في مديح الاحتلال!

بقلم/الياس الزغبي

 

بين تجربتي العراق ولبنان، بعد تجربة مصر قبل 200 عام، مسافة للترجيح والتفكير في سلبيات الاحتلال وايجابياته.

وهل للاحتلال ايجابيات (اذا استثنينا حالة فلسطين)؟

 

يبدو السؤال نافرا، صادما، استفزازيا... قد يؤدّي الى قذف صاحبه بكل شتيمة أو قذيعة، ورجمه بكل فريّة تجود بها المعاجم.

قبل أكثر من قرن كان الاحتلال يسمَّى، تخفيفا وتلطيفا، استعمارا، بما تحمل العبارة من معنى الاعمار والتعمير والبناء.

اذا، في الأصل، يلطو وجه مليح بين الوجوه القبيحة التي يأتي بها الاحتلال الاستعمار، خصوصا اذا كانت قوة الاحتلال ذات ترقّ حضاري يفوق الجهة أو الدولة الخاضعة له (حالة بريطانيا في العراق وفرنسا في لبنان)، في حين تغيب أيّ سمة ايجابية عن احتلال تفرضه قوة أو دولة أدنى مرتبة حضارية وثقافية من الجهة التي تُخضعها (حالة المغول قديما في بغداد وحالة الاحتلال حديثا في بيروت).

هذا ما حصل في غير زمان ومكان عبر التاريخ والجغرافية: وجه قبيح وآخر أقل قبحا. ولا يصح القول انّ الاحتلال هو الاحتلال وكفى.

لم تكن مصر والعالم العربي على موعد مع النهضة في القرن الـ 19 لولا الحركة الثقافية والتنويرية التي أطلقتها (من حيث تدري أو لا تدري) حملة نابليون العسكرية قبل مئتي سنة (الى عوامل أخرى طبعا).

ولم يكن لبنان (ولا يزال ولو مهيض الجناح) منارة حرية وديمقراطية في المشرق، لولا تعاقب الاحتلالات، على تخلّف بعضها، وتفاعل الأمم والشعوب ومصالح السياسات (خصوصا الانتداب وعمله التأسيسي) على أرضه وفي بيئاته الدينية والثقافية.

ولم يكن العراق، منذ 7 سنوات، ليخرج الى نعمة الديمقراطية (ونقمتها!)، لو لم تجتحه الجيوش الغربية، مع كل الأثمان الباهظة التي أوجبها (ويوجبها) الخروج الى الحرية.

 

في المقابل، هناك قوى اقليمية ذات امتدادات محلّية، في العراق ولبنان وسواهما، تستميت للقضاء على هذه الديمقراطية المعذّبة، المخضّبة بدماء عشّاقها وشهدائها:

- في لبنان، سعت هذه القوى (ونجحت) في تجويف نتائج الانتخابات التي جرت قبل 10 أشهر.

- في العراق، تجهد في خلط نتائج الانتخابات التي جرت قبل 3 أسابيع.

 

هنا وهناك انقضاض على ثمار الديمقراطية. هنا باسم التوافق وأولوية "المقاومة"، هناك باسم التوازن ومحاربة الاحتلال. في الحالتين مكافحة لارادة الناس ومنع تفتّح الديمقراطية، ودائما باسم الممانعة والمواجهة للاستكبار الاميركي.

معادلة مربكة ومثيرة: احتلال يطلق ديمقراطية ومقاومة تقمع حرّية.

 

خيار صعب أمام العرب بين شرّين: شرّ خالص وآخر ممزوج بشيء من الخير!

أليس من فرق بين احتلال واستعمار، بين محتل يرحل على راسب ديمقراطي، ومقاوم يقيم على القمع والغلبة؟

ألا يؤدّي شعار "لا صوت يعلو فوق صوت الممانعة"، إمّا الى حنين لزمن مضى وإمّا الى تطلّع صوب "استعمار" وافد؟

 

أخطر تحدّ أمام العرب اليوم هو الاهتداء الى موقع ثالث بين الاحتلال والممانعة.

واسوأ صدى للممانعة تصاعد همسات في مديح الاحتلال.

 

الثلاثاء 6 نيسان 2010