حزب الله يشتري الأراضي ويربط مناطقه ببعضها

الأحد 11 تشرين الثاني 2007- المستقبل

فادي شامية

 

وردت عبارة "التقسيم" مؤخراً على لسان أكثر من مسؤول بارز في "حزب الله" و"توابعه" وحلفائه، وذلك في معرض اتهام الآخرين بالسعي إليه، ولا سيما وليد جنبلاط وسمير جعجع.

 

ماذا يعني التقسيم حقيقةً؟!

مع علم "حزب الله" أن الاتهام بالتقسيم ليس له معطيات واقعية تسنده، فإنه واصل الترويج لمثل هذه التصورات، وزاد عليها "توابعه" في وقت من الأوقات إمكانية أن يقيم تيار المستقبل دولة له في الشمال، وذهب الخيال بعيداً عند أحدهم عندما أعلن في مؤتمر صحافي أن وليد جنبلاط يسعى "لإقامة إمارة درزية تضم الجولان وجبل العرب في سوريا ومنطقتي راشيا وحاصبيا والإمارة الجنبلاطية الحالية بمساعدة الإسرائيليين الذين سيشنون حرباً محدودة على لبنان وسوريا تستهدف احتلال هذه المناطق وتسليمها إلى جنبلاط".

 

على حد تعبير رئيس "كتلة الوفاء للمقاومة" النائب محمد رعد، فـ"إننا على استحقاق مفصلي... فإما تحسم الأمور في اتجاه العودة إلى استقرار الوضع وتوحيد المؤسسات والتوافق على رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة وحدة وطنية أو الذهاب إلى التقسيم"، ولأن "التقسيم" لا يكون في بلد كلبنان إلا نتيجة حرب أهلية، يدرك "حزب الله" قبل غيره أنها احتمال وارد، ولأن "حزب الله" مدعوماً من إيران يعمل وفق مشروع طويل الأمد، فإنه يستعد "عملياً" لاحتمال كهذا، ويتهم أخصامه "كلامياً"، بالسعي إلى الفتنة والتقسيم، لكن المعطيات على الأرض تؤكد أن الجهة الوحيدة القادرة على إنشاء دويلة قريبة من الحياة هي الجهة التي تتهم الآخرين، أي "حزب الله"، أما الآخرون، وعلى فرض أنهم يسعون لذلك فإن دويلتهم تلك لن تكون قابلة للحياة بتاتاً.

 

شراء الأراضي وربطها

الترجمة العملية لما يتهم "حزب الله" به الآخرين موجودة من خلال وقائع على الأرض. "حزب الله" يسعى بوضوح لربط المناطق الشيعية التي يتمتع بنفوذ قوي فيها.

ثمة خط حيوي يسعى "حزب الله" للسيطرة على المناطق المحيطة به بشكل كامل، ليربط البقاع بالجنوب من خلال شراء الأراضي في المناطق الممتدة من مشغرة إلى جرجوع، وهو يعمل على شق طريق تربط مشغرة بإقليم التفاح عبر كفرحونة وسهل الميدنة، وثمة خط آخر ينشئه "حزب الله" حالياً ويربط من خلاله الجنوب بالبقاع دون المرور بمنطقة حاصبيا ذات الأغلبية الدرزية، وقد سجلت عمليات شراء لأراضٍ شاسعة لصالح "حزب الله" في منطقة سوق الخان الواقعة بين حاصبيا الدرزية والهبارية السنية من أجل دعم هذا المشروع، كما سُجلت عمليات مماثلة بهدف إقامة مجمعات سكانية كبيرة لعناصر الحزب وعائلاتهم على شكل قرى صغيرة تؤمن التواصل بين قضاء النبطية وقرى شيعية أخرى في راشيا والبقاع الغربي من جهة، وتكسر التواصل الدرزي بين الشوف وحاصبيا من جهة أخرى، كما بنى الحزب في قلب القطاع الغربي وحدات سكنية لعدد من المتشيعين التابعين له في بلدة يارين السنية، معظمهم من آل الأسعد.

 

على خط موازٍ ثمة اهتمام خاص بجبل الريحان الذي يتوسط المنطقة الممتدة من جزين إلى مرجعيون، وقد تحوّل مع القرى المحيطة فيه إلى منطقة عسكرية محصنة، يجري تدعيمها بشراء مساحات واسعة من الأراضي، بحيث باتت المنطقة الممتدة من شمال مرجعيون إلى جنوب جزين، مروراً بخط كفرحونة القطرانة السريرة من الشرق، وخط عرمتى مليخ اللويزة من الغرب، منطقة إسناد ناري في مواجهة أي عدوان إسرائيلي محتمل، على ما يبدو، وفي هذه المنطقة بالذات جرت عمليات بيع أراضٍ واسعة، من خلال متمولين قريبين من "حزب الله" وعلى صلة بـ"بنك صادرات إيران"، وقد برز منهم رجل الأعمال علي تاج الدين، وهو لبناني من حانويه قضاء صور وله استثمارات كبيرة في إفريقيا وقريب من "حزب الله" وإيران، ويقال إن هذا الأخير قد اشترى مليوناً ومئتي ألف متر مربع في محيط بلدتي السريرة والقطراني في قضاء جزين، وأنه يعمل على إقامة تجمعات سكانية شيعية هناك، وأنه اشترى في برغز على خط مركبا الريحان مساحات أخرى من آل شمس في حاصبيا، بغرض بناء مجمعات سكنية.

 

وغير بعيد عن ربط الجنوب بالبقاع ثمة معلومات عن عمليات شراء أراضٍ على خط الضاحية بعبدا عالية في المتن الجنوبي، وفي خراج الشويفات لربطها بالأوزاعي، وكذلك في خلدة، إضافة عن معلومات مماثلة في منطقة الجية وجدرا ووادي الزينة في إقليم الخروب، ومثل ذلك على الخط الممتد من بعبدا صعودا باتجاه كيفون والقماطية، حيث يبرز اسم رجل الأعمال الإيراني علي كرمشهاني في هذه العمليات، وكذلك ثمة عمليات شراء محدودة في سوق الغرب تتم باسماء مستعارة.

محاكاة الوظائف السيادية للدولة

الترابط الجغرافي بين المناطق الشيعية وشراء الأراضي ليس إلا مفردة هامة من المشروع، لكنها ليست الوحيدة، فمظاهر السيادة في المناطق الخاضعة لنفوذ "حزب الله" هي بالاسم للدولة التي تُحمّل مسؤولية كل المشاكل، بينما توجد قوى شبه نظامية للأمن والدفاع والخدمة العامة، تابعة لـ "حزب الله" في الضاحية الجنوبية لبيروت، وفي بعلبك ومنطقة جنوب الليطاني، وقد أضاف أمن "حزب الله" منطقة أمنية جديدة في ساحتي الشهداء ورياض الصلح، فضلاً عن العديد من المناطق المشابهة والموضوعة في تصرف القوى التابعة في أكثر من مكان في الجبل، فيما لا يوجد أي "خرق" للآخرين في أية منطقة يسيطر عليها "حزب الله".

 

إضافة إلى ذلك فقد أقام "حزب الله" شبكة تمديدات هاتفية خاصة في غير منطقة ولا سيما في الضاحية، وفي زوطر في الجنوب، وفي القرى القريبة من الحدود مع فلسطين المحتلة، وهو من خلال مؤسساته يبني بفعالية شبكة أمان اجتماعي لدعم جمهوره المعفى في مناطق عديدة من أكثر من رسم مالي يدفعه بقية اللبنانيين. وبالرغم من انتشار الجيش واليونيفيل في جنوب الليطاني بعد عدوان تموز الأخير، إلا أن الماكينة الإعلامية للحزب تروّج في أوساط مؤيديه أن اليونيفيل مقيدة وأن عناصرها مجرد رهائن في حال ساءت الأمور، وأن الجيش اللبناني لا يمكن أن يقف بوجه "حزب الله" في أي ظرف من الظروف تحت طائلة الانقسام، وأن الحزب لم يفقد حرية الحركة جنوب الليطاني، وهذا ما حاول إثباته من خلال الإعلان عن "المناورات الضخمة" والتي "شارك فيها الآلاف من عناصر حزب الله" جنوب الليطاني و"أشرف عليها السيد حسن نصر الله شخصياً".

 

قد يكون "حزب الله"، بما هو مرتبط بإيران كدولة كبيرة في المنطقة، قادراً على "فرض" دويلته، لكن الأكيد أن باقي الطوائف غير قادرة على ذلك، ليس لأنها لا تملك إمكاناته فقط، بل لأن أتباعها موزعون على مساحة الوطن، أو أنهم من القلة بحيث لا يمكنهم تكوين دويلة ما، لذا فهم محكومون بالعيش مع بعضهم البعض، وإذا كان الأمر كذلك، فإن النتيجة العملية لسعي "حزب الله" نحو دويلة مستقلة سيكون إخراج الشيعة من الوطن، في الوقت الذي يعلن فيه الدفاع عن لبنان والتضحية من أجله. لهذا فإن أي كلام عن التقسيم ليس له محل في الواقع، وهو لا يعني إلا الحرب الأهلية التي ستكون نهايتها مهما طالت التفاهم بين اللبنانيين على العيش معاً.

**كاتب في الشؤون الاسلامية