دَيْن ليوم الدّين!

بقلم/الياس الزغبي

 

"للعماد عون دَيْن في أعناقنا الى يوم الدّين!".

 

عهد قطعه زعيم "حزب الله" على نفسه وفريقه، بعد حرب تمّوز 2006، وكرّره مرارا.

 

نعم، لقد وفى حسن نصرالله بوعده غير مرّة: مرّة في قطع الطرق من الحازميّه الى نهر الموت، وثانية في شلّ قلب العاصمة وتطويق الحكومة، وثالثة في "اعادة الأمور الى نصابها" في 7 أيّار، ورابعة في ترجيح كفّة مرشّحي جبيل وكسروان والمتن وبعبدا وجزّين، وخامسة في تقديم هديّة المقعد الماروني في بعلبك الهرمل بأعلى رقم شيعي، وسادسة وسابعة وثامنة في حقائب وزاريّة دسمة في 3 حكومات متتالية، ومرّات غير معدودة من الدعم اللوجستي الطاهر... مع أنّه أخفق في تنفيذ الوعد في زحلة والبقاع الغربي والأشرفيّه فسقط مرشّحو عون.

 

هي وعود ذات منفعة خاصّة التزمها نصرالله ووضعها في ذمّة عون الشخصيّة، وحجب وعوده العامّة عن المسيحيّين، بل جعل من التزاماته الفرديّة الثنائيّة ستارا لتكريس الفوقيّة على حضور المسيحيّين وحقوقهم: من استباحة أمن عين الرمّانة والشيّاح وتغيير نهائي لهويّة الضاحية، الى اغتيال الضابط سامر حنّا في سجد والشاب "العوني" في عين الرمّانة، الى قضم عقارات الحدث وجزّين، وتحويل القرى المسيحيّة في الجنوب وبعض البقاع الى منعزلات بيولوجيّة وتحريم المشروبات فيها، والى "تشييع" الأرض في جرود جبيل، في نسخته الجديدة من لاسا الى أفقا، وصولا الى الاستئثار بموقع المدير العام للأمن العام.

 

يستغلّ "حزب الله" التحاقيّة حليفه المسيحي، فيُرضيه من كيس المسيحيّين وحقوقهم الباقية الثابتة، ويفرض عليه الصمت على حقوقهم المستلبة.

 

ينفخ في غرور هذا الحليف، ويمنّنه بالحصول على 10 وزراء. ثمّ يقضم من تحت هؤلاء المراكز الحسّاسة. وفي الواقع هذه الحقائب ليست منّة ولا عطيّة ولا اضافة. هي من سلّة الحقائب المسيحيّة تحت ميزان المناصفة، وتولّاها مسيحيّون حتّى تحت الوصاية الخارجيّة، والآن الداخليّة. ولا بطولة في الأمر ولا انجاز. فهل نحّاس وعبّود وليّون وقرطباوي وصحناوي وباسيل وآخرون أكثر مسيحيّة من سواهم؟

 

هم عمليّا سلّة وزراء في ذمّة الوصي، لا فرق بتاتا بينهم وبين من كانوا يُعرفون بالوزراء "المشاكسين" في عهد الاحتلال السوري (ومعظمهم مسيحيّون)، وجميعهم يفيئون الى بيت الطاعة الداخلي أو الخارجي.

 

مساكين، فعلا يُثيرون الشفقة، نراهم اليوم كيف يتلعثمون ويتخبّطون، هم ونوّاب تكتّلهم، في تبرير قرار "حزب الله" الاحتفاظ بالأمن العام. حتّى أنّ قائدهم اهتدى الى الفتوى الذهبيّة: "لا فرق بين شيعي وماروني"!

 

اذا كانت هذه هي القاعدة "العلمانيّة" التي استنبطها المُلهَم، فليمنحهم حقائب الموارنة، ويسعى الى تطبيقها مع السنّة والدروز والعلويّين، وليكن هذا الـ"لا فرق" شعار المسيحيّين "الجدد"، كي يُصبحوا فعلا "فرق عملة"، تحت عنايته ورعايته.

 

ولا ينفع التستّر وراء "قبول" رئيس الجمهوريّة بالأمر الواقع، فهو ليس صاحب شعار "ارجاع الحقّ لأصحابو"، وقد وفى شيئا من قسطه في اصلاح بعض ما خرّبه سلفه في المديريّة العامّة لرئاسة الجمهوريّة. فليفِ صاحب الشعار بشيء واحد للحقّ المسيحي العام وليس فقط لمكتسباته الشخصيّة.

 

ولا بدّ، في لقاءات القادة الموارنة واللجنة الفرعيّة، في بكركي أو عمشيت أو سواهما، من طرح الوقائع والبناء عليها: وأهمّ هذه الوقائع أنّ مسيحيّي 14 آذار استطاعوا تصحيح بعض الخلل في أكثر من ادارة لاسيما قوى الأمن الداخلي وبلديّة بيروت ووزارة المال، فأيّ خلل صحّحه مسيحيّو 8 آذار في الخارجيّة والضمان والجامعة اللبنانيّة وسلك مجلس النوّاب والأمن العام، على سبيل المثال لا الحصر؟

 

وفي ملاحظة أشدّ صراحة (وربّما فجاجة)، يحقّ لنا أن نسأل: لماذا لم يُسجّل اعتداء ضدّ المسيحيّين على عقارات أو كنائس أو حريّة حركة في مناطق ذات طابع سنّي، برغم كلّ الكلام على سلفيّة هنا وطالبانيّة هناك وتورا بورا هنالك؟ وهل يكفي توقيع ورقة التحاقيّة لرفع الحيف عن المسيحيّين في مناطق أُخرى؟ وهل التخويف من سقوط نظام عائلي ديكتاتوري وحزب عقائدي مقفل يُنقذ حقوق المسيحيّين؟

 

آن لمرجعيّات المسيحيّن أن تضع يدها على مكمن الخلل، وتواجه المضلّلين بالحقائق، وتفضح دورة الأوهام، وتكشف لعبة تصوير المكاسب الفرديّة انجازات مسيحيّة.

فلا نعود ننتظر ايفاء ديون شخصيّة .. الى يوم الدّين، بل نستعيد حقوق الدنيا، قبل الآخرة!

 

الاحد 17 تموز 2011