نص الكلمة التي ألقاها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في مراسيم تشييع عماد مغنية اليوم في الضاحية الجنوبية من بيروت

14 شباط 2008

القى نصرالله كلمة حيّة امام المشاركين، قال فيها: الى روح الاخ الحبيب والعزيز، القائد الشهيد عماد مغنية الحاج رضوان والى روح جميع الشهداء، شهداء المقاومة وشهداء الوطن وشهداء الامة.

 

وتلا الفاتحة على روحهم. في البداية اود ان اعتذر من جميع الاخوة والاخوات المحتشدين في الخارج تحت المطر وأسأل الله سبحانه وتعالى ان يتقبل منهم صبرهم وثباتهم وهم اهل الصبر والثبات.

 

يقول الله عز وجل من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليهم، فمنهم مَن قضى نحبه ومنهم مَن ينتظر، وما بدلوا تبديل. والشهيد القائد الحاج عماد مغنية الحاج رضوان عاهد الله بصدق وانتظر اللقاء بشوق وقضى نحبه شهيدا في ايام شهادة ابي عبد الله الحسين عليه السلام سيد الشهداء. الحاج عماد حمل دمه على كفه وحمل كفنه على كتفه منذ كان شابا في مقتبل العمر. ومضت به السنون، كان يصنع النصر ويطلب الشهادة واخيرا وصل فهنيئا له هذا الوسام الإلهي الرفيع.

 

الحاج عماد مغنية من بيت كان كله جهادا ولا يزال ولكنه اليوم بات كله شهادة. اتوجه في البداية الى الحبيبين العزيزين والوالدين الشريفين ابو عماد وامه بالتبريك والتعزية وأقول لهم مبارك هذا الاصطفاء الإلهي لعائلتكم وبارك الله في صبركم وثباتكم واحتسابكم وليعرف العالم كله ان هذا البيت الجهادي قدم جميع ابنائه شهداء فكل ما لدى الحاج ابو عماد جهاد وفؤاد وعماد وتقدموا الى الشهادة الواحد تلو الآخر فكانت هذه العائلة جديرة بالجهاد وبالشهادة وبالقيادة.

 

اتوجه الى زوجته المجاهدة والمضحية والصابرة. الى بناته وأبنائه المجاهدين والى كل اقاربه وأحبائه. والى كل اخوانه ورفاقه المجاهدين المقاومين في لبنان وفلسطين وفي كل ارض فيها لله جهاد ورجال بالتبريك لنيل اخينا الحبيب وساما إلهيا عظيما وبالتعزية لفقد الاب والعزيز والاخ والمجاهد والقائد، الحاج عماد مغنية من القادة الذين كان جهادهم وسهرهم وتعبهم وحياتهم كلها صدقة سر مع الله تعالى، هؤلاء جنود الله المجهولون في الارض المعروفون في السماء، لا يدفعون عن انفسهم، يدافعون عن الامة والوطن وقضايا الحق ولا ينتظرون مديحا لانهم مجهولون، ولا يودون تهمة ظالم او كاذب او مدّعٍ لانهم مستورون ولا يدافعون عن انفسهم لانهم لا يرون لانفسهم وجودا خارج معركة الجهاد والعطاء والتضحية، اما بعد شهادة هؤلاء فحقهم علينا جميعا ان ننصفهم وأن نكشف للعالم وجوههم المنيرة وحقائقهم الصافية وعطاءاتهم العظيمة، اليوم حق الحاج عماد مغنية الشهيد على هذه الامة ان تعرفه من اجلها لا من اجله، وحقه على الامة ان تنصفه من اجلها لا من اجله وحقه على الامة ان تستلهم روحه ودرسه وجهاده من اجلها لا من اجله.

 

... في رضوان الله، وكل ما قد يقال عنه في دار الدنيا من ثناء او مديح، وجزء من الدنيا الغانية التي لا تساوي شيئا في حسابات أهل الآخرة الواصلين. ايها الاخوة والاخوات، لم تفاجئنا هذه الشهادة المنتظرة منذ 25 عاما فنحن جميعا ننتمي الى مدرسة انبياؤها شهداء وائمتها شهداء وقادتها شهداء ولذلك نحن اليوم مع شهادة الحاج عماد في سياقنا الطبيعي وفي وضعنا الطبيعي كما كنا مع شهادة قائدنا وسيدنا واميننا العام السيد عباس الموسوي، وكما كنا مع شهادة شيخ شهدائنا الشيخ راغب حرب، لاننا في معركة حقيقية معركة دامية ندافع فيها عن وطننا وشعبنا وامتنا ومقدساتنا وكراماتنا في مواجهة كل الاطماع والتهديدات والتحديات والعدوان الذي تمثله اسرائيل واميركا وكل الذين يقفون خلفهما.

 

ايها الاخوة والاخوات، اليوم والوقت ضيق والمطر يهطل والاحبة في الانتظار، ليس الوقت لانصاف الحاج عماد الآن، الايام الآتية سوف نقوم بجزء من واجبنا، ولكن بين يدي الشهيد القائد وامام جثمانه الطاهر وعلى مسامعكم ومسامع العالم الذي يترقب موقف حزب الله في هذه الساعة، اود ان اؤكد على نقاط عديدة:

اولا: هم الصهاينة يرون في استشهاد الحاج عماد، انجازا كبيرا ونحن نرى فيه بشاره عظيمة بالنصر الآتي والحاسم والنهائي ان شاء الله. لنتذكر قليلا هكذا كان الحال مع الشيخ راغب قتلوه فتصاعدت المقاومة وخرجت اسرائيل من العاصمة من الجبل من البقاع الغربي من أغلب الجنوب باستثناء الشريط المحتل، بفعل دمه الذكي ومقاومته الابية، وليس بالقرارات الدولية ولا بالتدخل الدولي الذي لم نر منه يوما الا دائما للصهاينة. وهكذا كان الحال مع القائد الشهيد السيد عباس الموسوي قتلوه وظنوا ان المقاومة ستنهار بقتله، فتصاعدت ورسمت خطها البياني التصاعدي، وبعد سنوات قليلة خرجت مهزومة ذليلة مدحورة عام 2000 بفعل دمه، بفعل المقاومة التي حملت اسم عباس الموسوي وراية عباس الموسوي، وليس بفعل القرارات الدولية ولا المجتمع الدولي.

 

قتلوا الاخ القائد الحاج عماد مغنية وهم يظنون ان بقتله ستنهار المقاومة قتلوه في سياق حرب تموز التي، ايها الاخوة والاخوات ما زالت مستمرة فحتى اللحظة لم يعلن اي وقف لإطلاق النار وما زالت مستمرة سياسياً واعلامياً ومادياً وامنياً ومدعومة من الدول نفسها التي دعمت حرب تموز قتل في سياق هذه الحرب ولكنهم مشتبهون تماما ومخطئون تماما كما اخطأوا في قتل الشيخ راغب وكما اخطأوا في قتل السيد عباس. من حرب تموز 2006 ذات الصلة الوثيقة بعماد مغنية الى دم الحاج عماد مغنية في شباط 2008 فليكتب العالم كله وعلى مسؤوليتي، يجب ان نؤرخ لمرحلة بدء سقوط دولة اسرائيل اذا كان دم الشيخ راغب واذا كان دم السيد عباس اخرجهم من الشريط الحدودي المحتل باستثناء مزارع شبعا فإن دم عماد مغنية سيخرجهم من الوجود ان شاء الله هذا الكلام ليس للانفعال ولا من موقع العاطفة بل في لحظة تأمل كلكم تعرفون ان بن غوريون مؤسس اسرائيل ودولة الكيان الصهيوني وبالتالي هو من اخبر الناس في نقاط قوة هذا الكيان وضعفه ولو كان الكثير من قادة العرب يقرأون لانتهى هذا الصراع منذ زمن طويل. يقول بن غوريون ان اسرائيل تسقط عندما تخسر اول حرب. وقد خاضت اسرائيل حربها في تموز 2006 وقد اسماها بعض الصهاينة بالحرب السادسة ولكن كبار القادة الاستراتيجيين في اسرائيل اسموها الحرب الاولى. وقد اجمعت اسرائيل بيمينها ويسارها انها خسرت الحرب وتقرير فينوغراد الذي جاء مخففاً ليحفظ هيبة اسرائيل اخفى الحقيقة التي تقول مئات المرات بالفشل والاخفاق والعجز على مستوى القيادتين السياسية والعسكرية ومؤسسة الجيش الاسرائيلي السؤال ايها الاخوة لماذا فشلوا وخسروا حرب تموز مع انهم يقولون انهم يملكون اقوى جيش في الشرق الاوسط ويملكون من المعدات والتكنولوجيا ما لا يملكه احد بكل بساطة لأنهم واجهوا في لبنان على مدى 33 يوما مقاومة صادقة وشجاعة لأنهم في لبنان وحرب تموز كان يقاتلهم عماد مغنية واخوة وتلامذة عماد مغنية.

 

كانوا لهم بالمرصاد، قاتلوهم ببسالة وشجاعة وذكاء ولذلك اسرائيل خسرت اول حرب، وباتت محكوم عليها بحسب القوانين والسنن التاريخية وبحسب وعد مؤسسها ومنشئها بالسقوط وستسقط ان شاء الله. اذا مع دم الشهيد الحاج عماد مغنية هذا الدم المبارك، هذا الدم الذكي سوف تكتمل نتائج هذا الدم من الشيخ راغب الى السيد عباس الى فتحي الشقاقي الى احمد ياسين الى كل الشهداء المقاومين من القادة والمجاهدين لتجرف، ان شاء الله بصدقها ونقائها وطهرها هذا الكيان السرطاني الغاصب المزروع في قلب جسد امتنا العربية والاسلامية.

 

ثانيا، ليطمئن كل المحبين والقلقين وليعرف العدو من جهة اخرى انه ارتكب حماقة كبيرة جدا فأنا بين يدي الحاج عماد وامام اخوانه الذين يعرفون كل الحقائق، اقول للصديق والعدو لا وهن ولا ضعف ولا خلل في جسد المقاومة وصفّ المقاومة.

 

اخوة عماد مغنية سيواصلون طريقه ومشروعه وجهاده ودمه كما في الماضي دم السيد عباس، لا يعلم الاسرائيلي ماذا فعل دم السيد عباس داخل "حزب الله". ما هي الوحدة العاطفية والروحية التي اوجدها في داخل "حزب الله"، ما هي الحوافز الكبرى التي اطلقها من جديد داخل المقاومة، هؤلاء لا يعرفون لانهم ينتمون الى ثقافة مختلفة تماما. اما دم الحاج رضوان يزيدنا قوة وتماسكا ووحدة وصلابة وحافزا لمواصلة الطريق بأفق اوسع وأكبر ان شاء الله، في هذه النقطة اود ان اقول للعدو قبل الصديق ان الحاج عماد انجز مع اخوانه كل عمله وهو اليوم اذ يرحل شهيدا لم يبقَ خلفه الا القليل مما يجب القيام به.

 

منذ انتهاء حرب تموز في 14 آب بدأنا نعدّ ليوم آخر، ليوم نعرف ان اسرائيل ذات الطبيعة العدوانية ستعتدي على لبنان وتشن حروبا اخرى على لبنان وعلى المنطقة. وهذا ما اوصى به فينوغراد نفسه ولكن نحن من 14 آب في اليوم الثاني كان المهجرون يعودون وكان جزء كبير من تنظيمنا يرعى عملية الاسكان والتعويض ورفع الانقاض.. ولكن الذين كانوا يقاتلون بدأوا منذ اليوم الاول يستعدون لحرب قد تكون قادمة.

 

اليوم حزب الله والمقاومة الاسلامية في اتمّ الجهوزية لمواجهة اي عدوان محتمل وانا اقول اي عدوان على لبنان، اي حرب على لبنان، في الماضي تحدثت عن الصواريخ ولكنني اليوم سأتحدث عن الشباب لأن بين يدينا قائد هؤلاء الشباب وواحد من كبار قادتهم. فينوغراد يقول ان عدة آلاف - ولنصغ جيدا هنا - من المقاتلين، صمدوا اسابيع عدة امام جيش اسرائيل الذي يعدّ اقوى جيش في الشرق الاوسط، ويعترف بالهزيمة، اليوم بعدما قتلوا الحاج عماد فليسمعوني جيدا، في اي حرب مقبلة لن ينتظركم عماد مغنية واحد ولا عدة آلاف من المقاتلين، لقد ترك لكم عماد مغنية خلفه عشرات الآلاف من المقاتلين المدرّبين المجهزين الحاضرين للشهادة.

 

ثالثا: للعدو، لاننا لا نقدر وللصديق طلبا للعذر أقول ما يأتي:

لقد قتل الصهاينة الحاج عماد مغنيه في دمشق وكل معطياتنا الميدانية والتحقيقية حتى الآن تؤكد هذا الامر وتعاطى الاسرائيليون مع المسألة بتلميح أقوى من التصريح في تحملهم لمسؤولية الاغتيال، أقول لهم ، لقد قتلتم الحاج عماد خارج الارض الطبيعية للمعركة. نحن وإياكم كانت معركتنا ولا تزال على أرضنا اللبنانية وكنتم تقتلونا على ارضنا اللبنانية ونقاتلكم في مواجهة كيانكم الغاصب، لقد اجتزتم الحدود، لن أتكلم الآن كثيرا، لكنني سأستعير عبارة واحدة من حرب تموز، عندما خاطبتكم في المرة الاولى وقلت لكم أيتها الصهاينة ان اردتموها حربا مفتوحا فلتكن حربا مفتوحة ووعدت المؤمنين بالنصر لانني أثق بالله وبالمؤمنين وبشعبنا ومجاهدينا اليوم كلمة واحدة فقط، أمام هذا القتل في الزمان والمكان الاسلوب، أيتها الصهاينة، غن كنتم تريدونها هذا النوع من الحرب المفتوحة فليسمع العالم كله، فلتكن هذه الحرب المفتوحة.

 

نحن نملك، كما كل البشر، حقا مقدسا في الدفاع عن النفس، وكل ما يؤدي هذا الحق في الدفاع اذا بلدنا واخواننا وقادتنا وشعبنا سنقوم به ان شاء الله.

رابعا: في الرابع عشر من شباط اليوم ذكرى الرئيس الشهيد رفيق الحريري، كنا نودّ ان تجمع الشهادة بين الساحات ولكن يشاء البعض ان يحول المناسبة دائما الى حفلة شتائم وسباب واتهامات لا طائل منها ولا يكفي ان يتناوب الخطباء على الشتم لتنتهي حفلة الشتم بيد ممدودة، اليد الممدودة عندما نرى انها صادقة لن تجد منا الا يدا ممدودة ولكني اربأ بالمناسبة، بمناسبة ذكرى الرئيس الشهيد رفيق الحريري واربأ بمناسبة هذا التشييع المبارك والجليل لقائد كبير من قادتنا في المقاومة ان ارد على حفلة الشتائم هذه، ولكن للاختصار ايضا اكتفي بكلمة واحدة، ليسمعوا جميعا: لبنان الذي قدمنا على ارضه اغلى قادتنا واذكى علمائنا واحبّ اخواننا وابنائنا ونسائنا واطفالنا شهداء، لبنان هذا لن يكون اسرائيليا في يوم من الايام ولن يكون موطئا للصهاينة، ولبنان هذا لن يكون اميركيا في يوم من الايام، لبنان هذا لن يقسم، ولبنان هذا لن يغدر، ومن يطلب الطلاق فليرحل من هذا البيت فليذهب الى اسياده في واشنطن وفي تل ابيب.

 

لبنان سيبقى بلد العيش المشترك السلم الاهلي وعلى رغم أنوف الاقزام بلدا للمقاومة وللانتصار وبلدا للكرامة الوطنية، أقول بكلمة مختصرة على رغم ارادة اولئك الذين يستدعون الجيوش للحرب على لبنان وسوريا لانهم أصغر من ان يشنوا حربا، يستدعون الجيوش لتحارب نيابة عنهم، وعلى الرغم من اولئك الذين يستدعون الفتنة في الليل والنهار، لبنان هذا باق باق باق بلدا للوحدة وللكرامة والشهامة، وبلدا للسيادة والعزة لذلك كان دائما وأبدا، يستحق الشهداء، من قامات عباس الموسوي وراغب حرب وعماد مغنيه ورفيق الحريري، ايها الاخوة والاخوات: هلموا لنصل على جسد حبيبنا وعزيزنا ونودعه في اللحظات الاخيرة ونجدد له عهدنا، هلموا لنرفع على الاكتاف قائدا نفتخر بقيادته، وشهيدا نعتز بشهادته ونسمع صوتنا على رغم الشتاء والبرد، نسمع صوتنا لكل الاعداء والقتلة اننا سنواصل المقاومة حتى النصر الكامل ان شاء الله مهما عظمت التضحيات، عظّم الله أجركم وبارك الله فيكم ورفع الله شهيدنا الى جوار أنبيته ورسله وأسكنه الفسيح من جنته، يا رضوان انت العماد وستبقى العماد وخلفت وراءك الآلاف من أمثالك، من روحك وعقلك وذكائك ونباهتك وصدقك وشجاعتك، مع عماد، مع الشهداء الذين مضوا، والذين لم يبدلوا تبديل ولن يبدلوا تبديل، لن يكون لنا الا أعراس النصر انشاء الله السلام عليكم ورحمه الله وبركاته.