برسم الضالّين

بقلم/الياس الزغبي

 

عند كلّ مفترق مصيري، يُعيد مسيحيّو لبنان تأكيد مسؤوليّتهم التاريخيّة عن الوطن الذي أسّسوه، وصانوا نسيجه بالصبر والحكمة، وخاضوا غمار انقاذه بالدمع والدم.

 

عبر تاريخهم المديد، خضعوا لاختبارات وتجارب قاسية في ارادتهم ووعيهم وثقتهم وايمانهم، حول معنى لبنان الذي أرادوه. وكانت أقسى التجارب في بيئتهم، ومن لحمهم ودمهم، بعد كلّ نجاح في ردّ الخطر الخارجي.

 

وهم اليوم في ذروة امتحانهم الداخلي، بعدما اخترقهم مشروع الغاء لبنان في جوهر ثلاثيّتهم الكيانيّة المقدّسة: الحريّة والسيادة والاستقلال.

 

نعم، لقد نجح المشروع الانقلابي في استمالة فريق منهم واستخدامه، بوعود وعهود وأثمان، وبفحص دقيق وخبيث للطبائع والنوازع الشخصيّة والنفسيّة، وتوغّل الى مركز ادارة هذا الفريق، وملك عليه حركاته وسكناته، وأحصى أنفاسه، وحوّله الى أداة هيّنة ليّنة طيّعة، تُجيد الرقص "... بأشدَّ ممّا ينفخ الزمّارُ!"، كما في قصيدة الجواهري.

 

قبل بضعة شهور، بل قبل 4 سنوات، كان الاختراق أشدّ خطورة وعمقا، لأنّه امتدّ من الرؤوس والقادة الى النفوس والقاعدة، وكاد الداء يفتك بمعظم الجسم المسيحي، على أساس الوكالة الشعبيّة التي اقتنصها هؤلاء في لحظة تخلّ وغفلة وخدعة.

 

اليوم، تراجع الخطر الوافد الى العمق المسيحي بفعل انكشاف المشروع وأبعاده، وافتضاح أمر أدواته المسيحيّة وضمورها التمثيلي، لكنّها، وبسبب هذا الافتضاح، تبثّ سمومها الأخيرة في الاعلام والسياسة، وباتت في سباق مع وظيفتها والدور الموكل اليها.

 

وقد اقتضى استشراس المشروع وأدواته استنهاضا للثوابت والركائز المسيحيةّ، فكان اللقاء المفصلي في بكركي، وفرضت الضرورة والخطورة صدور الموقف النداء الذي أعاد ربط التاريخ المسيحي بالحاضر والمصير، ووضع الميزان السياسي والوطني في نصابه الصحيح.

 

واذا كانت وثيقة بكركي رسمت اطار شراكة الحياة مع المكوّنات اللبنانيّة الأخرى من طوائف وأحزاب، وأرست ثابتة الانتماء والمسؤوليّة مع العالم العربي، وأيقظت المجتمع الدولي على واجبه في انقاذ النموذج اللبناني الاستثنائي، فانّها وضعت علامة الزمان في وجه الضالّين من المسيحيّين، لعلّهم يهتدون الى سواء السبيل، ويعودون الى البيت الأبوي، قبل سقوطهم في الغربة الأبديّة.

 

هو نداء الى الذات قبل أن يكون نداء الى الآخر، ولو لم يُشر بكلمة الى الأبناء الشاطرين.

 

فأيّ مشروع تدميري لا يمكن أن يمرّ بين المسيحيّين اذا لم يكن في صفوفهم أكثر من قايين ويهوذا وبروتس، ولا يمرّ تاليا بين اللبنانيّين، ولا تجد الفتنة أرضا خصبة في أيّ بيئة اسلاميّة اذا لم تبدأ في البيئة المسيحيّة. انّها مسؤوليّة المسيحيّين في منع الفتنة بين المسلمين. وفي الماضي القريب أكثر من عبرة: لم تحدث حرائق 23 كانون الثاني 2007 لو لم تسبقها "ورقة" 6 شباط 2006، ولم تحصل الاعتصامات الانقلابيّة ومحاولة اقتحام السراي لولا مشاركة فريق مسيحي، ولم يكن 7 أيّار 2008 بدون "غطاء" مسيحي تباهى آنذاك بوضع الأمور "في نصابها الصحيح"!، ولم تقُم قائمة "الثلث المعطّل"، وشلّ المؤسّسات، واضعاف رئاسة الجمهوريّة، واستباحة الجيش من الشيّاح الى سجد الى بعلبك، واباحة التسليح وتكديسه في الأزقّة، وتقديس السلاح، وتغليب الدويلة على الدولة... الاّ بالتأييد المطلق والضرير الذي محضه بعض المسيحيّين للمشروع الانقلابي.

 

انّ في انقاذ بعض المسيحيّين من هوس قيادتهم انقاذا للبنان بأسره، فبمقدار ما يكون وعيهم دواء يكون انزلاقهم داء، لهم وللمسلمين وللبنان.

 

هذا ما شاءته بكركي والملتقون تحت جبّتها.

 

وليس كثيرا القول: انّ مصير لبنان معقود على انضواء فريق الضلال تحت هذه الجبّة الخلاصيّة. واذا تلكّأ عن العودة التائبة، فبكركي ولبنان باقيان في ضوء الخلود، أمّا هو فالى عتمة التاريخ.

 

السبت 6 تشرين الثاني 2010