محاججة الراعي

بقلم/الياس الزغبي

 

بعد صخب مواقف البطريرك الراعي، من باريس، ومضمونها الصدامي في دفاعها عن النظام السوري وسلاح "حزب الله"، لا بدّ من مناقشة هادئة وهادفة، لتظهير مدى الخطأ والخطورة في هذه المواقف، ولتصويب ما أمكن من ظاهرة الخروج عن المسار الوطني والمشرقي التاريخي لبكركي.

 

كأنّنا استشعرنا منذ شهور، بل سنوات، امكان حدوث هذا الانحراف، لحظة انجراف زعامة مسيحيّة مارونيّة وازنة، ولحسابات خاصّة، في خطّ انحداري نحو تجريب "حلف أقليّات" مدمّر، للمرّة الثالثة (بعد تجربتَي 1976 و 1982)، فنبّهنا بالقلم والصورة والصوت، من خطورة هذا الانزلاق، وشرحنا مصلحة المسيحيّين في قيام "حلف أولويّات" نجحت تجاربه مرارا منذ قيام دولة لبنان الكبير سنة 1920، وتمّ تتويجه بالتحالف الاستقلالي السيادي الديمقراطي في آذار 2005.

 

بينما سقط "حلف الأقليّات" في تجارب فاشلة وقاتلة، وآخر نماذج هذا السقوط وخطورته يتجلّى في ثلاثيّة الأسد نصرالله عون، وهو نموذج محكوم بالانهيار، مع خلفيّته الأقلّويّة الممتدّة الى المشروع الاسرائيلي، مهما طغى عنصر القوّة والسلاح فيه.

 

لم يكن في البال أن ينزلق سيّد بكركي الجديد الى هذا المحور، فيذهب في الوقت الخطأ (مأزق "حزب الله" ونظام الأسد)، الى المكان الخطأ (باريس مع موقفها ضدّ الاثنين وبمحمولها التاريخي في دعم لبنان وموارنته تحديدا)، كي يُلزم بكركي بما ليست فيه، وبما يتناقض مع تاريخها القديم والحديث والمعاصر.

 

وليس هناك أشدّ وطأة على بكركي من تعليق باطني صَدَر من العماد عون حين وصف موقف الراعي بأنّه "جديد".. وكأنّه يقول: أنا القديم والسبّاق في الالتحاق بالمحور، وبكركي تلتحق بي.. فاتبعوني.

 

من حقّنا، نحن المسيحيّين الموارنة، أن نحاجج مرجعيتنا التاريخيّة في التزاماتها الطارئة، ونطرح عليها أفكارا وأسئلة، ونصارحها بما نرى ونهجس:

 

منذ الفتوحات الاسلاميّة وحقبتي الأمويّين والعبّاسيّين، كان المسيحيّون في صلب الدولة وسياسات الأكثريّة، ولم تنزلق الكنيسة الى اللعبة الخطرة بين أقليّة شيعيّة وأكثريّة سنيّة، ولم يصدر عن رعاتها كلام مثل الكلام الصادر عن الراعي في مسألة تحالف سنّة سوريّا مع سنّة لبنان في وجه الشيعة، أو مثل القول انّ المسيحيّين سيدفعون ثمن سقوط الأسد قتلا وتهجيرا، كما جرى في العراق! (يبدو أنّه لم ينتبه الى أنّ الحكم العراقي الآن ذو أرجحيّة شيعيّة وانتماء ايراني، وفي ظلّه حلّ بمسيحيّي العراق ما حلّ).

حتّى في أحلك المراحل، كحقبتي المماليك والعثمانيّين، عرف الموارنة كيف يستفيدون من الأكثريّات وحروبها، كي يوسّعوا دورهم وانتشارهم. ألم تتناهَ الى أسماع بكركي أصوات تطالب باستعادة المفقود خلال تلك الحقبة، في جبيل وكسروان، وما مسألة لاسا وجوارها سوى تعبير صارخ عنها؟

 

وفي التاريخ الحديث، عاش المسيحيّون عصرهم الذهبي في سوريّا قبل حلول حكم البعث "العلماني" وعائلة الأسد "العصريّة"، فهل هناك من يدلّنا اليوم، ومنذ نصف قرن، الى فارس خوري آخر، أو حتّى ميشال عفلق آخر؟ أين هو المسيحي القوي في نظام الأسد اليوم، هل هو داود راجحة الذي جاءوا به الى الدفاع قبل شهرين، فقط لتوريط الأقليّة المسيحيّة في حماية أقليّة أكبر، وفي انتحار النظام؟

 

قبل "البعث" الأسدي كان في سوريّا أكثر من مليوني مسيحي، واليوم، في ظلّ "حامي المسيحيّين"، أصبحوا أقلّ من مليون، فهل هذا يبرّر منح الأسد فرصة من جَيب بكركي، ومن خوّل بكركي توزيع الفرص والحصص على الشعوب والأنظمة العربيّة، ولماذا لم تطالب بفرصة للقذّافي ومبارك وبن علي وصالح.. وربّما نجاد، وسائر دكتاتوريّات الشرق، وأين مصلحة المسيحيّين في الدفاع عن أنظمة قمع آيلة حتما الى السقوط؟ أم بتنا نريد الحريّة في لبنان ونستكثرها على السوريّين؟ وهل يُمكن أن يكون لبنان حرّا بدون سوريّا حرّة؟ وهل بات لدى المسيحيّين مركّب خوف من خوض غمار التجدّد وحركة التحرّر، وأصبحت وظيفتهم التبشير لما هو قائم وظالم، خوفا ممّا سيقوم؟

 

اذا كان الخوف من النظام "الأصولي" البديل هو الدافع الى دعم نظام الأسد، فمن أكّد لبكركي حتميّة هويّته الأصوليّة؟

 

هكذا قالوا عن ليبيا وتونس ومصر وسواها، ولم نر أصوليّات مرعبة حلّت هناك محلّ الرؤساء المخلوعين، فلماذا ستكون الأصوليّة الشرّيرة هي الخلف الوحيد للأسد!

 

وفي حال صحّت رؤيا "الأنبياء الكذبة"، فهل بتسليف الحكم السوري المقبل موقفا سلبيّا مسبقا، نحمي أو نُنقذ المسيحيّين؟! فلماذا زرع الشكّ والريبة والنقمة منذ الآن، والتأسيس لعلاقة متوتّرة وصداميّة مع النظام الجديد، وهل الأسد وذريّته من الخالدين، كي نتعلّق بأردانهم.. صعودا الى السماء!

 

حين تُجري بكركي قراءة هادئة لتطوّرات سوريّا ستصل الى استنتاج واقعي ومهمّ: حكم آل الأسد عابر ومتحوّل، مهما امتدّ في الزمن. وحكم الأكثريّة دائم وثابت. ولا مناص من أن يأخذ 20 مليونا حقّهم في الحكم من مليونين أو ثلاثة. والعاقل هو من يؤسّس لعلاقة مع الثابت وليس المتحوّل، فلماذا تحدّي هذا الثابت ووصمه بالتطرّف ورفضه قبل الأوان، والتحالف مع الأقليّة لمواجهته؟

 

قليلون في لبنان أصحاب ذاكرة قصيرة. استعادة سريعة لـ35 سنة أخيرة تكفي لتذكّر فظائع نظام الأسد: تدمير صلاحيّات المسيحيّين السياسيّة، تهجيرهم من الأطراف، اغتيال واعتقال ونفي قياداتهم، وقتل عشرات الآلاف وتشريد مئات الآلاف منهم، ونهب خيراتهم وعافيتهم الاقتصاديّة. ومن يقتل شعبه الآن بدم بارد تمرّس ثلاثة عقود في قتل اللبنانيّين، المسيحيّين قبل سواهم.

 

وبالتأكيد، الشعب السوري أدرى بشعاب نظامه، من بكركي وسواها.

 

في تقدير عام، كان يجب التزام موقف أكثر اتزانا. على الأقلّ، مماثلة موقف بطاركة معنيّين أكثر من سواهم بالحدث السوري، وكرسيّهم في دمشق، وفي مقدّمهم البطريرك هزيم، ولم يذهبوا بعيدا في الدفاع المستميت عن نظام متهاو، فلماذا الراعي ملكي أكثر من الملك؟

 

أمّا ربط سلاح "حزب الله" بالتحرير الكامل وعودة اللاجئين الفلسطينيّين، فوصفة مميتة للبنان كدولة وكيان وعيش مشترك ومؤسّسات واحدة وجيش واحد.

 

وسيظلّ دويّ هذه السقطة يقضّ مضاجع المسيحيّين، الى أن تحلّ نعمة التبصّر على مطلقيها، فيتداركوا خطأهم الجسيم، على الأقلّ باضافة اشارة عن عدم استخدام هذا السلاح في الداخل، وضبطه في كنف الدولة، ووقف توظيفه في الانقلابات السياسيّة ونواصي الأحياء والشوارع.

 

لا نظنّ أنّ أوان اليقظة قد انقضى.

 

ويبقى لنا، نحن جماعة المؤمنين، أن نضرع الى الروح القدس، كي يُعيد انتشاره وحضوره، في القلوب الواجفة، والارادات الضعيفة، والأذهان المشوّشة.

 

ولا فرق، في حلول النعمة، بين راع ورعيّة.

 

الاحد 11 أيلول 2011