تحالف الأذهان

بقلم/الياس الزغبي

 

لم يشهد لبنان، في تاريخه القديم والحديث والمعاصر، ظاهرة تنسب الى نفسها كلّ الفضائل والشمائل، وتنصّب نفسها مرجعيّة مطلقة لوضع العلامات وتوزيع الشهادات، في الأخلاق والسياسة والوطنيّة والصدق والعفّة، ثمّ تؤبلس الآخرين، وتخوّن كلّ من لامها أو انتقدها أو شكّك بها.

 

وحدها عصمة النازيّة والفاشيّة والستالينيّة، وطبعتها النجاديّة الراهنة، ونسخات باهتة في أفريقيا وأميركا اللاتينيّة، ونماذج متباعدة في التاريخ، خلعت على نفسها هذه الصفات المتراوحة بين تماميّة البشر، وأنصاف الآلهة، والآلهة.

 

في لبنان، نموذجان حيّان فاقعان لهذه "الفرادة" التاريخيّة، معصومان عن الخطأ، مصنّفان (هما صنّفا نفسيهما) فوق سائر اللبنانيّن والبشر، كلّ منهما "يطأ الثرى مترفّقا من تيهه!"، على وصف خليل مطران للأسد (" الليث الهصور"...).

 

في استعادة سهلة لسلوك الحليفين، "حزب الله" وميشال عون، تتبيّن بوضوح الخلفيّة الحقيقيّة لهذا "التفاهم" الضارب عميقا الى أكثر من التحاق وتماه وتحالف، والذي لم يجد من يدخل فيه، لا الحليف ولا الخصم، برغم كلّ الترويج والترغيب و"الترهيب".

 

لم يتحالفا فقط على مشروع انقلاب أمني سياسي، وثنائيّة المصلحة: غطاء شعبي للسلاح من هنا، ومنصب مشتهى للمتلهّف من هناك.

وليس فقط على العناوين الوهميّة في التغيير والاصلاح والشراكة والفساد والتوطين.

 

ولا الانتساب فقط الى محور اقليمي يصبّ في ايران.

 

ولا على ما يسمّيانه "خط الممانعة والمقاومة"، وتغيير وجه المنطقة.

 

حلفهما أعمق وأصلب من كلّ ذلك: هو حلف الذهنيّة الواحدة، حلف نفسي "مقدّس". وكلّ الأهداف السابقة هي الترجمة.

 

هو التطابق في تقدير الذات، بل تنزيهها وتأليهها. هو الاحساس بالتفوّق والتميّز والطهارة.

 

هما من نسيج مختلف: أوّلهما أشرف الناس وأطهرهم، وثانيهما ملهم، يمشي وحده، مع ركام تيّاره، فوق الأرض (كما تباهى ذات نوبة)، لئلاّ يتلوّث حذاؤه من صغارات اللبنانيّين، "شعبه العظيم". واحد مصفّح غير قابل للاختراق، وثان لا تتسلّل العمالة الى صفوفه المرصوصة، وعميله وطني! مجرّد تلميذ سقط في تجربة الغواية، والوشاية بسيّده.

 

يسعيان الى المجتمع المدني بتجذير المذهبيّة، والى تداول السلطة بقوّة السلاح، والى الديمقراطيّة بالتوريث، والى العمل السياسي بالأحزاب المقفلة.

 

موقعهما لا يُمسّ، سمعتهما لا غبار عليها، عفّتهما عفّت رائحتها في الأرجاء، شهرة ترفُّعهما طبّقت الآفاق، سياستهما لا تقبل النقد والمراجعة، قراراتهما لا ترتدّ، خياراتهما منزلة، خطواتهما مضبوطة بمعيار الهي على الصراط المستقيم، خطابهما نظيف وطاهر، تفكيرهما رؤيوي، رؤيتهما طليعيّة استباقيّة، ولغتهما من معاجم الأنبياء والمرسلين.

 

هما قائدا الدولة والمجتمع الى الهداية: الدولة المحشوّة بالأسلحة في الشوارع والأزقّة والمدجّجة بـ50 ألف صاروخ ووهم، والمجتمع المخدوع بألف شعار ووعد زائف.

 

والناس، أو من تبقّى منهم، مجموعات بريئة تصدّق وعد الانتصار وتتخدّر بوهم الزعامة المنقذة. وهي بدأت، منذ شهور، تفتح عينيها على الخدعة الموصوفة، وتنكفىء مصدومة ومحبطة نحو أمل آخر.

 

هذا هو مُصاب لبنان اليوم. ولكنّ المشكلة تسير نحو خواتيمها. والمرض الذي بات مكشوفا لا يستطيع تمويه نفسه، فحين يتمّ تحديده وحصره وعزله، تصبح المعالجة أكثر سهولة.

 

قليل من النظر الى وضع الحليفين يكشف مدى ارتباكهما في بيئتهما ومع حلفائهما، وتراخي التعاطف معهما. من الصعب أن يكتسب حليف ذهنيّة حليفه اذا لم يكن من طينته. والطينة التي صُنع منها الحليفان لا تتكرّر، وصانع القالب رماه في البحر.

 

انّ تحالف كاملي الأوصاف لا يقبل انتساب من ليسوا من قماشته.

 

من دروس التاريخ الحديث أنّ هتلر لم يتحالف الاّ مع موسوليني، وأشباههما في اليابان.

 

المتشابهون والمتطابقون يلتقون دائما.

 

لكنّ المصائر مدوّنة في الكتب، ومحفورة في ذاكرة الأمم.

 

الاحد 12 أيلول 2010