حياد "حزب الله"؟

الياس الزغبي

الاحد 27 حزيران 2010

 

أيّ مراقب لمسار الوضع الداخلي اللبناني يستطيع بسهولة ملاحظة انخراط متزايد لـ "حزب الله" في مسائل كانت بالنسبة اليه جانبية وتفصيلية، بازاء استراتيجيته "الخاصة"، بل "العامة" بفعل ارتباطها المحكم بالاستراتيجية الايرانية، في البحث عن توازن الردع والرعب والحرب مع اسرائيل.

 

وليس خفيّا أنّ هذه الاستراتيجية الحربية الموضوعة منذ 10 سنوات على الأقل، تصطدم الآن باستراتيجية سياسية أخرى تركية عربية دولية حقّقت نجاحا نوعيا مزدوجا: احتواء صلف طهران وجموحها، والتأسيس لتفاهم واسع تنخرط فيه سوريا بوضوح خارج المأزق الايراني.

 

هذا الانكفاء الاستراتيجي حتّم انكفاء موازيا وارتباكا لدى "حزب الله"، فغاب عن أدبياته خطاب ازالة الكيان الصهيوني، ووعد النصر الالهي، ومعادلة المطارات والموانىء والمدن والضواحي، والتبريك لسفن غزّه، وصولا الى اعلانه التبرّؤ منها، وبعده ايران. حتّى أنّ أمينه العام السيّد حسن نصرالله لا يجد مناسبة، على كثرة استنباط المناسبات وسهولة توليفها، كي يخرج الى أنصاره بموقف من التطورات والأحداث النوعية في الاقليم والعالم.

 

انّ تعثّر الخيار الاستراتيجي فرض على قيادة "حزب الله" البحث عن بدائل داخلية، عن تعويض سياسي يبقيها في المشهد العام، عن موضوعات مستحدثة لم تكن في حسبانها وأولوياتها، فدفعت الى الواجهة وجوها من الصف الثاني، طالما أنّ وجوه الصف الأول لا تليق بها الاّ الاستراتيجيات الكبرى، من أجل خوض سجالات تغطّي ارتباكها الاستراتيجي، الى أن تنجلي الوجهة الايرانية التالية.

 

ويمكن تبويب هذه المسائل البدائل في أمور أربعة:

- وجد "حزب الله" خشبة خلاص في تصريح مساعد وزيرة الخارجية الأميركية جيفري فيلتمان حول المساعدات المالية للبنان، وذهب في التفسير والتأويل كلّ مذهب، وتمادى في الافتراض والتوهّم، وأطلق العنان للخيال ونسج الروايات، وأوهم نفسه أنّ اللبنانيين صدّقوه، مع أنّه من أكثر المستفيدين من هذه المساعدات في بلديات جنوبية وبقاعية، وفي مشاريع انمائية متنوّعة، اضافة الى تلقّيه مساعدات كبرى أخرى بدون رقيب او حسيب. والأشدّ غرابة اتهامه وسائل اعلام لبنانية بالحصول على مساعدات أميركية، في حين يعرف الجميع من أسّس وموّل ودعم ورعى كل وسائل اعلام 8 آذار، القديم منها والجديد، و(اللاحق )، لنسف كل مرتكزات الدولة والشرعية، وتشويه كل القيم المؤسّسة للبنان.

 

- اهتمّ بتسريب لقاء موفده مع السفير البابوي، بعد أسابيع من حصوله، كي يثير سجالا جانبيا حول سعيه الى تجاوز بكركي، وتجريب حظّه (العاثر) في الشكوى من المواقف التاريخية لسيّدها، مع استكتابه أقلاما بائرة وصحافة جائرة (أليست مأجورة؟)، للنيل عبثا منها.

 

- حضّ، سرّا وعلنا، على تضخيم التشريع في موضوع الغاز والنفط البحريّين، منهمكا في البحث عن وظيفة جديدة لسلاحه، سبقه الى خلعها عليه "حليفه اللدود المريب" وليد جنبلاط، طالما أنّ الوظيفة "التاريخية" المتصلة بالتحرير والغاء اسرائيل موضوعة الآن على رفّ الاستراتيجية المعلّقة.

 

- أمّا في الموضوع الرابع، حقوق الفلسطينيين في لبنان، فيحاول "حزب الله" استغلال الجدل حولها، متفاديا احراق أصابعه فيها، موكلا الى حليفه الآخر "المأزوم" ميشال عون تفريغ شحنات الغضب، واستثمار الحقد المفتعل، في محاولة لترميم عطف مسيحي أفلت من يديه.

 

هل يعني انغماس "حزب الله" في الحروب الداخلية الصغيرة استقالته من "الحرب الكبرى" التي اضطرت ايران الى تبريدها؟

في الواقع، يبدو "حزب الله" في حالة حياد قسري، وكأنّه ينفّذ مرغما سياسة 14 آذار، بمسيحييها على الأقل، في مجال وضع قرار الحرب أو السلم في عهدة الدولة. وليس تهديد اسرائيل بالحرب بسبب دعمه سفن غزّة، والتسريبات الصادرة عنه حول الاستعدادات القتالية، الاّ لابقاء روح المواجهة والاستثمار في حال العداء، بينما هو، عمليا، جمّد، ووراءه ايران، عقد هذه المواجهة الى أجل غير مسمّى، فتنكّرا معا لأبوّة السفن التائهة الآن في بحر الحيارى، بحثا عن تبنّ ما، عمّا ينقذ ماء الوجه.

هل من يصدّق أنّ "حزب الله" يسبقنا جميعا الى الحياد؟

 

وأيّ حياد؟

لعلّ هذا الحياد "النظري" يتحوّل من قسري وافتراضي وموقّت، الى طوعي وضروري ودائم، فيخرج لبنان معه من ورطة المحاور، لا من التزام القضايا.

ولعلّ الثمن لا يكون بالارتداد الى الداخل، لتعويض نكسات الخارج، ولا بالتزام الحياد الخارجي مقابل الانحياز الداخلي، باستخدام القوة المكبوتة استراتيجيا. ولا تكون المعادلة الجديدة: قمعوا سلاحنا في الخارج، نحوّله الى الداخل. حرمونا من حرب اقليمية، نعوّض بحرب أهلية!

فلبنان لا يتحمّل أيّ 7 أيّار آخر.

ولا التاريخ يعيد نفسه... الاّ بمأساة أو مهزلة.