مقابلة مع الكاتب والمحلل السياسي الياس الزغبي من جريدة الجريدة/11 حزيران/09

*المسيحيون في لبنان هم جزء من هذا الشرق، متفاعل مع الغرب، وهذه الثنائية طبعت الحالة المسيحية عبر القرون

*عون لم يعد زعيماً مسيحياً لبنانياً، بل هو يمثّل إحدى القوى المسيحية ودون سواه بالحجم

*لا يستطيع أي زعيم مسيحي قدمته صناديق الاقتراع في لحظة سياسية ما أن يأخذ المسيحيين الى مسار مناقض لهذه الحقيقة التاريخية

*الانتخابات أعادت تصحيح مسار المسيحيين التاريخي وحالة عون سقطت

*أهم ما أنتجته الانتخابات، يكشف عن حالة التململ داخل التيار الوطني الحر بعد سقوط رهانات عون

*لم يستطع عون جمع أكثر من 40 في المئة من أصوات المسيحيين، بكل ما في هذه الأصوات من حالات محسوبة تاريخياً على مسار مغاير للمسار المسيحي العام، كالقوميين *السوريين والشيوعيين التقليديين والبعث والأرمن بسياستهم الجديدة بقيادة حزب الطاشناق

*سقطت ظاهرة العماد عون الاستثنائية في التاريخ المسيحي المعاصر بسرعة زمنية قياسية. تبقى هناك بعض البؤر المعزولة في بعض البيئات المسيحية، كما في كسروان، لاتزال *مخدوعة بالحالة العونية لكن لم تعد صعبة المعالجة

*لم يعد تيار عون في الفترة الأخيرة تياراً شعبياً جارفاً ولم يتحول بالمقابل الى حزب، بل أصبح أشبه بنادٍ مقفل، مَن يخرج منه يكون مولوداً ومَن يدخل اليه يكون مفقوداً

*نتائج الانتخابات هي انتصار لمبدأ الديموقراطية على السلاح

*تجربة الثلث المعطل غير قابلة للتكرار

*خيار الأكثرية في المرحلة المقبلة هو الانفتاح على جميع مكونات المشهد اللبناني

*إذا كان الاتجاه الذي أوحى به السيد حسن نصرالله أي التخلي عن فكرة الغلبة والقوة والسلاح هو السائد مستقبلاً، فالأمور ذاهبة نحو الاستقرار

*أهمية فوز 14 آذار أنها وضعت حداً لحلمين في سرير واحد: حلم 'حزب الله' بمشروعه الانقلابي، وحلم النظام السوري باستعادة نفوذه السابق على لبنان

 

جريدة الجريدة الكويتية

11 حزيران 2009

http://www.aljarida.com/aljarida/Article.aspx?id=115535

 

لا تشبه مقاربة القيادي في قوى الرابع عشر من آذار المحامي الياس الزغبي لنتائج الانتخابات النيابية سواها من المقاربات النقدية. فالزغبي، الذي اختار النضال في صفوف التيار الوطني الحر خلال عهد الوصاية السورية، ويكافح اليوم ضمن قوى 14 آذار من أجل استكمال مشروع بناء الدولة بعيداً عن الوصاية والتبعية والارتهان لأيٍّ كان، يدرك جيداً الواقع المسيحي والحالة العونية، التي واكب انطلاقتها.

 

في حديث إلى الجريدة، يقرأ الزغبي نتائج الانتخابات النيابية وتردداتها على المشهد الوطني، منوهاً بانتصار مبدأ الديمقراطية على السلاح. وإذ يعتبر أن إعادة تصحيح المسيحيين لمسارهم التاريخي يبقى أهم ما أنتجته الانتخابات، يكشف عن حالة التململ داخل التيار الوطني الحر بعد سقوط رهانات النائب ميشال عون، مؤكداً أن تجربة الثلث المعطل غير قابلة للتكرار وأن خيار الأكثرية في المرحلة المقبلة هو الانفتاح على جميع مكونات المشهد اللبناني. وفي ما يلي نصّ الحوار:

 

ما هي الخلاصات التي يمكن الخروج بها من مسار العملية الانتخابية ونتائجها؟

 

-يمكن التوقف عند ثلاث خلاصات أساسية، أولها وأهمها تكريس الانتخابات مبدأ الديمقراطية والحوار في مواجهة مبدأ الغلبة بقوة السلاح، إذ شكلت أفضل ردّ على 7 مايو وعلى سياسة التعطيل الميداني والمؤسساتي. الخلاصة الثانية هي تأكيد استثنائية هذه الانتخابات ومصيريتها، فهي وإن لم تؤدِ الى انقلاب في وجه '8 آذار'، لكنها حددت المسار المقبل للسياسة اللبنانية ولموقع لبنان ودوره. وهذا ما عكسته نسبة الاقبال المرتفعة وغير المسبوقة على صناديق الاقتراع، وخصوصاً في المناطق المسيحية.

 

أما الخلاصة الثالثة، فهي نجاح مؤسسات الدولة والأجهزة المعنية في إدارة الانتخابات، إذ قدّمت وزارة الداخلية والهيئات المرتبطة بها نموذجاً ناجحاً جداً في تأمين انتخابات ذات مصداقية، متسمة بقدر مرتفع من الحيادية والنزاهة والاستقرار.

 

* كيف تقرأ النتائج الرقمية على المستوى المسيحي؟

 

- أهم ما أنتجته هذه الانتخابات هو إعادة تصحيح مسار المسيحيين اللبنانيين، الذين تعرضوا خلال السنوات الأربع الفائتة الى عملية خداع ومحاولة انحراف بهذا المسار التاريخي نحو مواقع لا تمت إلى المسيحيين بتاريخهم القديم والمعاصر. المسيحيون جزء من هذا الشرق، متفاعل مع الغرب، وهذه الثنائية طبعت الحالة المسيحية عبر القرون. لا يستطيع أي زعيم مسيحي قدمته صناديق الاقتراع في لحظة سياسية ما أن يأخذ المسيحيين الى مسار مناقض لهذه الحقيقة التاريخية. واللافت أن الجسم المسيحي متعاف ومبدع الى درجة أنه يعيد تصحيح نفسه بنفسه، إذ كان من شأن الظاهرة التي شكلها العماد ميشال عون في البيئة المسيحية، لو استمرت في اندفاعتها، ان تأخذ المسيحيين الى منزلقات خطيرة.

 

في قراءة عامة للنتائج، يتبين لنا أنه في معظم الدوائر ذات الأغلبية المسيحية، لم يستطع العماد عون جمع أكثر من 40 في المئة من أصوات المسيحيين، بكل ما في هذه الأصوات من حالات محسوبة تاريخياً على مسار مغاير للمسار المسيحي العام، كالقوميين السوريين والشيوعيين التقليديين والبعث والأرمن بسياستهم الجديدة بقيادة حزب الطاشناق وحساباته الإقليمية.

 

سقطت ظاهرة العماد عون الاستثنائية في التاريخ المسيحي المعاصر بسرعة زمنية قياسية. تبقى هناك بعض البؤر المعزولة في بعض البيئات المسيحية، كما في كسروان، لاتزال مخدوعة بالحالة العونية لكن لم تعد صعبة المعالجة، بعد أن تبيّن مدى تهور خيارات العماد عون وتسرّعها. واستدرك المسيحيون في اللحظة الأخيرة هذا المسار الانحداري، فالتقطوا أنفاسهم وأعطوا لوائح ثورة الأرز نسبة مرتفعة جداً تتحرك بين 55 و60 في المئة من الأصوات المسيحية، خصوصاً في البيئة المارونية. هذه الوقائع تسقط مقولتين، الأولى أن العماد عون لم يعد زعيماً مسيحياً لبنانياً، بل هو يمثّل إحدى القوى المسيحية ودون سواه بالحجم، والمقولة الثانية تمثيله المسيحيين المشرقيين وضمير مسيحيي الشرق، وهو بالتالي وإن تم الاحتفاء به في دمشق بفضل ايحاءات مخابراتية إلا أنه ليس بحالة تتمدد على الوجدان المسيحي في الشرق الأوسط.

 

ما هي برأيك الترددات التي سينتجها تراجع الحالة 'العونية

 

- هذا التراجع يحدث ترددات بليغة على 3 مستويات: الأول داخل التيار العوني، فمنذ اقفال صناديق الاقتراع بدأت حركات امتعاض، موجودة أساساً في التيار ولكنها مكبوتة، احتجاجاً على الاقطاع العائلي وعلى تفرّد بعض الوجوه العونية التي تبيّن أنها شكلت خيارات خاطئة وسقطت في الانتخابات، من جبران باسيل الى سليم عون، ومن عصام أبوجمرة الى ماريو عون وسواهم. هذه الرموز التي بنى عليها العماد عون حساباته سقطت. ويُنتظر الآن أن تتقدم حيثية المتمتعين بالوعي السياسي داخل التيار، وهم كُثُر ولكنهم كانوا مغلوبين على أمرهم... لم يعد التيار في الفترة الأخيرة تياراً شعبياً جارفاً ولم يتحول بالمقابل الى حزب، بل أصبح أشبه بنادٍ مقفل، مَن يخرج منه يكون مولوداً ومَن يدخل اليه يكون مفقوداً. لقد استطاع 'حزب الله' من خلال ورقة التفاهم أن يحول التيار العوني الى حالة مقفلة تشبه حالة 'حزب الله'، حالة مقفلة أحادية التطلع والمسار، وهنا تكمن خطورة ورقة التفاهم، التي أثّرت على سلوكياته وليبراليته المفترضة وأتوقع أن تنفجر حالة من التعبير العلني عن الامتعاض العام والاحتقان الداخلي في التيار العوني.

 

على المستوى المسيحي، إن تنامي الوعي المسيحي، وهو بحاجة الى استكمال وتعميم، سيواجه العماد عون بحقائق كثيرة حول الغطاء المطلق لكل ما يقوم به 'حزب الله' وسلاحه، والخيار المتسرع نحو النظام السوري، والشحن اليومي المباشر ضد الطائفة السنية والتعرض لزعاماتها الحقيقية ومحاولة تصويرها بالطائفة الأصولية والتي تريد ابتلاع المسيحيين، بينما الحالة الاعتدالية التي يشكلها النائب سعد الحريري وتيار المستقبل تشكل في حد ذاتها صمام أمان للعيش المشترك في لبنان. فالمسيحيون ليسوا بحاجة الى قوة مسلحة تمثل جزءاً كبيراً من الطائفة الشيعية لتحميهم، لأن موقعهم في لعبة التوازن العقلاني والذكي بين كل المكونات اللبنانية. قال المسيحيون في الانتخابات للعماد عون: لا نقبل ان نكون وقوداً في أي نزاع مذهبي سني- شيعي بل يجب أن نكون صمامات أمان، وهذا هو الدور المسيحي الحقيقي.

 

ماذا عن انعكاسات هذا التراجع على المستوى الوطني والعلاقة بين الأكثرية والأقلية؟

 

- أتوقع أن تقوم على أساس جديد يتناقض كلياً مع اتفاق الدوحة، الذي يرسي مبدأ الثلث المعطّل، الذي من غير المقبول تكراره في الحكومة المقبلة. المعادلة الجديدة بين أكثرية وأقلية ستذهب حتماً باتجاه شراكة هادئة واضحة. وهناك احتمالان: إما أن تشكل الأكثرية حكومتها إذا لم يرفض 'حزب الله' وحلفاؤه بالمطلق الأقلية وإما يقبلون بالمشاركة على أساس أن يكون لرئيس الجمهورية مفتاح الثلث المعطل، بمعنى ان يرجّح الوزراء المحسوبون عليه الكفة لجهة الثلث المعطل أو أكثرية الثلثين.

 

كيف تقرأ نتائج الانتخابات على صعيد المكونات اللبنانية الأخرى كالأرمن والسنة والشيعة؟

 

- ثمة مجموعة من الخاسرين على صعيد نتائج الانتخابات. في المرتبة الاولى يأتي حزب الطاشناق الذي بنى كل حركته الانتخابية على تكوين كتلة من 5 نواب، فإذ به لا يحصل إلا على نائبين. الخاسر الثاني هو الزعامة التقليدية في زحلة المتمثلة في آل سكاف، ويأتي العماد عون في المرتبة الثالثة، فهو وإن استطاع تجميع كل نواب المعارضة ضمن تكتله، إلا انها ستكون مجموعة غير متجانسة ولن يكون لعدد أعضاء تكتله أي معنى طالما أنه فقد حق التمثيل المسيحي الأوحد والمطلق.

 

لقد أثبتت الانتخابات أن 'حزب الله' يقفل الساحة الشيعية إقفالاً محكماً، على طريقة الحرس الثوري الإيراني، في مقابل مشهد متنوع عند السنّة نتيجة لذكاء سعد الحريري وليبراليته، إذ أوجد تشكيلاً سياسياً على لوائحه، يتمثل بالمستقلين وبالرئيس نجيب ميقاتي وبالجماعة الاسلامية وبالوزير تمام سلام،... إذا، بقيت البيئة السنية مفتوحة على التنوع، والبيئة الدرزية نسبياً من خلال وعي النائب وليد جنبلاط لتوازنات الجبل وإصراره على ترك مقعد للمير طلال أرسلان. يبقى المطلوب التركيز على اعادة التنوع الشيعي من خلال افساح المجال لتنامي حالة وعي شيعية تستعيد الإرث الشيعي الغني والمتنوع، وتستفيد من العدوى المسيحية الديمقراطية في التنوع.

 

ماذا عن قوى '14 آذار' في المرحلة المقبلة، ما هي التحديات التي تواجهها وما المهمات الملقاة على عاتقها؟

 

- إن كل حديث عن تفكك '14 آذار' بعد الانتخابات ليس دقيقاً. يوجب منطق التطور صياغات خلاقة جديدة، ولكن الأهداف ستبقى نفسها، مبنية على لبنان السيد المستقل والمحكمة الدولية والعيش المشترك والتنوع وثقافة الحياة،... قد يمس التغيير الأداء لناحية الانفتاح والحوار وتكوين حالات تفاعل أكثر مع الطوائف الأخرى، طالما أن المرحلة هي مرحلة احتكام الى الحوار أكثر مما هي احتكام الى السلاح. بهذا المعنى إذا كانت المرحلة المقبلة نقيض المرحلة السابقة فذلك سينعكس على أداء '14 آذار'، لجهة انفتاحها على كل الأطراف ولا ينفرد في هذا الأمر وليد جنبلاط، لأن المرحلة المقبلة لن تكون مرحلة انفتاح أحادي من جانب فريق واحد في '14 آذار'، بل سيكون هناك انفتاح جماعي من خلال تفعيل الحوار المفتوح مع الجميع وتفعيل دور المؤسسات. وإذا كان الاتجاه الذي أوحى به السيد حسن نصرالله أي التخلي عن فكرة الغلبة والقوة والسلاح هو السائد مستقبلاً، فالأمور ذاهبة نحو الاستقرار وسيكون رئيس الجمهورية على رأس كل هذا الحراك السياسي والوطني.

 

هل حصول '14 آذار' على الأكثرية يعادله منع استعادة النظام السوري لنفوذه في لبنان؟

 

- أهمية فوز '14 آذار' أنها وضعت حداً لحلمين في سرير واحد: حلم 'حزب الله' بمشروعه الانقلابي، وحلم النظام السوري باستعادة نفوذه السابق على لبنان. وأعتقد أن نتائج الانتخابات معبّرة جداً في المناطق المتاخمة للحدود السورية، أي في البقاع الغربي والأوسط وعكار، إذ جاءت نتائج الانتخابات لتشكل رسالة قوية وحاسمة للنظام السوري قبل 'حزب الله'.