سقوف "حزب الله"

بقلم/الياس الزغبي

 

إكتملت السقوف التي وضعتها التطوّرات والعلاقات والمواقف فوق "حزب الله"، بالسقف العربي السعودي السوري المشترك، واكتملت الجدران التي انتصبت حوله، بمساهمة غير مقصودة منه، وبسبب تراكم أخطائه وسوء حساباته المرقّمة على الجدول الايراني.

 

السقف الأوّل كان نتاج حرب 2006 والقرار 1701، فتحوّل "حزب الله" الى مجرّد حارس جوامد (بحسب لغة الحقوقيّين)، أو أمين مخزن صواريخ، وظيفته ضمان حالة جولانية في الجنوب تجاه اسرائيل، والارتداد نحو الداخل اللبناني لتغيير موازين النظام. وقد جرّب محاولته الأخيرة ضدّ "اليونيفل" لقلب قواعد اللعبة فباءت بالفشل، وعادت حركته للانتظام تحت سقف الامتناع عن الممانعة، خلافا لخطاب تدمير اسرائيل. وفي حين باتت الممانعة شعارا بدون مضمون، تحوّلت "حربه المفتوحة" الى اقتناص المواقف المفخّخة للمسؤولين الاسرائيليين وتوظيفها في حساباته اللبنانية والعربية، وكأنّهم يرصدون لحظات ضعفه وتعثّره فيرفدونه بتسريب عن المحكمة أو سواها، أو بتصريح مناسب ومنعش عند الحاجة، وهو لا يقصّر في تلقّف الاسناد، ولا يتردّد في التباهي بتقاطع المعطيات معهم.

 

السقف الثاني كان في ترويض ارتداده الى الداخل، عبر امتصاص حركته الانقلابية المسلّحة في 7 أيّار 2008، وتقنينها في اتفاق الدوحة والحكومة وطاولة الحوار. وكما قام بتجربته الجنوبية الخائبة، سعى الى نسف روح هذا الاتفاق، ومدّ يده الى أساسه، أي اتفاق الطائف، وخابت محاولته أيضا، وسقطت "النصيحة" بتغيير قواعد اللعبة الداخليّة.

 

وقد جاء تثبيت هذا السقف في البيان الرسمي الختامي لقمّة بعبدا اللبنانية - السورية السعودية ليضع حدّا لطموحه، وهو سقف مسلّح باتفاق سعودي سوري متين، ومعزّز بغطاء عربي واقليمي (تركي) ودولي. وأبلغ ما في البيان تركيزه على رفض اللجوء الى العنف، وعلى المرجعية الشرعية والدستورية، والاحتكام الى الطائف والدوحة. هو بمثابة دعوة حاسمة الى "حزب الله" للخروج من مشروعه الانقلابي والدخول في مشروع الدولة والمشروعية العربية.

 

ويبقى السقف الثالث المنصوب فوقه، وهو المحكمة الدولية. يسعى "حزب الله" الى خرق هذا السقف، بل تدميره، ولو على رأسه ورؤوس اللبنانيين، تحت شعار طهرانيّة محازبيه وعفافهم كامرأة قيصر، وحجّة أنّ المحكمة "مشروع اسرائيلي" (ألا تقدّم له اسرائيل اسنادا بعد اسناد لتأكيد "حجّته")؟

 

والمشكلة أنّه، هذه المرّة، لا يناطح فقط شريكه اللبناني والاسرائيلي، بل الشرعية الدولية، ويريد من اللبنانيين والعرب (سوريا والسعودية تحديدا) أن يخوضوا عنه المعركة، ويرفعوا سيف القانون الدولي والعدالة الامميّة عن عنقه، ويسعوا الى الغاء القرار الظنّي وليس فقط تأجيله، بل الغاء المحكمة نفسها، والاّ، فانّه سيهدم الهيكل عليه وعلى "أعدائه"!

 

انّ من عجز عن تهديم السقفين الأوّلين، وهما الأسهل، يعجز عن اسقاط السقف الأصعب، خصوصا أنّ من يستنجد بهم لا يملكون الوسيلة، ولا الرغبة والارادة. وليست المحكمة الدولية خيمة بدو عربية لدفع الديّة، أو لعقد صلح عشائري. أمّا الخيمة الايرانية، وهي اليتيمة الباقية، فلا تحمي من قَرّ أو حَرّ، في غمرة العصف النووي، وتحت وطأة العقوبات المتصاعدة.

 

واضح أنّ قيادة الحزب غير مرتاحة للسقف العربي الجديد، لسبب وحيد هو الانخراط السوري في رفعه. ولم تكن تطمينات الأسد والمعلّم وشعبان في بعبدا كافية، بل كانت أشبه بالتبليغ وليس التطمين، فزاد توجّسه من انعطاف القيادة السورية، ونذائر انفصال التوأم الدمشقي عن الشقّ الايراني.

 

وواضح أيضا أنّ السقوف الثلاثة تكبح جموح "حزب الله" وتضبط حركته اللبنانية والاقليمية، وتلجم قدرته على انتهاج العنف في وجه أيّ قرار دولي، وتدفع في اتجاه ابعاد الخطر عن لبنان.

 

لكنّ امتلاك قوّة فائضة، مع الاعتداد بالنفس والاستعلاء، والترويج للاحساس بالظلم، تشكّل عوامل مجازفة تدور في روع القيادة المأزومة. لذلك، لا بدّ من ترتيبات وتوليفات تنتشلها من حرجها وارتباكها وهوس ركوب المغامرة، بدون المسّ بثابتتين: الشرعية اللبنانية والعدالة الدولية.

 

انّ مساعدة "حزب الله" على الخروج من مأزقه تصبّ في مصلحته وفي انعاش الدولة واحياء الدور العربي، وتعيد الى الطائفة الشيعيّة انتماءها الأصيل، وتحرّرها من اقليميّتها القاتلة. وانّ ما بعد ثلاثية بعبدا ليس كما قبلها.

 

ولا بدّ من أن يأتي الكلام الموعود للسيّد حسن نصرالله تحت الخطوط المرسومة، ومن وحي هذه "الثلاثيّة"، فيعقلن خطابه ويهدّئه بعد طول احتباس، وفقا للرسائل والحقائق اللبنانية والعربية والدولية الجديدة، لأنّ مناطحة السقوف الواطئة تُدمي الرؤوس الحامية، والحكمة تقضي بحفظها عند تبدّل الدول. فهل هناك من لا يزال يشك بالتبدّل الحاصل؟

 

اطلبوا الحقيقة عن السياسة السورية في العراق وفلسطين واليمن ولبنان، ومع السعوديّة والخليج وتركيّا والغرب، واطلبوا معرفة أسباب الضيق الايراني... تجدوا الجواب.

 

الاحد 1 آب 2010