الاستفتاء الأخير

بقلم: الياس الزغبي

تنطوي اليوم المرحلة الثالثة من الانتخابات البلدية، في الجنوب، وتبقى المرحلة الأخيرة الأحد المقبل، في الشمال، ومعهما تنطوي الاستفتاءات التي أصرّ الحليفان المصدومان "حزب الله" وميشال عون على اجرائها عبر صناديق المدن والبلدات والقرى، الأول حول المقاومة وقدسية السلاح (ولو حاول السيّد حسن نصرالله التملّص من تجرّع الكأس والتهرّب المسبق من حصيلة الاستفتاء)، والثاني حول الطبعة الأخيرة من عناوينه المتناسلة والمتهافتة، من حق الوجود الى تقسيم بيروت وتثليثها، ومن داحس المعارضة السنّية الى غبراء المخاتير في "الشرقية".

استفتاءات أتت (وستأتي) نتائجها مخيّبة لطارحيها، ف "حزب الله" يحاول فرض أحاديته في البيئة الشيعية بشقّ النفس ويخرج بجروح ثخينة سعى نصرالله الى تمويهها بالدعوة لتحويل الانتخابات الى أعراس، وعون يحصد خيبة اثر خيبة من جبل لبنان الى بيروت وزحلة، والآن في جزّين، وقريبا في الشمال.

ليس صعبا التحقّق من مأزق "حزب الله" في الضاحية وجبيل وبعلبك الهرمل، واليوم في الجنوب، عبر انحسار الهالة السحرية عن ستاره الحديدي.

وليست افتراضية لغة الأرقام المتردّية التي يجنيها عون من ضربات سيوفه في الماء والهواء.

في مدينة جزّين، ليس هناك مخزون أصوات ل "حزب الله" يغيث بها حليفه، خصوصا بعد انكشاف حساباته في جبيل والأشرفية وزحلة (باستثناء الحدث)، واسوداد وجهه من قدرته المتراجعة في تجيير الأصوات وفرض التكليف الشرعي.

وفي مدينة البترون، ارتهان لنفوذ "المردة" والقوميين السوريين وأطلال الشيوعيين، واثارة لأحقاد الحرب، مقابل ذوبان في زغرتا تحت رحمة العطايا الهزيلة من سليمان فرنجية، بين عضو هنا وآخر هناك.

فاقع وكئيب هذا الانسحاق العوني في الأقضية المسيحية الأربعة في الشمال: البترون والكورة وزغرتا وبشري. رئيس بلدية واحد فقط من أصل مئة قد يحسب للعونيين وقد لا يحسب، أمّا الأعضاء فمنحة هنا ومنّة هناك وصدقة هنالك. والقصّة نفسها في عكّار، لطو وراء الحلفاء وقتال خلفي واستتار في الصفوف الثانوية، وغياب شبه تام في طرابلس والمنيه والضنيّه. وأهل الشمال يسألون لماذا لم يقم عون باستفتاء حول مصيره في زغرتا، ولماذا يقبل بملحق في العضوية التي لم يكن ليحصل عليها لو أكمل سليمان فرنجيه اتفاقه مع 14 آذار. فهل تعلّم من درسي الاستفتاء في زحله والأشرفيه؟

حزينة هي الحالة التي بلغها التيّار العوني ، فقد بات أسير السجون الخمسة على المساحة الانتخابية: "حزب الله"، الطاشناق، المردة، الكتلة الشعبية، القوميين. وماذا يبقى للأسير غير طلب الرحمة؟

وكل هذه الطاقة المضاعفة، والتعبئة الاستثنائية المدجّجة بكل أنواع الدعم، في مدينتي جزين والبترون، لن تنتج نصرا مبينا، أو كسبا، أو نجاحا لاستفتاء، ولو جاءت الصناديق ببعض النتائج. فأيّ نجاح جزئي لن يعوّض الخسارة الكاملة، كما لم تفعل جزئيات البقاع الغربي، بل قد يؤدّي فقط الى تأجيل مؤقّت لمراسم السقوط.

في الواقع، انّها التجربة الأخيرة في الجنوب والشمال، بعدها يعلن الثنائي الخائب توبته عن استفتاء الناس، ويبدأ البحث عن أساليب أخرى لترميم التصدّعات.

انّهما الحالتان الحزبيتان اللتان التهمت الانتخابات البلدية جزءا كبيرا من رصيدهما، وثالثهما وليد جنبلاط.

وتعميم القول انّ العائلات أوهنت الأحزاب لا يصحّ عليها كلّها: فالأحزاب والتيّارات التي تأثّرت بوطأة العائلات وتعرّضت للخسارة هي التي لعبت بالعناوين والأهداف، وقفزت من ضفّة الى أخرى، كما فعل ميشال عون ووليد جنبلاط، أو تلك التي تمسّكت بايديولوجية فولاذية في وجه ارادة الحياة والاستقرار لدى الناس ، مثل "حزب الله".

أمّا الأحزاب التي حافظت على سياستها وأهدافها، فحصدت نجاحات واضحة، مثل "المستقبل" و"القوات" والكتائب، وحتّى السوري القومي و"المردة" والشيوعي، والقوى المستقلّة الأمينة على نهجها التقليدي (ميشال المر، الياس سكاف، آل افرام...).

والعبرة العميقة تبقى في أنّ سرّ النجاح يكمن في الثبات، وهي عبرة تؤكّد أنّ الانتخابات البلدية سياسيّة في الأصل والفرع، مهما ألبسوها لبوس الانماء والعائلات والأجباب.

الرابحون ربحوا في السياسة، والخاسرون كذلك.

أولئك قطفوا نجاحاتهم بدون استفتاء.

وهؤلاء جرّبوا استفتاءهم الأخير.

23 أيار/2010