أربعة رابحين خاسر واحد

بقلم: الياس الزغبي

 

شهد مثلّث المختارة بيت الدين دير القمر في نهاية الاسبوع الفائت حركة سياسية، انفرد أحد أطرافها باطلاق صفة "التاريخية" عليها، على عادة مادح نفسه الذي يضع كل خطوة يخطوها ، مهما كانت صغيرة وهامشية، في سجل المعلّقات التاريخية والانجازات غير المسبوقة. 

 

في كشف مبدئي لخلاصات ما جرى، يتبيّن أن اضفاء الصفة الاستثنائية التاريخية عليه كان تسرّعا موصوفا، ومجرّد تعويض لفظي لهبوطه الى ما دون العادي.

 

عادية هذا "الحدث" تجسّدت في الاستقبال الشعبي الهزيل مسيحيا والبارد درزيا والمعدوم سنّيا. عدد المستقبلين المسيحيين لم يتعدّ بضع عشرات برغم التعبئة التي تمّت، علنا وسرّا، عشرة أيام متواصلة، من جزين الى زحلة والشوف وعاليه وبعبدا والمتن، وشكّل عدد الوفد المرافق من الرابية نصف مجموع المستجمَعين. وقد فرضت الحالة الشعبية الشمعونية ايقاعها على برنامج الزيارة، وبدا "الزائر التاريخي" عاجزا عن مواجهتها، وقاطعه معظم النواب المسيحيين وفاعليات المنطقة وأحزابها، وغاب الحضور الشعبي الدرزي والسنّي غيابا تاما.

 

ولم يكن الادّعاء بأن ما حصل هو ارساء لسلام "يدوم قرونا" الاّ من باب الرجم في الغيب ومهنة العرّافين وتمجيد الذات، وكان على صاحبه أن يتواضع قليلا ويتحدّث عن عقود أو سنوات، ويترك لبارىء الكون، خالق السموات والأرض، أحقية "المونة" على الزمن والمستقبل، وكان عليه أن يقرّ بأن هناك من سبقه سنوات تسعا في تأسيس هذا السلام الأهلي في الجبل.

 

وكم كان حاسما الكلام الذي أطلقه المضيف في بيت الدين: "البطريرك صفير هو الراعي الأكبر للمصالحة والسلام والحوار والاستقلال"، ولا أحد يدرك قوة هذا الوصف ووقعه الصاعق الاّ الضيف، فهل هناك أبلغ وأصدق وأرفع من وسام "راعي الاستقلال"، وهل يغيب عن ذهن السامع أن المقصود حتما " الاستقلال الثاني "في حمى "ثورة الارز"؟

 

وفي حساب أوّلي لنتائج "اليوم التاريخي"، ربحا أو خسارة، يتّضح أن الرابح الأول هو وليد جنبلاط الذي نجح في توقيت استقباله للزائر في مرحلة الهبوط، وتفادى اللقاء في مرحلة الصعود و "التسونامي"، وهذا ذكاء مشهود يؤهّل صاحبه لاستخدام ورقة سهلة في التجاذب مع "حليفيه اللدودين" السابقين في 14 اذار، وكان أحدهما صعب المراس، متصاعد الحضور في السنوات الخمس الاخيرة .

 

الرابح الثاني هو "حزب الله"، الراعي المستتر، على عادته في امتصاص عافية حليفه "الأول"، حتّى الانتهاء، وفي الدخول على حسابات "الثاني"، حتى الاحتواء. 

 

والرابح الثالث هو محرّك الخيوط، عن بعد عن قرب، الساهر على تعزيز أوراقه في لعبة الامم، الساعي الى ايقاظ "أمجاده" اللبنانية النائمة.   

 

أمّا الرابح الرابع فهو ذاك الذي يحفر الجبل بابرة، عالك الماء، صاحب الخطوات الوئيدة الواثقة، الزارع في الحقل المسيحي الصحيح.

 

ويبقى الخاسر، صاحب الحظ العاثر. من يلطم كالنساء، على "عزّ" لم يحافظ عليه كالرجال. من ينتشي بتصفيق العشرات الباقية من الأكفّ المسيحية، الملوّحة في الخواء السياسي، التائهة في علامات الأزمنة.

 

22 شباط/2010