مقاومون أم  قوّامون؟

بقلم: الياس الزغبي

 

من يدقّق في الخطاب الأخير للسيّد حسن نصرالله، يصدمه مقدار ما ينسب "حزب الله" لنفسه من حقوق "مكتسبة" على لبنان شعبا ودولة وجيشا، تحت عنوان المقاومة، وفي غفلة من الثلاثة أو رضوخ. في عرضه السياسي العسكري المتصاعد، لم يعد السيّد نصرالله يقيم أيّ وزن للحقوق الفردية والعامة: هو قوّام على الأرزاق والأعناق، وصي عليها، يفاصل فيها مع اسرائيل، يحدّد الأسعار وأساليب التبادل، على خبرة سابقة في تبادل الجثث، وهذه المرة بناية ببناية، مطارا بمطار، مصنعا بمصنع، حجرا بحجر وبشرا ببشر. يملك حقا "الهيا" في حجب الأرواح أو اباحتها للموت، في توفير جنى العمر وتعب الأيدي، أو اهدارهما، في حفظ الرؤوس أو اطاحتها، يضع شروط الصفقات المعروضة بدون استشارة المعنيين بها.

 

يؤمّم الأملاك الخاصة، يجعلها ملك "الأمة"، يحشرها مع أصحابها في المعركة، يجادل، يفاوض، يساوم، "لردع" العدو. يقايض أرضا بأرض، رزقا برزق، نفسا بنفس، سنّا بسنّ وعينا بعين. يقرّر في صباحات الناس ومساءاتهم، في سياق نهاراتهم، استقرارا أو اهتزازا، موتا أو حياة. "لا يريد" الحرب، "يشتاق" اليها فقط، شوق العاشق المتيّم، التائق الى جنّة شريكته المعركة حيث قعقعة السلاح وصليل الرماح.

 

أمس سمعت جنوبيا يسأل: من قال انني أنتظر الموت، من قرّر أنني لا أخاف، من أفتى بمصير أولادي وجنى العمر؟ بلغت نشوة "النصر الالهي" حدّها الأقصى، بات كل شيء مباحا، سقطت المسافة بين العام والخاص، بين الشجاعة والجبن، بين محبّ للسلام وعاشق للحرب، بين حق الحياة وواجب الموت. دخلنا قدس الوحدة المطلقة في "أرمجدون" المقاومة الكلّية.

 

انها "نرفانا" الحرب، حيث تتطهّر النفوس من أدران الضعف، وتسود ثقافة القوة، وينخرط القوم في الجهادين. أمّا القلّة الضالّة فهي أمام احتمالين: امّا رميها بالخيانة، وجزاؤها الاعدام. وامّا عزلها والحجر عليها، وابعادها مثل "البعير المعبّد"، كما تفرض الطقوس الجاهلية. أمس سمع اللبنانيون كيف يرصد أهل حرب المقايضة تداعيات تهديدهم في الشارع الاسرائيلي، وكيف يفعل الرعب فعله هناك.

 

اللبنانيون طيّبون. القلق يعشّش في يومياتهم، واسرائيل تستثمر في الرعب. ومن قال ان جحا لم يصدّق شائعته؟ نعم، هذه هي حال لبنان واللبنانيين في زمن "الابداعات  المثيرة، في ثورة المقاومة الحديثة بجيشين ودولتين وقرارين، في معاهد الاستراتيجيا الطليعية. لا تسألوا عن "ما بعد" حداثة هذا " لابداع" اللبناني الخلاّق. هي عنوان الألفية الثالثة في صناعة الانتصارات على قاعدة المقايضات. هي تحمل براءة اختراع اسم جديد: "المقاومون القوّامون".

 

بيروت في 18 شباط/10