تفاهم" مترنّح

بقلم/الياس الزغبي

 

منذ لحظة ولادته في 6 شباط 2006، بدا "تفاهم" نصرالله عون مولودا غير شرعي، بل غير طبيعي.

 

لم يكن، في جوهره، نتاج نَعَمين متبادلتين، بل صنيعة لاءين لطرف ثالث. وكلّ عقد بين اثنين ضدّ آخر، ولا يقوم على تبادل عادل وتوازن للمصالح، لا يدوم.

 

أحد طرفيه، عون، كان خجولا به في المرحلة الأولى، فظلّ شهورا يحاذر تسميته تحالفا، محاولا امتصاص نقمة الرافضين والمستهجنين بالقول انّه "مجرّد تفاهم". ثمّ تبيّن لاحقا أنّه أعمق من تحالف وتفاهم. تلاحم. وقد ظلّ يتيما فلم يتبنّه أو يوقّعه أحد سواهما برغم الترويج والتدليل عليه في السوق السياسيّة.

 

ولا تُقاس الأرباح الشخصيّة التي جناها عون من التحالف مع "حزب الله"، على كثرتها وتنوّعها، بالخسائر الجماعيّة السياسيّة والشعبيّة التي مُني بها، بينما كانت أرباح الحزب صافية وكاملة، الى حدّ التخمة.

 

اكتفى "حزب الله" بالحكّ على حساسيّات حليفه وطموحاته في ثنائيّة السلطة والمال، وأطلق حوله دخانا كثيفا لمنعه من رؤية مشروعه الحقيقي في التمدّد السياسي والجغرافي والديمغرافي، فوجد عون نفسه داخل كمّاشة متعدّدة اللواقط، ليس أقلّها قضم الأراضي في بلاد جبيل، والتمدّد في أعالي المتنين وكسروان وزحله والضاحية الشرقيّة - الجنوبيّة وحتّى الجنوب وشمال البقاع، وتكريس الموقع الأمني المحوري في الأمن العام، وعدم مجاراته في لعبة الحصص في الادارة، تحت طرفة الاصلاح ومحاربة الفساد.

 

في الأساس، جاء نصّ "التفاهم"، ببنوده العشرة، وثيقة اذعان والتحاق موصوف بمشروع "حزب الله"، خصوصا لجهة اطلاق سلاحه على المدى المفتوح بحجّة الخطر الاسرائيلي، على خلفيّة الوصف الوارد في النصّ لهذا السلاح بأنّه "مقدّس"، الأمر الذي لم يحلم به الحزب نفسه، وهو، في سرّه، يُدرك أنّه غير مقدّس، فكيف يرفض هذه الهديّة "المقدّسة" ممّن يمثّل ثلاثة أرباع المسيحيّين، في حينه!

 

ومع اقتراب عمر "التفاهم" الالتحاقي من نهاية سنته السادسة، بدأت تنتابه عوارض المرض والشيخوخة المبكرة، ليس بسبب "واقعيّة" أو براغماتيّة الحزب و"مبدئيّة" عون. فهذه المعادلة لا يصدّقها أحد. وليس، كذلك، لأنّ الأوّل بدأ يغرق في الفساد والثاني بريء نظيف شريف يريد انقاذه منه. فهذه أيضا لا تنطلي على عاقل.

 

ليست المشكلة في تمايز بين نهجين داخل حكومة مشتركة خاضعة للحليفين. لقد كانا معا في حكومات سابقة ولم يحدث هذا التمايز، وخاضا معارك أشدّ صعوبة، أبرزها الرئاسة في الدوحة، فلماذا الآن؟

 

اذا دقّقنا في الخلاف، نصل الى وجود عاملين جوهريّين يسبّبانه: عضوي وسياسي.

 

- الأوّل أنّ زواجهما غير الشرعي حمل في ذاته بذور انهياره، بسبب عدم توازنه، والتزوير الذي حصل في هوّية أحدهما، لخروجه على منطق بيئته ومسارها التاريخي.

 

- الثاني، هو أنّ "التفاهم" كان استطراديّا وليس أصليّا. كان نتيجة ارتباط كلّ من طرفيه بالنظام السوري. فعون جاء الى الضاحية من دمشق وليس العكس. صحيح أنّه ذهب الى الضاحية، حسب الترتيب الزمني، قبل سوريّا، لكنّه، فعليّا، مقيم في النظام السوري منذ أكثر من ربع قرن. في حسابات عون، الأسد أوّلا، ثمّ نصرالله. سنة 1990، فتح "حزب الله" خطوط الضاحية أمام عون بطلب من دمشق، و" تفاهم مار مخايل" 2006 كان بترتيب منها، وقد رعت ورقته عن قرب.

 

يجب أن نبحث عن دمشق، في تقارب أو تباعد الحليفين اللدودين. كلّما تماسكت تماسكا، وكلّما ارتبكت اهتزّت الثقة بينهما، وربّما الى درجة التصدّع.

 

كي تعرف ماذا يجري بين حارة حريك والرابيه، عليك أن تعرف ماذا يجري بين دمشق وطهران. وبين دمشق والضاحيه. وبين دمشق ودمشق. وبين طهران وطهران!

 

لم تكن ادانة أحمدي نجاد للقتل في سوريّا، عبارة عابرة.

 

ليست المفاوضات السريّة بين طهران وواشنطن، تفصيلا.

 

لم يكن اضطرار نصرالله وعون للتعليق شخصيا على علاقتهما نفيا أو تقليلا، ترفا سياسيّا.

 

كلّ تحالف مفخّخ من الداخل، ومرهون للخارج، مصيره الانهيار.

 

هالة "القداسة" بدأت تنزاح عن التحالف غير الشرعي، كي ينكشف "الدنس".

 

ها هو يترنّح، فمتى السقوط؟

 

بيروت في 29 تشرين الأول/2011