ظلم أهلنا في إسرائيل وكارثة ميشال عون الأخلاقية

بقلم/الياس بجاني*

 

جريدة النهار في 05/08/11: " أودع النائب ابرهيم كنعان أمانة سر مجلس النواب أمس اقتراح قانون معجل مكرر يرمي الى معالجة أوضاع المواطنين اللبنانيين الذين لجأوا الى اسرائيل موقعاً من النائب العماد ميشال عون في 1/ 8/ 2011، تاركاً لرئيس المجلس نبيه بري إمكان عرضه على الجلسة النيابية الاربعاء المقبل. وجاء الاقتراح في مادة وحيدة ونص على الآتي:

"1 يخضع المواطنون اللبنانيون من ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" الذين فروا الى الاراضي المحتلة في أي حين للمحاكمة العادلة وفقاً لاحكام القوانين اللبنانية المرعية في حال عودتهم الى لبنان، ويلقى القبض عليهم عند نقطة العبور من الاراضي المحتلة ويسلمون الى وحدات الجيش اللبناني.

2 أما المواطنون اللبنانيون الآخرون، بمن فيهم عائلات المواطنين المذكورين في البند (1) من هذه المادة، من زوجات (أو أزواج) وأولاد، الذين فروا الى الاراضي المحتلة على أثر تحرير الشريط الحدودي بتاريخ الخامس والعشرين من شهر أيار 2000 فيسمح لهم بالعودة الى لبنان من دون أي قيد او شرط، سوى تسجيل اسمائهم لدى وحدات الجيش اللبناني الموجودة عند نقطة العبور التي يسلكونها اثناء عودتهم من الاراضي المحتلة. (اضغط هنا لقراءة تفاصيل الإقتراح)

http://www.10452lccc.com/documents07/kenaan%20proposal1.8.11.htm

 

يقول الإمام علي: "الكذّاب والميت سواء، لأن فضيلة الحي على الميت الثقةُ به، فإذا لم يوثَقْ بكلامه فقد بطلتْ حياتُه". وجاء في الإنجيل المقدس (متى16/26): "ماذا ينفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه"، وفي أمثالنا نقول: "حيف على الرجال".

 

حزنا جداً عندما قرأنا هذا الإقتراح المعيب واللا أخلاقي واللا قانوني واللا انساني واللا لبناني لأن المُقدَّم بإسمه، وهو ميشال عون لم ينقلب بالواقع على أهلنا الأبطال والشرفاء اللاجئين في إسرائيل ويتخلى عن قضيتهم المحقة والعادلة مقابل "ثلاثين من الفضة والسلطة" فقط، وإنما لأن الرجل الذي توهمنا ذات يوم أنه "المخلص"، قد انحدر إلى قعر الإنحطاط الأخلاقي والقيمي والوطني والإيماني ولم يعد يتمتع بأي حس من الخجل الذي يفرِّق الإنسان عن غيره من المخلوقات. لقد "انقطع" عنده "شرش" الحياء بالكامل ولم يعد له صلة لا بالواقع ولا بصفات احترام الذات وذكاء الآخرين. إنها وقاحة ما بعدها وقاحة وفجور ما بعده فجور.

 

إن الإقتراح العوني في الحقيقة ليس اقتراحاً، بل هو تجسيداً للأمر الواقع اللا قانوني والبلطجي الذي فرضه المحتل السوري على القضاء اللبناني "العضومي" عقب الإنسحاب الإسرائيلي الأحادي أولاً من منطقة جزين عام 1999 ومن الشريط الحدودي عام 2000. نشدد هنا على "الإنسحاب" وليس "التحرير"، لأنه لا وجود لا لتحرير ولا لمحررين ولا لمقاومة أو مقاومين، بل لجماعة تتلذذ "نشوة الإدمان على المخدرات" طبقاً لكلام موثق للعماد ميشال عون نفسه.

 

مقتطفات من مقالة لميشال عون حملت عنوان "متى التحرير" نشرت في 27/05/2000: (اضغط هنا لقراءة المقالة)

http://www.10452lccc.com/aoun05/whentheliberatio23.5.07.htm

"أما اليوم فقد تجاوزت السلطات اللبنانية حدود الحدث بجعله تحريراً لجنوب لبنان، وتخطّت بذلك كل مفاهيم التحرير الحقيقية، وزوّرت جميع معانيه".

"ماذا يعني العيد على أرض هُجِّر أهاليها؟ لقد قاتلوا ربع قرن من الزمن في عزلة موحشة فرضت عليهم كي يبقوا في أرضهم، عاشوا أمراً مفروضاً، وها هم يدفعون اليوم ثمن انسحاب لا رأي لهم فيه بعد أن دفعوا ثمن احتلال لا رأي لهم فيه أيضاً؟".

"أن نفرح بخروج الإسرائيلي، أو بطرده من الجنوب، فهذا شيء قد استحق، ولكن أن نعيّد لتحريره فهذا شيء مبكر، لأنه انضم إلى وطن ما زال فاقد السيادة. وعيد التحرير سيكون يوم جلاء جميع قوى الاحتلال عن أرضه، فيعود الاستقلال ومعه السيادة والحرية إلى ربوع الوطن. وفي ظل قضاء مستقل، سيد وحر، تجري التحقيقات، ويحاكم المجرمون وفقاً للقوانين ومبادئ العدالة، لأن ما نشهده اليوم في القضاء لا يتخطى الأعمال الثأرية، فهو انتقائي يفتقد إلى الشمولية والإنصاف. وإلى أن يحين العيد الحقيقي، نرفض الاشتراك بأعياد التخدير، ونترك نشوتها للمدمنين على المخدرات".

"على هذه الدولة "الكرتونية"، قبل أن تتّهم أياً كان من الجنوبيين، أن تعلن عن المبادرات التي أطلقتها خلال خمسة وعشرين عاماً لإنقاذهم ورفضوها، وبعد ذلك تستطيع أن تبدأ بمحاكمتهم، ولكن أن تأتي اليوم لتحاسب بروح ثأرية من استطاع البقاء في أرضه بعد هذا الزمن الطويل، فهذا ما يجب التوقف عنده قبل الإقدام عليه".

 

مقتطفات من مقالة لميشال عون حملت عنوان: "من منكم بلا عمالة فليرجمهم بحجر" نشرت بتاريخ 11/06/1999" (اضغط هنا لقراءة المقالة)

http://www.10452lccc.com/aoun05/aoun11.6.99.htm

أكثر العملاء عمالة، يشكّلون اليوم أغلبية المطالبين بمحاكمة عادلة للّذين تطوّعوا في جيش لبنان الجنوبي دفاعاً عن قراهم بعد أن تركتها الدولة اللبنانية فارغة من كل سلطةِ قادرةِ على تحمّل مسؤولية أمن هذه القرى. والأشدّ غرابة، أنّ هناك اليوم من يتاجر بهؤلاء الشبّان كما الرقيق في عهود العبودية، ويبادر إلى تسليمهم للمحاكمة بدلاً من أن يتحمّل مسؤولية الدفاع عنهم كما دافعوا عنه وعن وجوده". "وإذا كان هناك من عملاء يجب أن يتحمّلوا مسؤولية ما حدث في منطقة جزين لغاية إخلائها من قبل العناصر المسلحة، فيجب التفتيش عنهم بين الذين أحرقوا القرى وهجّروا ساكنيها فأجبروهم على حمل السلاح. أمّا الحكومات التي توالت على ممارسة الحكم بعد عام 1990 لم تكن أفضل من سابقاتها بمعاملة المنطقة، ولا يمكن محاكمة أحد قبل إجراء تحقيق حول التواطؤ والتقصير اللذين ارتكبتهما السلطات المتعاقبة والتي تحاول اليوم تغطيتهما بمحاكمة ضحاياها. وإنه لا يجوز، ولا يمكن لأي قاضٍ أن يفصل بهذه القضية دون استجواب أعضاء الحكومات المتتالية منذ العام 1985، وبصورة خاصة فلول الحكومة الحصية التي ارتمت في ما بعد في أحضان الاحتلال السوري وشكلّت غطاء له بوجه الحكومة الشرعية. لإن جريمة التعامل لا تنطبق على هؤلاء، فهم في حالة الدفاع المشروع عن النفس، إنّما تنطبق على عناصر الحكم الذين يتعاملون مع أكثر من طرف خارجي ويضطهدون مواطنيهم للحفاظ على السلطة الفارغة من كل مضمون. إن ملفاتهم مليئة بالعمالة والعمولة والدم. وهل هناك جريمة تَعامُلٍ وعمالةٍ أكبر من التنازل عن السيادة والإستقلال ورهن الأرض وإرتهان الإنسان؟ فمن منكم بلا عمالة فليرجمهم بحجر."

 

"حيف على الرجال"، ويا لسخرية القدر، أليس عون هذا الواقع في كل تجارب ابليس يخاطب نفسه ويرد بنفسه على الإقتراح "الجريمة" الذي قدمه وجاء في فقرته الأولى: "يخضع المواطنون اللبنانيون من ميليشيا "جيش لبنان الجنوبي" الذين فروا الى الاراضي المحتلة في أي حين للمحاكمة العادلة وفقاً لاحكام القوانين اللبنانية المرعية في حال عودتهم الى لبنان، ويلقى القبض عليهم عند نقطة العبور من الاراضي المحتلة ويسلمون الى وحدات الجيش اللبناني".

 

نسأل ميشال عون ونواب كتلته المسيحيين تحديداً ونخص منهم نواب جزين في ما إذا كانوا يعتبرون أهلهم اللاجئين في إسرائيل خونة وعملاء ومتعاملين كما يصنفهم القضاء اللبناني العضومي وحزب السلاح الإيراني وأيتام سوريا ومقاطعجية العروبة والتحرير والممانعة والمقاومة؟ نفس السؤال نوجهه إلى غبطة البطريرك الماروني بشارة الراعي الذي عين مطران الموارنة في إسرائيل بولس صياح نائباً بطريركياً عاماً بعد انتخابه بطريركاً، وبالطبع لا نستثني من السؤال نفسه كل الأحزاب المسيحية من قوات وكتائب وأحرار وحراس أرز وكتلة وطنية وغيرهم؟

 

ففي حال أن هؤلاء جميعاً يقرون بأن القانون اللبناني العضومي هو القضاء العادل الذي على اساسه سيحاكم أفراد جيش لبنان الجنوبي عند عودتهم إلى أرض الوطن فليعلنوا ذلك صراحة، وإلا فليرفعوا الصوت ويشهدوا للحق والحقيقة دون الأخذ بعين الإعتبار لا المصالح الشخصية ولا آفات التقية والذمية. نعم عيب على هؤلاء أن يبقوا صامتين ويقتلهم الخجل والتردد والتقية بعد اسبوع على تقديم اقتراع عون "الجريمة".

 

بمحبة نقول لكل القيادات المسيحية الزمنية والدينية وفي مقدمهم الرئيس ميشال سليمان الذي نقض وعد خطاب القسم "حضن الوطن يتسع للجميع"، إن القبول بمحاكمة أفراد جيش لبنان الجنوبي ولو صورياً ومع ضمان عدم ادانتهم تعني بكل بساطة القبول بمحاكمة المقاومة المسيحية بكافة أطيافها التي قادتها الجبهة اللبنانية مع كل ما رافقها من بطولة واستشهاد وعطاءات وتضحيات، ونقطة على السطر

 

إن جيش لبنان الجنوبي هو المقاومة الحقيقية لأي احتلال لأنه بثباته في مناطقه قد ثبّت حق اللبنانيين بالبقاء في أرضهم بالرغم من احتلال اسرائيل لها وهم من جعل بقاء اسرائيل في هذه الأرض لا معنى له لأنها لم تستطع امتلاك الأرض بوجود سكانها وأهلها عليها كما حدث في الجولان ومناطق أخرى من فلسطين حيث رحل عنها أهلها وتركوها للمحتل. ولم يقدر كل من ادعى المقاومة أن يزحزح المحتل من أي من هذه المناطق. أما في الجنوب الذي حفظه أبناءه بدماء وتضحيات حيش لبنان الجنوبي فقد ثبت الحق لأصحابه وخرج الاسرائيلي بدون عقد أو مركبات نقص لأن لا مصلحة له في البقاء في أرض أهلها لم يعادوه ولم يغادروها لتكون صالحة للاستعمار. من هنا على كل اللبنانيين الذين يدعون بأنهم يعرفون قيمة الوطن ومعنى الأرض ليس فقط شكر جيش لبنان الجنوبي بل تعليق الأوسمة لشهدائه الأموات والأحياء وتحضير استقبال رسمي لهم يحضره كل الرؤساء والمسؤولين واعطاءهم الحق بتعويضات عن السنوات التي قضوها بالمنفى. هذا إذا كان لبنان قد أصبح بالفعل مستقلا وإلا فإنهم هم من سيحاكم هؤلاء الخونة الذين ينقلون البنادق من كتف إلى آخر كلما تغيرت الريح ولن يتشرفوا أبدا بقوانين يفصلها عملاء الارهاب الدولي الجدد.

 

في الخلاصة، ويل لشعب يخجل بأبطاله ويلتحف الخوف ويمتهن التلون والمساومات ويعيش عاهات الذمية والتقية. إن عملية لحس المبرد وتلذذ اللاحس ملوحة دمه تذكرنا بقصة الأسد والثورين الأبيض والأسود، فهل من يتعظ ويخاف الله ويتذكر أن قاضي السماء لن يرحم قضاة الأرض الفاسدين وهو القائل:لا تنتقموا لانفسكم أيها الأحباء، بل أعطوا موضعاً للغضب لأنه قد كتب لي الانتقام أنا أجازى يقول الرب""

 

*الكاتب معلق سياسي وناشط لبناني اغترابي

*عنوان الكاتب الألكتروني

phoenicia@hotmail.com

*تورنتو/كندا في 12 آب/2011