام شمس الدين صيغة "حزب الله" ومشروعه، من دون أن يفقد حلمه وصبره وحكمته ومحبته ورعايته لأبناء الحزب وكوادره.. وقد كلّفه موقفه الصلب ليس فقط حملات التخوين والتشهير، وإنما أيضاً محاولات العزل والاضطهاد والتآمر، وحصره وحصاره، وشل عمل المجلس الشيعي ومحاربته على المنابر وبالشائعات وحملات الدس والتحريض، مما لا حاجة إلى إعادة التذكير به هنا..

 

رأى شمس الدين منذ البداية خطورة كبيرة تكمن في الاسم نفسه (حزب الله) والذي يستبطن عقلية تكفيرية حين يقسم الناس إلى فسطاطين (تماماً مثل بن لادن وقبله بكثير): "حزب الله" في مقابل حزب الشيطان، فيكون كل من ليس في الحزب عدواً كافراً ينبغي هدايته أو كسبه أو إلغاؤه.. ورغم أن رؤية الحزب وخطابه المعلن قد تطورا في السنوات الثماني التي سبقت وفاة الإمام (1992 -¬ 2000)، إلا انه رحمه الله ظل يكرر في السر والعلن، انه لا يجوز لأحد، كائناً من كان، أن يحمل اسم الله عز وجل.. أو أن يتسلط على الناس باسمه تعالى.. فادعاء ألوهية الحزب لا يتناقض فقط مع بشرية العمل السياسي والعمل الحزبي، إنما هو أساساً وبداية يخالف شرعاً كل ما قام عليه الإسلام، ويِخالف التشيّع الأصيل الذي لا يرى ولاية لأحد على أحد في زمن غيبة المعصوم، إذ لا معصوم بين البشر، والولاية التي هي للّه ولرسوله وللائمّة المعصومين عادت إلى الأمة فهي المقدس، وهي المرجع". حتى أن شمس الدين صرح في مؤتمر فقهي شيعي انعقد في لندن (تموز 1990) إن "وحدة الأمة" هي الثابت المقدس (مقدس نسبي لأن المقدس المطلق هو الله وحده).. الأمر الذي جعل الصحافي المصري فهمي هويدي يكتب في الأهرام مقالة شهيرة حملت عنوان: "شمس الدين: وحدة الأمة تأتي قبل الإمامة".

 

وكان شمس الدين يكرر في ذلك مقولة المرحوم السيد محمد رشيد رضا: "فأمام وحدة الإمام الواجبة (أي الإمامة أو الخلافة العظمى أو القيادة أو الحزب الإلهي) واجبات كثيرة قد فرّط فيها المسلمون من قبل... أن وحدة الإمامة تتبع وحدة الأمة.. فأنى يكون لها إمام واحد وهي ليست أمة واحدة؟... ومن ذا الذي يطالب بإعادة منصب الخلافة إلى الموضع الذي وضعه فيه الشارع؟ أهل الحل والعقد؟ ومن هم وأين هم اليوم؟" (كتاب الخلافة ـ ص 143)..

 

والمشكلة في رأي شمس الدين تكمن في أساس أطروحة أو صيغة "حزب الله" التي يتمظهر فيها الدين الإلهي باعتباره مشروعاً دولتياً (أي لإنشاء دولة) ومشروعاً تنظيمياً للمجتمع، ومشروعاً حزبياً.. فالدين (أي دين) والمذهب (أي مذهب) لا يجوز ولا يمكن أن يتمظهر في حزب.. أما من حيث ادعاء "حزب الله" حمله "مشروعاً إسلاميا" فقد كان رأي شمس الدين واضحاً قاطعاً من أنه "لا مكان في لبنان لأي مشروع إسلامي بالمعنى التنظيمي... والحزب كمؤسسة ثقافية مقبول.. أي من حيث كونه سيعلّم الناس الصلاة والقرآن والعقائد.. أما من الناحية السياسية، فحزب الله تعبير عن مجموعة من الناس، من حقهم أن يعبّروا عن أنفسهم، باعتبارهم جماعة سياسية تستعمل الخطاب السياسي والأسلوب السياسي... وأكثر من هذا لا نوافق عليه على الإطلاق".. واعتبر شمس الدين من جهة أخرى أن "حزب الله" لا يملك مشروعاً وإنما يملك خطاباً "والخطاب لا يمكن أن يستقطب مجتمعاً وإنما عادة يستثير مشاعر ويرسم اتجاهاً ويعبّر عن مضمون ثقافي.. فهو (أي الخطاب) يصلح لأن يكون عاملاً تعبوياً تحريكياً، أما أن يكون الخطاب هو الصيغة التنظيمية فهذا غير صحيح"...

 

وقد حذّر شمس الدين مراراً وتكراراً من الوقوع في "الفخ" الذي وقعت فيه الحركات القومية واليسارية وهو "فخ العجلة.. فجيلنا كله عانى من أن هذا النظام العربي أو ذاك من الأنظمة التي تصدّت للمشروع الإسرائيلي يريد هو بنفسه أن ينجز تحرير فلسطين مثلاً، وأن يستمتع بأمجاد تحرير فلسطين في أشهر أو في سنة.. أو يريد أن يوجد نموذجاً كاملاً للدولة الحديثة في أشهر أو في سنة.. فيَعنُف بالأمة عنفاً شديداً ويسوقها سوقاً عنيفاً... الاستعجال هو إحدى آفات العمل لأنه يعتمد وسائل تحريض داخلية تقذف بالمجتمع وبقيادات المجتمع إلى مواجهة خيارات لا تكون مؤهّلة لها.. ومن هنا نرى ظاهرة العنف التي هي في بعض الحالات تعبير عما أسمّيه: "حماس بلا ورع وسياسة بلا فقه"، وأحياناً تكون ناتجة عن ضيق وعن حبّ في الإنجاز السريع، والإنجاز السريع قد يؤدي إلى كوارث"..

 

وما ينبغي ذكره وتسجيله هنا أن الدولة اللبنانية وقفت في وجه مشروع الإمام شمس الدين وشاركت في دعم وتقوية مشروع حزب الله. ويكفي أن أعطي هنا مثال التعليم الديني والإعلام الديني وقد خاض شمس الدين صراعاً مريراً حتى لا يعطى امتياز احتكارهما والسيطرة عليهما للمشروع الإيراني لحزب الله. وفي النتيجة كانت الصفقة الرسمية التي أعطت حزب الله السيطرة على الإعلام والتعليم ناهيك عن الأوقاف والتبليغ الديني والحوزات..كما لا بد من أن أذكر أن السلطة الدينية للمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى ولرئيسه كانت منتهكة وبصمت وتواطؤ من الدولة ورموزها وأركانها.ومن جهة أخرى لا بد من التذكير أن تفاهم نيسان 1996 هو الذي شرعن وجود الحزب في الساحة الشيعية وأعطاه البعد الذي كان يفتقده وذلك برغم معارضة الشيخ شمس الدين الذي عقد مؤتمراً صحفياً تاريخياً ودماء شهداء قانا لما تجف بعد وطالب الدولة بأن تتولى هي التفاوض وإبرام التفاهمات وأن لا تتنازل عن هذا الحق الحصري إلى أي حزب أو أية دولة أخرى.. وتكفي مراجعة كتاب الدكتور وضاح شرارة (دولة حزب الله-دار النهار) لمعرفة كيف سيطر الحزب وبالتدريج وبتواطوء السلطة اللبنانية على كل الحقول السياسية والاقتصادية والتربوية والدينية والإعلامية بدعم سوري-إيراني وبغطاء لبناني رسمي.

 

حزب الله والمرحلة الجديدة

كان لا بد أن يؤدي الاندحار الإسرائيلي في 25 أيار 2000 إلى خلق واقع جديد كان أول ما عبر عنه بيان المطارنة الموارنة في أيلول ذلك العام، ثم مواقف الأستاذ وليد جنبلاط... ثم تشكيل لقاء قرنة شهوان المسيحي وبيانه التأسيسي التاريخي (نيسان 2001)..وتأسيس المنبر الديمقراطي(أيار 2001) ثم مصالحة الجبل التاريخية(5 آب 2001) والقمع الرسمي الكبير ايام 7 و8 آب الشهيرة وانتخابات المتن الفرعية وإغلاق محطة غبريال المر...الخ... لكي يتلوها لاحقاً مواقف واضحة للرئيس الحريري وتشكيل لقاء البريستول(2004)..وخلاصة هذه المواقف أن الانسحاب الإسرائيلي الذي تحقق بفعل مقاومة وصمود الشعب اللبناني يفتح صفحة جديدة في تاريخ لبنان عنوانها بناء الدولة الحرة السيدة المستقلة العادلة المتوازنة، المنخرطة في إطار التضامن العربي مع الاستراتيجية العربية العامة والموحدة. وإذا كان اللبنانيون قد وافقوا على حصر العمل المسلح بحزب الله كطريقة في إدارة الصراع مع العدو الإسرائيلي تستجيب للوضع العربي والدولي والسوري الناشىء بعد حرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفياتي، فان ذلك الحصر حظي وقتها بمظلة عربية سعودية-مصرية-خليجية أمنت دعماً دولياً (أوروبيا على الأخص) وحماية لسوريا نفسها، وبأداء إيراني عاقل ومتوازن (رفسنجاني ثم خاتمي)، كما بأداء مميز لقيادة الحزب (صبحي الطفيلي ثم عباس الموسوي ثم حسن نصر الله) ساعد على تجنب كل الأخطار والمطبات وعلى منع إمكانية توظيف حصرية المقاومة في السياسة الداخلية اللبنانية..وكان إنجاز حزب الله في التحرير هو الإنجاز العربي والإسلامي الوحيد في هزيمة الاحتلال وتحرير الأرض..

 

وهو أهدى إنجازه التاريخي هذا إلى كل اللبنانيين، والى كل أنواع المقاومين الذين رفدوا هذا التيار منذ عام 1968... وهو أنجاز يدين أساسا وأساسا للصمود الأسطوري للأهالي، أولئك الناس البسطاء الشرفاء في الجنوب والبقاع وفي كل لبنان..ولم يكن بالإمكان انطلاق ونجاح حركة المعارضة المطالبة بالاستقلال والسيادة والدولة العادلة المتوازنة، لولا الانتصار التاريخي في أيار 2000 ولولا الانسحاب الإسرائيلي..ومن هنا صحة القول بان حزب الله وحركة أمل كانوا نوعا معا داخل حركة الاستقلال والسيادة، من حيث المساهمة الكبرى في تأمين شروط انطلاقها، وان انضمام الرئيس الحريري إليها وقيادته لها حتى بعد استشهاده كانت وما تزال هي الضمانة الأساسية للمقاومة فيها....أما اليوم أي بعد التحرير، وحتى في حال صحت قضية مزارع شبعا (وهي تتوقف على اعتراف سوري رسمي بلبنانيتها أمام المجتمع الدولي)، فان أساليب النضال والتحرك لم تعد كما كانت. و المسألة الأساسية هي العودة إلى ذلك السؤال المهم والحاسم: ما هي المقاومة ؟ ولماذا ؟ وكيف ؟ وفي ظل الأوضاع الجديدة الناشئة بعد 11 أيلول واحتلال العراق؟ كيف نوازن بين شرعية استمرار المقاومة (بعد رسم استراتيجيتها وتحديد أهدافها) وبين ضرورة بناء وبسط شرعية الدولة اللبنانية ؟ كيف نوفّق بين الوطن اللبناني وكيانه السياسي ودولته ومؤسساته، وبين العروبة والإسلام وقضايا التحرير والوحدة لأمة عربية أو إسلامية تتلاطمها الأمواج في عصر العولمة والاستعمار الجديد؟

 

إن الخلاصة التي وصل إليها المسلمون اللبنانيون بعد طول تجربة ومعاناة هي أن المقاومة ليست غاية في ذاتها كما يحلو للبعض تصويرها جهلا أو تطرفا... والإسلام هو الذي علمنا أن كل ما في هذا الكون حتى الدين نفسه وجد لأجل الإنسان وليس العكس..ألم يأمر الله الملائكة بالسجود لأدم ؟ ألم يكرّم الله الإنسان ويفضلّه على كل المخلوقات ؟ ألم يعين الله الإنسان خليفة له على الأرض؟ ألم يقل السيد المسيح "إن السبت وجد لأجل الإنسان وليس الإنسان لأجل السبت"...فالإنسان وكرامته وحريته هي أسمى غايات الدين ومقاصده. ذلك أن مقاصد الشريعة الواضحة والمتفق عليها بإجماع الفقهاء والمتشرعين من كل المذاهب هي ثلاثة أقسام: ضروريات وحاجيات وتحسينات، وقد حصروا الضروريات في حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال - وبعضهم جعل النفس قبل الدين- وقالوا إن هذه الأمور الخمسة قد ثبتت لديهم بالاستقراء وليس من الإسلام وحده بل "بالنظر إلى الواقع وعادات الملل والشرائع"....

 

وأما الحاجيات فهي كل ما قامت الحاجة إليه من اجل رفع الضيق والحرج والمشقة (الدين يسر لا عسر).. وأما التحسينات فهي في الأخذ بما يستحسنه العقل من العادات والمستجدات وتجنب ما يستقبحه منها، سواء في مجال الحاجيات أو الضروريات...وأضافوا إلى كل قسم من هذه الأقسام ما هو له كالتتمة والتكملة (تكميلات) وجعلوا الضروريات أصلا للحاجيات والتحسينات والتكميلات باعتبار أن "مصالح الدين والدنيا مبنية على هذه الأمور الخمسة المذكورة" أي حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال...و كما اتفقوا على أن أحكام الشرع معللة بجلب المصالح ودرء المفاسد..ويعترف العلماء والفقهاء أن مصالح العباد في الدين والدنيا صارت اليوم تشمل الحق في حرية الرأي والتعبير والعمل السياسي والديمقراطية في الحكم والسلطة (أو الشورى إن شئت) والحق في العمل والمسكن وفي التعليم والصحة وفي الحياة الحرة الكريمة... فالمقاومة هي إذن في شرع الإسلام والمسلمين أداة أو وسيلة في خدمة هدف أو أهداف الإنسان والمجتمع والأمة في الوحدة والحرية والكرامة والعدالة..فلا يوجد عالم أو فقيه يقول لك (كما ذهب احدهم مؤخرا) إن المقاومة هي الأصل والمبدأ المطلق وان المجتمع أو الوطن أو الدولة أو مقاصد الشرع، هي فرع تابع أو لزوم مكمل لغرض المقاومة الذي يصير كالمطلق أزلي سرمدي وعلى مستوى العزة الإلهية (والعياذ بالله).ولم نقرأ أو نعرف لأحد من المسلمين رفعاً لشأن الجهاد إلى حد اعتباره بديل الدين أو أصل الأمة أو أساس المجتمع.. وكل ما عرفناه وقرأناه وتعلمناه ووعيناه وعرفه ومارسه قبلنا كل المسلمين هو أن الجهاد باب من الأبواب وانه مشروط بشروطه وانه تحت إمرة الإمام العادل (عند الشيعة)أو الخليفة (عند أهل السنة) وان الشرعي المقبول منه هو الجهاد الدفاعي أي المقاومة ضد احتلال أو ظلم وطغيان وان هذا الجهاد له أبواب تفصيلية في فقه المسلمين وله شروط واعتبارات تقع كلها تحت مستوى مقاصد الشرع ومصالح العباد أو تحت مسمى الحرب العادلة...

 

وفقهاء المسلمين الذين كان الورع والتقوى والعلم يمنعهم من الإفتاء مخافة الوقوع في الخطأ وتحمل مسؤولية الفتوى، كانوا أكثر ما دققوا وربطوا وعقدوا الفتاوى المتعلقة بالجهاد.. ومن يراجع كتب الفقه وتاريخ الإسلام، السني والشيعي والزيدي والخارجي والظاهري، يدهش لكون إعلان الجهاد كان مقيدا بألف قيد وقيد..وكما في كل الشرائع السماوية، فان الإسلام أرسى الضوابط والحدود وحدد السلوكيات والأخلاقيات الواجب إتباعها إذا كان لا بد من الحرب...والحرب العادلة فقط وليس مطلق حرب (أي الجهاد الدفاعي والمقاومة)..... فليست الحرب بالمتعة أو العبادة (كما يقول البعض اليوم جاعلا من الإسلام دين حرب وسيف لا دين حق وعدل ومكارم الأخلاق)، بل هي آخر الدواء حين يكون ذلك مناسبا للمجتمع والأمة... فأين نحن اليوم من الفهم الإسلامي للجهاد وللحرب وللمقاومة؟؟؟

وفي الشرع السياسي الوضعي الدولي المقاومة هي كما قال كلاوزفيتز عن الحرب "امتداد للسياسة بوسائل أخرى"..هي وظيفة نضالية محددة محكومة بأسلوب وطريقة وبضوابط واطر، وبمرجعية سياسية واضحة من حيث حفظ المصالح وجلبها ودرء المفاسد وردعها..وهي شرعية ومشروعة ضمن ضوابط وحدود المجتمع الدولي وقوانينه وأعرافه التي يعترف الإسلام بها كلها على قاعدة الوفاء بالعهود التي نوقعها وندخل ضمنها (إن العهد كان مسؤولا)... وفي المعنى الوطني، أو السياسي الوضعي، فان المقاومة، أية مقاومة، هي حركة سياسية مسلحة ترتبط بإطار ناظم شامل وعميق هو ميثاق البلاد ودستورها وما اتفق عليه أهلها من نظام حكم ومؤسسات، وما تعاهدوا عليه من أهداف عليا وغايات..

 

وإلا تحولت المقاومة إلى ميليشيا والى حب السلاح... كما أن الميليشيا ليست شتيمة بل وصف للقوى الشعبية المسلحة غير النظامية والتي كانت عنوان افتخار في التجربة الفلسطينية وقبلها في تجارب العديد من الشعوب وعلى رأسها الشعب الاميركي نفسه خلال حرب الاستقلال..أو التجربة الفرنسية أو السويسرية أو الأوروبية عموما في حرب الأنصار والمقاومة ضد النازية والفاشية.ولكن بعد قيام الدولة المستقلة يصير من الواجب الديني والوطني انضواء المقاومة تحت راية الدولة والنظام وإلا صارت قوة فئوية خارج الدولة وفوق الدستور وفي مواجهة مع مصالح الناس وأمنها واستقرارها وتلك من الضرورات الشرعية الواجب حفظها والتفكير فيها أولا..أي قبل أي شيء آخر... وبها تقاس الأمور وليس عكس ذلك...

 

 أما من حيث احتكار "حزب الله" لمشروع المقاومة فقد كان موقف الشيخ محمد مهدي شمس الدين قاطعاً حازماً أعلنه في كل المناسبات ومن على أعلى المنابر.. فالمقاومة "نهضت تحت سقف مشروع الإمام الصدر والمجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، المشروع الوطني الإسلامي الإنساني لبناء الدولة والمجتمع في لبنان وعلى ثوابت الكيان اللبناني ومسلّماته.. والمقاومة نمت في ظل هذا المشروع، فهي مقاومة الشعب اللبناني، كل الشعب اللبناني، لا فئة واحدة منه، وكل المناطق اللبنانية، لا منطقة واحدة منها، وهي مقاومة الدولة والمجتمع والجيش والأهالي والأحزاب.. وكل ذلك تحت سقف، وفي ظل، المشروع الوطني الذي هو الحصن والحضن والمرجع والمآل... إن المقاومة ليست غاية بحد ذاتها، وليست مشروعاً خاصاً بحد ذاته، ناهيك عن أن تكون حزباً أو فئة خاصة خارج مشروع الدولة والمجتمع في لبنان.. المقاومة أداة ضغط سياسية لها غاية تحرير لا غير، ووظيفتها أن تخدم هدف التحرير الذي يقوم به المجتمع بجميع مؤسّساته السياسيّة والأهليّة.. إنّ هذه الرؤية هي الرؤية الوطنيّة الحقيقيّة للمقاومة".

 

أما من الناحية الاستراتيجية فلقد كان للإمام رأيه المبرز والمميز، منذ العام 1968... وهو استمر على هذا الرأي (وهو نفس رأي الإمام الصدر) في ضرورة وجود استراتيجية عربيّة موحّدة للمواجهة مع إسرائيل (سلماً أم حرباً): "إما أن توضع استراتيجيّة عربيّة كاملة لتحمّل أعباء قضية فلسطين، ويكون لبنان والجنوب جزءاً منها، وإلا فلا يمكن أن نوافق أبداً على أن يكون الجنوب أرضاً محتلة.. ونحن سنكون أول المجاهدين وأول الشهداء إذا كانت هناك خطّة عربيّة شاملة.. أما إذا لم تكن هناك خطة، وتكون هناك مزايدات وعنتريات وتناقض وتمزّق عربي، فلمصلحة مَنّ يضيع الجنوب؟".

 

وقد صاغ الإمام رؤيته المتكاملة لمسألة الصراع مع إسرائيل على الشكل التالي: "نحن في لبنان محكومون بثلاث معادلات، المعادلة الوطنيّة: الإسرائيليون يحتلون أراضي لبنانية، والمعادلة القوميّة أو العربيّة: الإسرائيليون يحتلون فلسطين العربيّة والجولان.. والمعادلة الإسلامية: هم يحتلون بلاداً إسلامية وشرّدوا شعبها وينتهكون مقدسات إسلاميّة.. المقاومة تخدم المعادلات الثلاث.. فكوننا لبنانيين نقاوم، وكوننا عرباً نقاوم، وكوننا مسلمين نقاوم، وإن كنا نفضّل أن لا يكون للمقاومة في لبنان هوية دينيّة.. وإذا تمّ انسحاب إسرائيل إلى ما وراء الحدود الدوليّة مع فلسطين من دون شرط.. ووفقاً للقرار الدولي 425. إذا تم ذلك لا يعود عندنا في لبنان معادلة وطنية.. تتوقف المقاومة.. ولكن هذا لا يعني اعترافاً بشرعية الكيان الإسرائيلي من الناحية القوميّة ومن الناحية الدينيّة.. هذا الكيان غير شرعي ومقاومته مشروعة بل واجبة.. ولكن نحن بعض العرب في لبنان، وبعض المسلمين في لبنان.. ولا يمكن أن نأخذ على عاتقنا تنفيذ قرار عربي على المستوى القومي، أو إسلامي على مستوى الأمّة الإسلاميّة، وحدَنا.. ومن هنا لا يمكن أن نستمر في المقاومة باعتبارها قومية عربية أو مقاومة الأمة الإسلامية.. وما لم يكن هناك قرار عربي أو إسلامي قابل للتنفيذ، لا يقتصر على مجرّد الشعار السياسي، فنحن جزء منه، وإلا فإن قدرتنا على المقاومة تتوقف عند حدود الانسحاب الإسرائيلي من أرضنا..".

 

وأخيراً لا يسعنا إلا أن نردد قول الإمام شمس الدين "إن خطاب التشيّع، خطاب الحسين، خطاب عاشوراء، هو خطاب العيش المشترك في لبنان، لا بلقلقة اللسان، والشعارات الجوفاء، بل بالعيش الواحد الذي يقوم على ثوابت الكيان اللبناني، وثوابت الدولة والمجتمع في لبنان، العيش الواحد الذي يعترف للآخرين بكرامتهم وبحريتهم وبثقافتهم وبكياناتهم الداخلية، لا يهرّج عليهم ولا يهيمن عليهم بشعار القداسة... لا تجعلوا الحسين (ولا تجعلوا المقاومة) حجراً تلقمون به أفواه الآخرين، أو ترجمون به الآخرين، أو تخضعون به الآخرين، أو تحاربون به الآخرين".

 

**موقع رسالة بيروت