حروب الهروب

بقلم/الياس الزغبي

 

حدثان، لبناني واقليمي، كان لهما ارتداد مباشر على قوى لبنانية ثلاث، فارتبكت في التزاماتها وعلاقاتها، وسارعت الى البحث عن بدائل مرتجلة وطارئة، لادارة الارتباك وتدوير الخسائر.

 

الحدثان هما نتائج الانتخابات البلدية لبنانيا، والاندفاعة التركية اقليميا، بما فرضاه من دروس وعبر، وما حملاه من خلاصات وانذارات.

 

أمّا القوى الثلاث المنفعلة مباشرة بهذين التطورين، فهي "حزب الله" ووليد جنبلاط وميشال عون. وهناك من يضيف قوة رابعة هي "تيّار المستقبل"، في الجانب المحلّي فقط، لانّ التطوّر الاقليمي لا يربكه بل يريحه، خصوصا لجهة الانتظام السوري في السياق العربي التركي الدولي بعيدا عن المشروع الايراني.

 

واذا كانت الانتخابات كشفت اشكالية علاقة الثلاثة ببيئاتهم الشعبية وأزمة الثقة معها، فانّ العاصفة التركية كانت أشد وقعا على "حزب الله"، وليس من شأن أي زيارة لوفد منه الى أنقره الاّ تكريس النهج السياسي التركي على حساب النهج القتالي الايراني، وتأسيس مسار جديد في مقاومة اسرائيل، مختلف عن المسار الصدامي العنفي الذي سلكه النظام الايراني وفروعه.

 

وقد وجد "حزب الله" نفسه أمام انقلاب لا يريده، فاضطر الى استبدال معادلة الصواريخ والبوارج بسفن السلام والبعثات النسائية. حتّى هذه "المقاومة" يُضطر الى الابتعاد عنها على غرار التنصّل السابق من صواريخ الجنوب، وهو الان يحيّد نفسه واقعيا برغم حملته على الحياد. أليس هذا جزءا من تحييد لبنان؟ وكأنّه ينسف نظريته في القوة والردع وتوازن الرعب، ويتبنّى عقيدة النضال السلمي، أو اللانضال، أو الحياد عمليا، راكبا على مضض الموجة التركية التي يجهل متى تستكين، والى أين تتجه، وعلى أيّ شاطىء بعيد عن ايران سترسو. انّها حرب من نوع آخر يخوضها "حزب الله"، بعدما أسقطت التطورات ورقة الحرب التي يشتهي، من اليد الايرانية. هي حرب بديلة لا تشبهه، وليست سوى تعويض عن ضائع، بل هي هروب من الحرب.

 

أمّا وليد جنبلاط، الخارج بصعوبة من تجربة الحلف السوري الايراني المهتز، الى الحلف السوري السعودي الأكثر أمانا، فيفتّش عن عنوان يفتدي به ريبة "حارة حريك" وطهران بعدما سبق سواه الى الامتناع في مجلس الأمن، عنوان يصلح لاحتواء الشكوك في سيرته ومساره.

 

لم يجد جنبلاط أفضل من رافعة فلسطين، وشعار العروبة الباهت، واستعادة ردح اليسار البائت، للانقضاض على اليمين "السخيف الغبي" (أين يصنّف الناس جنبلاط وفي أيّ يسار!)، محاولا شدّ عصب بيئته المصدومة والمتسائلة، واسترداد لمعان الصورة في الصف الاول. انّها حرب بديلة أخرى، يحاول القائم بها أن يكون غبارها كثيفا لحجب انعطافاته الخطرة، ولو أعماه الغبار قبل سواه، ولا أسف ولا همّ اذا كانت في الواجهة ضحايا بريئة، فالمهم الاستتار خلفها.

 

ويبقى محترف الحروب البديلة، ضارب الرقم القياسي في فن حروب الهروب.

 

منذ حربيه الأوليين قبل 20 عاما يتابع، بشغف كبير وهمّة لا تكلّ وبنجاح منقطع النظير، فن الهروب الى الأمام . كلّما خذله اتجاه يدير مدفعه الى اتجاه آخر. يطحن الأهداف والشعارات، ويستولد العناوين، ثمّ يحرقها واحدا واحدا، ويجد دائما، أو يجدون له، شعارا بديلا، فالجعبة لا تفرغ، و"الأدمغة الخلاّقة" تستنبط باستمرار خدعا بصرية لتمويه الاخفاقات والانكسارات، وتحويل الهزائم انتصارات.

 

آخر بدائعه حرب الطواحين على قمع الحرّيات والقضاء. عويل مفتوح على "حق مذبوح"، وجنازات حامية حول فقيد مجهول، وبطولات أسطورية في حرب استعراضية. وانتهت "القضية التاريخية" بكلمتين في صفحة قضاء العجلة، أعادتاها شكلا الى مرجعها الأصلي، بكل أساسها الجرمي.

 

كل هذا الضجيج لم يكن لاستعادة حق مهدور، أو لانقاذ حقيقة، أو لتقويم اعوجاج. كان مجرّد استثمار لحادثة أمنيّة من أجل اصابة أهداف سياسية: القفز فوق خيبة الانتخابات والانتقام لهزيمة "استفتاء" بيروت، ترميم واستنهاض القاعدة المأزومة، استثارة العواطف لتمرير الاستئثار بالتعيينات الداخلية في تيّار متهاو، ومحاولة تدارك الانحدار المتسارع.

 

وكل هذا الرقص البدائي المستمر في عرض هزلي متواصل لا ينتج فنّا أو اعلاما راقيا، ولا يربح رأيا عاما.

 

ولعلّ التجربة أمام القضاء تضع حدّا لهوس أهلها، وتعلّمهم أنّ سمعة الناس وكرامتهم ليستا سلعة اعلامية بدون ثمن، وأنّ "التكليف" بنسف القيم وركائز الأخلاق وبثّ السموم زال "سحره" وانتهت صلاحيته.

 

نماذج ثلاثة من حروب الهروب، ابتلي بها لبنان في أصعب مرحلة. ليت شظاياها لا تصيب الاّ من يخوضها. ولكنّه قدر اللبنانيين، يدفعون بالجملة ثمن حسابات بعض زعمائهم بالمفرّق.

 

الاحد 20 حزيران 2010