وقائع ترويع أهالي رأس بيروت في حملة 8-9 أيار العسكرية

لبنان الآن

18/6/08

 

تنقل هذه الرواية المتعددة الاصوات وقائع من حملة 7-9 أيار الماضي العسكرية التي قادها "حزب الله" على منطقة رأس بيروت التي يعتبرها "الحزب السوري القومي الاجتماعي" من محظياته "التاريخية" لأن زعيمه وبعض رفاقه كانوا في ثلاثينات القرن الماضي طلاباً في الجامعة الاميركية في بيروت.

 

بعد ظهر نهار الجمعة في 9 أيار الماضي، رأى من خرج من بيته من أهالي شارع الحمراء ومحلة أبو طالب أعلام "الحزب السوري القومي الاجتماعي" مرفوعة على أعمدة الإنارة في الحمراء، وشارة الزوبعة، رمز الحزب نفسه مطبوعة على جدران الشوارع الموازية للحمراء: المقدسي وجان دارك. وصادف بعض الأهالي والمارة عدداً قليلاً من مسلحي هذا الحزب يقفون على مقربة من متجري الثياب، "فيرو مودا"، اللذين حلا محل مقهى الـ"ويمبي" ومقهى الـ"مودكا"، ويفتشون الشبان، ويطلبون منهم "الانبطاح" على الارض أثناء عملية التفتيش. وشأن "حركة أمل" في محلتي الملا وكركول الدروز، سارع "السوريون القوميون" الى زرع رموزهم الحزبية من أعلام وشعارات وشارات طبعت على الجدران، في الشوارع التي سيطروا عليها عسكرياً. احتفالاً بسيطرتهم الحربية عليها، سواء شاء أهلها والنازلون فيها الانتساب الى هذين الحزبين أم لم يشاؤوا.

 

"حزب الله" في زي الجيش؟

وفي محلة أبو طالب، يروي رامي (38 عاماً)، وهو صاحب دكان في هذه المحلة، ما جرى مساء نهار الخميس في الثامن من أيار الماضي، نقلاً عن شقيقه وأقاربه الذين نزلوا الى الشارع "للدفاع عن المنطقة". ورامي لم يشارك شخصياً في المعركة مخافة أن يترك زوجته وابنه، ابن الاشهر القليلة، بمفردهما. فقرابة الساعة السادسة والنصف مساء ذلك الخميس (في 8 حزيران الماضي)، باشر "السوريون القوميون" القادمون من مركزهم في محلة الروشة إطلاق الرصاص وقذيفتي "آر بي جي" في الهواء. وبعد بعض الوقت من إطلاق النار في الهواء لترويع الناس، حلت ظلمة الليل، فتنادى نحو عشرين شاباً من أبناء المنطقة، ومعظمهم من آل شهاب وشاتيلا وغلاييني والداعوق وغيرهم، الموالين لـ"تيار المستقبل" للدفاع عن منطقتهم بأسلحة رشاشة قليلة. ودارت معركة صغيرة بين مسلحي الحزب "السوري القومي" وهؤلاء الشبان دفاعاً عن "بيوتهم وشرفهم". وطوال ليل الخميس الجمعة، وفيما خلا ساعة أو نصف الساعة هطل فيها المطر، لم يستطع "القوميون" حسم المعركة والتقدم نحو أبو طالب قادمين من شارع كاراكاس.

 

وبحسب رواية الاهالي، تكثف، قرابة الساعة السادسة والنصف صباح الجمعة، إطلاق النار، واشتدت المعارك. فمسلحو "حزب الله" دخلوا شارع الحمراء لمساعدة "القوميين" على التقدم. وثمة روايات كثيرة عن دخول "حزب الله" شارعي الحمراء، "السادات" و"أبو طالب". ويجمع صاحب متجر في محلة "أبو طالب"، وصاحب متجر في "السادات"، وربة منزل تقيم في شارع التنوخيين بـ"أبو طالب"، على أن مسلحي "حزب الله" غدروا أهالي راس بيروت. فهم "دخلوا المنطقة مرتدين زي الجيش اللبناني". وحسِب المقاتلون المدافعون عن المنطقة أن الجيش (اللبناني) تسلّم المنطقة. ويقول كمال ش. (صاحب متجر): "قرابة السادسة والنصف صباح الجمعة (في 9/5/2008)، شاهدنا ملالة وسيارة جيب تابعتين للجيش اللبناني في نهاية شارع الحمراء. واعتقدنا ان المعركة انتهت.

 

وبعد دقائق، تبين لنا، ومع احتدام المعارك، أن الجيش مهد الطريق أمام مقاتلي "حزب الله". وبعد هجوم "حزب الله"، أدرك شباب المنطقة الذين دافعوا عن منازلهم أنهم لن يستطيعوا ردع "القوميين" و"حزب الله". فعادوا الى بيوتهم أو اختبأوا في منازل أقارب أو جيران.

 

ولكن ما يرويه هؤلاء الأهالي عن مساعدة الجيش "حزب الله" قد يكون مرده الى تزامن توجه تعزيزات الجيش اللبناني الى محيط قصر قريطم مع وصول قوات "حزب الله" الى الحمراء. فصاحب مطعم صغير من المطاعم المنتشرة في جوار الجامعة اللبنانية- الأميركية والذي حوصر في محله طوال الليل، يقول إنّ الجيش استقدم قرابة الساعة السادسة ونصف من صباح الجمعة، تعزيزات كبيرة الى محيط منطقة قريطم.

 

ويستنكر هذا الشاب ما ارتكبه "حزب الله" في راس بيروت، ويقول:" دخلوا على المنطقة وكأنها "دولة اسرائيل"، وهي العدو. ولكن القوات الاسرائيلية حين اجتاحت بيروت لم تفعل ما فعله "حزب الله". فهذه القوات حاصرتنا، ولكنها لم توجه الإهانة الى الاهالي في بيوتهم، وتذلهم على ما فعل الاخوان ("حزب الله"). هم اعتدوا على أملاك الناس الآمنين في بيوتهم، وتحدونا. وقفوا في الشارع، وأخذوا يصيحون "أين أنتم يا بيارتة، يا جماعة أولمرت وبوش". ونحن حضنّا أهل الجنوب في حرب تموز، وأنا استقبلت ثلاث عائلات في منزلي. والزيجات بين أهالي الجنوب والبيارتة كثيرة. وفي الاجتياح الاسرائيلي، زرت عديلي المقيم في رام الله، وشاهدت اهل الجنوب يتاجرون مع الإسرائيليين ويبيعونهم زيت الزيتون". والحق أن مقارنة هجوم "حزب الله" بالاجتياح الإسرائيلي هي لسان حال معظم أهالي راس بيروت.

 

وثمة روايات كثيرة عن مرافقة قوات إيرانية، بعضهم يقول إنها من "الحرس الثوري" الإيراني، مقاتلي "حزب الله" في رحلة إرهاب أهالي راس بيروت وترويعهم. ويروي شاب من الذين حملوا السلاح في مواجهة "القوميين"، أن خمسة إيرانيين وعنصرين من "حزب الله" داهموا البناية حيث يقيم في "أبو طالب"، قرابة التاسعة إلا ربعًا من صباح الجمعة (في 9 أيار). ويقول:"

 

رأى الجيران أشخاصاً يرتدون زيّ الجيش اللبناني، فنزلت الى منور الدرج لأستطلع ما يجري. سمعت رجلين يتحدثان بلغة لا أفهمها مع عنصري "حزب الله". فأطلقوا النار على بوابة المبنى، وأرادوا تفتيش المنازل. ولكنّ شاباً من أقاربي ناشطًا مع ما يسمى المعارضة، تدخل، وقال لهم إنّ سكان هذا المبنى "قوميون سوريون". فعاد مقاتلو "حزب الله" والإيرانيون أدراجهم، فتسنى لي الهرب من المنزل. وبعد نحو ساعة، جاء "السوريون القوميون" باحثين عني، ولكنني هربت قبل مجيئهم".

 

عرض أزياء وأسلحة "إلهية" في شارع الحمراء

وفي شارع الحمراء، من مقهى "كوستا" وصولاً الى مركز "كونغرس للترفيه" في "أبو طالب"، انتشر مقاتلو "حزب الله" منذ الصباح الباكر في 9 أيار الماضي، وقفوا مزهوين بنصرهم الجديد، وسيطرتهم على شارع تجاري يكاد يكون خالياً من السكان مطلقين الرصاص على عارضة أزياء بلاستيكية ترتدي فستاناً أبيض، وتقف جامدة في واجهة متجر ثياب على زاوية الطريق مفضي إلى شارع بافيون. بعض مقاتلي "حزب الله" ارتدوا بزّاة عسكرية تشبه التي يرتديها الجيش اللبناني، وألوانها جديدة لم تبهت بَعد، وبعضهم الآخر ارتدى سراويل جينز جديدة و"تي شيرت" وضعت فوق السروال، وزُنرت بجعبة زيتية اللون مليئة بالذخيرة. وانتعل أصحاب الجينز أحذية من الطراز المعروف بـ"تيمبرلاند".

 

وبدا أن الشباب اليافعين منهم مزهوين بملابسهم الجديدة وأسلحتهم السوداء الحديثة، كما لو أنهم أطفال حصلوا للتو على "عيدية" العيد، وارتدوا ثيابه، وركضوا في الشارع ليلعبوا بأسلحتهم الجديدة. وحمل كل مقاتل "إلهي" -وبضعهم في العقد السادس من العمر غزا الشيب شعرهم وبعضهم الآخر في سن دون العشرين- أكثر من قطعة سلاح كما لو أنه في عرض عسكري، لا في ساحة معركة. فكل مقاتل حمل رشاشي كلاشينكوف، ونحو ثلاث قذائف "بي 7" و"آر بي جي". وشاهدت مقاتلاً منهم يؤدي مشهداً مسرحياً على مقربة من متجر "ألدورادو".

 

فهو أخذ يتنقل بين رصيف وآخر، مصوباً سلاحه نحو عدو خفي ومتلفتًا يمنةً ويسارًا مقلّداً أبطال أفلام الـ"أكشن" الأميركية، في حين أن زملاءه وقفوا في أمكنتهم مطمئنين الى مواقعهم القتالية المزعومة وغير مكترثين بأدائه. وبين مقاتلي "حزب الله" ممثل موهوب آخر ثبّت رشاشه على الأرض، وانبطح بدوره يصوب على عدو وهمي.

 

صورة عالم القوميين العلماني المزعوم

أمام مكتب "الحزب السوري القومي الاجتماعي" في مبنى على مقربة من قهوة كعكايا ومكتبة النجمة في شارع المقدسي، رُفع علم الحزب الأسود الذي تتوسطه الزوبعة الحمراء المستوحاة من صليب النازيين المعقوف. وفوق هذا العلم، رُفع علم أبيض كتب عليه بالأحمر "حتى التحرير والنصر". ترددت خائفة من دخول مقر "السوريين القوميين"، وتوترت. فباحة المبنى الداخلية الضيقة والمقفرة المفضية الى المركز توحي بأن المبنى مهجور وخال من المدنيين.

 

وخشيتُ أن يكون المقاتلون الذين انتشروا في الحمراء وكاراكاس وأبو طالب لا يزالون فيه. فعرض عليّ ناطور البناية المجاورة الذي سألته عن المركز الحزبي، مرافقتي. وفي الطبقة الاولى، وجدت نفسي أمام بوابة حديدية حمراء اللون وكبيرة تقطع الممر المفضي الى مدخل الشقق. فتوجهت بالكلام الى شاب جالس وشبه مقيم في الداخل، وطلبت منه الدخول إلى ما تبين أنه "منفذية طلاب في الحزب السوري القومي الاجتماعي". وجدت نفسي في ما يشبه غرفة جلوس منزلية عادية تتوزع في أرجائها مقاعد جلدية سوداء وثيرة، وعلى جدرانها أوراق كتب عليها: "لأن الرياضة العقلية تبدأ بالمطالعة، يسر نظارة الاذاعة أن تعلن عن خدمات مكتب الشهيد كمال خيربك"، و"المجد لسوريا: لأن الثقافة بناء، يسر نظارة الاذاعة والاعلام أن تعلن عن استحداث خدمة تأجير (دي في دي) لقاء 1000 ليرة".

 

دعاني شاب الى الجلوس. وعلى مقربة مني، جلس شاب يستخدم كمبيوتراً محمولاً، ويتصفح حيّزه على موقع "فايس بوك" على شبكة الانترنت. وفور وصول الشاب المسؤول عن الكلام مع الصحافيين، استقبلني في مكتب مجاور عُلقت على جدرانه صورة انطون سعادة وزوبعة القوميين، وفاحت فيه رائحة عطن مزممن. وعلى طاولة المكتب، شاهدت في الوعاء البلاستيكي المخصص للأدوات القرطاسية رصاصات حربية محشوة. استهل الشاب "القومي"، وسام سميا، الطالب في منفذية الطلاب والمقيم في الدكوانة، الكلام بالقول إن الحزب يتعرض منذ 2005 الى ضغوط كبيرة، وإنّ الحملات الإعلامية تُشن عليه، وتتهمه بالتورط في اغتيال الشهيد رفيق الحريري، وإنّ القوميين "عضوا على الجرح وسكتوا".

 

ولكن "تيار المستقبل" الـ"نيو سلفي" "حاصر مكتب الحزب القومي الطلابي في شارع المقدسي، وأنشأ ثلاثة مراكز، الاول في شارع البافيون، والثاني فوق أزهار طقوش في شارع الصيداني، والثالث لصيق بمقر وزارة الاقتصاد السابق في شارع جان دارك. وزعم أن هذا المركز الاخير هو مقر شركة "سيكيور بلوس" الامنية التابعة لآل الحريري". وقال سميا إن "أصوليي تيار المستقبل"، وعددهم 1500 مقاتل، غريبون عن أهالي شارع الحمراء، في حين أن القوميين من أمثاله ينتمون الى "نسيج هذا الشارع"، وأن السلفيين استقدموا من عكار والفاكهة، وأنهم بدأوا بمضايقة و"تلطيش" الشابات في شارع جان دارك. وفي حضور "هؤلاء السلفيين"، لم يعد في وسع أي شاب التنزه مع شابة في الشارع. وروى شاب "المنفذية" أن ما حمل حزبه على "تكسير العصا" التي ضربته وأوجعته هي معاناة عناصره من نزع بعض الشبان أعلام الحزب "السوري القومي" في محلة الحمراء. وهذه المعاناة هي وراء توجيه السلاح نحو أهالي هذه المنطقة.

 

وبحسب سميا، قبض حزبه على أكثر من 200 مقاتل عكاري "وفاكهي" من "تيار المستقبل"، وسلمهم الى الجيش اللبناني، بعد التحقيق معهم "بشكل لائق". وكأن عدوى الخطف اللائق أصابت "السوريين القوميين"، وانتقلت اليهم من حليفهم الأبرز "حزب الله".

 

ويبدو أن "الحزب السوري القومي الاجتماعي" لم يتقبل ظهور قوة سياسية بيروتية مدنية جديدة منذ اغتيال الحريري في الشارع السنّي البيروتي، وشعر أن بروز "تيار المستقبل" يتهدّد وجوده الآفل في منطقة الحمراء التي كانت معقل نفوذه في ثمانينات القرن الماضي. وهذه المسائل، أي غيرة الحزب "السوري القومي" على الشابات المارات في شارع الحمراء ونعته "تيار المستقبل" بالاصولية الجديدة واتهامه بالخروج على الاجتماع الاهلي، هي مرآة العالم "القومي" المنقسم الى فسطاطين. فالشاب القومي سميا ينسب "الشهامة والاستقامة والانفتاح والمسالمة" الى حزبه، و"العدوان والاعتداء والجور والغرابة" الى الطرف الآخر الدخيل على "نسيج" أهلي متجانس. فعالم "القوميين" العلماني المزعوم هو أشبه بعالم "الأصوليين الإسلاميين" من أهل السنّة والشيعة، وهو وثيق الصلة بعالم الأحزاب العقائدية التوتاليتارية التي تدعو الى تطهير المجتمع من أبنائه.

 

رواية المنتصرين والأهالي

وعند خروجي من مكتب "السوريين القوميين"، توجهت الى شارعي الصيداني والبافيون، فلم أجد أثراً لمركز "تيار المستقبل" المزعوم. وسألت صاحب متجر "أزهار طقوش" عن هذا المركز. فوجئ، وقال لي إنه وأقاربه يملكون المبنى وأن عدداً منهم يقيم فيه، وأنه لم يسمع بمثل هذا المركز، وأن طلقة رصاص لم تطلق في هذا الشارع، وأنه سمع عن أربعة أو خمسة من أبناء عكار سلموا أنفسهم الى الحزب "السوري القومي" في شارع جان دارك في انتظار وصول الجيش. وتكلم صاحب متجر أزهار آخر في المنطقة عما جرى، وقال لي إنّ بضعة شباب من أبناء راس بيروت "صايعين وضايعين" يتجمعون على زوايا الشارع، ويتكلمون في السياسة، عوض المطالعة واكتساب مهنة.

 

وأن هؤلاء الشبان سارعوا الى الاحتماء ببيوت الجيران والاقارب، في حين أن الشباب العكاريين الخمسة لم يجدوا من يستقبلهم، فوقعوا في قبضة "القوميين". وفي شارع البافيون، ومقابل قهوة "تاء مربوطة"، نفى صاحب متجر أحذية صغير وجود أي مركز لـ"المستقبل" في الشارع، وأخبرني أن عدداً من شباب "المستقبل" وشباب ما يسمى المعارضة يلتقون في نادي "بوكر" (ميسر)، ويحتدم الخلاف بينهم أمام باب هذا النادي، وأن الخلافات بينهم يومية. وفي شارع جان دارك، أجمع أصحاب متاجر صغيرة على أن الشارع لم يشهد اشتباكات أو معارك أو اطلاق نار، وعلى أن المبنى الملاصق لمقر وزارة الاقتصاد كان مهجوراً وخالياً، وأنه لم يسمع يوماً بشركة "سيكيور بلوس". فاتصلت بهذه الشركة، وسألت عن المقاتلين الـ1500 الذين ضبطوا في الجان دارك، فقال لي مسؤول في الشركة هازئاً:" لم يكونوا 1500 بل 25 ألف مقاتل شرس".

 

وبعد هذه الجولة، حاولت دخول المبنى اللصيق بوزارة الاقتصاد، فاعترض طريقي جنديان، واقترحا أن يخبراني ما جرى. وبعدما قال أحدهما إنه كان يعمل نادلاً في مطعم في وسط المدينة وأنه التحق بالجيش بعد حرب تموز، روى الجندي الآخر أن الجيش تسلم من "السوريين القوميين" أكثر من 500 مقاتل من "تيار المستقبل" قدموا من الشمال الى بيروت، وأن الجيش رحلهم في خمس شاحنات الى منطقة الكرنتينا حيث أخلى سبيلهم. وأشار هذا الجندي بيده الى مجموعة من الأفرشة الإسفنجية الرفيعة المرصوفة فوق بعضها في مدخل المبنى، قائلاً: "انظري بنفسك، هذه فراش المقاتلين". فنظرت، ولم أرى سوى بضعة أفرشة. فزعم أن "المبنى مليء بمثل هذه الأفرشة".

 

وضحك الجنديان، وقال أحدهما إنّ "القوميين" لم يجدوا مع المقاتلين الخمسمئة سلاحاً يُعتد به، بل عثروا على "أسلحة كلاشينكوف و"أر بي جي" وبنادق، أي على أسلحة ميليشيا". فدبّت الحماسة في وجه الجندي الآخر، وقال لي بنبرة يخالطها الإعجاب بالمعتدي والشماتة بالمعتدى عليه:" خردقوا (أي القوميين) بوابة تلفزيون المستقبل في الروشة". ولفتني أن الجنديين، شأن القومي سميا، يكتفيان بذكر عدد جحافل الطرف الآخر المهزومة والمنهزمة شر هزيمة، ويسكتان عن الكلام على عدد جحافل الفريق "المنتصر"، أي "السوريين القوميين". وكنت سألت سميا عن عدد المقاتلين "القوميين" الذين تصدوا لـ"أشاوس" عكار والفاكهة الـ1500، تفاجأ، ولم يجد ما يقوله.

 

فالوصف يجوز في الآخر المنهزم المفترض، وتنتفي ضرورته في الكلام على الجماعة "المنتصرة". إذ إنّ إسمي ("حزب الله أو "الحزب القومي") يسموان على التفاصيل الوضعية وحساباتها الوضيعة. فلم يذكر المتحدث عن هذه الجماعة "الغالبة" أعداد مهاجميها أو نوعية عتادهم ومصدرها والوسائل التي ألحقوا بها "الهزيمة" في الطرف الآخر. ويبدو أن رواية الجنديين والمسؤول "السوري القومي" الطلابي مستوحاة من عالم إعلام "الحزب الإلهي". فقناة "المنار" تبث أخبار إصابة الاسرائيليين بالكآبة، إثر حرب تموز، وتضرر الاقتصاد الاسرائيلي، وعدد قتلى العدو. وتنقل مشاهد فجيعة أهالي الجنود الإسرائيليين بوفاة أبنائهم، وتسكت عما لحق بجمهور "المقاومة" ودولته ووطنه من أضرار وآلام ومآس ودمار وموت.